قريبًا فراجعه (١).
٦٩٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة". رواه البخاري (٢).
قوله: "الظهر يُركب". بضم أوله على البناء للمفعول، وكذلك "يشرب". وهو محتمل أن يكون الفاعل الراهن أو المرتهن؛ فقد قيل: إنه مجمل غير متعَيَّن المراد. وأجيب عن ذلك بأنه لا إجمال، وأنه متعين أن يكون هو المرتهن؛ لقرينة العوض، وهو الركوب واللبن، والراهن النفقةُ واجبة عليه لأجل ملكه الرقبة. وقد دل على أنه يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة المؤنة، وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بظاهر الحديث، وخصوا ذلك بالركوب والدَّرِّ، فقالوا: ينتفع بهما بقدر قيمة النفقة ولا يقاس غيرهما. وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد علي خلاف القياس من وجهين؛ أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر (٣): هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجتمعة وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه". أخرجه البخاري في أبواب المظالم (٤).
стр. 2277
انتهى.
وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد: من رهن رهنا ذات ظهر ودر لم يمنع الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن. بجعل الفاعل المحذوف هو الراهن، وهو بعيد. واعترضه الطحاوي (١) بأنه قد صرح بالمراد في رواية هشيم عن زكريا في هذا الحديث ولفظه: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها" الحديث. قال: فعين أن المراد المرتهن لا الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، فلما حرم الربا حرم أشكاله؛ من بيع اللبن في الضرع وقرض يجر نفعًا. قال: فارتفع بتحريم الربا ما أبيح في هذا للمرتهن. وتُعقب بأن هذا احتمال للنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ غير معروف، والجمع بين الأحاديث ممكن، وبأن طريق هشيم المذكورة زعم ابن حزم (٢) أن إسماعيل بن سالم الصائغ تفرد عن هشيم بالزيادة وأنها من تخليطه. وتعقب بأن أحمد رواها في "مسنده" (٣) عن هشيم كذلك، وكذلك أخرجه الدارقطني (٤) من طريق زياد بن أيوب عن هشيم. وذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور (٥) إلى حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظا
стр. 2278
لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو شرب اللبن، بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه. وهذا تأويل حسن، وبه يتم الجمع بين الأحاديث.
وقد أجرى العلماء هذا الحكم في العين الشتركة إذا غاب الشريك واحتاجت إلى المؤن، وكذلك الوديعة والعارية والمؤجرة، وكان الضابط لذلك: كل عين لغيره في يده بإذن الشرع فإنه ينفق عليها بنية الرجوع على المالك، وله أن يؤجرها أو يتصرف في لبنها في قيمة العلف، إلا أنه إذا كان في البلد حاكم ولم يفعل بإذن الحاكم، فلا رجوع له بما أنفق وتلزمه غرامة المنفعة واللبن، وإن لم يكن في البلد حاكم أو كان يتضرر (أ) الحيوان بمدة الرجوع إلى الحاكم فله ولاية في ذلك ويرجع بما أنفق. وعلى ما حكى الإمام المهدي عن أبي حنيفة والشافعي أنه لا يرجع الشريك إلا إذا كان ما فعله (ب) بإذن الحاكم وكذلك غيره. وقال الموفق (جـ) في "المغني" (١): إن نفقة الحيوان واجبة، وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة (د) عن المالك فيما غرمه عليه واستفاد ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة في الإنفاق عليها. انتهى. وهذا راجع إلى تأويل الأوزاعي المار، والله أعلم.
стр. 2279
٦٩٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَق الرهنُ من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". رواه الدارقطني والحاكم (١) ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله (٢).
والبيهقي (٣) أيضًا من طريق زياد بن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه (٤) من طريق إسحاق بن راشد مرفوعًا. وأخرجه الحاكم (٥) من [طرق] (أ) موصولة أيضًا. ورواه الأوزاعي وابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن سعيد مرسلًا. ورواه الشافعي (٦) عن ابن أبي فديك، وابن أبي شيبة (٧) عن وكيع، وعبد الرزاق (٨) عن الثوري، كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك. قال الشافعي: غنمه زيادته (ب)، وغرمه هلاكه. وصحح أبو داود والدارقطني إرساله، وأخرجه ابن حزم (٩) من طريق قاسم بن أصبغ موصولًا إلى سعيد بن المسيب و [أبي] (جـ) سلمة بن
стр. 2280
عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، الرهن (أ) لمن رهنه، له غُنْمُه (ب) وعليه غُرْمُه". قال ابن حزم: هذا إسناد حسن.
قال المصنف ﵀ (١): وأخرجه (جـ) الدارقطني (٢) من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي عن شبابة بالإسناد المذكور، وصححها عبد الحق (٣)، وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن عدي (٤)، وقد وقع في إسناد ابن حزم تصحيفه إلى نصر بن عاصم؛ حذف عبد الله وصحف الأصم بعاصم. انتهى.
وقوله: "له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". اختلف العلماء في رفعها ووقفها على سعيد بن المسيب؛ فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب، ووقفها (د) غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده، وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب، وقال أبو داود في "المراسيل": قوله: "له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". من كلام سعيد، نقله عنه الزهري.
стр. 2281
وقال عبد الرزاق (١): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن ممن رهنه". قلت: أرأيت [قول النبي ﷺ ] (أ): "لا يغلق الرهن". أهو الرجل يقول: إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا؛ إنما هلك من رب الرهن، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه.
قوله: "لا يغلق". لا نافيه أو ناهية، يقال: غلِق الرهن [غَلَقا] (ب). إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يَسْتَفكّه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام. قال الأزهري (٢): يقال: غَلِق البابُ وانْغلق واستغلق. إذا عسر فتحه، والغلق في الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وَثاقه عند مرتهنه. وقد أغلقتُ الرهنَ فغَلِق أي أوجبته فوجب للمرتهن.
و"الرَّهْن" بفتح أوله وسكون الهاء معناه في اللغة الاحتباس، من قولهم: رهن الشيءُ. إذا دام وثبت، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣). وفي الشرع: جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضًا على العين
стр. 2282
المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر، ويجمع على رُهُن بضمتين، وعلى رِهان بكسر الراء، وقرئ بهما (١)، وهو مشروع في الحضر والسفر، وتقييده بالسفر في الآية الكريمة خرج مخرج الغالب. وذهب إلى هذا الجمهور، ويدل على الرهن في الحضر رهن النبي ﷺ درعه من يهودي، واشترى منه شعيرًا إلى أجل -أخرجه البخاري (٢) - وهو في المدينة. قالوا: ولأن الرهن شرع للاستيثاق، ولما كان السفر مظنةَ فقْدِ الكاتب فأخرجه مخرج الغالب، والخلاف في ذلك لمجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما (٣)، فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب. وبه قال داود وأهل الظاهر. وقال ابن حزم (٤): إن شرط المرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز. و (أ) حمل حديث الباب عليه (٥).
وأحكام الرهن وتفصيل ضمانه والخلاف في ذلك مستوفى في كتب الفروع من الفقه.
стр. 2283
٦٩٤ - وعن أبي رافع، أن النبي ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا، فقَدِمَتْ عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فقال: لا أجد إلا خِيَارًا رَبَاعِيًّا. فقال: "أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء". رواه مسلم (١).
قوله: استسلف. أي اقترض، والبكر بفتح الباء وسكون الكاف: الصغير من الإبل كالغلام من الآدميين، والأنثى بكرة وقلوص وهي الصغيرة كالجارية، وإذا استكمل ست سنين ودخل في السابعة وألقى رَباعيَته -بتخفيف الياء التحتانية- فهو رَبَاع، والأنثى رَبَاعيَة، وقد تقدم الخلاف في اقتراض الحيوان قريبًا (٢).
وفي الحديث دلالة على أنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة في العرف وفي الشرع، وليس هذا من القرض الذي يجر نفعا؛ لأنه لم يكن بشرط من المقرِض، وإنما ذلك تبرع من المستقرِض، وظاهره العموم للزيادة في الصفة وفي العدد، وهو مذهب الجمهور، والخلاف لمالك أن الزيادة في العدد لا تحل وأنها منهي عنها، والله أعلم.
٦٩٥ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل قرض جر منفعة فهو ربا". رواه الحارث بن أبي أسامة (٣)، وإسناده ساقط، وله شاهد ضعيف عن فَضالة بن عبيد عند البيهقي (٤)، [وآخر
стр. 2284
موقوف عن] (أ) عبد الله بن سلَام عند البخاري (١).
الحديث في إسناده سَوَّار بن مصعب وهو متروك (٢)، وحديث فَضالة أخرجه البيهقي في "المعرفة" (٣) موقوفًا بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. ورواه في "السنن الكبير" (٤) عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفًا عليهم.
والحديث محمول على أن المنفعة مشروطة من المقرِض أو في حكم المشروطة، وأما لو كانت تبرعًا من المقترض فلا منع من ذلك؛ جمعًا بينه وبين الحديث الذي مرَّ، والله أعلم.
هذان الحديثان محلهما قبل الكلام على الرهن.
стр. 2285
باب التفليس والحجر
التفليس: مصدر فلَّبسه؛ أي نسبه إلى الإفلاس الذي هو مصدر أفلس، أي صار إلى حالة يقال: ليس معه فلس. والحجر: مصدر حجر، ومعناه في اللغة: المنع والتضييق، وفي الشرع: أن يقول الحاكم للمديون: حجرت عليك التصرف في مالك.
٦٩٦ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره". متفق عليه (١). ورواه أبو داود ومالك (٢) من رواية أبي بكر ابن عبد الرحمن مرسلًا بلفظ: "أيما رجل باع متاعًا وأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أُسْوَةُ الغرماء (٣) ". ووصله البيهقي (٤) وضعفه تبعًا لأبي داود. وروى أبو داود وابن ماجه (٥) من رواية عمر بن خَلَدة قال: أتينا
стр. 2286
أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : "من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به". صححه الحاكم (١)، وضعفه أبو داود وهذه الزيادة في ذكر الموت.
هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الخزومي، اسمه كنيته، وقيل: إن اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن. قاضي المدينة، تابعي، سمع عائشة وأبا هريرة، روى عنه الشعبي والزهري (٢).
الحديث فيه دلالة على أن البائع إذا أفلس المشتري ولم يقدر على تسليم ثمن ما اشتراه أنه أحق بالمبيع، فيأخذه دون سائر الغرماء إذا كان له غرماء، وذلك لأن: "من أدرك ماله". عام لما كان قد خرج عن ملكه ببيع أو قرض أو كان وديعة، إلا أن الوديعة لا يحتاج إلى ذكرها؛ لأن المال باقٍ على ملك المالك، سواء كان الوديع مفلسًا أو غير مفلس، وهو إجماع.
وأما القرض، فإذا أقرض وانكشف له إعسار المقترض؛ فذهب الشافعي وآخرون إلى أن المقرض أولى بماله وله استرجاعه، وذهب غيرهم إلى أن ذلك الحكم يختص بالبيع، ولفظ هذه الرواية وإن كان فيه عموم، فقد وقع التصريح في غيرها بلفظ البيع، وقد صرح به سفيان في "جامعه" (٣)، وأخرجه من طريقه (أ) ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما (٤) عن يحيى بن سعيد
стр. 2287
بإسناد الحديث المذكور، ولفظه: "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء". ولابن حبان (١) من طريق هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته". والباقي مثله. ولمسلم (٢): إذا وجد عنده المتاع "أنه لصاحبه الذي باعه". وفي مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (٣): "من باع سلعة من رجل لم ينقده، ثم أفلس الرجل، فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء". فالحديث وارد في صورة البيع، وتُحمل الرواية العامة على الصورة الخاصة، إلا أن قول الأكثر من الأصوليين أن الخاص الموافق للعام في الحكم لا يخصص العام. [وضعف] (أ) هذا الجواب، ولا يتم إلا على قول أبي ثور، وقياس القرض على البيع لا يتم؛ لأن القرض شرعيته لدفع الحاجة، ولا يكون ذلك في الأغلب إلا مع الإفلاس، فلو كان مثل البيع لم يستقرض أحد في الأغلب، بخلاف البيع فإن البائع إنما يبيع ليقبض الثمن، والمشتري كذلك إنما يشتري (ب) ليسلم الثمن، فإذا انكشف معسرا لم يحصل الغرض المقصود من البيع.
وقوله: "بعينه". يدل على أنه إذا كان المال قد تغير في صفة من الصفات أو بزيادة أو نقصان فليس صاحبه الأول أولى به، بل يكون فيه أسوة الغرماء، وذهب الهدوية والشافعي إلى أنه إن تغيرت صفته بعيب فللبائع
стр. 2288
أخذه، ولا أرش [يلزم] (أ) له، وإن تغيرت بزيادة كان للمشتري غرامة تلك الزيادة؛ وهي ما أنفق عليه حتى حصلت، وكذلك الفوائد للمشتري ولو كانت متصلة، لأنها نماء حادث في ملكه، و [يلزم له] (ب) قيمة ما لا حدَّ لبقائه كالشجر إذا غرسها، وإبقاء ما له حدٌّ بلا أجرة كالزرع، وكذلك [إذا نقصت] (جـ) العين بأن هلك بعضها فله أخذ الباقي بحصته من الثمن، وهو يتناوله لفظ الحديث؛ لأن الباقي مبيع باق بعينه، وقيل: إنه يرجع بجميع الثمن. ولا دلالة في لفظ الحديث في كيفية الرجوع، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل قد وصله أبو داود (١) من طريق أخرى وفيها إسماعيل بن عياش (٢)، إلا إنه رواه عن الزُّبَيدي وهو شامي، قال أبو داود: المرسل أصح. وقد وصله عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهري، وقد وصله [الزبيدي] (د) عن الزهري.
قال المصنف ﵀ (٤): واختلف على إسماعيل فيه، فأخرجه ابن الجارود من وجه آخر (٥) عنه عن موسى بن عقبة عن الزهري موصولًا، وقال
стр. 2289
الشافعي (١): هو منقطع. وقال البيهقي (٢): لا يصح وصله. وذكر ابن حزم (٣) أن عِراك بن مالك رواه أيضًا عن أبي هريرة، وفي "غرائب مالك" وفي "التمهيد" (٤) أن بعض أصحاب مالك وصله عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة (٥) عن عمر بن عبد العزيز قال: قضى رسول الله ﷺ أنه أحق به من الغرماء، إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئًا فهو أسوة الغرماء.
وفيه دلالة على أن البائع إذا كان قد قبض بعض الثمن فليس له حق في استرجاع المبيع، بل يكون أسوة الغرماء، وقد أخذ بهذا جمهور العلماء، وذهبت الهدوية -والقول الراجح للشافعي- إلى أنه أحق به وإن قد قبض بعض الثمن، يعني يأخذ بقدر ما بقي من الثمن، ولعل الشافعي لما لم يصح له هذا الحديث رجع إلى عموم حديث الباب المتفق على صحته ولم يفرق فيه بين قبض بعض الثمن وغيره.
وفي قوله: "أو مات" إلخ. فيه دلالة على أنه إذا مات المشتري قبل أن يسلم الثمن. فالبائع أولى بالمتاع، وظاهره: ولو خلَّف وفاءً. وقد ذهب إلى هذا الشافعي، واحتج بما رواه (٦) من طريق عمر بن خَلَدة قاضي المدينة، قال: وهو حديث حسن يحتج بمثله. وقد أخرجه أحمد (٧) أيضًا. وقد زاد
стр. 2290
بعضهم في [آخرِه] (أ): "إلا أن يترك صاحبه وفاء" (١).
قال الشافعي (٢): يحتمل أن تكون الزيادة من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن (٣)؛ لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووه عن أبي هريرة، بل في رواية عمر بن خَلَدة التسوية بين الموت والإفلاس، فتعين المصير إليه.
وجزم ابن العربي (٤) بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي.
وذهب مالك وأحمد إلى أنه إذا مات وهو مفلس فالمتاع أسوة الغرماء، وقد ورد في مرسل مالك (٥): "وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيها أسوة الغرماء". وفرَّق بين الفَلَس (ب) والموت بأن الميت خربت ذمته وليس للغرماء محل رجعون إليه، فاستووا في ذلك، بخلاف الفَلَس. وظاهر كلام الهدوية والمؤيد وغيرهم أن الميت إذا خلف الوفاء لم يكن صاحب المتاع أولى به، بل الورثةُ، ويسلِّمون الثمن من التركة. والحديث يرد عليهم، وتأويله
стр. 2291
بأنه إذا لم يخلف الوفاء يَبعُد عَطْفُ الموت على الإفلاس، فإن ظاهره أن ذلك سبب مستقل من دون إفلاس، وإذا أراد الغرماء أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن؛ فقال مالك: يلزمه القبول. وقال الشافعي وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما فيه من المنة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر يزاحمه فيما أخذ. وأغرب ابن التين (١) وحكى عن الشافعي أنه قال: لا يجوز له ذلك وليس له إلا سلعته. والخلاف في أصل المسألة للحنفية فقالوا: إن البائع وغيره على سواء في أن المتاع يكون أسوة الغرماء. قالوا: والحديث لا يحمل على ظاهره، بل يجب تأويله بما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة؛ لكونه خبر واحد خالف الأصول، لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه. وأجيب عن ذلك بأنه لو كان المقصود ما ذكر في التأويل لم يقيد بالفَلَس ولا جعل "أحق بها" بصيغة التفضيل المقتضية للمشاركة في الحقية، ولا يتصور التأويل هذا فيما تقدم من رواية سفيان: "إذا ابتاع الرجل". فذلك نص في البيع، فكيف يصح حمله على الوديعة ونحوها؟ وتأوله بعض الحنفية بتأويل أقرب وهو ما إذا أفلس قبل أن يقبض المتاع، ورُدَّ عليه بقوله: "عند رجل". في الحديث المصدر، فإنه يدل على أن المتاع قد صار في غير يد صاحبه الأول، وقولهم: إنه خبر واحد. غير صحيح، فإنه مشهور، فقد روى ابن حبان (٢) ذلك من حديث ابن عمر وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد وأبو داود (٣) من حديث سمرة وإسناده حسن، وقضى به عثمان (٤) وعمر بن عبد العزيز (٥)، فخرج عن
стр. 2292
كونه فردًا غريبًا. وقال ابن المنذر: إنه لا يعرف لعثمان مخالف من الصحابة. وتعقب بما رواه ابن أبي شيبة (١) عن عليٍّ أنه أسوة الغرماء. وأجيب عنه بأنه اختلف على عليٍّ في ذلك ولم يختلف على عثمان، ويلتحق بذلك المؤْجِرُ، فيرجع مُكري الدابة والدار إلى عين (أ) دابته وداره، وهذا هو الوجه الصحيح عند الشافعية والمالكية، وإدراج الإجارة في هذا الحكم يتوقف على أن المنافع يطلق عليها اسم المتاع أو المال، أو يقال: اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين. ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع، فثبت بطريق اللزوم.
واستدل بالحديث على حلول الدين المؤجل بالفَلَس؛ من حيث إن صاحب الدين أدرك متاعه بعينه فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أنه يجوز له المطالبة بالمؤجل، وهو قول الجمهور، وعند الهدوية، وهو الراجح عند الشافعية، أن المؤجل لا يحل بذلك؛ لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت، وعلى هذا القول قال بعض المفرعين: إنه يقضي مالُه أهلَ الديون الحالّة، وحق أهل المؤجل في ذمته، بخلاف ما إذا مات، فإنه يعزل حصة أهل المؤجل؛ لأنه لا ذمة له.
وقال بعضهم: بل يعزل نصيب أهل المؤجل إلى وقت حلول الأجل؛ لأن دينه قد دخل ضمنًا في الحجر، فكان كالمعجل، وللمدين حق في التأخير، وله فائدة؛ لو أيْسَر ورأى الحاكم رجوع ذلك إليه، لا سيما حيث كان من غير الجنس، وقد يكون انقضاء الأجل يسيرا، ويعرف الحاكم أنه لا معنى لذلك، فله دفعه إليه، لا سيما حيث كان يخشى عليه، فيكون
стр. 2293
بنَظِرة. وبني على هذا في "الأثمار" و "البحر"، واستدل به على أن لصاحب المتاع أن يأخذ متاعه من دون حكم، وهو الأصح من قول العلماء، والقول الآخر يتوقف (أ) على حكم الحاكم كما يتوقف ثبوت الفَلَس.
واستدل به على فسخ المبيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطل أو هرب؛ قياسًا على الفَلَس بجامع تعذر الوصول إليه حالا، والأصح من أقوال العلماء أنه لا يفسخ، واستدل به على أن الرجوع إنما يقع في عين المتاع دون زوائده؛ لأنها حدثت على ملك المشتري وليست بمتاع البائع.
٦٩٧ - وعن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته". رواه أبو داود والنسائي، وعلقه البخاري، وصححه ابن حبان (١).
هو عمرو بن الشريد، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء، بن سويد الثقفي، تابعي، عداده في أهل الطائف، سمع ابن عباس، وأباه، وأبا رافع مولى رسول الله ﷺ ، روى عنه صالح بن دينار، وإبراهيم بن ميسرة، [ومحمد بن ميمون] (ب).
وأخرج الحديث أيضًا أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي (٢)، وقال
стр. 2294
الطبراني في "الأوسط" (١): لا يروى عن الشريد إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن أبي دُلَيْلَة.
وقوله: "لَيُّ الواجد". هو بفتح اللام والياء المشددة، مصدر من لوَى يَلوي؛ أي مَطْلُ. و "الواجد" بالجيم: الغني، من الوُجد، بالضم، أي القدرة. و "يُحل" بضم الياء أي يُجَوِّز. وقد فسر البخاري حِلَّ العِرض بما علقه عن سفيان، قال: يقول: مطلني، وعقوبته حبسه. ووصله البيهقي (٢) من طريق الفريابي، وهو من شيوخ البخاري، عن سفيان بلفظ: عرضه؛ أن يقول: مطلني حقي. وعقوبته أن يسجن. وقال إسحاق (٣): فسر سفيان عرضه أذاه بلسانه. وقال أحمد، لما رواه عن وكيع بسنده، قال وكيع: عرضه شكايته. وقال كل منهما: وعقوبته حبسه.
واستدل به على مشروعية حبس المدين إذا كان قادرًا على الوفاء؛ تأديبًا له وتشديدًا عليه. وهو حجة لأبي حنيفة وزيد بن علي أنه يحبس حتى يقضي دينه، ولا يحجر عليه. وأجاز الجمهور الحجرَ وبيعَ الحاكم عليه ماله، وسيأتي في حديث معاذ (٤).
ويدل الحديث بالمفهوم أن المعسر ليُّه لا يُحل شيئًا من ذلك، وهو قول الجماهير من العلماء. وحكي عن شريح حبسه حتى يقضي الدين وإن كان قد ثبت إعساره (٥). وعن أبي حنيفة ملازمته. وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٦). رد عليهم.
стр. 2295
واختلف العلماء في مَطْل الواجد هل يبلغ إلى حد الكبيرة فيُفَسَّق الماطل وترد شهادته بمطله مرة واحدة؟ فذهب الهدوية إلى أنه يفسَّق بذلك. واختلفوا في قدر ما يُفَسِّق؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه يفسَّق بمطل عشَرة دراهم فما فوق؛ قياسًا على نصاب السرقة، وفي كلام الهادي وولده أحمد ما يقضي بأنه يفسق بدون ذلك، وكذلك المالكية والشافعية، إلا أنهم ترددوا في اشتراط التكرار، ومقتضى مذهب الشافعي اشتراطه، والله أعلم.
٦٩٨ - وعن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". رواه مسلم (١).
تقدم الكلام في ضمان الثمرة إذا أصيبت (٢)، والجمعُ بين هذا وحديثِ جابر وقولِه: "فلا يحل لك أن تأخذه". أن هذا على جهة الاستحباب والحث على جبر من حدث عليه حادث، ويدل أيضًا قوله: "وليس لكم إلا ذلك". على أن الثمرة غير مضمونة، إذ لو كانت مضمونة لقال: وما بقي نظرة إلى ميسرة. أو نحو ذلك؛ إذ الدين لا يسقط بإعسار المدين، وإنما تتأخر عنه المطالبة في الحال، ومتى أيسر وجب عليه القضاء، والله أعلم.
٦٩٩ - وعن ابن كعب بن مالك عن أبيه، أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. رواه الدارقطني وصححه
стр. 2296
الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلًا (١) ورجح [إرساله] (أ).
ابن كعب اسمه عبد الرحمن، كذا سماه عبد الرزاق.
أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢) من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك، وخالفه عبد الرزاق (٣) وعبد الله بن المبارك (٤) عن معمر فأرسلاه، قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل.
وقال ابن الطلَّاع في "الأحكام" (٥): هو حديث ثابت، وكان ذلك في سنة تسع، وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم، فقالوا: يا رسول الله، بعه لنا. قال: "ليس لكم إليه سبيل".
وأخرجه البيهقي (٦) من طريق الواقدي، وزاد أن النبي ﷺ بعثه بعد ذلك إلى اليمن ليجبره. وزاد (ب) الطبراني في "الكبير" (٧) أن النبي ﷺ لما حج بعث معاذًا إلى اليمن، وأنه أول من تاجر في مال الله.
الحديث فيه دلالة على أن المدين يحجر عليه الحاكم التصرف في ماله
стр. 2297
ويبيعه عنه لقضاء الغرماء، وهو حكاية فعل عرف وجهه، فيتأسى بالنبي ﷺ فيه، وظاهر القصة أنه كان ماله مستغرقا بالدين، فإذا اقتصر على قدر ما ورد لم يكن الحجر إلا على المستغرق ماله، ولكنه إذا ظهر المقتضي المناسب جاز الإلحاق، والمقتضي لذلك هو عدم مسارعة المدين بالقضاء، وهو حاصل مع من استغرق ماله، ومن لم يستغرق فيلحق به، وقد ذهب إلى هذا جمهور العترة والشافعي وأبو يوسف ومحمد. وقال زيد بن علي والناصر وأبو حنيفة: إنه لا يحجر ولا يبيع، وإنما الواجب أن يحبس حتى يقضي دينه. قالوا: لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (١). وقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢). ومقتضى الحجر والبيع إخراج المال من دون طيبه، ولم يكن تجارة عن تراض، وحديث معاذ حكاية فعل، وأيضًا فإنه مرسل. وأجيب بأن ذلك عموم، وحديث معاذ خاص، وأن الفعل إذا ظهر وجهه فهو حجة كالقول، وقد ظهر هنا وهو أنه فعل لدفع الخصومة واستيفاء الحق، فكان ظاهره الوجوب على الحاكم أن يفعل ذلك لما ذكر، وقد يجاب عن ذلك بأن حجر النبي ﷺ إنما كان لطلب من معاذ من النبي ﷺ لما فعله، وقد روى ذلك إمام الحرمين في "النهاية" (٣)، قال: قال العلماء: [ما] (أ) كان في حجر رسول الله ﷺ على معاذ من جهة استدعاء غرمائه، والأشبه أن ذلك جرى باستدعائه. وتبعه الغزالي (٤) في ذلك، وقد روى الدارقطني (٥) أن معاذًا أتى رسول الله ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه، ولكن هذا لا يدل على ما ذكر؛ لأن
стр. 2298
تكليم الغرماء ظاهره ليس لطلب الحجر، وإنما هو لأجل الإنظار والتحلل منهم إلى وقت اليسار، وما ادعاه إمام الحرمين هو خلاف ما صح من الروايات المشهورة، فإن في "مراسيل (أ) أبي داود" التصريح بأن الغرماء هم الذين طلبوا ذلك. وفي هذا دلالة على أنه لا يحجر الحاكم حتى يطلب الغرماء ذلك في دين مؤجل إذ الحق لهم، وقال الشافعي: يصح قبل الطلب لمصلحة. وذكر بعض الهدوية أنه يصح في المؤجل إذا رأى الحاكم في ذلك صلاحًا، وقال أبو جعفر: الدين المؤجل كالمعدوم حتى يحل الأجل. قال المؤيد بالله: ويصح الحجر قبل التثبيت بالدين مدة قريبة. وقدرها المهدي في "البحر" ثلاثة أيام.
ويؤيد شرعية الحجر ما وقع من عمر في حق أسيفع جهينة وهو ما أخرج مالك في "الموطأ" (١) بسند منقطع أن رجلًا من جهينة كان يشتري الرواحل فيُغالي بها؛ فيسرع المسير فيسبق الحاج، فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد أيها الناس، فإن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج. وفيه: ألا إنه ادّان مُعْرِضًا (٢)، فأصبح وقد رِينَ به -أي أحاط به الدين- فمن كان له عليه دين؛ فليأتنا بالغداة فنقسم ماله بين غرمائه، ثم إياكم والدَّينَ فإن أوله هَمٌّ وآخره حَرَب (٣).
стр. 2299
وقد وصله الدارقطني (١) عن بلال بن الحارث عن عمر، المتروك في حديث مالك، وكذا عند ابن أبي شيبة (٢). وأخرج البيهقي (٣) القصة من طريق مالك وقال: رواه ابن عُلية عن أيوب قال: نُبِّئت (١) عن عمر. فذكر نحوه، وقال فيه: فقسم ماله بينهم بالحصص. وقد أخرجه عبد الرزاق (٤) عن معمر عن أيوب. ورواه الدارقطني (٥) في "غرائب مالك" بإسناد متصل، (ب وهذا واقع في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فدل على أن ذلك كان معلومًا عندهم معروف الحال إذ لو كان ابتداء نظر لطلب من الناس الاجتهاد كما كانت عادة عمر ﵁ ب).
واعلم أن ظاهر الحديث أنه لا يمهل المدين مع وجود المال، وقد ورد في حديث جابر أخرجه البخاري (٦) أن أباه قتل يوم أحد شهيدًا وعليه دين، فاشتد الغرماء في [حقوقهم] (جـ) فأتيت النبي ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا ثمر
стр. 2300
حائطي ويحللوا أبي، فأبوا فلم يعطهم النَّبيُّ ﷺ حائطي، وقال: "سنغدو عليك". فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة، [فجَددتها] (أ) فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها. وبوّب البُخاريّ (١) على ذلك: باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم يَر ذلك مطلًا، وزاد في رواية: فلم يعطهم الحائط ولم يكسر لهم. فهو يدل على أن انتظار حصول الغلة والتمكن منها [لا يعد مطلًا] (ب) وعلى أن من كان له دخل يُنظر إلى دخله وإن طالت مدته؛ إذ لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في حق الآدمي، ومن لا دخل له لا ينظر، ويبيع الحاكم ماله لأهل (جـ) الدين. وبهذا يجمع بين الأدلة، ويؤيّد هذا ما ذكره الرازي في "مفاتح الغيب" (٢) وغيره من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣). أن الآية نزلت في بني المغيرة؛ لما سألهم الأربعة الإخوة من ثقيف قضاء الدين وطلبوا الإمهال إلى إدراك الغلة، فأبوا، فنزلت الآية، وإن كانت الآية محتملة أن تكون مختصة بدين الرِّبا وأن الضمير في قوله تعالى: (وإن كان ذا عسرة) في قراءة عثمان (٤)، عائد إلى من عليه المال المذكور، كما ذهب إليه شريح
стр. 2301
وابن عباس (١) والضَّحَّاك والسدي وإبراهيم النَّخعيُّ؛ أن الآية مختصة بالربا، وروي أن شريحًا حبس المدين فقيل له: إنه معسر. فقال: ذلك في الرِّبا. وقراءة الجمهور: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. والمعنى: وإن وجد أو ثبت ذو عسرة. فسياق الآية. وإن كان في الرِّبا، إلَّا أن غير الرِّبا مشارك في المعنى، فهو إما بالنص إذا اعتبر عموم المعسر، أو من باب القياس إذا اعتبر خصوص دين الرِّبا، وأن الإنظار إلى الميسرة وهو إدراك الغلة معتبر في الجميع، وقريب من هذا ما ذكره بعض المتأخرين من (أ) المفرعين على مذهب الهادي، أنَّه يمهل من عليه الدين الأيَّام التي تعرض سلعته للبيع فيها بالقيمة، ولا يجب عليه أن يبيع بدون ذلك، حيث يمكن البيع من دون غبن (ب).
٧٠٠ - وعن ابن عمر ﵁ قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. متَّفقٌ عليه (٢)، وفي رواية للبيهقي (٣): فلم يجزني ولم يرني بلغت. وصححها ابن خزيمة.
الحديث فيه دلالة على أن البلوغ يثبت بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الجمهور قالوا: وباستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفًا وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام من وجوب العبادات وغيرها، ويستحق سهم الرجل
стр. 2302
من الغنيمة، ويُقتل إن كان محاربًا.
وفيه دليل على أن الخندق كانت سنة أربع من الهجرة وهو الصَّحيح، وقال جماعة من أهل التواريخ والسير: كانت سنة خمس. وهذا الحديث يرد؛ لأنهم أجمعوا على أن أحدًا كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع؛ لأنَّه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة.
وقوله: فأجازني. وقوله: فلم يجزني. المراد بالإجازة جعل له حكم الرجال المقاتلين، ووجه ذكر الحديث هنا أن الصَّغير الذي لم يبلغ ليس له حكم البالغ، فيندرج في ذلك عدم نفوذ معاملاته وعقوده، والله أعلم.
٧٠١ - وعن عطية القرظي ﵁ قال: عرضنا على النَّبيِّ ﷺ يوم قريظة وكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلِّي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي. رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم (١).
هو عطية القرظي من سبي بني قريظة قال ابن عبد البر (٢): لم أقف على اسم أبيه. رأى النَّبيَّ ﷺ وسمع منه، روى عنه مجاهد بن جبر وعبد الملك بن عمير.
الحديث أخرجه أصحاب "السنن" من حديث عبد الملك بن عمير عنه بلفظ: ومن لم ينبت لم يقتل. وفي رواية: جعل في السبي. وللترمذي:
стр. 2303
خلي سبيله. وله طرق أخرى عن عطية، وصححه التِّرمذيُّ وابن حبان والحاكم وقال: على شرط "الصحيحين". وهو كما قال إلَّا أنهما لم يخرجا لعطية، وما له إلَّا هذا الحديث الواحد. والحديث فيه دلالة على أن الإنبات يحصل به البلوغ، ويجري على من أنبت أحكام المكلفين والله أعلم.
ولم يذكر المصنف الحجر للتبذير والسفه، وقد قال به الشَّافعي وأبو يوسف ومحمد، وهو مذهب مالك وجماهير العلماء فقالوا: يجب الحجر لأجلهما. وقال البيهقي في "السنن الكبري" (١)، في باب الحجر على البالغين بالسفه، أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا بستمائة ألف درهم، فهم علي وعثمان أن يحجرا عليه. قال: فلقيت الزُّبير فقلت: ما اشترى أحد بيعًا أرخص ممَّا اشتريت. قال: فذكر له عبد الله الحجر. قال: لو أن عندِي مالًا لشاركتك. قال: فإني أقرضك نصف المال. قال: فإني شريكك. فأتاهما علي وعثمان وهما يتراوضان. قال: ما تراوضان؟ فذكرا له الحجر على عبد الله بن جعفر، فقال: أتحجران (أ) على رجل أنا شريكه؟! وفي رواية: فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه (ب) الزُّبير؟! قال الشَّافعي رحمه الله تعالى: لا يطلب الحجر إلَّا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلًا قال: لا يحجر على بالغ حر. وكذلك عثمان، بل كلهم يعرف الحجر. ثم ذكر قصة عائشة حين هم عبد الله بن الزُّبير بالحجر عليها، فنذرت ألا تكلمه إلخ. رواه البُخاريّ في "صحيحه" (٢) عن أبي اليمان. فهذه عائشة لا تنكر
стр. 2304
الحجر، وابن الزُّبير يراه. وقد كان الحجر معروفًا على عهد رسول الله ﷺ من غير أن يروى عنه إنكاره. ثم ذكر الذي كان يبتاع على عهد رسول الله ﷺ وفي عقدته ضعف، فأتى أهله فقالوا: يا نبي الله، احجر على فلان. إلى آخر ما ذكر (١) رحمة الله عليه. وقال زيد بن علي وأبو حنيفة: لا يحجر بذلك. قال ابن القصار وغيره: الصَّحيح الأول وكأنه إجماع. قال النواوي (٢): والصغير لا ينقطع عنه حكم اليتم بعلو السنن، ولا بمجرد البلوغ، بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان وصار رشيدًا يتصرف في ماله، ويجب تسليمه إليه وإن كان غير ضابط له. والله أعلم.
٧٠٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز لامرأة عطية إلَّا بإذن زوجها". وفي لفظ: "لا يجوز للمرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها". رواه أحمد وأصحاب "السنن" إلَّا التِّرمذيُّ وصححه الحاكم (٢).
الحديث فيه دلالة على أن المرأة محجورة عن التصرف في مالها إذا كانت مزوجة إلَّا فيما أذن لها فيه الزوج، وهذا صريح في الرّواية الثَّانية لزيادة لفظ: "في مالها". وقد ذهب إلى هذا طاوس ولو كانت رشيدة، وأمَّا إذا كانت سفيهة ففيها ما تقدم من الحجر بالسفه، وذهب مالك إلى أن تصرفها
стр. 2305
من الثُّلث، وذهب اللَّيث إلى أنَّه لا يجوز تصرفها إلَّا في الشيء التافه، وذهب الجمهور إلى أنَّه لا حجر عليها في مالها، وأدلة الجمهور كثيرة من الكتاب والسنة؛ إلَّا أنها عموم وهذا خاص، والجمع بين العام والخاص هو الواجب. قال ابن بطال (١): إن الأحاديث التي أوردها البُخاريّ في صحة تصرَّف المرأة بغير إذن زوجها حملها مالك على الشيء اليسير وجعل حده الثُّلث فما دونه. والله أعلم.
٧٠٣ - وعن قبيصة بن مخارق قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المسألة لا تحل إلَّا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتَّى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتَّى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتَّى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة". رواه مسلم (٢).
الحديث قد تقدم بلفظه في باب قسمة الصدقات، وهو أليق به من هذا، ولا مناسبة لإيراده هنا، فليرجع في شرحه إلى ذلك الباب (٣)، ولعل وجه ذكره أن الرجل الذي تحمل الحمالة قد لزمه دين، ولا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه بل يترك حتَّى يسأل النَّاس فيقصي دينه، وهذا الحكم مستقيم على القواعد إذا لم يكن قد ضمن بذلك المال، والله أعلم.
стр. 2306
باب الصلح
أعلم أن الصلح له أقسام (أ): صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مالٍ، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الأملاك والحقوق، وهذا القسم هو المراد هنا، وهو ما يذكره أهل الفروع في باب الصلح.
٧٠٤ - عن عمرو بن عوف المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلَّا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلَّا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا". رواه التِّرمذيُّ وصححه، وأنكروا عليه؛ لأنَّ راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف (١) وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة (٢).
كثير المذكور أكذبه الشَّافعي (٣)، وتركه أحمد، وقال في "الميزان" (٤) عن ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة. قال: ولهذا لم يعتمد
стр. 2307
العلماء على تصحيح التِّرمذيِّ؛ لكونه صحح حديثه، وقد قال الشَّافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب. وابن حبان والحاكم (١) أخرجاه من طريق الوليد بن رباح عنه، ورواه أحمد أيضًا (٢) من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة دون الاستثناء، وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٣) من طريق أبي (أ) العوام البصري موقوفًا على عمر كتبه إلى أبي موسى. ورواه (٤) في ["السنن"] (ب) من طريق أخرى إلى سعيد بن أبي بُرْدة قال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى. فذكره فيه.
والحديث فيه دلالة على شرعية الصلح وندبه، وكيف وفي ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٥). ومعناه لغة: قطع النزاع، وشرعًا كذلك: هو عقد وضع [لرفع] (جـ) النزاع بين المتخاصمين.
وقوله: "جائز". يدل على أن وضعه مشروط فيه المراضاة، وليس بحكم لازم حتَّى يقضي به وإن لم يرض الخصم. وخصّ (د) المسلمين بالذكر؛ لأنهم هم المنقادون للأحكام، المعتبرون لتعريف الحلال والحرام،
стр. 2308
وإن كان غيرهم من الكفار كذلك تعتبر أحكام الصلح فيما بينهم، وظاهر الحديث عموم صحة الصلح سواء كان قبل إيضاح الحق للخصم أو بعده، كما في حكومة الزُّبير والأنصاري (١)؛ فإن ظاهر القصة أن النَّبيَّ ﷺ لم يكن قد أبان للزبير ما يستحقه وأمره بأن يأخذ بعض ما يستحقه، ثم أبان الأمر لما لم يقبل الأنصاري الصلح وطلب مُرَّ الحق، ولا يكون الصلح فيما بين المتخاصمين إلَّا هكذا، وأمَّا بعد إبانة الحق فإنَّما هو طلب صاحب الحق أن يحل صاحبه بعض الحق الذي له، وقد ذهب إلى هذا الفقهاء الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد، والخلاف في ذلك للعترة والشّافعيّ فقالوا: لا يصح الصلح مع الإنكار، ومعنى أنَّه لا يصح، هو اُنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار (١) المصالح، وذلك حيث يدعي عينا (أ) أو دينًا فيصالح ببعض العين أو الدين مع إنكاره، فإن الباقي لا يطيب له، بل يجب عليه تسليمه، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا بطيبة من نفسه" (٢) وقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٣). ويجاب عنه بأنه قد وقع طيبة النَّفس بالرضا بالصلح، وعقد الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة، فيحل له ما بقي.
وقوله: "إلَّا صلحًا حرم حلالًا". وذلك مثل أن تصالحه المرأة بشيء على ألا يطأ أمته أو زوجةً غيرها ونحو ذلك، فإن هذا لا يصح ولا يحل
стр. 2309
العوض.
وقوله: "أو أحل حرامًا". كأن تصالحه على وطء أمته أو نحوها ممن لا يحل وطؤها، وليس من ذلك المصالحة ببعض الدين أو ببعض العين؛ إذ سبب التحريم غير باق بعد الصلح، وهذه الصورة المذكورة سبب التحريم باق بعد الصلح، فهي المقصودة بالاستثناء.
وقوله: "والمسلمون على شروطهم". وفي رواية لأبي داود: "والمؤمنون" -هو جمع شرط بفتح الشين وسكون الراء، والشرط في اللغة (١) بمعنى العلامة، وفي الشرع (٢): هو ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب.
وقوله: "على شروطهم". أي: ثابتون عليها وواقفون، وهذا اللائق بهم، وعدَّاه بـ: "على" إشارة إلى علو مرتبتهم، وفي وصفهم بالإسلام أو الإيمان ما يقتضي الوفاء بالشّرط، ويجب عليه؛ فلذا خصهم بالذكر وإن كان كل أحد مأمورًا بذلك، [فدل] (أ) على لزوم الشرط إذا شرطه المسلم إلَّا الشرط المستثنى، وهذا الحديث عام وظاهره صحة اعتبار الشروط، وقد وردت أحاديث فيما يلزم منه وفيما لا يلزم، وفصل الققهاء في الفروع أحكام الشروط، وأن منها ما يصح في نفسه ويلزم حكمه، ومنها ما لا يصح ولا يلزم، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد؛ ولذلك التفصيل أدلة مستوفاة وعلل مناسبات، وفصل كثيرًا منها البُخاريّ (٣) في "كتابه" في
стр. 2310
كتاب الشروط، وجعل من الشروط الجائزة في البيع، إذا اشترط المشتري ثمرة النخل المؤبَّرة (١)، وشراء المكاتبة لتعتق، واشتراط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى، وفيه حديث جابر (١)، والشرط في العاملة شرط النَّبيِّ ﷺ على الأنصار في النخيل أن يكفوا المؤنة في عملها ويشركهم في الثمرة (٢)، ومعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها (٣)، وفي النكاح قوله ﷺ : "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (٤). والتي لا تجوز في النكاح جعل منها قوله ﷺ : "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتستكفئ إناءها" (٥). وفي الحدود قصة العسيف وزوج المرأة التي زنى بها العسيف (٦)، وغير ذلك.
وقوله: "إلَّا شرطًا حرم حلالًا". مثل اشتراط البائع ألّا يطأ الأمة، "أو أحل حرامًا". مثل أن يشترط أن يطأ الأمة التي يحرم عليه وطؤها، ونحو ذلك. والله أعلم.
٧٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره". ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. متَّفقٌ عليه (٧).
стр. 2311
هذا لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود (١) عن [ابن عيينة] (أ): فنكسوا رءوسهم. ولأحمد (٢): فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم.
و"لا يمنع" بالجزم على أنها ناهية، ولأبي ذر في لفظ البخاري بالرفع على أنَّه خبر بمعنى النَّهي. ولأحمد (٣): "لا يمنعن". بزيادة نون التأكيد، وهو يؤيد رواية الجزم. و"خشبة". لأبي ذر في رواية البخاري بالإفراد والتنوين، ولغيره بصيغة الجمع، قال ابن عبد البر (٤): [رُوي اللفظان] (ب) في "الموطأ" والمعنى واحد، لأنَّ (جـ) المراد بالواحد الجنس، فالمؤدى متحد في الروايتين. إلَّا أنَّه قد يقال: إن المعنى مختلف، فإن أمر الخشبة الواحدة يسير مغتفر بخلاف الكثير. وروى الطحاوي (٥) عن جماعة أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغني بن سعيد فقال: النَّاس كلهم يقولونه بالجمع إلَّا
стр. 2312
الطحاوي. واختلاف الرواة في "الصَّحيح" يرد على عبد الغني، إلَّا إن أراد بالنَّاس خاصًّا وهم من روى عنه الطحاوي. وقد أخرجه أحمد (١) وعبد الرَّزاق من حديث ابن عباس: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء (٢) سبعة أذرع".
والحديث فيه دلالة على أنَّه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره، وأنه إذا امتنع من وضع الخشب على جداره أجبر، وقد ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن (أ) حبيب من المالكية والشّافعيّ في القديم، وعنده في الجديد قولان، أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن لم يأذن لم يجبر، ولكنه مشروط هذا الحكم عندهم بأن يكون الجار محتاجًا إليه، ولا يضع ما يتضرر به مالك الجدار، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى فتح الجدار أو لا؛ لأنَّ رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار، وذهبت الحنفية وأبو العباس وقول للشافعي إلى أنَّه لا يضع خشبة إلَّا بإذن مالك الجدار، فإن لم يأذن لم يجبر، والحديث محمول النَّهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلَّا بطيبة من نفسه، وبعضهم حمل الحديث بما إذا تقدم
стр. 2313
استئذان الجار بذلك وأذن، فليس له المنع مستندًا أنَّه ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضًا. ولأحمد (١) عن عبد الرحمن بن (أمهدي عن مالك: "من سأله جاره" وكذا لابن حبان (٢) من طريق اللَّيث عن مالك، وكذا لأبي عوانة (٣) من طريق أ) زياد بن سعد عن الزُّهريّ، وأخرجه البزار (٤) من طريق عكرمة عن أبي هريرة. ومنهم من حمل الضمير في "جداره" علي صاحب الجذع؛ أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا خفاء في بعدهما.
ويجاب على استدلالهم بأن تلك عمومات، كما قال البيهقي (٥): لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره من التحريم، وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين. فإن استنكار أبي هريرة لإعراضهم يدل على أن ذلك على التحريم، واستدلال المهلب من المالكية بهذا على أن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، فدل على أنَّه محمول على الاستحباب؛ إذ لو كان النَّهي للتحريم لما جاز على الصّحابة جهل هذه الفريضة-غير صحيح؛ لأنَّه لا دلالة على أن المخاطبين كانوا صحابة فقهاء، مثلهم لا
стр. 2314
يجهل هذا الحكم؛ فإنَّه وقع ذلك من أبي هريرة أيَّام إمارته للمدينة في زمن مروان كان يستخلفه فيها، فالمخاطب بذلك ممن يجوز عليه جهل ذلك، لأنَّه لو كان المخاطب من أعيان الصّحابة لما واجههم بمثل هذا الخطاب، وقد جزم بهذا إمام الحرمين تبعًا لغيره مع أن مثل هذا الحكم قضى به عمر في أيَّام وفور الصّحابة، وتقوَّى الشافعي به في القول القديم وقال: إن عمر لم يخالفه أحد من الصّحابة. وذلك ما أخرجه مالك (١)، ورواه بسند صحيح أن الضَّحَّاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجًا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك. فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وروى ابن ماجه (٢) والبيهقيّ (٣) من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما إن غرز أحد في جداره خشبة، فأقبل مجمِّع بن حارثة ورجال كثير من الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قال: الحديث، فقال الآخر: يا أخي، قد علمت أنك مقضي لك عليّ، وقد حلفت فاجعل أسطوانًا دون داري فاجعل عليه خشبك. وروى إسحاق في "مسنده" والبيهقيّ (٤) من طريقه عن يَحْيَى بن جعدة أحد التّابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدث أن رسول الله ﷺ نهاه أن يمنعه فأجبر على ذلك.
стр. 2315
وقوله: عنها. أي عن السنة أو المقالة، وقوله: لأرمين. وفي رواية أبي داود: لألقينها. أي: لأفزعنكم بها. كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ (أ) من غفلته.
وأكتافكم. قال ابن عبد البر (١): رويناه في "الموطأ" بالمثناة وبالنون. والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي (٢): معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها -أي الخشبة- على رقابكم كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة. وقد وقع عند ابن عبد البر (٣) من وجه آخر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم.
٧٠٦ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه". رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحهما" (٤).
تمامه: "وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم". وهو من رواية سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد. وقيل: عن عبد الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي، رواه أحمد والبيهقيّ (٥). وقوَّى ابن المديني رواية سهيل، وفي الباب أحاديث