بالبلاط متقابلتين (أ)، بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه. ثم ساق هذا الحديث، فهو صريح بأن سعدًا كان جارًا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكًا، ولكن هذه الرواية تخالف رواية البخاري، وهو أرجح عند التعارض، بل مقتضى حديث أبي رافع أن الشفعة تثبت لجار البيت إذا كان الاشتراك في الطريق حاصلا، وهذا قول أخذ بطرف من القولين؛ وهو أن الجوار مقتض للشفعة (ب) مع الاشتراك في الطريق، ولا يكون مقتضيًا إذا تجرد عن الاشترك في الطريق، وهو غير رافع للقولين المشهورين، وقد قال به بعض الشافعية، حكى القول ابن الملقن النحوي في "عجالة المنهاج" ولم يصرح بقائله، وكذا ابن حجر في "شرح المشكاة"، ولا يبعد اعتباره، أما من حيث الدليل فللتصريح بالشرط في حديث جابر الآتي، وهو إذا كان طريقهما واحدًا، ومفهوم المخالفة يقتضي أنَّه إذا كان الطريق مختلفًا فلا شفعة، وهو معمول به عند المحققين، وإن كان ذلك لا يلزم الحنفية؛ لعدم العمل بالمفهوم عندهم، وأما من حيث التعليل فلأن شرعية الشفعة لمناسبة دفع الضرر، والضرر بحسب الأغلب إنما يكون مع شدة الاختلاط وشبكة الانتفاع، وذلك إنما هو مع الشركة في الأصل أو (جـ) في الطريق، ويندر الضرار مع عدم ذلك، ولو اعتبر ذلك النادر لاعتبر مع عدم ملاصقة الملك، فإنه قد يحصل التضرر مع غير (د) الملاصق؛ إما بتعلية تحجب عنه ضوء الشمس، أو روائح كريهة
стр. 2382
تكون مع بعض الناس في بيته، أو اطلاع على العورة وقصد الأذية، ولكن الشرع علق الأحكام بما هو غالب لا نادر في كثير من المناسبات، وحديث جابر المقيد بالشرط لا يحتمل التأويل المذكور أولًا؛ لأنه إذا كان المراد بالجار الشريك فلا فائدة لاشتراط كون الطريق واحدًا وكون القيد واقعا خلاف الظاهر، ولكن حديث جابر الَّذي مر يدل أيضًا على أن المعتبر هو عدم تصريف الطرق، وذلك إذا كانت الطريق متحدة، فيتعين القول بالتفصيل المتقدم. وأورد على قوله: "جار الدار أحق بالدار". أنَّه إذا كان المراد هو المعنى الحقيقي لزم أن يكون أحق من الشريك؛ لأن المفضل عليه المحذوف هو الغير، وكان التقدير: أحق من غيره. وهذا خلاف الإجماع، بخلاف ما إذا كان مجازًا عن الشريك، فإنه لا محذور فيه. ويجاب عنه بأنه مقدر (أ)؛ المفضل عليه هو المشتري الَّذي لا مشاركة له، والتقدير: أحق من المشتري الَّذي لا جوار له. ومثل هذا التقدير الخاص بالقرينة كثير.
٧٣٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا". رواه أحمد والأربعة (١) ورجاله ثقات.
الحديث قال فيه أحمد (٢): حديث منكر. و (ب) الزيادة - وهي قوله:
стр. 2383
"إذا كان طريقهما واحدًا" - من رواية (عبد الملك بن أبي سليمان) (أ) العَرْزَمي، وهو ثقة مأمون مقبول الزيادة.
تقدم الكلام في شفعة الجار.
وفي قوله: "ينتظر بها وإن كان غائبًا". فيه دلالة على أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى، وأنه لا يجب عليه السير متى بلغه الشراء لأجلها، وقد ذهب إلى هذا مالك وسيأتي، والهدوية فصَّلوا في ذلك فقالوا: إن كان (ب) مسافة الثلاث أو دون وجب عليه السير لأجلها، وإن كان فوق مسافة الثلاث لم يجب عليه السير. والحديث يحتمل تنزيله على هذا، ويكون المراد بـ "ينتظر بها" هو أنه لا يبطل لأجل بُعْده، (جـ بل ينتظر بها جـ) حيث قصد إلى طلبها.
وقوله: "إذا كان طريقهما واحدًا". قد عرفت ما دل عليه بمفهومه. قال ابن حجر في "شرحه على المشكاة": احتج به من يثبت الشفعة في المقسوم إذا كان الطريق مشتركًا. قال: ومرَّ أنَّه ضعيف. ثم قال: ومع تسليم الاحتجاج به محمول على جارٍ هو شريك، لكن مع هذا الحمل كيف
стр. 2384
يصح قوله: "إذا كان طريقهما واحدًا"؟ ويجاب بأنه (أ) عندنا لبيان الواقع لا للاحتراز، وأما مثبتوها للجار فيقولون بأنه للاحتراز؛ لأنهم يقدمون الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار، على من ليس بجار. انتهى كلامه.
٧٣٣ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الشفعة كحل العقال". رواه ابن ماجة والبزار وزاد: "ولا شفعة لغائب" (١). وإسناده ضعيف.
ولفظ الحديث من روايتهما: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل العقال". قال البزار (٢): في رواته (ب) محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني (٣)، له مناكير كثيرة. ورواه ابن عدي (٤) في ترجمة محمد بن الحارث (٥) راويه (جـ) عن ابن البيلماني، وحكى تضعيفه وتضعيف شيخه، وقال ابن حبان (٦): لا أصل له. وقال أبو زرعة (٧): منكر. وقال البيهقي (٨):
стр. 2385
ليس بثابت. وفي الباب حديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي بلا إسناد عن عمر مرفوعًا: "الشفعة لمن واثبها" (١). ويروى: "الشفعة كنشط العقال". وذكر عبد الحق في "الأحكام" (٢) عن ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه". وتعقبه ابن القطان بأنه لم يره في "المحلى" (٣). وأخرج عبد الرزاق (٤) من قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وذكره قاسم بن ثابت في "دلائله" (٥).
الحديث فيه دلالة على أن الشفعة تبطل بالتراخي، فإن تشبيهها بحل العقال يدل على تقليل وقتها وأنه وقت قصير يسير، ورواية نشطة العقال؛ أي شد العقال منشوطًا، كعقد التِّكَّة في سهولة الانحلال، وأنشطها: أي حلها، ومنه: "كأنما نُشِط من عقال" (٦). أي حُلَّ. وهو مَثَلٌ في سرعة وقوع الأمر، ورواية نَشْطَة مصدر نَشِط للوحدة، أو اسم مصدر أنشط، أي حَلَّ.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد الوقت الَّذي يعفى للشفيع؛ فبعض الهدوية اعتبر بالمجلس (أ)، وقال: إنه إذا شفع بعد أن علم بالبيع وهو باق في
стр. 2386
مجلس الخبر فهو غير متراخ ولو طال المجلس. وبعضهم قال: لا يعتبر المجلس، بل إذا علم بالبيع والمشتري حاضر وتراخى عقيب العلم بطلت شفعته، ولا يكون متراخيًا بتمام صلاة الفرض، ولا بتقديم السلام، ومثل هذا قول أبي حنيفة والشافعي، فإنهما قالا في حق الحاضر: هي واجبة له على الفور، بشرط العلم وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن الطلب ولم يطلب بطلت شفعته. إلا أن أبا حنيفة قال: إن أشهد بالأخذ لم تبطل شفعته وإن تراخى.
وقال مالك: ليست على الفور، بل وقت وجوبها متسع. واختلف قوله في هذا الوقت هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وأنها لا تنقطع أبدًا، إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرًا كبيرًا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأَشهَر، وقيل: أكثر من سنة. وقيل عنه: إن الخمسة الأعوام لا تنقطع فيها الشفعة. وقد روي عن الشافعي ثلاثة أيام. هذا ما ذكره في "نهاية المجتهد" (١)، ثم قال: وأما من لم يسقط الشفعة بالسكوت، فاعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امرئ ما لم يظهر من قرائن أحواله ما يدل على إسقاطه، [كأن هذا] (أ) أشبه بأصول الشافعي؛ لأن عنده أنَّه ليس يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه، ولكنه فيما أحسب اعتمد الأثر. انتهى. وأراد بالأثر هو قوله: "كحل عقال".
وأما الغائب فأجمع أهل العلم على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع
стр. 2387
شريكه، واختلفوا إذا علم وهو غائب؛ فقال قوم: تسقط شفعته. وقال قوم: لا تسقط. وهو مذهب مالك؛ ودليله حديث جابر المتقدم، وأيضًا فإن الغائب في الأغلب معوق (أ) عن الأخذ بالشفعة، فوجب عذره، وعمدة القائلين بسقوطها أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها.
اشتمل الباب على ثمانية أحاديث.
стр. 2388
باب القراض
٧٣٤ - عن صهيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث فيهن البركة؛ البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع".
رواه ابن ماجة (١) بإسناد ضعيف.
وأخرجه ابن عساكر (٢) عن صالح بن صهيب عن أبيه.
إنما كان البركة في الثلاث؛ لما في البيع إلى أجل من المساهلة والمسامحة، والمقارضة لما في ذلك من انتفاع الناس بعضهم ببعف، وخلط البر بالشعير إذا كان قوتًا، وأما إذا كان للبيع فلا؛ فإنه لا يؤمن من الغرر والغش، فإنه قد يظن المشتري أن فيه مثلًا النصف من البر، ولا يصدق الظن.
والمقارضة المراد بها القراض، والقراض هو معاملة العامل بنصيب من الربح، وهي في لغة أهل الحجاز تسمى قراضًا، وتسمى مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، لما كان تحصيل الربح في الأغلب بالسفر، أو مأخوذة من الضرب في المال وهو التصرف فيه والتقلب.
٧٣٥ - وعن حكيم بن حزام ﵁ أنَّه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالًا مقارضة: ألا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل؛ فإن فعلت شيثًا من ذلك فقد ضمنت مالي. رواه الدارقطني (٣) ورجاله ثقات، وقال مالك في "الموطأ" (٤): عن العلاء بن
стр. 2389
عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده، أنَّه عمل في مال لعثمان على أن الربح بينهما. وهو موقوف صحيح.
حديث حكيم أخرجه البيهقي (١) أيضًا بإسناد قوي.
الحديث فيه وفيما قبله دلالة على اعتبار المقارضة وشرعيتها، وقد روي عن علي ﵁ فيما أخرجه عبد الرزاق (٢) عنه أنَّه قال في المضاربة: الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه. وأخرج الشافعي (٣) في كتاب اختلاف العراقيين عن ابن مسعود أنَّه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٤). وروى البيهقي (٥) عن العباس بسند ضعيف، والطبراني (٦) في "الأوسط" عن ابن عباس قال: كان العباس إذا دفع مالًا مضاربة. فذكر القصة، وفيه أنَّه رفع الشرط إلى النبي ﷺ فأجازه. وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن عقبة عن يونس بن أرقم عن أبي الجارود عن حبيب بن يسار عن ابن عباس. وأخرج البيهقي (٧) عن جابر بلفظ أنَّه سئل عن ذلك فقال: لا بأس بذلك. وفي إسناده ابن لهيعة. فهذا الوارد فيه آثار من الصحابة وهو في حكم المجمع عليه لاشتهاره بين الصحابة من غير نكير. وقال ابن حزم في "مراتب
стр. 2390
الإجماع" (١): كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة حاشا القِراض فما وجدنا له أصلًا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع به أنَّه كان في عصر النبي ﷺ فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز. وقال في "نهاية المجتهد وغاية المقتصد" (٢)، ومثله في "البحر" أنَّه لا خلاف بين المسلمين في جواز القِراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وهي نوع من الإجارة إلا أنَّه عفي فيها جهالة الأجرة، وكانت الرخصة في ذلك لموضع الرفق بالناس، ولها أركان وشروط، فأركانها العقد بالإيجاب أو ما في حكمه، والقبول أو ما في حكمه، وهو الامتثال بين جائزي التصرف، إلا من مسلم لكافر، على مال نقد عند الجمهور، خلافًا لابن أبي ليلى، فجوز ذلك في العروض، وظاهره أنَّه يجوز أن يقارض الغير على أن يبيع له الثوب ويكون الربح بينهما، ويكون هذا من باب القراض، وإن كان كلامه يحتمل أنَّه يأمر العامل ببيع ذلك العرض ويكون ثمنه رأس مال القراض، وهذا أجازه أيضًا الهدوية.
ولها أحكام مجمع عليها؛ فمنها أن الجهالة مغتفرة فيها، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعدّ، وأنها تصح بالدراهم والدنانير المضروبة، واختلفوا في غير المضروب، واختلفت الرواية عن مالك؛ فروى أشهب المنع مطلقًا، وروى ابن القاسم الجواز إلا في المصوغ، والمانع شبَّهها بالعروض، والمجوز شبهها بالنقد والفلوس، منع ذلك فيها الهدوية وابن (أ) القاسم من المالكية، وأجازه أشهب ومحمد بن الحسن
стр. 2391
الشيباني، وأما إذا كان رأس المال دينًا على العامل فالجمهور على منعه، واختلفوا في العلة، فعند مالك لتجويز إعسار العامل بالدين فيكون تأخيره عنه لأجل الربح، فيكون من الربا المنهي عنه، وعند أبي حنيفة والشافعي لأن ما في الذمة لا يتحول عن الضمان ويصير أمانة، وعند الهدوية العلة أن ما في الذمة ليس بحاضر حقيقة، فلم يتعين كونه مال المضاربة، ومن شرط المضاربة أن تكون على مال من صاحب المال، واتفقوا أيضًا على أنَّه إذا شرط أحدهما من الربح لنفسه شيئًا زائدًا معينًا، أنَّه لا يجوز ويلغو.
وفي اشتراط حكيم بن حزام ما ذكر دلالة على أنَّه يجوز للمالك للمال أن يحجر العامل عما شاء، فإن خالف ضمن إذا تلف المال، وإن سلم المال فالمضاربة باقية -إذا كان رجع إلى الحفظ، وأما إذا كان الاشتراط لا يرجع إلى الحفظ بل كان يرجع إلى التجارة وذلك بأن ينهاه ألا يشتري نوعًا معينًا أو لا يبيع من فلان، فإنه يصير فضوليًّا إذا خالف، فإن أجاز المالك نفذ البيع، وإن لم يجز لم ينفذ البيع، والله أعلم.
اشتمل الباب على ثلاثة أحاديث.
стр. 2392
باب المساقاة والإجارة
٧٣٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه (١)، وفي رواية لهما (٢): فسألوا أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : "نقركم بها على ذلك ما شئنا". فقروا بها حتَّى أجلاهم عمر ﵁. ولمسلم (٣): أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها.
قوله: عامل أهل خيبر. هذا الحديث هو عمدة في ثبوت الزارعة والمخابرة والمساقاة، واختلف في تفسيرها؛ ففي وجه للشافعية أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وأشار إلى ذلك البخاري، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى، فالزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والمذر من المالك، والمخابرة كذلك إلا أن البذر من العامل، وفي كتب الهدوية مثل الوجه الأول. والمساقاة ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الَّذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصه الشافعي في الجديد بالنخل والكرم، إلحاقًا للكرم بالنخل بجامع أنَّه خرصهما
стр. 2393
عتاب بن أسيد (أفي الزكاة أ)، وخصه داود بالنخل، وقال مالك: يجوز في كل أصل ثابت؛ نحو الرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك، وهذا يجوز فيه من غير ضرورة، وفي غير ذلك كالبطخ يجوز مع عجز صاحبها عنها وكذلك الزرع. ولا يجوز في شيء من البقول عند الجميع، إلا ابن دينار، فإنه أجازها فيها إذا نبتت قبل أن تستقل (١)، ومرجع الخلاف هذا هل شرعيتها على خلاف القياس، وإنما ذلك رخصة؛ لأن فيه مخالفة للأصول، لأنه بيع ما لم يخلق، ولأنه من المزابنة وهو بيع الثمر بالثمر متفاضلان، لأن القسمة بالخرص بيع بالخرص؟ أو هي من الأحكام المشروعة ابتداءً لمصالح العباد، كالبيع وغيره؟ والظاهر هو الأول، ولذلك قصرها البعض على المنصوص، وبعضهم الحق ما شارك في العلة الخاصة، وبعضهم الحق ما عرف من الشارع تسوية الحكم بينه وبين المنصوص عليه وهو الكرم عند الشافعي؛ لما عرف من التسوية بينهما في الخرص للزكاة.
واختلف العلماء في حكم المساقاة والمزارعة؛ فذهب الجمهور إلى جوازهما، واحتجوا بهذا الحديث، وذهب أبو حنيفة والهدوية إلى أنها لا تصح وهي فاسدة، وتأولوا هذا الحديث وغيره بأن خيبر فتحت عَنْوَة، فكان أهلها عبيدًا له ﷺ ، فما أخذه فهو له وما تركه فهو له، وأجاب الجمهور بأن قوله: "أقركم على ما أقركم الله". صريح في أنهم ليسوا بعبيد، قال القاضي (٢): وقد اختلفوا في خيبر؛ هل فتحت عنوة أو صلحًا أو أجلي عنها
стр. 2394
أهلها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة وبعضها جلا عنه أهله، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة؟ وهذا أصح الأقوال، [وهي] (أ) رواية مالك ومن تابعه، وبه قال ابن عيينة. قال: وفي كل قول أثر مروي، وفي رواية لمسلم (١) أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين ظهر عليها رسول الله ﷺ لله ولرسوله وللمسلمين، وهذا يدل على قول من قال: إنها فتحت عنوة. إذ حق المسلمين إنما هو في العنوة، وظاهر قول من قال: صلحًا. أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين.
واختلفوا فيما تجوز عليه المساقاة من الأشجار، فقال داود: تجوز على النخل خاصة. وقال الشافعي: تجوز على النخل والعنب خاصة. وقال مالك: تجوز على جميع الأشجار. وهو قول للشافعي، فأما داود فرآها رخصة فلم يتعد المنصوص عليه، وأما الشافعي فوافق داود في كونها رخصة، لكن قال: حكم العنب حكم النخل في معظم الأبواب. وأما مالك فقال: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل الجميع فيقاس عليه. والله أعلم.
وقوله: بشطر ما يخرج منها. فيه بيان الجزء المساقَى عليه من نصف أو ربع أو غيرهما من الأجزاء المعلومة، ولا يجوز على مجهول إجماعًا، كقولك: على أن لك بعض الثمرة. واتفق المجوزون للمساقاة بأنها تصح بما رضي به المتعاقدان من قليل أو كثير.
وقوله: من ثمر أو زرع. فيه دلالة على جواز المزارعة تبعًا للمساقاة،
стр. 2395
والقائل به الأكثرون، فيساقيه على النخل ويزارعه على الأرض كما جرى في خيبر. وقال مالك: يجوز فيما كان بين الشجر من الزرع، ولا يجوز في غيره، والخلاف لأبي حنيفة والهدوية وزفر في أن المزارعة والمساقاة فاسدتان سواء جمعهما أو فرقهما، ولو عقدتا صح الفسخ وكان العقد فاسدًا، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وسائر الكوفيين وفقهاء المحدثين وأحمد وابن خزيمة وابن سريج وآخرون وهو قول علي وأبي بكر وعمر وابن المسيب: تجوز المساقاة والمزارعة مجتمعتين، وتحوز كل واحدة منهما منفردة. وهذا هو الظاهر المختار، ولا يقبل دعوى كون المزارعة في خيبر إنما جاءت تبعًا للمساقاة، بل جاءت مستقلة، ولأن المعنى الموجود في المساقاة موجود في المزارعة، وقياسًا على القراض فإنه جائز بالإجماع، فهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة.
قوله: "ما شئنا". وفي رواية الموطأ (١): "أقركم على ما أقركم الله".
قال العلماء ﵏: وهو عائد إلى مدة العهد. والمراد: إنما نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم إذا شئنا؛ لأنه ﷺ كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر أمره ﷺ على ما دل به الحديث وغيره (٢)، واحتج به أهل الظاهر على جواز المساقاة مدة مجهولة، وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة كالإجارة. وتأولوا الحديث على مدة العهد، وقيل: كان ذلك في أول الإسلام خاصة للنبي ﷺ .
стр. 2396
وقيل: معناه أن لنا إخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة. وكانت سميت مدة، ويكون المراد بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم كالبيع والنكاح، بل بعد انقضاء المدة تنقضي المساقاة، فإن شئنا عقدنا عقدًا آخر، وإن شئنا أخرجناكم، وقال أبو ثور: إذا [أطلقا] (أ) المساقاة اقتضي ذلك سنة واحدة. وعن مالك: إذا قال: ساقيتك كل سنة بكذا. [جاز (ب) ولو] لم يذكر أمدًا، وحمل قصة خيبر على ذلك. واتفقوا على أن الإجارة لا تجوز إلا بأجل معلوم، وهي من العقود اللازمة بخلاف الزارعة. وقال ابن القيم في "الهدي النبوي" (١): في قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة؛ تمر (جـ) أو زرع، كما عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين، وأنه ﷺ دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعًا، فدل على أن هديه عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هدي خلفائه الراشدين من بعده، وكما أنَّه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء،
стр. 2397
ولهذا يموت في الأرض، ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة لاشْتُرِطَ (أ) عودُه إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين في ذلك. انتهى. وهذا الذي قاله ابن القيم كلام متين، العمل عليه في جميع بلاد الإسلام من غير إنكار خلفًا عن سلف.
وقوله: على أن يعتملوها من أموالهم. بيان [لوظيفة] (ب) عامل المساقاة؛ وهو أن عليه جميع ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر واستزادته مما يتكرر كل سنة؛ كالسقي وتنقية الأنهار، وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه، وتنحية الحشيش والقضبان (١) عنه، وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك، وأما ما يقصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة، كبناء الحيطان وحفر الأنهار، فعلى المالك. والله أعلم.
٧٣٧ - وعن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خَديج ﵁ عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، (جـ ولم يكن جـ) للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا
стр. 2398
بأس به. رواه مسلم (١)، وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه (٢) من إطلاق النهي عن كراء الأرض.
هو حنظلة بن قيس الزُّرَقي الأنصاري من ثقات أهل المدينة وتابعيهم، سمع رافع بن خديج وأبا هريرة وابن الزبير، روى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري. والزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف (٣).
هذا الحديث فيه دلالة على صحة إكراء الأرض بأجرة معلومة من الذهب والفضة، ويقاس عليهما غيرهما من سائر الأشياء المتقومة، وقد اختلف العلماء في إكراء الأرض؛ فقال طاوس والحسن البصري رحمهما الله تعالى: لا يجوز، سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق أحاديث النهي عن كراء الأرض. وقال الشافعي وأبو حنيفة والهدوية وسائر أئمة العترة: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وبالطعام والثياب (أ) وسائر الأشياء، سواء كانت من جنس ما يزرع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء مما يخرج منها؛ كالثلث والربع، وهي المخابرة، ولا يجوز أيضًا أن يشرط له قطعة معينة. وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط. وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وغيرهم: يجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز الزارعة بالثلث والربع
стр. 2399
وغيرهما. وبهذا قال ابن [سريج] (أ) وابن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي الشافعية، وهو مروي عن علي وابن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد ابن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب، وأما طاوس والحسن فقد سبق حجتهما، وأما الشافعي وموافقوه فاحتجوا [بصريح] (ب) حديث رافع بن خديج، وتأولوا أحاديث النهي على تأويلين؛ أحدهما حملها على إجارتها بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة، أو بالثلث أو بالربع، ونحو ذلك. والثاني حملها على كراهة التنزيه، والإرشاد إلى إعارتها كما نهي عن بيع الهرِّ نهي تنزيه، ورغبوا في تواهبه، ونحو ذلك، وهذان التأويلان لا بد منهما أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاري (١) وغيره عن ابن عباس ﵁.
وقوله: على الماذيانات. هو بذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوق. هذا هو المشهور، وحكى القاضي عياض (٢) عن بعض الرواة فتح الذال في غير "صحيح مسلم" وهي مسايل المياه. وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء. وقيل: ما ينبت حول السواقي. وهي لفظة معربة ليست عربية. و: أقبال. بفتح الهمزة أي أوائل الجداول ورءوسها. والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية.
стр. 2400
وأما الربيع فهو الساقية الصغيرة وجمعه أربعاء كنبي وأنبياء، وربعان كصبي وصبيان. والمعنى أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه القطعة، والباقي للعامل، فنهوا عن ذلك لما فيه من الغرر، فربما هلك هذا دون ذاك.
واعلم أن الأحاديث وردت في إباحة إكراء الأرض على ما يخرج من الأرض من ثلث أو ربع أو نحوه؛ فمنها عن ابن عمر قال: قد علمت أن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ﷺ بما على الأرْبعَاءِ وشيء من التبن لا أدري كم هو. أخرجه مسلم (١)، وأخرج (٢) عن عبد الملك [أبي زيد] (أ) قال: كان ابن عمر يعطي أرضه بالثلث والربع، ثم تركه ابن عمر. وأخرج الحازمي [في] (ب) "الناسخ والمنسوخ" (٣) قال (جـ): أخبرنا إبراهيم بن محمد، فقلنا لطاوس: ما بال ابن عمر ترك الثلث وأنت لا تدعه وإنما
стр. 2401
[سمعتما] (أ) حديثًا واحدًا؟ يعني حديث رافع، فقال: إني والله لو أعلم أن رسول الله ﷺ قاله ما فعلته، ولكن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له أرض فإنه إن يمنحها أخاه خير له". هذا حديث له طرق وفيه اختلاف ألفاظ لا يمكن حصرها في هذا المختصر، ووردت أحاديث النهي منها ما أخرجه مسلم (١) عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني سالم ابن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء المزارع، فلقيه عبد الله فقال: يا بن خديج، ماذا تحدث عن رسول الله ﷺ في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد الله: سمعت عَمَّيَّ -وكانا قد شهدا بدرًا- يحدثان أهل الدار، أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى. ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن [علمه] (ب) فترك كراء الأرض. وأخرج مسلم (٢) عن نافع، أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ، فدخل عليه وأنا معه، فسأله فقال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع. فتركها ابن عمر بعدُ، وكان إذا سئل عنها بعد، قال:
стр. 2402
زعم ابن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها .. وحاول الخطابي (١) رحمة الله تعالى عليه الجمع بين الأحاديث، وأن حديث النهي مجمل تفسيره بالأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وغيره من طرق أخر، وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأنه ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرج الأرض، وإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أرضهم وأن يرفق بعضهم ببعض، وقد ذكر رافع بن خديج في رواية أخرى النوع الذي حرم منها والعلة التي من أجلها نهي عنها، وذكر الخطابي الحديث الذي ذكره المصنف هنا، ولكنه يقال للخطابي: فأين أنت من الرواية الأخرى التي أخرجها مسلم (٢) عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليُزرعها أخاه، ولا يُكْرِها أخاه، ولا يُكْرِها بالثلث ولا بالربع ولا بطعام مسمى"؟ وروي سعيد بن أبي عروبة [عن يعلى بن حكيم] (أ) عن سليمان مثله (٣). وأخرج مسلم (٤) من حديث جابر قال: كان لرجال من الأنصار فضول أرض وكانوا يكرونها بالثلث والربع، فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسكها". وهذا الحديث مروي عن جابر من وجوه، فتعين [الوجه الأول؛ أن] (ب) النبي ﷺ نهاهم عن المؤاجرة في أول الأمر لحاجة الناس، وكون المهاجرين لم
стр. 2403
يكن لهم أرض، فأمروا بالتكرم للمواساة، مثل ما نهوا عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بذلك، ثم بعد توسع الملك للمسلمين زال الاحتياج، فأبيح لهم المؤاجرة وتصرف المالك في ملكه بما شاء من إجارة أو غيرها، ويدل على ذلك ما وقع من المؤاجرة في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ومن البعيد غفلتُهم عن النهي وترك إشاعة رافع لذلك في هذه المدة، وذكره في آخر خلافة معاوية، مع أنه قد رُوي عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تُكْرُوا المزارع" (١). فهو مقيد بما حصل فيه الخصام، فهو محتمل أن يكون ذلك على وجه المشورة والإرشاد دون الإلزام والإيجاب، ولكنه يجاب عنه بأنه لما كان مثل هذه المؤاجرة تؤدي إلى الخصام، وكان وجه النهي والمنع والعقود المنهي عنها التي كان سبب النهي عنها الغرر ونحوه، إنما نهي عنها لأجل ما تفضي إليه من الخصام، وتعلق النهي بالمظنة وإن لم تحصل المائنة (٢) في بعض المواد، فيكون وجه النهي عن هذه المزارعة هو ما قد يفضي إليه من الخصام، وهذا يقتضي فساد المعاملة إلا أن يمنع كون ذلك مظنة، وإنما هو أمر نادر فيتم الاحتجاج، وهذا حاصل ما ورد، والله أعلم.
٧٣٨ - وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة. رواه مسلم أيضًا (٣).
стр. 2404
هو أبو زيد ثابت بن الضحاك بن أمية الخزرجي الأنصاري (١) كان رديف النبي ﷺ يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان وهو صغير، ومات في فتنة ابن (أ) الزبير، روى عنه أبو قلابة، وأمية بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء.
تقدم الكلام في الحديث.
٧٣٩ - وعن ابن عباس ﵁ قال: احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الذي حجمه أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه. رواه البخاري (٢).
هذا اللفظ أخرجه البخاري في كتاب البيع وفي كتاب الإجارة (٣) بلفظ: ولو علم كراهيةً (ب) لم يعطه. فقوله: ولو إلخ. كأنه قصد به ابن عباس الرد على من قال: إن كسب الحجام حرام. وقد اختلف العلماء بعد ذلك في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: هو كسب فيه دناءة، وليس بمحرم. فحملوا النهي عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أبيح. وجنح إلى ذلك الطحاوي (٤)، وهذا مستقيم إذا عرف التاريخ والتأخر وإلا كان متعارضًا، واحتيج إلى الجمع بينهما بما ذكر، وذهب أحمد وجماعة إلى
стр. 2405
الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم حديث محيصة أنه سأل رسول الله ﷺ عن كسب الحجام فنهاه، فذكر له الحاجة فقال: "اعلفه نواضحك". أخرجه مالك وأحمد وأصحاب "السنن" (١) ورجاله ثقات، وذكر ابن الجوزي (٢) أن أجرة الحجام إنما كرهت لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانته له عند الاحتياج إليه، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرًا. وجمع ابن العربي (٣) بين قوله ﷺ : "كسب الحجام خبيث". وبين إعطائه الحجام أجرته، بأن محل (أ) الجواز ما (ب) إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ومحل الزجر ما إذا كانت على عمل مجهول. وفي الحديث دلالة على إباحة الحجامة، ويلتحق بها ما يتداوى به من إخراج الدم وغيره، وحل الأجرة على المعالجة بالطب.
٧٤٠ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كسب الحجام خبيث". رواه مسلم (٤).
стр. 2406
قوله: "خبيث". [الخبيث] (أ) ضد الطيب، والحديث فيه دلالة على أنه يجتنب كسب الحجام، ولا يدل على تحريم الكسب، وإنما يدل على أنه ينبغي التنزه منه، وقد تقدم الخلاف في ذلك ولعله يمكن أن يتأول بهذا (ب) الحديث حديث: "من السحت كسب الحجام" (١). بأنه لعدم طيبه شبه بالسحت الذي هو الحرام فأطلق عليه، وقد يطلق السحت أيضًا على ما خبث من المكاسب فيكون في معنى الخبيث.
٧٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" رواه مسلم (٢).
قوله: "خصمهم". الخصم مصدر خصمته أخصمه، نعت به للمبالغة، ووقع خبرًا عن المبتدأ كالعدل والصوم.
وقوله: "أعطى بي". أي حلف باسمي وعاهد، أو أعطى الأمان باسمي، أو بما شرعته من ديني، وهو مجمع على تحريم الغدر والنكث، والأدلة عليه من الكتاب والسنة متظافرة ظاهرة، وكذلك بيع الحر وأكل الثمن فهو محرم بالإجماع.
стр. 2407
وقوله: "فاستوفى منه". أي استوفى عمل الأجير فيما استأجره لأجله، والله أعلم.
٧٤٢ - وعن ابن عباس ﵁ (أ): إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. أخرجه البخاري.
هذا طرف من حديث ذكره البخاري هنا في الإجارة معلقًا موقوفًا، ووصله في كتاب الطب (١)، وفيه دلالة على أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ذهب إلى ذلك عطاء ومالك والشافعي والقاسم وأبو ثور، وهو قول الجمهور، وسواء كان المتعلم كبيرًا أو صغيرًا، ولو تعين على المعلم، ويقوي هذا الحديث الذي يأتي في النكاح في جعل المهر تعليمها (ب) ما معه من القرآن (٢)، وذهب الهدوية والزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه إلى أنه لا يحل أخذ الأجرة ولا العوض على تعليم القرآن، واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت أخرجه أبو داود (٣)، ولفظه: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال وأرمي عليه (جـ) في سبيل الله [لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه] (د)، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنت أعلمه القرآن والكتاب،
стр. 2408
وليست بمال فأرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: "إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها". فهذا فيه دلالة على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وظاهره العموم سواء كان مما يتعين على المعلم أو لا؛ لأنه لم يستفصل الأمر في ذلك، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، كما نص عليه الشافعي وبنى عليه جمع كثير من أهل الأصول. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه كان متبرعًا بالتعليم، ناويًا للإحسان، غير قاصد لأخذ الأجر، فحذره النبي ﷺ من إبطال أجره وتوعده، وكان سبيل عبادة في ذلك سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعًا قد غرق في البحر تبرعًا وحسبةً، فليس له أن يأخذ عليه عوضًا، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعل حسبةً كان ذلك جائزًا، وفي أخذ العوض من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة (أ)؛ فإنهم قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذ المال منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب. وبعضهم أجاب بأن هذا منسوخ بحديث ابن عباس، وأجيب بأن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ وتأخر الناسخ، وقد يجاب عنه بأن حديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس، فإن ذلك حديث صحيح وله شواهد أيضًا، وهذا الحديث من رواية مغيرة بن زياد عن عبادة بن نُسيٍّ عن الأسود بن ثعلبة عنه، ومغيرة مختلف فيه، واستنكر أحمد حديثه (١)، وناقض الحاكم وصحح حديثه في "المستدرك" (٢)، واتهمه به في موضع آخر (٣) فقال: يقال: إنه حدث عن
стр. 2409
عبادة بن نسي بحديث موضوع. والأسود بن ثعلبة (١) قال ابن المديني في كلامه على هذا الحديث: إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث. كذا قال مع أن له حديثًا آخر من روايته عن عبادة بن الصامت أيضًا، رواه أبو الشيخ (٢) في كتاب "ثواب الأعمال"، وثالثًا أخرجه الحاكم (٣) عنه في النفساء تطهر، ورابعًا أخرجه البزار (٤) في الفتن، كلاهما من حديث معاذ بن جبل ولم ينفرد به عن عبادة، بل تابعه ابن أبي أمية، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي (٥)، لكن قال البيهقي: اختلف فيه على عبادة؛ فقيل: عنه، عن الأسود بن ثعلبة. وقيل: عنه، عن جنادة. ورواه الدارمي (٦) بسند على شرط مسلم من حديث أبي الدرداء، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل (٧) لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم (٨): ما به بأس. وقال دُحَيم (٩): حديث أبي الدرداء في هذا ليس له أصل. فمع هذا المقال في رواية هذا الحديث لا يعارض الحديث الثابت، وعلق البخاري (١٠) آثارًا عن الشعبي وعن الحكم وعن الحسن، ووصل ابن أبي شيبة (١١) أثر الشعبي بلفظ: وإن أعطي شيئًا فليقبله. ولفظ البخاري: لا يشترط إلا أن يُعطَى فيقبل. ولفظ البخاري قول الحكم: لم أسمع أحدًا كره
стр. 2410
أجرة المعلم. وصله البغوي في "الجعديات" (١)، حدثنا علي بن الجعد عن شعبة: سألت معاوية بن قرة في أجر المعلم فقال: أرى له أجرًا. وسألت الحكم فقال: ما سمعت فقيهًا (أ) يكرهه. ولفظ البخاري قول الحسن: وأعطى الحسن عشرة دراهم. ووصله ابن سعد في "الطبقات" (٢) من طريق يحيى بن سعيد بن أبي (ب) الحسن قال: لما حذقت (جـ) قلت لعمي: يا عماه، إن المعلم يريد شيئًا. قال: ما كانوا يأخذون شيئًا. ثم قال: أعطه خمسة دراهم. فلم أزل به حتى قال: أعطه عشرة دراهم. وروى ابن أبي شيبة (٣) من طريق أخرى عن الحسن قال: لا بأس أن يأخذ على الكتابة أجرة. وكره الشرط.
فائدة تلحق بأجر المعلم: قال البخاري (٤) ﵀: ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا، وكان يقال: السحت الرشوة في الحكم. وكانوا يعطون على الخرص. انتهى. قال الحافظ (٥) رحمه الله تعالى في "شرحه": أما قوله في أجرة القسام فاختلفت الرواية عنه؛ فروى عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق يحيى عن ابن سيرين أنه كان يكره أجور القسام، ويقول: كان يقال: السحت الرشوة على الحكم. وأرى هذا حكمًا يؤخذ عليه الأجر. وروى
стр. 2411
ابن أبي شيبة (١) من طريق قتادة (أ) قال: قلت لابن المسيب: ما ترى في كسب القسام؟ فكرهه. وكان الحسن يكره كسبه، وقال ابن سيرين: إن لم يكن [خبيثًا] (٥) فلا أدري ما هو. وجاءت عنه رواية يجمع بها بين هذا الاختلاف؛ قال ابن سعد (٢): حدثنا عارم حدثنا حماد عن يحيى [عن] (جـ) محمد، هو ابن سيرين، أنه كان يكره أن يشارط القسام. فكأنه كان يكره له أخذ الأجرة على سبيل المشارطة، ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط كما تقدم عن الشعبي، وظهر بما أخرجه ابن أبي شيبة أن قول البخاري: وكان يقال: السحت الرشوة. بقية كلام ابن سيرين، وأشار ابن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت من قولهم في تفسير السحت أنه الرشوة في الحكم. وأخرجه ابن جرير (٣) بأسانيده عنهم وأورده من وجه آخر مرفوعًا ورجاله ثقات، ولكنه مرسل (٤)، ولفظه: "كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به". قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: "الرشوة في الحكم".
والقسام بفتح القاف وهو الذي يقسم، وفي "شرح الكرماني" (٥) بضم
стр. 2412
القاف جمع قاسم، والسحت بضم السين وسكون الحاء الهملتين، [وحكي ضم الحاء] (أ) وهو شاذ، وفسر بعضهم السحت بما يلزم من أكله العار، فهو أعم من الحرام، ويدخل فيه مثل كسب الحجام على ما تقدم إذا قيل بحله، والرشوة بفتح الراء وقد تكسر وتضم، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم.
وقوله: وكانوا يعطون على الخرص. وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ثم صاد مهملة، هو الحزر وزنًا ومعنى. وكانوا يعطون أجرة الخارص، وفي ذلك دلالة على جواز أجرة القسام لاشتراكهما في أن كلَّا منهما يفصل التنازع يبن المتخاصمين، ولأن الخارص يقصد القسمة. وكره مالك أخذ الأجرة على عقد الوثائق لكونها من فروض الكفايات، وكره أيضًا أجرة القسام. وقيل: إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال، فكره له أن يأخذ أجرة أخرى. وأشار سحنون إلى الجواز عند فساد أمور بيت المال، وقال عبد الرزاق (١): أخبرنا معمر عن قتادة: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر؛ ضراب الفحل، وقسمة الأموال، والتعليم. انتهى. وهذا مرسل وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك يتبرعون بها، فلما فشا الشح طلبوا الأجرة، فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق، ولعله يحمل كراهة من قال بها على التنزيه والله أعلم.
ثم ذكر البخاري (٢) أخذ الأجرة على الرقية، وأخرج من حديث أبي
стр. 2413
سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ -هو بالدال المهملة- سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله قد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا. فصالحوهم على قطع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فكأنما نشمط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة -أي علة- قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ ". ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا". فضحك رسول الله ﷺ . وإيراد البخاري لهذا الحديث في هذا الباب لتأييد جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وإن كان هذا ليس من باب التعليم، ولكن فيه دلالة على جواز أخذ العوض في مقابلة قراءة القارئ للقرآن تعليمًا أو غيره؛ إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للتطبيب، والله أعلم.
٧٤٣ - وعن ابن عمر (أ) ﵄ (ب) قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". رواه ابن ماجه (١). وفي
стр. 2414
الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أبي يعلى والبيهقي (١)، وجابر عند الطبراني (٢)، وكلها ضعاف.
حديث ابن عمر فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحديث جابر فيه شرَقي بن قطامي ومحمد بن زياد الراوي عنه، وذكر البغوي في "المصابيح" (٣) هذا الحديث [في] (أ) الحسان، وغلط بعض الحنفية فعزاه إلى "صحيح البخاري"، وليس فيه، وإنما فيه حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثة أنا خصمهم". فذكر فيه: "ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٤). والله أعلم.
٧٤٤ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من استأجر أجيرًا فليسم (أ) له أجرته". رواه عبد الرزاق وفيه انقطاع، ووصله البيهقي من طريق (ب) أبي حنيفة (٥).
стр. 2415
رواه من طريق أبي حنيفة عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عنه قال. وخالفه حماد بن سلمة فرواه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري، وهو منقطع، وتابعه معمر عن حماد مرسلًا أيضًا (١). وقال عبد الرزاق (٢): عن الثوري ومعمر عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة وأبي سعيد أو أحدهما عن النبي ﷺ قال: "من استأجر أجيرًا فليَسُنَّ (٣) له أجرته". أخرجه إسحاق في "مسنده" عن عبد الرزاق، وهو عند أحمد (٤) وأبي داود في "المراسيل" (٥) من وجه آخر، وهو في لفظ أبي حنيفة: "فليعطه أجره". فهو بهذا اللفظ مؤيد للحديث المتقدم في التوصية بإيفاء الأجير. وفي لفظ: "فليسم له أجره". أمر بتسمية الأجرة؛ لئلا تكون مجهولة فيؤدي إلى الشجار والخصام، ولفظ: "فلْيَسُنّ". في معنى: "فليسم". والله أعلم.
стр. 2416
باب إحياء الموات
الموات بفتح الميم والواو الخفيفة قال الفراء: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياؤها هو عمارتها، فالإحياء استعارة أصلية، والموات استعارة أصلية [أيضًا] (أ)، وإحياؤه هو عمارة الأرض وسقيها وزرعها وغرسها وقلع ما فيها من الخَلَا (١) وتنقيتها ونحو ذلك، قال الإمام يحيى: الإحياء ورد مطلقًا من جهة الشرع، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد تبين مطلقات (ب) الشارع، كما قلنا في قبض المبيعات والحرز في السرقة مما يحكم به العرف، والمستعمل في الإحياء عرفًا هي أسباب خمسة؛ وهي تبييض الأرض وتنقيتها حتى تصلح للزرع أو غيره، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير (٢) الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، وقالت الفقهاء الأربعة: ليس ذلك شرطًا، بل المعتبر فيه كالحائط؛ ما يمنع الداخل والخارج كما في الجَرِين (٣) لا في غيره، والمسُنَّاة (٤) للغدير من ثلاث جهات، والحفر في المعدن والبئر وإن لم يصل إلى الماء، واعتبر الإمام يحيى الوصول إلى الماء في البئر.
٧٤٥ - وعن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
стр. 2417
"من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها". قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. رواه البخاري (١).
قوله: "عمر". بلفظ الفعل الثلاثي ذكره الحميدي (٢) في "جامعه"، وكذا عند الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري، وفي البخاري: "من أعمر" بفتح الهمزة والميم من الرباعي، قال القاضي عياض (٢): كذا وقع والصواب: "عمر" ثلاثيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ (٣). إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا. قال ابن بطال (٤): ويمكن أن يكون أصله: من اعتمر أرضًا. أي اتخذها، وسقطت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سمع (أ) الرباعي، يقال (ب): أعمر الله بك منزلك. فالمراد (جـ): من أعمر أرضًا بالإحياء فهو أحق بها من غيره. وحذف متعلق "أحق" للعلم به (٥)، ووقع (د) في رواية أبي ذر (٦): "من أُعمر" بضم
стр. 2418
الهمزة، أي: أعمره غيره، وكأن المراد بالغير هو الإمام.
الحديث فيه دلالة على أن الإحياء مملك ولكنه شرط ألا يكون قد ملكها مسلم أو ذمي، وكذلك إذا كان تعلق بها حق للغير، وسواء كان الحق خاصًّا كالطريق المخصوص وكالمتحجر بما لا يفيد الملك، أو كان عامًّا كالمحتطب والمرعى والميدان وغير ذلك، وظاهر الحديث أنه لا يحتاج إلى إذن الإمام إلا على رواية "أعمر" [مغير الصيغة] (أ) كما عرفت، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك أنه يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب، وضابط القرب [أنه] (ب) ما بأهل القرية إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج الطحاوي (١) للجمهور مع هذا الحديث بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن أخذه لا يحتاج إلى إذن الإمام سواء قرب أو بعد، وسواء أذن أم لم يأذن. وأما ما تقدم عليها يد لغير معين ثم ماتت فلا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام.
ولا يمكن الكافر من الإحياء، لقوله ﷺ : "عاديّ (٢) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم" (٣). فلا يمكن الكافر لأن الخطاب للمؤمنين، وأما
стр. 2419
إحياء ما تعلق به حق لغير معين كبطون الأودية فلا يجوز إلا بإذن الإمام بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة، كذا ذكره بعض الهدوية، وقال أبو طالب: يجوز إحياؤها بغير إذن الإمام مع أنه يشترط في إحياء الموات إذن الإمام، قال: لأنها جارية مجرى الغيطة المباحة، وفرق بين بطون الأودية والأرض الموات لقوله ﷺ : "موتان (٥) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني" (١) بخلاف بطون الأودية فإنه قال فيها: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". ولم يشترط إذنه فيها، فهذا هو الفرق عنده. ذكره الإمام يحيى عنه، وقال المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة: لا يجوز؛ لجريها مجرى الأملاك لتعلق [حق] (ب) المسلمين بها؛ إذ هي مجرى السيول. قال الإمام المهدي: وهو قوي، فإن تحول عنها جري الماء جاز إحياؤها بإذن الإمام لانقطاع الحق وعدم تعين أهله، وليس للإمام الإذن بعد ذلك إلا لمصلحة عامة لا ضرر فيها. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: يحرم إحياء محتطب القرية ومرعاها لتعلق حقهم به، وهو مفهوم من قوله: "ليست لأحد". إذ هو يعم ما كان حقًّا وما كان ملكًا. قال المؤيد بالله: ومن فعل ملك وإن أثم. وحمل قوله على أنها متسعة بحيث لا ضرر، هكذا في "الانتصار" عن المؤيد بالله، وروى في "الزهور" عنه أنه لا إثم عليه، قيل: وهو قول الشافعي. وقال القاضي زيد: يفصل فإن أضر لم يجز، وإلا جاز. وجعل كلامه هذا تأويلًا لقول المؤيد بالله، قال الفقيه يحيى: وفي تأويله نظر؛ لأن المؤيد بالله صرح في الزيادات أنه يجوز وإن أضر بهم.
стр. 2420
وقوله: وقضى به عمر. هذا في حكم المرسل؛ لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر، قال خليفة: وهو قضيةُ قولِ ابن أبي خيثمة؛ أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة؛ لأن يوم الجمل كان سنة ست وثلاثين، وعمر توفي سنة ثلاث وعشرين. وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رددت يوم الجمل؛ استصغرت (١).
٧٤٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". رواه الثلاثة (٢)، وحسنه الترمذي وقال: روي مرسلًا. وهو كما قال، واختلف في صحابيه (أ)، فقيل: جابر. وقيل: عائشة. وقيل: عبد الله بن عمر. والراجح (ب) الأول.
وهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بضم النون وفتح الفاء، العدوي القرشي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قديمًا قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي ﷺ