← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

باب إحياء الموات الموات بفتح الميم والواو الخفيفة قال الفراء: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياؤها هو عمارتها، فالإحياء استعارة أصلية، والموات استعارة أصلية [أيضًا] (أ)، وإحياؤه هو عمارة الأرض وسقيها وزرعها وغرسها وقلع ما فيها من الخَلَا (١) وتنقيتها ونحو ذلك، قال الإمام يحيى: الإحياء ورد مطلقًا من جهة الشرع، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد تبين مطلقات (ب) الشارع، كما قلنا في قبض المبيعات والحرز في السرقة مما يحكم به العرف، والمستعمل في الإحياء عرفًا هي أسباب خمسة؛ وهي تبييض الأرض وتنقيتها حتى تصلح للزرع أو غيره، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير (٢) الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، وقالت الفقهاء الأربعة: ليس ذلك شرطًا، بل المعتبر فيه كالحائط؛ ما يمنع الداخل والخارج كما في الجَرِين (٣) لا في غيره، والمسُنَّاة (٤) للغدير من ثلاث جهات، والحفر في المعدن والبئر وإن لم يصل إلى الماء، واعتبر الإمام يحيى الوصول إلى الماء في البئر. ٧٤٥ - وعن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2417

"من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها". قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. رواه البخاري (١). قوله: "عمر". بلفظ الفعل الثلاثي ذكره الحميدي (٢) في "جامعه"، وكذا عند الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري، وفي البخاري: "من أعمر" بفتح الهمزة والميم من الرباعي، قال القاضي عياض (٢): كذا وقع والصواب: "عمر" ثلاثيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ (٣). إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا. قال ابن بطال (٤): ويمكن أن يكون أصله: من اعتمر أرضًا. أي اتخذها، وسقطت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سمع (أ) الرباعي، يقال (ب): أعمر الله بك منزلك. فالمراد (جـ): من أعمر أرضًا بالإحياء فهو أحق بها من غيره. وحذف متعلق "أحق" للعلم به (٥)، ووقع (د) في رواية أبي ذر (٦): "من أُعمر" بضم

стр. 2418

الهمزة، أي: أعمره غيره، وكأن المراد بالغير هو الإمام. الحديث فيه دلالة على أن الإحياء مملك ولكنه شرط ألا يكون قد ملكها مسلم أو ذمي، وكذلك إذا كان تعلق بها حق للغير، وسواء كان الحق خاصًّا كالطريق المخصوص وكالمتحجر بما لا يفيد الملك، أو كان عامًّا كالمحتطب والمرعى والميدان وغير ذلك، وظاهر الحديث أنه لا يحتاج إلى إذن الإمام إلا على رواية "أعمر" [مغير الصيغة] (أ) كما عرفت، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك أنه يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب، وضابط القرب [أنه] (ب) ما بأهل القرية إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج الطحاوي (١) للجمهور مع هذا الحديث بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن أخذه لا يحتاج إلى إذن الإمام سواء قرب أو بعد، وسواء أذن أم لم يأذن. وأما ما تقدم عليها يد لغير معين ثم ماتت فلا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام. ولا يمكن الكافر من الإحياء، لقوله ﷺ : "عاديّ (٢) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم" (٣). فلا يمكن الكافر لأن الخطاب للمؤمنين، وأما

стр. 2419

إحياء ما تعلق به حق لغير معين كبطون الأودية فلا يجوز إلا بإذن الإمام بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة، كذا ذكره بعض الهدوية، وقال أبو طالب: يجوز إحياؤها بغير إذن الإمام مع أنه يشترط في إحياء الموات إذن الإمام، قال: لأنها جارية مجرى الغيطة المباحة، وفرق بين بطون الأودية والأرض الموات لقوله ﷺ : "موتان (٥) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني" (١) بخلاف بطون الأودية فإنه قال فيها: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". ولم يشترط إذنه فيها، فهذا هو الفرق عنده. ذكره الإمام يحيى عنه، وقال المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة: لا يجوز؛ لجريها مجرى الأملاك لتعلق [حق] (ب) المسلمين بها؛ إذ هي مجرى السيول. قال الإمام المهدي: وهو قوي، فإن تحول عنها جري الماء جاز إحياؤها بإذن الإمام لانقطاع الحق وعدم تعين أهله، وليس للإمام الإذن بعد ذلك إلا لمصلحة عامة لا ضرر فيها. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: يحرم إحياء محتطب القرية ومرعاها لتعلق حقهم به، وهو مفهوم من قوله: "ليست لأحد". إذ هو يعم ما كان حقًّا وما كان ملكًا. قال المؤيد بالله: ومن فعل ملك وإن أثم. وحمل قوله على أنها متسعة بحيث لا ضرر، هكذا في "الانتصار" عن المؤيد بالله، وروى في "الزهور" عنه أنه لا إثم عليه، قيل: وهو قول الشافعي. وقال القاضي زيد: يفصل فإن أضر لم يجز، وإلا جاز. وجعل كلامه هذا تأويلًا لقول المؤيد بالله، قال الفقيه يحيى: وفي تأويله نظر؛ لأن المؤيد بالله صرح في الزيادات أنه يجوز وإن أضر بهم.

стр. 2420

وقوله: وقضى به عمر. هذا في حكم المرسل؛ لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر، قال خليفة: وهو قضيةُ قولِ ابن أبي خيثمة؛ أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة؛ لأن يوم الجمل كان سنة ست وثلاثين، وعمر توفي سنة ثلاث وعشرين. وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رددت يوم الجمل؛ استصغرت (١). ٧٤٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". رواه الثلاثة (٢)، وحسنه الترمذي وقال: روي مرسلًا. وهو كما قال، واختلف في صحابيه (أ)، فقيل: جابر. وقيل: عائشة. وقيل: عبد الله بن عمر. والراجح (ب) الأول. وهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بضم النون وفتح الفاء، العدوي القرشي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قديمًا قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي ﷺ

стр. 2421

بسهم، كان آدمَ طويلًا أشعر، مات بالعقيق قريبًا من المدينة، فحمل إليها، ودفن بها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وله بضع وسبعون سنة. وقيل: مات بالكوفة ودفن بها. يلقى النبي ﷺ في كعب بن لؤي، روى عنه عمرو بن حُرَيث -بحاء مهملة مضمومة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من أسفل وبالثاء المثلثة- وعروة بن الزبير، وقيس بن أبي (أ) حازم، وعباس بن سهل بن سعد (١). الحديث أخرجه أبو داود عن سعيد بن زيد من رواية هشام، عن أبيه عروة، عن سعيد. وأخرجه أيضًا من رواية ابن إسحاق (٢)، عن يحيى بن عروة، عن أبيه مرسلًا، أن رسول الله ﷺ فذكر مثله. قال: فلقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. قال: فلقد رأيتها وإنها لتُضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عُمٌّ (٣)، حتى أخرجت منها. وأخرجه أحمد والعدني وأبو يعلى وابن أبي عاصم والبيهقي والضياء (٤)، عن (ب) سعيد بن زيد.

стр. 2422

وأخرجه الشافعي ومالك عن [كثير] (أ) بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جدِّه (١). وأخرجه البيهقي (٢) عن عروة أيضًا مرسلًا. وأخرجه العسكري في "الأمثال" عن ابن عمر. تقدم الكلام على فقه هذا الحديث. ٧٤٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جَثَّامة ﵁ أخبره أن النبي ﷺ قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله". رواه البخاري (٣). الحمى مقصور وممدود، والأكثر القصر، وهو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، والمراد هنا هو منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات، فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا، وأصله عند العرب، أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، [ويرعى هو مع غيره] (ب) فيما سواه، وهذه كانت عادة جاهلية أماتها الإسلام. والحديث فيه دلالة على أن جواز الحمى مختص بالرسول، قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين؛ أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه

стр. 2423

النبي ﷺ ، والآخر معناه: إلّا على مثل ما حماه عليه النبي ﷺ . فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن (أ) قام مقام رسول الله ﷺ ، وهو الخليفة خاصة، وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا الثاني بما ذكره البخاري (١) عن الزهري تعليقًا، أن عمر حمى الشرف (ب) والربذة. وهو بالشين (جـ) المعجمة المفتوحة والراء بعدها والفاء في المشهور. وذكر عياض (٢) أنه [عند] (د) البخاري بفتح المهملة وكسر الراء. قال: وفي "موطأ ابن وهب" بفتح [المعجمة] (هـ) والراء. قال: وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه، وهو الصواب. وأما سرف بكسر الراء فهو موضع بقرب مكة ولا تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة، موضع معروف بين مكة والمدينة. وقد أخرج أيضًا ابن أبي شيبة (٣) بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر، أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة. ولكن الأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، إلا أنه يشترط ألا يضر بكافة المسلمين. والنبي ﷺ حمي النقيع -بالنون- وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره

стр. 2424

ميل في ثمانية أميال. ذكر ذلك ابن وهب في "موطئه" (١). وأصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء، وهو غير نقيع [الخَضِمات] (أ) الذي جَمَّع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة. وحكى ابن الجوزي (١) أن بعضهم قال: إنهما واحد. قال: والأول أصح. قال الإمام المهدي في "البحر": وكان للنبي ﷺ أن يحمي لنفسه وللمسلمين، لكنه ﷺ لم يحم لنفسه؛ إذ لم يملك ما يُحْمى لأجله. ثم قال الإمام يحيى، والمذهب، ومالك، والفريقان: ولا يحمي الإمام لنفسه، بل لخيل المجاهدين وأنعام الصدقة ومن ضعف من المسلمين عن الانتجاع؛ لقوله ﷺ : "لا حمى" الحديث. وإذ حمى عمر موضعًا وولى عليه مولاه هُنيًّا، وأمره بألا يمنع رب الصُّرَيمة -تصغير صِرْمة، وهي ما بين الثلاثين إلى العشرين (ب) من الإبل، أو من العشر إلى أربعين- والغُنَيمة. والقصة مشهورة، انتهى. والقصة أخرجها مالك، وأبو (جـ) عبيد في "الأموال"، وابن أبي شيبة، والبخاري، والبيهقي (٢)، عن أسلم، أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هُنيًّا على الحمى؛ فقال له: يا هُنَيُّ، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصُّرَيمة والغُنَيمة، وإيَّايَ ونَعَم ابن عوف ونَعَم ابن عفان؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان (د) إلى نخل وزرع، وإن رب

стр. 2425

الصُّريمة والغُنَيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني (أ) ببنيه يقول: يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالكلأ أيسر علي من الذهب والورِق، وايم الله، إنهم يرون أني ظلمتهم؛ إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حمَيت على الناس في بلادهم. انتهى. فهذا تصريح منه ﵁ أن الحِمى إنما هو لمصلحة المسلمين، فلا يجوز أن يحمي لنفسه، ولا لأحد غير الإمام أن يفعل ذلك. والله أعلم. ٧٤٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر (ب) ولا ضرار". رواه أحمد وابن ماجه (١). وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في "الموطأ" مرسل (٢). وأخرج الحديث الطبراني (٣) عن ابن عباس ﵄، وأخرجه ابن ماجه والبيهقي (٤)، عن عبادة بن الصامت، والطبراني في "الكبير" وأبو نعيم (٥)، عن ثعلبة بن مالك القرظي، وأخرجه مالك، عن عمرو بن يحيى

стр. 2426

المازني عن أبيه مرسلًا بزيادة: "من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شَقَّ الله عليه" (١). وأخرجه بالزيادة الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢)، عن أبي سعيد مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق (٣) وأحمد (٤) أيضًا عن ابن عباس بزيادة: "وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء سبعة أذرع". وقوله: "لا ضرر". الضرُّ ضد النفع، تقول: ضرَّه يضره ضرًّا وضرارًا، وأضر به يضر ضرارًا. فمعنى قوله: "لا ضرر". أي لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئًا من حقه، والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، [والضرر] (أ) فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين. [والضرر] (أ) ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل: هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد. والحديث فيه دلالة على تحريم الضرر؛ لأنه إذا نفي (ب) ذات الضرر دل على النهي عنه، إذ النهي لطلب الكف عن الفعل، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل، فاستعمل اللازم في الملزوم. وتحريم الضر معلوم عقلًا وشرعًا، إلا ما دل الشرع على إباحته، رعاية للمصلحة التي تربو على مفسدة الضر، مثل إقامة الحدود وغيرها كما ذلك معلوم في تفاصيل الشريعة. وفي عطف:

стр. 2427

"وللرجل" إلخ (أ). كما في رواية عبد الرزاق، تنبيه أن ذلك ليس بإضرار بجدار الجار، وأنه نفع بما لا يضر، وإن أوهم الضر. والله أعلم. ٧٤٩ - وعن سمُرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". رواه أبو داود (١)، وصححه ابن الجارود (٢). وأخرجه أحمد والطبراني والبيهقي (٣) من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه منه خلاف. ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر. الحديث فيه دلالة على أن عمارة الأرض المحياة مُملكة للعامر كما تقدم، والمراد بالأرض في قوله: "على أرض". هي الأرض المباحة، وذلك معلوم. ٧٥٠ - وعن عبد الله بن مغفل ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا (٤) لماشيته". رواه ابن ماجه (٥) بإسناد ضعيف.

стр. 2428

في الإسناد إسماعيل بن مسلم (١). وقد أخرجه الطبراني من طريق [أشعث] (أ) عن الحسن. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (٢): "حريم البئر البَدِيء خمسة وعشرون ذراعًا وحريم البئر العاديِّ خمسون ذراعًا". والبديء بفتح الموحدة وكسر الدال بعدها مدة وهمزة، هي التي ابتدأتها أنت، والعاديَّة القديمة. وقال في "النهاية" (٣): البديء بوزن البديع، البئر التي حفرت في الإسلام وليست بعاديَّة قديمة. وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق سعيد بن المسيب عنه، وأعله بالإرسال، وقال: من أسنده فقد وهم. وفي سنده محمد بن يوسف المقري شيخ شيخ الدارقطني، وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه [ذلك] (ب) الدارقطني وغيره (٥). ورواه البيهقي (٦) من طريق يونس عن الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وزاد: "وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواجيها كلها". ورواه (٧)

стр. 2429

من طريق مراسيل أبي داود أيضًا. وأخرجه الحاكم (١) من حديث أبي هريرة موصولًا ومرسلًا، والموصول من طريق عمر بن قيس عن الزهري، وعمر فيه ضعف (٢). ورواه البيهقي (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه رجل لم يسم. الحديث فيه دلالة على ثبوت حريم البئر، والمراد بالحريم أنه يمنع المحيي والمحتفر لإضراره. وفي "النهاية" (٤): سُمِّي بالحريم لأنه يَحْرُم منع صاحبه منه (أ)، [أو] (ب) لأنه يحرم على غيره التصرف فيه. وهذا نص في حريم البئر. وظاهر حديث عبد الله أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله، لاجتماعها على الماء، وحديث أبي هريرة يدل على أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه البئر، لئلا تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها، ولذلك اختلف الحال في البديء والعادي. وفيما رواه في "شرح مختصر الحنفية" (٥): حريم (ب) بئر العطن أربعون ذراعًا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعًا. وذهب إليه أبو يوسف ومحمد. كذلك دلالة على اختلاف حال

стр. 2430

البئر في العمق، فيكون الحريم على قدر ذلك لحاجة البئر إليه، ويمكن أن يجمع بين هذه الأحاديث، [ويؤخذ من ذلك] (أ) قدر مشترك بينها، وهو ما يحتاج إليه؛ إما لأجل البئر أو لسقي الماشية. وقد اختلف الأئمة في ذلك؛ فذهب الهادي وأبو حنيفة والشافعي إلى أن حريم البئر الإسلامية أربعون ذراعًا، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الحريم خمسة وعشرون، ويقاس على البئر غيرها مثل العين، وقد ذهب الهادي وأبو يوسف إلى أن حريم العين الكبرى الفوارة خمسمائة ذراع من كل جانب، استحسانًا، وكأنه نظر إلى ذلك في أرض رخوة، تحتاج إلى ذلك القدر، وأما في الأرض الصلبة فدون ذلك. وبهذا تأول أبو طالب إطلاق كلام الهادي وهو الأولى، إذ ثبوت ذلك بالقياس على البئر، وكذلك الدار المنفردة حريمها فناؤها، وهو مقدار أطول جدار في الدار. وقيل: ما تصل إليه الحجارة إذا انهدمت. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وغيره من الأئمة، وحريم النهر قدره ما يُلقَى فيه طينُ كَشحِه، صرح بذلك الهدوية. وقال أبو يوسف: مثل نصفه من كل جانب. وقال محمد بن الحسن: بل بقدر أرض النهر جميعًا. وكذا الأرض، حريمها ما يحتاج إليه وقت عملها، وإلقاء كَسْحِها. وكذا المسيل، حريمه مثل النهر، على الخلاف، وثبوت هذا جميعه بالقياس على البئر بجامع الحاجة، وهذا في الأرض المباحة، وأما الأرض المملوكة فلا حريم في شيء من ذلك، بل لكل أن يفعل في ملكه ما شاء. والله أعلم. ٧٥١ - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا

стр. 2431

بحضرموت. رواه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان (١). وصحح الحديث الترمذي والبيهقي (٢)، وعنده قصة لمعاوية (أ) معه في ذلك، وأخرجه الطبراني (٣). قوله: أقطعه أرضًا. أي جعل الأرض له قطيعة، والمراد به أنه خصه (ب) ببعض الأرض الموات، فيختص به، ويصير أولى بإحيائه ممن لم يَسبق إلى إحيائه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية والهدوية وغيرهم، كما أطلقه الإمام المهدي في "البحر" قال: مسألة: وللإمام إقطاع الموات، لإقطاع النبي ﷺ الزبير حُضْر فرسه، ولفعل أبي بكر وعمر. انتهى. وحكى القاضي عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك. قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يُخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة. انتهى. قال السبكي: والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعًا، ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكره، وتخريجه على طريق فقهي مشكل. قال: والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر، ولكنه لا

стр. 2432

يملك الرقبة بذلك. انتهى. وبهذا جزم المحب الطبري. وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض، إذا كان مستحقًّا لذلك، وقال ابن التين: إنما يسمى إقطاعًا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال: وقد يكون الإقطاع تمليكًا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه ﷺ الدور؛ أي أنزل المهاجرين دور الأنصار برضاهم. انتهى. قال في "البحر": وللإمام أيضًا إقطاع بقاع في الأسواق والطرق الواسعة، بغير إضرار؛ بأن يقطع حق من سبق إليها، بعد رفع قماشه (١)، ويجعل غيره أولى فلا يستحق العود إليها، بل المُقْطَع أحق. قلت: ووجهه القياس على حق المتحجر. (أوفيه نظر. انتهى. ولعل وجه النظر: أن المتحجر إنما للإمام إبطال حق المتحجر أ) دفعًا للضرر عن (ب) المسلمين؛ لعدم إحياء المتحجر، وهنا لا ضرر عليهم، والأولى أن يقال: إن البقاع لما كان الحق فيها للمسلمين على العموم، أشبهت المباح، وكان للإمام أن يقطع ما لا ضرر فيه للمصلحة. والله أعلم. ٧٥٢ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضْر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه حيث بلغ السوط". رواه أبو داود وفيه ضعف (٢). وأخرجه أحمد (٣) من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ أقطع

стр. 2433

الزبير أرضًا من أموال بني النضير. وقوله: حضر فرسه. بضم الحاء وإسكان الضاد المعجمة، هو العدو. وقوله: ثم رمى بسوطه. أي بعد أن قام الفرس ولم يَعْدُ، رمى سوطه طلبًا للزيادة على مقدار حضر الفرس فزاده النبي ﷺ قدر ذلك، والله أعلم. ٧٥٣ - وعن رجل من الصحابة ﵁ قال: غزوت مع النبي ﷺ فسمعته يقول: "الناس شركاء في ثلاث؛ الكلأ والاء والنار". رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات (١). ورواه أحمد في "المسند" من حديث أبي خداش أنه سمع رجلًا من المهاجرين (أ) الحديث، بلفظ: "المسلمون شركاء". ورواه أبو نعيم في "الصحابة" (٢) في ترجمة أبي خداش، ولم يذكر الرجل. وقد سئل أبو حاتم (٣) عنه فقال: أبو خداش لم يدرك النبي ﷺ . وهو كما قال، فقد سماه أبو داود في روايته حبان بن زيد الشامي، وهو الشرعبي (٤)، من قريش، وهو تابعي معروف. وروي من حديث ابن عباس (٥) أيضًا بلفظ: "المسلمون".

стр. 2434

وفيه عبد الله بن خراش وهو متروك (١)، وقد صححه ابن السكن، ورواه الخطيب في "الرواة عن مالك" عن نافع عن ابن عمر وزاد: "والملح". وفيه: [عبد الحكم] (أ) بن ميسرة راويه عن مالك وهو عند الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر كالأول، وله عنده طرق أخرى. ولابن ماجه (٢) من حديث أبي هريرة بسند صحيح: "ثلاث لا تمنعهن (ب)؛ الماء والكلأ والنار". ولأبي داود (٣) من حديث بُهَيْسة، عن أبيها، أنه قال: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعُه؟ قال: "الماء". ثم أعاد، فقال: "الملح". وفيه قصة. وأعله عبد الحق (٤) وابن القطان بأنها لا تعرف، لكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة (٥)، ولابن ماجه (٦) من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" الحديث. وإسناده ضعيف. وللطبراني في "الصغير" (٧) من حديث أنس: "خصلتان لا يحل منعهما؛ الماء والنار". قال أبو حاتم في "العلل" (٨): هذا حديث منكر. وللعقيلي في "الضعفاء" (٩) عن عبد الله

стр. 2435

ابن سرجس نحو حديث بهيسة. ولابن ماجه (١) من حديث ابن عباس وزاد فيه: "وثمنه حرام". وروى ابن ماجه (٢) من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ثلاث لا يمنعن (أ)؛ الماء والكلأ والنار". وإسناده صحيح. قوله: "الكلأ". قال أهل اللغة (٣): الكلأ، مهموز مقصور، هو النبات، سواء كان رَطْبًا أو يابسًا، وأما الحشيش والهشيم فمختص باليابس، وأما الخلا فمقصور غير مهموز، والعشب فمختص بالرَّطْب، ويقال له أيضًا: الرُّطْب. بضم الراء وإسكان الطاء. و "الماء" ظاهر معناه. و "النار" قيل: أراد بها الشجر الذي يحتطبه الناس. وقيل: المراد بالنار هنا هو الاستصباح من النار والاستضاءة بضوئها. وقيل: المراد بها الحجارة التي توري النار إذا كانت في موات. والمراد بالكلأ هنا هو الكلأ الذي يكون في الأرض المباحة والجبال الذي لم يحرزه (ب) أحد بقطعه، فليس لأحد أن يتملكه وهو في منابته، والظاهر أن ذلك إجماع، وما تقدم من الحمى للإمام ونحوه فهو ليس من باب التمليك، وإنما هو من رعاية المصلحة العامة وتقديمها على الخاصة. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف بين العلماء؛ فعند الهدوية وغيرهم أن ذلك مباح؛ من سبق إلى قطعه كان له، وظاهر الحديث العموم فهو حجة لهم، وعند المؤيد بالله وغيره أن ذلك تابع للأرض النابت فيها؛

стр. 2436

فإن كانت مملوكة كان ملكًا لصاحبها، وإن كانت وقفًا كان له حكم غلة الأرض الموقوفة، وإن كانت مباحة كان مباحًا، ولعله نظر إلى أن ذلك نماء الأرض فيكون تابعًا لأصله ويجعل (أ) ذلك مخصوصًا من عموم الحديث قياسًا على المتفق عليه من سائر نماء الأشياء المملوكة، والتخصيص بالقياس صحيح. وأما الكلام في إباحة الماء وتملكه فقد تقدم (١) في ذلك شطر صالح، وهو باق على عمومه في حق الشرب لبني آدم وغيرهم من الحيوان والاستعمال به. وأما النار فإن كانت من الحطب المملوك (ب فجرم الجمر ب) يكون حكمه حكم أصله، ولعله يجيء فيه الكلام الذي في الماء، وذلك لعموم الحاجة إلى النار، وتسامح الناس بذلك في العادة، وقد فسر "الماعون" في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢). بالماء والملح والنار، وإن كان المراد بها الضوء فذلك اتفاق أنه لا يختص به صاحبه، وأن للغير الاستضاءة بذلك، لأنه لم يأخذ شيئًا من ملك غيره وإنما أجزاء الهواء اكتست النور، والله أعلم.

стр. 2437

باب الوقف الوقف في اللغة بمعنى الحبس، يقال: وقفت كذا. أي: حبسته. وأوقفته لغة رديئة، وهو في الشرع حجر مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه؛ بقطع التصرف في رقبته على تصرف مباح. وجمعه وقوف وأوقاف، وهو قربة مندوب إليها. ٧٥٤ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث؛ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على أنه لا ينقطع ثواب هذه الثلاثة الأشياء بالموت، وأنه يجري بعد الموت، قال العلماء رحمهم الله تعالى: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه [كان سببها] (أ)؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك الذي خلَّفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف. وفيه دلالة على فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وسيأتي في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، اختلاف أحوال الناس فيه (٢)، وعلى فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وعلى أن الدعاء

стр. 2438

يصل ثوابه إلى الميت من الولد، وكذلك غيره؛ وهو الصدقة وقضاء الدين، وهو مجمع على ذلك، وأما الحج فيجزئ عن الميت وإن كان بغير وصية عند الشافعي. وذهب إليه المنصور بالله، وهو داخل في قضاء الدين إذا كان واجبًا، كما في خبر الخثعمية وقد تقدم (١)، وإن كان تطوعًا، فإن كان بوصية فهو كغيره من الوصايا، وإن كان بغير وصية فهو كذلك من الولد، وقد تقدم ذلك (٢)، وأما الصيام فكذلك تقدم الكلام فيه (٣)، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت فقد تقدم ذلك في آخر الجنائز (٤). ٧٥٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه. قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقًا غير متموِّل مالًا. متفق عليه، واللفظ لمسلم، وفي رواية البخاري: "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب ولكن ينفق ثمره" (٥). قوله: أصاب أرضًا. اسم الأرض ثَمَغُ، بالثاء المثلثة المفتوحة وفتح الميم.

стр. 2439

كذا في "الفائق" (١). وفي "شرح مسلم" (٢) بسكون الميم والغين المعجمة، وقد صرح به البخاري (٣) في رواية، ولأحمد (٤) من رواية أيوب، أن عمر أصاب أرضا من يهود بني حارثة يقال لها: ثمغ. ونحوه (أ)، وفي رواية ابن [شبة] (ب) بإسناد صحيح أن عمر رأى في المنام ثلاث ليالٍ أن يتصدق بثمغَ. وفي رواية النسائي (٥): جاء عمر فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها. فيحتمل أن يكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ﷺ بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من الغنيمة، والقصة هذه كانت في سنة سبع من الهجرة. قوله: هو أنفس منه. أي أجود، والنفيس الجيد المغتبط به، يقال: نفُس -بفتح النون وضم الفاء- نفاسة. قال الداودي (٦): يسمى نفيسًا لأنه يأخذ بالنفس. وفي رواية صخر بن جويرية (٧): إني استفدت مالًا وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به. ووقع في رواية الدارقطني (٨) بإسناد ضعيف،

стр. 2440

أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت [أن] (أ) أتصدق بمالي. ولم يثبت هذا وإنما كانت صدقة تطوع. وقوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". أي بمنفعتها، ويوضحه ما في رواية (١): "احبس أصلها وسبل ثمرتها". وفي رواية (٢): "تصدق بثمره وحبِّس أصله". قوله: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. زاد الدارقطني (٣): حبيس ما دامت السماوات والأرض. وظاهر هذه الرواية أن هذا إنما وقع من كلام عمر. قال السبكي (٤): اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقي (٥): "تصدق بثمره، وحبس أصله؛ لا يباع ولا يورث". وهذا ظاهر أن الشرط من كلام النبي ﷺ ، وهذا أيضًا وقع في البخاري من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره". وهي أتم الروايات وأصرح في المقصود فعزوها إلى البخاري أولى، وقد علقه أيضًا البخاري في المزارعة (٥) بلفظ: قال النبي ﷺ لعمر: "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره". فتصدَّقَ به. فعلمت أن

стр. 2441

الشرط من قول النبي ﷺ مع أنه ولو كان الشرط من قول عمر فما فعله إلا لما فهمه من النبي ﷺ حيث قال له: "احبس أصلها، وسبل ثمرها". وقوله: فتصدق بها. إلى آخر الستة المذكورين، قد تقدم ذكر هؤلاء في الزكاة (١) إلا الضيف. وقوله: ولذي القربى. يحتمل أنه أراد من ذكر في الخمس، ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي (٢) وهو الظاهر. والضيف، المراد به من نزل بقوم يريد منهم القِرى. أن يأكل منها بالمعروف. أفهم البخاري (٣) أن المعروف هنا هو ما ذكر في والي اليتيم، ووجه الشبه بينهما أن النظر للموقوف عليهم من الفقراء كالنظر لليتامى. وقد اختلف السلف في قدر المعروف الذي يحل لوالي اليتيم فذهبت عائشة (٤) وعكرمة والحسن وغيرهم إلى أن ذلك قدر عُمالته، وقيل: لا يأكل إلا عند الحاجة. ثم اختلفوا فقال سعيد بن جبير ومجاهد (٥): إذا أكل ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب عليه القضاء. وقيل: إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة. وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس (٦)، وبه قال الشعبي وأبو العالية. وذهب الشافعي إلى أنه يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته،

стр. 2442

ولا يجب الرد على الصحيح (١). وتعقب ابن المنير على البخاري بأن الواقف هو المالك لمنافع ما وقفه، فإذا شرط لمن يليه شيئًا ساغ له ذلك، والموصي ليس كذلك، لأن ورثته يملكون المال بعده بقسمة الله تعالى، فلم يكن في ذلك كالواقف. انتهى (٢). ويلزم من هذا أن الموصي إذا عين للوصي أن يأكل من مال الموصى عليهم لا يصح ذلك، وليس كذلك بل هو سائغ، وإنما الخلاف حيث لم يعين. قال القرطبي (٣): جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقف ألّا يأكل منه العامل لاستقبح منه ذلك، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة. وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة. وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله. والأول أولى. قوله: أو يطعم. في رواية للبخاري: أو يؤكل، بإسكان الواو بمعنى يطعم. قوله: غير متموِّل فيه. هكذا لفظ مسلم، وفي رواية للبخاري: غير متمِّول مالًا. كما في "بلوغ المر ٤ ام". والمعنى غير متخذ منها مالًا أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملك (أ) شيئًا من رقابها. وقال ابن سيرين: غير متأثل مالًا. كذا رواه عنه ابن عون (٤)، وقال ابن عون (٥): أنبأني من قرأ هذا

стр. 2443

الكتاب أن فيه: غير متأثل مالًا. وأخرج أبو داود (١) صفة كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال: نسخها لي (أ) عبد الحميد بن عبد الله بن عمر فذكره، وفيه: غير متأثل مالًا. والمتأثِّل (ب)، بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة، هو [المتخذ] (جـ)، والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء أصله؛ قال امرؤ القيس (٢): وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي واشتراط نفي التأثل يقوي ما ذهب إليه من فسَّر الأكل بالمعروف بالأكل نفسه، لا بأخذ أجرة العمالة، كذا قال القرطبي. وهو ظاهر وزاد أحمد (٣) [من طريق حماد بن زيد عن أيوب، فذكر الحديث، قال حماد: وزعم عمرو بن دينار أن عبد الله بن عمر كان يهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر. وكذا رواه عمر بن شبة من طريق حماد بن زيد عن عمر، وزاد عمر بن شبة] (د) بإسناده عن ابن عون في آخر هذا الحديث: وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر. ونحوه عند الدارقطني (٤)

стр. 2444

عن عبيد الله بن عمر، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد (١): يليه ذوو الرأي من آل عمر. فكأنه كان أولًا اشترط أن النظر لذوي الرأي من أهله، ثم عين عند الوصية حفصة، وفي رواية عمر بن [شبة] (أ) عن أبي غسان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفًا حرفًا؛ هذا ما كتب عبد الله عمرُ أمير المؤمنين في ثمغ أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى أولي الرأي من أهلها. فذكر الشرط كله نحو الذي تقدم، ثم قال: والمائة وسق الذي أطعمني النبي ﷺ فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء وليُّ ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل. وكتب مُعَيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم، وفي رواية أبي داود زيادة: وصرمة (٢) ابن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك. وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن مُعَيْقيبا كان كاتبه في أيام الخلافة، ووصفه بأنه أمير المؤمنين، وهذا لا ينافي أن يكون وقفه في زمن النبي ﷺ باللفظ، وتولى النظر عليه إلى أن حضرته الوفاة وكتب الكتاب المذكور، ويحتمل أن يكون أخَّر وقفيته ووقع منه في زمن النبي ﷺ الاستشارة في كيفيته، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي وابن عبد البر (٣) من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها. فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلا عند الوصية، وإن كان الطحاوي استدل بقول عمر هذا لأبي

стр. 2445

حنيفة وزفر أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، ويجاب عنه بأن هذا منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر، وبأنه يحتمل أنه لم يكن قد نجز الوقف كما تقدم، وأنه كره أن يفارق النبي ﷺ على ما أمر به، ثم يخالفه إلى غيره، ويحتمل أن يكون عمر يذهب إلى أن الواقف إذا شرط الرجوع فله أن يرجع، ولعله قد وقع ذلك منه، وقد روى الطحاوي (١) عن علي ﵁ مثل ذلك، فلا تتم حجة أبي حنيفة مع الاحتمال، وأما تعليق الوقف؛ فقد قال بصحته المالكية. وبه قال ابن سُريج، وقال: تعود منافعه بعد المدة المعينة إلى الواقف ثم إلى ورثته. وظاهر مذهب الهدوية أنه يصح تقييده بالشرط، وإذا عدم الشرط رجع ملكًا لمالكه، وإن كان صاحب "الهداية" جعل ذلك مخصوصًا بعلي والحسين ﵈، فإنه جعل الوقف مشروطًا بعدم الاحتياج إليه، ويجاب عنه بأنه لا وجه لما ادعاه من الاختصاص، ولا يقوم ذلك إلا بدليل. واعلم أن حديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف. قال أحمد (٢) بإسناده عن ابن عمر: أول صدقة، أي موقوفة، كانت في الإسلام صدقة عمر. وروى عمر بن [شبة] (أ) عن [عمرو] (ب) بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ . وفي إسناده الواقدي (٣). وفي "مغازي الواقدي": أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أرض مخيريق -بالمعجمة مصغر-

стр. 2446

التي أوصى بها إلى النبي ﷺ فوقفها النبي ﷺ ، قال الترمذي (١): لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، وقد تُؤول. وقال أبو حنيفة: لا يلزم. وخالفه جميع أصحابه إلا زفر بن الهذيل. وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدثه به ابن علية، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به. فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى، مع أن الطحاوي انتصر لمذهب أبي حنيفة، وتأول قوله: "حبس الأصل، وسبل الثمرة". بأن ذلك لا يستلزم التأبيد، بك يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره لذلك. وهذا بعيد، إذ لا يفهم من التحبيس إلا التأبيد، مع أنه قد ورد في رواية: "حُبُس ما دامت السماوات والأرض". قال القرطبي: رفى الوقف مخالف الإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمن رده ما قاله أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره. وأشار الشافعي إلى أن وقف الأراضي والعقار من خصائص أهل الإسلام، ولا يعلم مثل ذلك في الجاهلية. وفي قوله: "حبس الأصل". دلالة على أن التحبيس من [صرائح] (أ) الوقف، وقال بعضهم: صريح الوقف هو لفظ (وقفت). وقد ذكر أصحاب

стр. 2447

الشافعي في الألفاظ تفصيلًا فقالوا: وقفت، وحبست، وسبلت، وأبَّدت صريح في الوقف قولًا واحدًا، وكناية قولًا واحدًا وهي (تصدقت)، ومختلف فيه؛ وهو (حرَّمت)، ففيه قولان؛ أحدهما أنه صريح، والآخر أنه ليس بصريح. قال أبو طالب: يجب أن يكون قول الهدوية مثل ذلك. وقال المصنف رحمه الله تعالى قريبًا من ذلك، قال (١): لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة سواء قال: تصدقت بكذا أو جعلته صدقة، حتى يضيف إليها شيئًا آخر؛ لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميز المحتملين صح، بخلاف ما لو قال: وقفت. أو: حبست. فإنه صريح في ذلك على الراجح، وتمسك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدقت بكذا. بقوله: فتصدق بها عمر. ولا حجة في ذلك لما أتبعه من قوله: لا تُباعُ إلخ. مع احتمال أن يكون ذلك راجعًا إلى الثمرة على حذف مضاف، أي: فتصدق بثمرتها. وبهذا الاحتمال جزم القرطبي. انتهى. فهذا كلامه مثل ما ذكر. وفي الحديث فوائد؛ جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرد من غير كنية ولا لقب، وفي رواية إسناد الوصية إلى حفصة جواز جعل النظر في الوقف للمرأة، وتقديمها على أقرانها من الرجال، وصحة إسناد النظر إلى غير معين إذا وصفه بصفة معتبرة تميزه، وأن الواقف يلي وقفه إذا لم يسنده إلى غيره، قال الشافعي: لم يزل العدد الكبير من الصحابة فمن بعدهم يلون أوقافهم؛ نقل ذلك الكواف عن الكواف لا يختلفون فيه. وقال مالك: ليس للواقف أن يلي وقفه سدًّا للذريعة؛ إذ قد يطول الوقت فينسى الوقف، أو يفلس

стр. 2448

الواقف فيتصرف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرف فيه ورثته. واستشارة أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينية أو دنيوية، وأن المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. وفيه فضيلة ظاهرة لعمر لرغبته في امتثال قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). وفيه فضل الصدقة الجارية، وصحة شرط الواقف واتباعه فيه، وأنه لا يشترط تعيين [المصرف] (أ) لفظًا. وجواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة، وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم. وأن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من غلة الوقف؛ لأن عمر شرط أن لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن أن الناظر هو أو غيره، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة كان فيما يعينه الواقف أولى. ويستنبط منه صحة الوقف على النفس. وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في [الأرجح] (٥) والهادي. وقال به من المالكية ابن شعبان، وذهب الشافعي والناصر والجمهور إلى منع ذلك، إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا، بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته، واستدل محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري لذلك بقصة عمر هذه، وبقصة راكب البدنة (٢)، وبحديث أنس (٣) في أنه ﷺ أعتق صفية وجعل

стр. 2449

عتقها صداقها، وذللث لأنه أخرجها عن ملكه بالعتق وردها إليه بالشرط، وبما فعل عثمان من استثناء دلوه في بئر رومة (١). وحجة المنع من ذلك هو ما يفهم من قوله: "سبل الثمرة" أن تسبيل الثمرة هو جعلها للغير ولا يصح من الإنسان أن يجعل لنفسه شيئًا يتملكه من ملكه، لأن فيه تحصيل الحاصل، ويجاب عن ذلك بأن وجه المنع هو عدم الفائدة، وفي الوقف فائدة؛ وهو أن استحقاقه ملكًا غير استحقاقه وقفًا، وقد يقال: لا يؤخذ منه ما ذكر؛ لأن عمر اشترط لناظر الوقف أن جمل منه بقدر عمالته، فإذا عمل أخذ منه بقدر عمالته، وليس ذلك من باب الاشتراط حتى إذا لم يشترط كان للعامل أن يأخذ بقدر أجرته على أرجح قولي العلماء. ويستنبط منه جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد على الثلث رد، وإن خرج من الثلث لزم؛ لأن عمر جعل النظر بعده لحفصة وهي ممن يرثه، وجعل للناظر أن يأكل منه، وتعقب بأن الوقف صدر منه في حياة النبي ﷺ ، والذي أوصى به إنما هو تعيين الناظر. ويستنبط من قوله: "حبس الأصل". أن تعليق الوقف لا يصح لأن التحبيس يناقضه التعليق، وعن مالك وابن سُريج (أ) يصح، وقد تقدم. ويستنبط منه صحة وقف المشاع؛ لأن المائة سهم التي لعمر لم تكن منقسمة. ويستنبط منه أن الوقف لا يسري إذ لم ينقل أنه سرى من حصة عمر إلى غيرها من باقي الأرض بخلاف العتق، وحكي عن بعض الشافعية أنه حكم فيه بالسراية، وهو منكر. إلا أن هذا المستنبط من وقف المشاع هو كما ذكر الرافعي أن المائة سهم كانت

стр. 2450

مشاعة. قال المصنف (١) ﵀: لم أجده صريحًا، بل في مسلم ما يشعر بغير ذلك، فإنه قال: إن المال المذكور يقال له: ثمغ. وكان نخلًا. وأقول: في "سنن أبي داود" (٢) أن ثمغًا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة السهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة الوسق الذي أطعمه النبي ﷺ بالوادي تليه حفصة. ثم ساق نسخة الوصية من عمر، فدل على أن ثمغًا غير المائة السهم، فيصح أن تكون المائة السهم غير مقسومة. ويستنبط منه أن خيبر فتحت عنوة. ٧٥٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة. الحديث وفيه: "وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". متفق عليه (٣). قوله: "احتبس". أي: حبس، "أدراعه": جمع درع. و "أعتاده": هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: و "أعتُده". بضم التاء المثناة من فوق، وهما جمع "عَتَد" بفتحتين و (أهو ما يُعده أ) الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة. يقال: فرس [عتيد] (ب) أي صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب، وحكى عياض (٤) رواية: "أعبده". بالباء الموحدة جمع عبد والأول هو الشهور.

стр. 2451

والحديث فيه دلالة على أنه يصح وقف العين عن الزكاة أوأنه يأخذ بزكاته آلات الحرب للجهاد في سبيل الله كما أشار إليه البخاري، ذكر ذلك في باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وعلى أنه يصح وقف العروض، وفيه خلاف أبي حنيفة؛ قال: لأن العروض تتبدل وتتغير والوقف موضوع للتأبيد، وأجاب الجمهور المانعون من إجزاء الوقف عن الزكاة بأجوبة؛ أحدها: أن المعنى الرد على من نسب إلى خالد منع الزكاة فقال: إنكم تظلمون خالدًا بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه. والثاني: أنهم ظنوها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها فأعلمهم ﷺ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج إلى نقل خاص فيكون حجة لمن أوجبها في عروض التجارة. ثالثها: أنه كان نوى بإخراجها عن الزكاة تمليكًا للمجاهدين، وهذا يقوله من يجيز إخراج القيمة في الزكاة كالحنفية، ومن يجيز التعجيل. وفي الحديث أيضًا دلالة على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محبسه، وعلى صرف الزكاة (أإلى صنف أ) واحد من الثمانية، وتعقب ابن دقيق العيد جميع ذلك بأن القصة واقعة محتملة لما ذكر ولغيره فلا ينهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصادًا وعدم تصرف ولا يكون وقفًا. وفي الحديث دلالة على بعث الإمام العمال لجباية الزكاة. وقد تقدم تمام الكلام في باب الشركة والوكالة (٢).

стр. 2452

باب الهبة الهبة بكسر الهاء مصدر وهب محذوف الفاء معوض عنه الهاء قياسًا، ويطلق على الشيء الموهوب، وهي في الشرع تمليك عين بعقد على غير عوض معلوم في الحياة، وقد تطلق بالمعنى الأعم على الإبراء من الدين والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به طلب الثواب في الآخرة. والهدية وهي ما يلزم (أ) المهدي له عوضه حسب العرف، وزيادة لفظ: في الحياة. لإخراج الوصية، وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة، وظاهر ما ذكره المصنف هنا في هذا الباب أنه قصد بالهبة المعنى الأعم. ٧٥٧ - عن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي. فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ". فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ : "فارجعه". وفي لفظ: فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ". قال: لا. قال: "اتقو االله واعدلوا بين أولادكم". فرجع أبي فرد تلك الصدقة. متفق عليه، وفي رواية لسلم: قال: "فأشهد على هذا غيري". ثم قال: "أيَسُرُّك أن يكونوا لك في البر سواء". قال: بلى. قال: "فلا إذن" (١).

стр. 2453

الحديث مروي عن النعمان بن بشير من رواية أصحاب الزهري، وأخرجه النسائي (١) من طريق الأوزاعي عن الزهري، أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن [حدثا] (أ) عن بشير بن [سعد] (٥) والد النعمان. وقد شذَّ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان. وبشير والد النعمان هو ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس -بضم الجيم وتخفيف اللام- الخزرجي، صحابي شهير من أهل بدر، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر (٢). وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كبير من التابعين؛ منهم عروة بن الزبير عند مسلم والنسائي وأبي داود (٣)، وأبو الضحى عند النسائي وابن حبان وأحمد والطحاوي (٤)، والمفضل بن المهلب عند أحمد وأبي داود والنسائي (٥)، وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد (٦)، وعون ابن عبد الله عند أبي عوانة (٧)، والشعبي في "الصحيحين" وأبي داود وأحمد

стр. 2454

والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم (١)، ورواه عن الشعبي عدد كبير أيضًا (٢). قوله: أن أباه أتى (أبه إلى أ) رسول الله ﷺ . هكذا في رواية الزهري، وفي رواية الشعبي بلفظ: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ . فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطة. وفي رواية للبخاري في الشهادات عن الشعبي بلفظ: سألت أبي بعض الموهبة من ماله. زاد مسلم من هذا الوجه: فالتوى بها سنة. أي: مطلها. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: بعد حولين. ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنتين، فذكر الكثير تارة، وتارة ذكر القليل وهو السنة، قال: ثم بدا له فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ . فأخذ بيدي وأنا غلام. ولمسلم من طريق الشعبي أيضًا: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ . ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبَّر باستتباعه أباه بالحمل. وقوله: نَحَلت. بفتح النون والهملة؛ أي أعطيت. والنحلة بكسر النون وسكون المهملة: العطية بغير عوض. وقوله: غلامًا كان لي. هكذا في رواية الزهري، وفي رواية الشعبي في البخاري: عطية. بدل: غلامًا. وفي رواية ابن حبان وأبي داود عن

стр. 2455

الشعبي بلفظ: غلام. ولمسلم في رواية عروة وجابر معًا، ووقع في رواية أبي حريز -بمهملة وراء وزاي بوزن عظيم- عند ابن حبان والطبراني (١) عن الشعبي، أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي ﷺ فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفِست بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تُربيه حتى جعلْتُ له حديقة من أفضل مال هو لي، وإنها قالت: أشهِدْ على ذلك رسول الله ﷺ . وفيه قوله ﷺ : "لا أشهد على جور". وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين؛ إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبدًا، وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيستشهده (أ) على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جور". وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل النهي الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وظهر لي وجه آخر حاصله أنه وهب الحديقة تطييبًا لخاطر عمرة، وارتجعها لأنها لم تخرج من يده، ثم طالبته بعد ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا ورضيت عمرة بذلك؛ إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فأمرته أن يشهد
следующие страницы →