يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عنه (١)، قال الحاكم: صحيح الإسناد. [وتُعقِّب] (أ) بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ، ولكن سماعه منه ممكن. وقد زعم الجوزقاني (ب) أنَّه باطل (٢)، وهي مجازفة، وقال القرطبي (٢) في "المفهم": هو كلام يحكى ولا يروى. كذا قال، ويجاب عنه بأنه قد رواه من تقدم، فكأنه ما وقف على ذلك.
وأخرج أحمد بن منيع (٣) بسند قوي عن معاذ أنَّه كان يورث المسلم من الكافر من غير عكس. وأخرج مسدد (٤) عنه أن أخوين اختصما إليه -مسلم ويهودي- مات أبوهما يهوديًّا، فحاز ابنه اليهودي ماله، فنازعه المسلم، فورّث معاذ المسلم. وأخرج عبد الله بن أبي شيبة (٥) من طريق عبد الله بن [معقل] (جـ) قال: ما رأيت قضاءً أحسن من قضاء معاوية؛ نَرِثُ أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحل لنا النكاح فيهم ولا يحل لهم. وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق.
وأجاب الجمهور أنَّه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، وأما الحديث فدلالته على أنَّه يفضل غيره من سائر
стр. 2522
الأديان، ولا يزال يزداد، ولا ينقص في وقت من الأوقات، ولا تعلق له بالإرث، وقد عارضه قياس آخر وهو أن التوارث متعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ (١). وذهب إلى ما ذهب إليه معاذ الإمامية والناصر، والحجة عليهم ما مرّ.
وقوله: "ولا ورث الكافرُ المسلمَ". وهذا مجمع عليه (٢).
٧٧٦ - وعن ابن مسعود ﵁ في بنت وبنت ابنن وأخت: قضى النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. رواه البخاري (٣).
الحديث فيه دلالة على توريث الأخت للباقي، وهذا مجمع عليه.
ورجع أبو موسى لما أفتى بأن للأخت النصف، ثم أمر السائل له أن يسأل ابن مسعود، فقضى ابن مسعود بقضاء النبي ﷺ ، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. وفي رواية النسائي (٤): جاء رجل إلى أبي موسى الأشعرى وهو الأمير وإلى [سلمان] (ح) بن ربيعة الباهلي فسألهما، وكان [سلمان] قاضيًا على الكوفة، وكانت هذه القصة في زمن عثمان؛ لأنه
стр. 2523
الَّذي أمَّر أبا موسى على الكوفة، وكان ابن مسعود قبل ذلك أميرًا، ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة. قال ابن بطال (١): يؤخذ منها أن للعالم أن يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة، ولا يترك الجواب إلى أن يبحث عن ذلك، وأن الحجة عند التنازع هي السنة فيجب الرجوع إليها، وفي كلام أبي موسى دلالة على ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف بالحق والرجوع إليه وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل، وكثرة اطلاع ابن مسعود على السنة، وتثبت أبي موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنَّه أعلم منه.
قال (٢): ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله.
وقال ابن عبد البر (٣): لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى و [سلمان] بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل [سلمان] أيضًا رجع كأبي موسى.
و [سلمان] المذكور مختلف في صحبته، وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان، واستشهد في زمن عثمان، وكان يقال له: [سلمان] الخيل.
لمعرفته بها.
وقوله: الحبَر. بفتح المهملة وبكسرها أيضًا وسكون الموحدة، حكاه الجوهري (٤) ورجح الكسر، وجزم الفراء بأنه بالكسر وقال: سمي باسم الحير
стр. 2524
الَّذي يكتب به. وقال أبو عبيد الهروي (١): هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين، وأنكر أبو الهيثم الكسر. وقال الراغب (٢): يسمى العالم حبرًا لما يبقى من أثر علومه.
٧٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي (٣)، وأخرجه الحاكم بلفظ أسامة (٤)، وروى النسائي (٥) حديث أسامة بهذا اللفظ.
الحديث، ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر في حديث (٦)، ومن حديث جابر رواه الترمذي (٧) [واستغربه] (أ) وفيه ابن أبي ليلى، وأخرجه البزار (٨) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا تورث ملة من ملة". وفيه
стр. 2525
عمر بن راشد (١)، قال (٢): إنه تفرد به، وهو لين الحديث، ورواه النسائي والحاكم والدارقطني بهذا اللفظ من حديث أسامة بن زيد (٣)، وقال الدارقطني (٢): هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ. وأخرجه المزي في "الأطراف" (٤) من جميع رواياته عن أسامة: "لا يتوارث أهل [ملتين] (أ) ".
والحديث فيه دلالة على أنَّه لا يتوارث أهل ملتين، وظاهره العموم في اختلاف الملتين، سواء كان بإسلام وغيره، أو بين ملتين كفريتين -وقد ذهب إليه الأوزاعي وهو مذهب الهدوية- وحملها الجمهور على أن المراد بإحدي الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر، وقد يستأنس لهذا التأويل بما ذكره الرافعي، قال: وقد روي في بعض الروايات: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر". فجعل الجملة الثانية بيانًا للأولى. كذا حكاه المصنف في "التلخيص" (٢) ولم يتكلم في الرواية.
والأصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر، ومقابله عن مالك وأحمد، وعنه التفرقة بين الحربي والذمي، وكذا عند الشافعية، وعن (ب) أبي حنيفة: لا يورث حربي من ذمي،
стр. 2526
فإن كانا (أ) حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة. وعند الشافعية لا فرق، وعندهم وجه كالحنفية، وعن الثوري وربيعة وطائفة: الكفر ثلاث ملل؛ يهودية ونصرانية وغيرهم، فلا يرث ملة من هذه من ملة من الملتين. وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة: كل فريق من الكفار ملة. فلم يورثوا مجوسيًّا من وثني ولا يهوديًّا من نصراني، وهو قول الأوزاعي، وبالغ فقال: ولا يرث أهل نحلة (ب) من دين واحد أهل نحلة (ب) أخرى، كاليعقوبية والملكية من النصارى.
واختلف في المرتد، فقال الشافعي وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئًا للمسلمين. وقال مالك: يكون فيئًا إلا أن يقصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم. وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف ومحمد - وهو قول الهادي - أنَّه يكون لورثته المسلمين. وعن أبي حنيفة: ما كسبه قبل (جـ) الردة فهو (د) لورثته المسلمين، وبعد الردة لبيت المال. وعن بعض التابعين (هـ وعلقمة هـ): يستحقه أهل الدين الَّذي انتقل إليه. وعن داود: يختص بورثته من أهل الدين الَّذي انتقل إليه. ولم يفصل (و) والحاصل من ذلك ستة أقوال.
стр. 2527
واحتج القرطبي في "المفهم" (١) على أن الكفر ملل بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢). فهي ملل متعددة وشرائع مختلفُة. قال: وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٣). فوحَّدَ الملة، فلا حجة فيه لأن الموحدة في اللفظ وفي المعنى يراد به الكثرة، لأنه أضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل: خذ عن علماء الدين علمهم. يريد علم كل واحد منهم.
قال: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّها الْكَفِرُونَ﴾ إلى آخرها.
والجواب: أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش وهم أهل دين واحد. وأما ما أجابوا به عن حديث: "لا يتوارث أهل ملتين". بأن المراد ملة الكفر وملة الإسلام، فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود [في حديث] (أ) غيره.
واستدل بقوله: "لا يرث الكافر المسلم". على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد، لأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٤). عام في الأولاد، فخُص منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور. وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على
стр. 2528
وَفقه كان التخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط. انتهى. وأقول: القول بتخصيص الآحاد لعموم الكتاب هو القول الراجح، ولا يلزم منه تقديم المظنون على المقطوع؛ لأنه وإن كان قطعي المتن فهو ظني الدلالة، وخبر الواحد الخاص قطعي الدلالة ظني المتن، فيتعادلان، ويترجح التخصيص به، لأن في ذلك جمعًا بين الدليلين، وفي تركه إهدار لدليل (١). والله أعلم.
٧٧٨ - وعن عمران بن الحُصين ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: "لك السدس". فلما ولى دعاه فقال: "لك سدس آخر". فلما ولى دعاه فقال: "إن السدس الآخر طُعْمة". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي (٢)، وهو من رواية الحسن البصري عن عمران.
وقيل: إنه لم يسمع منه. قال ابن المديني وأبو حاتم الرازي (أ) (٣): إن الحسن لم يسمع من عمران. قال قتادة: لا ندري مع أي شيء ورَّثه. وقال: أقل شيء ورث الجد السدس.
وصورة هذه المسألة أنَّه ترك الميت بنتين وهذا السائل، فللبنتين الثلثان،
стр. 2529
فبقي ثلث، فدفع النبي ﷺ إلى السائل سدسًا بالفرض لأنه جد الميت، ولم يدفع إليه السدس الآخر لئلا يظن أن فرضه الثلث، وتركه حتَّى ولّى -أي ذهب- فدعاه وقال: "لك سدس آخر". فلما ولّى دعاه وقال: "إن السدس الآخِر -بكسر الخاء- طُعمة". [أعلمه أن السدس الثاني طعمة] (أ) له، ومعنى الطعمة هنا أنَّ له ذلك [زائدًا] (ب) على السهم المفروض، بالتعصيب لما بقي على الفروض، وما يؤخذ بالتعصيب ليس بلازم كالفرض المقدر.
٧٧٩ - وعن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أمّ. رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقواه ابن عدي (١).
الحديث في إسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه، وثقه أبو حاتم (٢) وصححه ابن السكن.
في الحديث دلالة على أن ميراث الجدة السدس، وسواء كانت أم أم أو أم أب، وتشترك فيه الجدتان فأكثر إذا استوين، فإن اختلفن سقط الأبعد من الجهتين بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأم وإلا الأب يسقط من كان من
стр. 2530
جهته، إلا إذا كانت من ذوي الأرحام فلا ترث مع وجود [ذي] (أ) سهم غيرها؛ وذلك كالجدة التي أدرجت أبًا بين أمين أو أمًّا بين أبوين فهي ساقطة، مثال الأول: أم أب أم، فبينها وبين الميت أب، وهنا أمَّان. ومثال الثاني: أمًّا بين أبوين؛ أم أبِ أمِّ الأب، وذلك ظاهر، ودليل ذلك حديث قبيصة بن ذؤيب: لم جاءت الجدة إلى أبي بكر تساله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتَّى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة: شهدت النبي ﷺ أعطاها السدس. فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. الحديث، وفيه قصة عمر. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب "السنن" وابن حبان والحاكم (١) من هذا الوجه، وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل؛ لأن قبيصة لم يصح سماعه من الصديق، وأعله عبد الحق بالانقطاع (٢). وقال الدارقطني في "العلل" (٣) بعد أن ذكر الاختلاف فيه على الزهري: يشبه أن يكون الصواب قول مالك ومن تابعه. وذكر القاضي حسين أن التي جاءت إلى الصديق أم الأم، وأن التي جاءت إلى عمر أم الأب. وروي أنَّه أعطى السدس ثلاث جدات؛ اثنتين من قبل
стр. 2531
الأب وواحدة من قبل الأم. أخرجه الدارقطني (١) بسند مرسل. ورواه أبو داود في "المراسيل" (٢) بسند آخر عن إبراهيم النخعي، والدارقطني، والبيهقي (٣) من مرسل الحسن أيضًا، وذكر البيهقي (٤) عن محمد بن نصر أنَّه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاض أنَّه أنبهر ذلك، ولا يصح إسناده عنه، وقصة عمر أنَّه جاءته جدة أخرى (أفقال لها أ): ما لك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الَّذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئًا ولكن هو ذاك السدس، فإن [اجتمعتما] (ب) فهو لكما، وأيتكما خلت فهو لها (٥).
وروى مالك (٦) أيضًا أن الجدتين أتيا إلى أبي بكر، فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم، فقال له رجل: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث. فجعل أبو بكر السدس بينهما. وإجماع الصحابة ﵃ على ذلك (٧).
٧٨٠ - وعن المقدام بن مَعدِ يكرِب ﵁ قال: قال
стр. 2532
رسول الله ﷺ : "الخال وارث من لا وارث له". أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي، وحسنه أبو زرعة الرازي وصححه الحاكم وابن حبان (١).
الحديث أعله البيهقي (٢) بالاضطراب ونقل عن يحيى بن معين أنَّه كان يقول: ليس فيه حديث قوي.
وفي الباب عن عمر ﵁. رواه الترمذي (٣) بلفظ: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له". وعن عائشة ﵂ رواه الترمذي والنسائي (٤) من حديث طاوس عنها بقصة الخال حسب. وأعله النسائي (٥) بالاضطراب، ورجح الدارقطني والبيهقي (٦) وقفه، وقال البزار (أ) (٧): أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة. فذكره.
في الحديث دلالة على توريث الخال وهو من ذوي الأرحام، وكذلك من عداه من ذوي الأرحام، وقد ورد في غيره أحاديث، قوله ﷺ في الميت
стр. 2533
الخزاعي: "التمسوا له وارثًا أو ذا رحم" (١). وروي عنه ﷺ : "من خلف خالته وعمته ولا وارث له سواهما؛ أن للعمة الثلثين وللخالة الثلث" (٢).
وقد ذهب إلى توريثهم جمع كثير من الصحابة والتابعين والأئمة، فمنهم علي وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء، والشعبي ومسروق ومحمد ابن الحنفية والنخعي والحسن بن صالح ويحيى بن آدم والقاسم بن سلام، وأهل البيت إلا القاسم بن إبراهيم، وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد بن حنبل والحسن بن زياد، وفقهاء العراق والكوفة والبصرة وغيرهم من سائر الآفاق، وحجتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٤). وما سمعت من الأحاديث، وذهب زيد بن ثابت والزهري ومكحول وفقهاء الحجاز والقاسم ومالك والشافعي والإمام يحيى إلى أنَّه لا ميراث لهم، والعمدة في ذلك لهم أن الفرائض لا تثبت إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع، وذلك مفقود، وعمومات الكتاب محتملة وبعضها منسوخ، والسنة قد عرفت ما قيل فيها مع أنها معارضة بمثلها أو أقوى منها، وذلك أنَّه قال ﷺ : "سألت الله عن ميراث العمة والخالة، فسارني جبريل أن لا ميراث لهما". أخرجه أبو داود في "المراسيل" والدارقطني من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار به مرسلًا (٥). وأخرجه النسائي (٦) من مرسل زيد بن أسلم. ووصله
стр. 2534
الحاكم في "المستدرك" (١) بذكر أبي سعيد وفي إسناده ضعف. ووصله الطبراني في "الصغير" (٢) أيضًا من حديث أبي [سعيد] (أ) في ترجمة محمد بن الحارث المخزومي (٣) شيخه، وليس في الإسناد من ينظر في حاله غيره. ورواه الدارقطني (٤) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي (٥) [راويه] (ب) عن محمد بن [عمرو] (جـ). ورواه الحاكم (٦) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر وصححه، وفي إسناده عبد الله بن جعفر المدني (٧) وهو ضعيف. وروى له الحاكم (١) شاهدًا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر أن الحارث بن عبد (٥) أخبره أن رسول الله ﷺ سئل عن ميراث العمة والخالة فذكره. وفيه سليمان بن داود الشاذكوني وهو متروك (٨). وأخرجه
стр. 2535
الدارقطني (١) من وجه آخر عن شريك مرسلًا. وتأول بعضهم حديث: "الخال وارث من لا وارث له". بأن المراد بالخال هو السلطان. ذكره ابن العربي (٢). وقوله ﷺ : "أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه". أخرجه أبو داود (٣) وغيره، وصححه ابن حبان (٤) وغيره، وهو ﷺ لا يرث [لنفسه] (أ) وإنما يصرفه في مصالح المسلمين. والمراد يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون ديته، وقيل: المراد أنَّه يوضع في بيت المال للمصلحة، إذ لا يخلو عن ابن عم وإن بعد، فالحق بالمال الضائع الَّذي لا يرجى ظهور مالكه، وعلى عدم توريث ذوي الأرحام وعدم الرد على ذوي السهام برد المال إلى بيت المال إن كان أمره منتظمًا، وهو إذا كان في يد إمام عادل يصرفه في مصارفه، أو كان في البلد قاض بشروط القضاء مأذون له في التصرف في مال المصالح دفع إليه ليصرفه فيها، وإن كان في البلد ذلك القاضي وهو غير مأذون له في التصرف، ففيه ثلاثة احتمالات، يتصرف فيه ذلك القاضي. والثاني أنَّه يصرفه من كان في يده. والثالث أنَّه يوقف إلى أن يظهر من ينتظم معه بيت المال. قال النووي (٥): الثالث ضعيف، والأولان حسنان، وأصحهما الأول. قال صاحب "الاقتصاد شرح الإرشاد": ويترجح عندي أن يتخير بينهما، وعلى (ب) الثاني وقوف مساجد القرى يصرفها صلحاء القرية في مصالح المسجد وعمارته. انتهى. واعلم أنهم على القول بالتوريث يرثون ما ورث من
стр. 2536
يدلون به، كما روي عن علي وعمر وابن مسعود أن من مات وترك عمته وخالته؛ أن للعمة الثلثين وللخالة الثلث (١). وتابعهم العلماء إلا بشر بن غياث فأسقط الخالة معها، فاعتبروا تنزيل كل وارث منزلة من أدلى به. وروي عن علي أن ابنة الأخ بمنزلة الأخ، وابنة الأخت بمنزلة الأخت (٢). وعنه الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة العم (٢). وعنه أيضًا رد ما أبقت السهام على كل وارث بقدر سهمه إلا الزوج والزوجة فيرد على ذوي الأرحام كأسبابهم (٣). وأبو حنيفة وأصحابه إلا الحسن بن زياد يعتبرون القرب، فيرث الأقرب فالأقرب كالعصبات (أ)، فإذا مات وترك ثلاث خالات متفرقات؛ فللخالة لأب وأم النصف كالأخت لأبوين، وللخالة لأب السدس كالأخت لأب مع الأخت لأب وأم، وللخالة لأم السدس كالأخت لأم، [والباقي] (ب) رد عليهم. وقيل: بل يقسم المال بينهم بالسوية؛ إذ لا يفضل ذكورهم على إناثهم، فوجبت التسوية في كل حال. وهذا على قول الأكثر المعتبرين للتنزيل، وعلى قول أبي حنيفة وأصحابه تسقط الخالة لأب والخالة لأم لاعتبارهم القرب، وهذا من فوائد الخلاف، وكذا إذا ترك ابنة العم وابن بنت الأخ، فكأنه ترك عمه وابنة أخيه، فيسقط ابن بنت أخيه. وعند أبي حنيفة المال له بناء على أصله باعتبار القرب، وأولاد أولاد أبي الميت أولى من أولاد أولاد جده، وعلى هذا غيره،
стр. 2537
ومتى كان ذوو الأرحام في درجة واحدة ويدلون بسبب واحد من جهة واحدة، فلا يفضل ذكورهم على إناثهم، بل يستوون عند الهدوية وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، قالوا: لأن الله سبحانه سوَّى بين الإخوة لأم فقسنا عليهم ذوي الأرحام، وللإجماع على أن ابن البنت إذا انفرد حاز جميع المال بسبب واحد وهو الرحم، وكذا بنت البنت، وكذا الخال والخالة، فوجب إذا اجتمعا أن يستويا، وقال أكثر أهل التنزيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين كالعصبة، وكما أن البنت إذا انفردت حازت جميع المال وكذا الابن، فإذا اجتمعا فللذكر مثل حظ الأنثيين، فكذا ذوو الأرحام، والجواب أن البنت إذا انفردت لم تحز جميع المال بسبب واحد، بل نصفه بالتسهيم والآخر بالرد، فافترقا.
٧٨١ - وعن أبي أمامة بن سهل قال: كتب معي عمر إلى أبي عبيدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له". رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وحسنه الترمذي، وصححه أبن حبان (١).
تقدم الكلام على الحديث فيما قبله.
٧٨٢ - وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا استهل المولود ورث". رواه أبو داود، وصححه ابن حبان (٢).
стр. 2538
الحديث، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي (١) من حديث جابر بلفظ: "إذا استهل السقط صلي عليه وورث". وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف (٢). قال الترمذي (٣): وروي موقوفًا والموقوف أصح. وبه جزم النسائي (٤)، وقال الدارقطني في "العلل" (٥): لا يصح رفعه. وقد روي هذا -حديث جابر- من طريق مرفوعة وموقوفة، وفي الجميع مقال. وأما حديث "بلوغ المرام" فهو فيه منسوب إلى جابر، ولم أجد أحدًا رواه عن جابر. وفي "سنن أبي داود" نسبه إلى أبي هريرة، ولعله غلط من الناسخ (٦). وأما المصنف فمقامه يجل عن نسبة ذلك إليه، وإن كان الخطأ مجوزًا فإنه يسلم منه إلا الكتاب العزيز الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وروى البزار (٧) بإسناد ضعيف في تفسير الاستهلال عن ابن عمر مرفوعًا: "استهلال الصبي العطاس". وقال ابن الأثير (٨): استهل المولود إذا بكى عند ولادته. وهو كناية عن ولادته حيًّا وإن لم يستهل، [بل وجدت منه أمارة تدل على حياته.
والحديث يدل على أن السقط إذا استهل ثبت] (أ) له حكم غيره في أنَّه
стр. 2539
يورث، وفي الصلاة كذلك على ما وقع في الرواية، ويقاس على ذلك سائر الأحكام من الغسل والتكفين ولزوم الدية. والظاهر أن ذلك اتفاق بين العلماء وإن اختلفوا في الطريق التي يعمل بها في ثبوت الاستهلال، فعند الهدوية يكفي خبر [عدل] (أ)، ذكره القاضي زيد في "الشرح". وقال الهادي في "الأحكام" ومالك: لا بد من عدلين. وقال الشافعي: لا بد من أربع. (ب وهذا الخلاف ب) جار فيما يتعلق بعورات النساء، ومفهوم الحديث أنَّه إذا لم يستهل لم يثبت له حكم من هذه الأحكام، وذهب الناصر إلى أن الاستهلال لا يكون إلا بالصوت ولا تكفي الحركة، وكأنه اقتصر على لفظ الحديث ولم ينظر إلى المعنى الَّذي يعلل به ذلك.
٧٨٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس للقاتل من الميراث شيء". رواه النسائي والدارقطني (١)، وقواه ابن عبد البر (٢)، وأعله النسائي، والصواب وقفه على عمرو.
ورواه ابن ماجة والموطأ والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي (٣). وأخرجه ابن
стр. 2540
ماجة والدارقطني من وجه آخر عن [عمرو] (أ) في أثناء حديث (١). وفي الباب عن (ب عمر بن ب) شيبة بن أبي كثير الأشجعي أخرجه الطبراني (٢) في قصة، وأنه قتل امرأته خطأ، فقال له النبي ﷺ : "اعقلها ولا ترثها". ومن حديث ابن عباس: "لا يرث القاتل شيئًا". أخرجه الدارقطني (٣)، وفي إسناده [كثير بن سليم] (جـ) وهو ضعيف، ومن حديثه أيضًا: "من قتل قتيلًا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره". أخرجه البيهقي (٤) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا بزيادة: "وإن كان والده أو ولده". والرجل المذكور هو عمرو بن برق (٥)، قاله عبد الرزاق راوي الحديث، وهو ضعيف عندهم. وأخرج الترمذي وابن ماجة (٦) وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (٧)، تركه أحمد بن
стр. 2541
حنبل وغيره، وقال النسائي في "السنن الكبرى" (١): إنه متروك. عن أبي هريرة ﵁: "القاتل لا يرث".
الحديث فيه دلالة على عدم توريث القاتل مطلقًا سواء كان عمدًا أم خطأ، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر العلماء، فلا يرث من المال ولا من الدية. وذهب الهدوية ومالك [النخعي] (أ) إلى أنَّه إن كان القتل خطأ ورث من المال دون الدية؛ لقوله: "المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدًا" (٢). فالمفهوم يقتضي التخصيص ولكن لا يفيد المقصود من الميراث للمال دون الدية، ولذلك قال الإمام المهدي في "البحر": وفي هذا المفهوم ضعف. قال: والأولى الاحتجاج بقول علي ﵁ وقد سئل عن رجل قتل ابنه فقال: إن كان خطأ ورث، رإن كان عمدًا لم يرث (٣). انتهى. وقد يعارض بما أخرجه البيهقي (٤) عن خلاس أن رجلًا رَمَى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لا حق لك. فارتفعوا إلى علي ﵁، فقال له علي: حقك من ميراثها الحَجَر. وأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئًا.
وأخرج أيضًا (٤) عن جابر بن زيد قال: أيما رجل قتل رجلًا أو امرأة عمدًا
стр. 2542
أو خطأ ممن يرث فلا ميراث له منهما، وأيما امرأة قتلت رجلًا أو امرأة عمدًا أو خطأ فلا ميراث لها منهما، وإن كان القتل عمدًا فالقود إلا أن يعفو أولياء المقتول، فإن عفوا فلا ميراث له من عقله ولا من ماله. قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين. وكذلك ما أخرجه الطبراني (١) من حديث عمر بن شيبة، فإنه صرح فيه بالخطأ، فتبين قوة قول الجمهور. وذهب الطحاوي إلى أن القاتل إن كان صبيًّا أو مجنونًا ورث.
٧٨٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحْرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (٢)، وصححه ابن المديني وابن عبد البر (٣).
الحديث فيه دلالة على أن الولاء يورث؛ لأن قوله: "ما أحرز الوالد أو الولد". المراد به ما صار مستحقًّا لهما من الحقوق، فإنه يكون للعصبة ميراثًا، وهو بعض ما أخرجه في "السنن"، ولفظه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رئاب (أ) بن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة غلمة، فماتت أمهم فورثوها رباعها وولاء مواليها، وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها، فأخرجهم إلى (ب) الشام فماتوا، فقدم عمرو بن العاص ومات مولى لها وترك
стр. 2543
مالًا، فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله ﷺ : "ما أحرز الولد أو الوالد فهو لعصبته من كان". قال: فكتب له كتابًا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ورجل آخر، فلما استُخلف عبد الملك اختصموا إلى هشام بن إسماعيل أو إلى إسماعيل بن هشام، فرفعهم إلى عبد الملك فقال: هذا من القضاء الَّذي ما كنت أراه. قال: فقضى لنا بكتاب عمر بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعة. انتهى. إلا أن فيه مقالًا، ثم قال أبو داود: وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان خلاف هذا الحديث، إلا أنَّه روي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثله. وهذا الَّذي دل عليه هذا. الحديث ذهب إليه شريح وطائفة من أهل البصرة والناصر، وروي عن عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، وهو قول الأكثر من العلماء أن الولاء لا يورث. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا رجل أعتق عبدًا ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين، ثم مات أحد الابنين وترك ابنًا، أو أحد الأخوين وترك ابنًا، فعلى القول الأول أن ميراثه بين الابن وابن الابن أو ابن الأخ، وعلى القول الثاني يكون للابن وحده، وكذا غيره من المسائل. والله أعلم.
٧٨٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لُحْمة كلُحْمة النسب لا يباع ولا يوهب". رواه الحاكم (١) من طريق الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف، وصححه ابن حبان (٢)، وأعله البيهقي (٣).
стр. 2544
الحديث في هذه الرواية رواه أبو يوسف، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق بشر (أ) بن الوليد عن أبي يوسف، لكن قال: عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. وكذا رواه البيهقي وقال في "المعرفة" (١): كان الشافعي حدث به من حفظه فنسي عبيد الله بن عمر من إسناده، وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب الولاء له عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار به. وقال أبو بكر النيسابوري: هذا خطأ؛ لأن الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو رواية الحسن المرسلة، ثم ساقه الدارقطني (٢) من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن رسول الله ﷺ . قال البيهقي (٣): ورويناه من طريق ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قال الطبراني (٢): تفرد به ضمرة. يعني باللفظ المذكور. قال البيهقي (٢): وقد رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي عن ضمرة على الصواب كرواية الجماعة، فالخطأ فيه ممن دونه. وقد جمع أبو نعيم طرق حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته في "مسند عبد الله بن دينار" له، فرواه عن نحو من خمسين رجلًا أو أكثر من أصحابه عنه (٢)، ورواه الترمذي (٤) من حديث يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر وقال: أخطأ فيه يحيى بن سليم، وإنما رواه عبيد الله عن عبد الله بن دينار.
стр. 2545
وروى الحاكم من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إسماعيل بن أمية. وقال البيهقي (١): ويحيى بن سليم (٢) ضعيف سيئ الحفظ. ورواه أبو جعفر الطبري في "تهذيبه"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، والطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقي حيث قال عقب حديث أبي يوسف: ويروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة.
الحديث فيه دلالة على أن الولاء لا يكتسب ببيع ولا هبة، ويقاس عليهما سائر المملكات من النذر والوصية، فلا ينتقل بعوض ولا بغير عوض كالنسب؛ فإن القرابة لا تنتقل بعوض ولا بغير عوض، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لمالك، وهو محجوج بالحديث.
٧٨٦ - وعن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفرضكم زيد بن ثابت". أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود (٣)، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٤)، وأُعلّ بالإرسال.
الإرسال فيه من حيث إن أبا قلابة لم يسمع هذا الحديث من أنس، وإن
стр. 2546
كان سماعه لغيره ثابتًا. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في "العلل" ورجح هو وغيره كالبيهقي (١) والخطيب في "المدرج" (٢) أن الموصول منه ذِكرُ أبي عبيدة والباقي (أ) مرسل، ورجح هو وابن المواق وغيره رواية الموصول. وله طرق أخرى عن أنس أخرجها الترمذي (٣) من رواية داود العطار عن قتادة عنه، وفيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف (٤)، ورواه عبد الرزاق (٥) عن معمر عن قتادة مرسلًا. قال الدارقطني: وهذا أصح.
وفي الباب عن جابر رواه الطبراني (٦) ياسناد ضعيف، وعن أبي سعيد رواه القاسم بن أصبغ (٧) عن ابن أبي خيثمة، والعقيلي في "الضعفاء" (٨) عن علي بن عبد العزيز، كلاهما عن أحمد بن يونس، عن سلام، عن زيد العمي عن أبي الصديق عنه، وزيد (٩) وسلام (١٠) ضعيفان، وعن ابن عمر
стр. 2547
رواه ابن عدي (١) في ترجمة كوثر بن حكيم وهو متروك (٢)، وله طريق أخرى في "مسند أبي يعلى" (٣) من طريق ابن البيلماني (أ) عن أبيه عنه. وأورده ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٤) من طريق أبي سعيد البقال عن شيخ من الصحابة يقال له: أبو مِحجن. الحديث فيه دلالة على فضيلة زيد بن ثابت ﵁ وعلمه لا سيما في علم الفرائض، فيكون الرجوع إليه في محل الاختلاف أولى من غيره وإن شاركوه في العلم والاجتهاد، ولذلك اعتمده الإمام الشافعي ﵁ في الفرائض ورجح مذهبه. ولفظ الحديث فيما اطلعت عليه بلفظ الغيبة، ولم أره في رواية بلفظ الخطاب، وهو بعض حديث، والحديث بتمامه: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". أخرجه الطالسي وأحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي والضياء (٥) عن أنس.
стр. 2548
ومن حديث أبي سعيد: "أرحم هذه الأمة بها (أ) أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأصدقهم حياءً عثمان بن عفان، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمان عالم لا يدرك، ومعاذ بن جبل أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر". أخرجه ابن ماجه وسمويه والعقيلي وابن الأنباري في "المصاحف" وابن عساكر (١). وروى الحاكم (٢) منه: "أبو هريرة وعاء العلم". كذا ساق الحديثين السيوطي في "الجامع الكبير".
стр. 2549
باب الوصايا
الوصايا جمع وصية كالهدايا جمع هدية، ويطلق على فعل الموصي مصدرًا وعلى ما يوصى به من مال أو غيره من عهد ونحوه، [فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم] (أ). وهي في الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت. أو نقول: هي إقامة مكلف مكلفًا آخر مقام نفسه بعد الموت في بعض الأمور. والحد الأول أولى لشموله إذا لم يعين وصيًّا، ولأنه يخرج (ب) الثاني الوصية في شيء معين محجورًا عن التصرف في غيره، ولا يقال: إن "في بعض الأمور" تُصححه لأنه إنما احترز به عن العبادات البدنية. قال الأزهري (١): الوصية من: وصيت الشيء، بالتخفيف، أصيه؛ إذا وصلته، يقال: أرض واصية. أي متصلة النبات، قال الشاعر (٢):
* نَصِي الليلَ بالأيامِ حتى صلاتُنا*
وسميت الوصية بذلك؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصّيته بالتشديد، ووصاه بالتخفيف بغير همز. ويطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، كقوله
стр. 2550
تعالى: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
٧٨٧ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". متفق عليه (٢).
قوله: "ما حق امرئ مسلم". لفظ "مسلم" سقط في رواية أحمد (٣) وهو ثابت عند الأكثر والتقييد به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له أو أنه للتهييج بالوصية لما أشعر (أ) التقييد به أن هذا من شعار الإسلام، فمن تركه فقد ترك ما هو من شعار الإسلام، والا فوصية الكافر جائزة، وحكى ابن المنذر (٤) الإجماع عليها وإن كان السبكي أورد إشكالًا؛ وهو أن الوصية زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له صالح حتى يزاد عليه، وأجاب بأن الوصية أشبه بالإعتاق وهو يصح من الكافر.
وقوله: "شيء يريد أن يوصي فيه". قال ابن عبد البر (٥): رواه أيوب عن نافع بهذا اللفظ، وأما الرواة عن مالك فرووه بلفظ: "له شيء يوصي فيه". لم يختلفوا في ذلك، ورواه أحمد (٦) عن سفيان بلفظ: "حق (ب) كل مسلم
стр. 2551
أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه". الحديث، ورواه الشافعي (١) عن سفيان بلفظ: "ما حق امرئ يؤمن (أ) بالوصية". الحديث، قال ابن عبد البر (٢): فسره ابن عيينة: أي يؤمن بأنها حق. وأخرجه أبو عوانة (٣) من طريق هشام عن نافع (ب) بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين". الحديث. وذكره ابن عبد البر (٢) عن سليمان بن موسى عن نافع (ب) مثله. وأخرجه الطبراني (٤) من طريق الحسن عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عوف جميعًا عن نافع بلفظ: "ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه". وذكره ابن عبد البر (٢) من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم له مال". وأخرجه الطحاوي (٥) أيضًا. وأخرج (جـ) النسائي (٦): "أن يوصي فيه". من هذا الوجه (د) ولم يسق لفظه. قال أبو عمر: لم يتابع ابن عون على (هـ) هذه اللفظة. ولفظ "شيء" في الرواية أعم
стр. 2552
من لفظ المال لدخول الحقوق المحضة فيها. ولفظ "ما" (أ) في قوله: "ما (أ) حق" نافية بمعنى ليس، والخبر ما بعد "إلا"، والواو زائدة في الخبر لوقوع الفصل بـ "إلا". قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. كذا في "شرح مسلم" للنووي (١)، وروى البيهقي في "المعرفة" (٢) عن الشافعي أنه قال في قوله: "ما حق امرئ". يحتمل: ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته لم مكتوبة عنده. ويحتمل: ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من وجه الفرض. وقال الخطابي (٣): معناه ما حقه من جهة الحزم والاحتياط إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه لا يدري متى توافيه منِيّته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك. انتهى.
وقوله: "يريد أن يوصي فيه". صفة لـ "شيء"، وفيه إشعار بأن الوصية ليست واجبة عليه، وإنما ذلك عند إرادته الوصية، فما أولاه بالمبادرة لتجويز هجوم الموت عليه في كل وقت، لكون (ب) سائر الروايات باللفظ الذي يدل على تحتم الوصية عليه، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها واختلفوا في الوجوب؛ فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور إلى أنها مندوبة لا واجبة، وذهب داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر إلى
стр. 2553
وجوبها، وحكاه ابن المنذر عن طائفة منهم الزهري، وحكاه البيهقي في "المعرفة" (١) عن الشافعي في القديم، وقال به أبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين. وقال به إسحاق، واختاره أبو عوانة الإسفرايني وابن جرير وآخرون، ونسب ابن عبد البر (٢) القول بعدم وجوبها إلى الإجماع سوى من شذ، كذا قال، واستدل بعدم (أ) الوجوب من حيث المعنى، فإنه لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله سهمًا ينوب عن الوصية، [وقالوا] (ب) في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (٣) الآية: إنها منسوخة. كما قال ابن عباس (٤): كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس. الحديث. وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نُسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق امرئ". بأن المراد الحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له. وهذا عن الشافعي. وقال غيره: الحق لغة الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما يثبت به الحكم، والحكم الثابت
стр. 2554
أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، وقد يطلق على المباح أيضًا لكن بقلة. قاله القرطبي (١)، قال: فإن اقترن به "على" أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن (أ) هذا الحق بما يدل على الندب؛ وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: "له شيء يريد أن يُوصي فيه". فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته، وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ: "لا يحل". فلاحتمال (ب) أن يكون راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحت الواجب والمندوب والمباح.
واختلف القائلون بوجوب الوصية، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. أخرجه ابن جرير (٢) وغيره عنهم. قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم ينفذ، ويرد الثلث كله إلى قرابته. وهذا قول طاوس. وقال الحسن وجابر بن زيد: ثلثا الثلث. وقال قتادة: ثلث الثلث. ويرد على هؤلاء ما احتج به الشافعي من حديث عمران بن حصين (٣) في قصة الذي أعتق عند موته ستة أعبد له لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم النبي ﷺ فجزأهم ستة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة. قال: فجعل عتقه في المرض وصية. ولا يقال: لعلهم كانوا أقارب المعتق. لأنا نقول: لم تكن عادة
стр. 2555
العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له أو كان من العجم، فلو كانت الوصية تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء. وهو إيراد قوي، ونقل ابن المنذر (١) عن أبي ثورأن الوصية إنما تجب على من عليه حق شرعي يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمي. قال: ويدل على ذلك قوله في الحديث: "له شيء يريد أن يوصي فيه". لأن فيه إشارة على قدرته على تنجيزه، وهذا هو (أ) المصرح به في كتب الهدوية كما قال الإمام المهدي في "الأزهار": ويَجبُ الإشهاد على من له مال بكل حق لآدمي. إلخ. ولكن هذا القول يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصية غير واجبة لعينها، وإنما الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز أو وصية. فكان (ب) محل الوجوب فيمن عليه حق ومعه مال ولم يمكن تخليصه إلا إذا أوصى به، وما انتفى فيه واحد من ذلك فلا وجوب، فتبين أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن (جـ) استوى الأمران فيه، وعدمه فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس ﵄: الإضرار في الوصية من الكبائر. رواه سعيد بن منصور (٢) موقوفًا بإسناد
стр. 2556
صحيح، ورواه النسائي (١) مرفوعًا ورجاله ثقات، وفي الباب أحاديث كثيرة في تحريم الإضرار في الوصية، ونص القرآن الكريم بذلك: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢). واحتج ابن بطال على أن الحديث غير محمول على الوجوب بأن راوي الحديث وهو ابن عمر لم يوص كما أخرجه ابن المنذر (٣) بسند صحيح عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، [و] (أ) أما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد (ب). ويجاب عنه بأن عمل الراوي بخلاف ما روى لا يكون مخصصًا ولا مقيدًا، والعمل على ما روى، وبأنه أيضًا معارض بما أخرجه مسلم (٤) في "صحيحه" عن ابن عمر أنه قال: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي. ويمكن الجمع بأنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها وينجِّز ما كان يوصي به. وفي قوله: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه. إشارة إلى ذلك، ويدل عليه أيضًا ما أخرجه عنه البخاري (٥) من الحديث في الرقاق: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. الحديث.
وقوله: "ليلتين". كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي (٦) من طريق
стр. 2557
حماد بن زيد عن أيوب: "يبيت ليلة أو ليلتين". ولمسلم والنسائي (١) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه: "ثلاث ليال". وكأن ذكر الليلتين والثلاث ذكر لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار (أ) الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، و [لذلك] (ب) قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: ولم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي: في تخصيص الليلتين والثلاث تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت زمنًا وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
وقوله: "مكتوبة عنده". يستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو (جـ) لم يقترن ذلك بالشهادة. وخص أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية أن الاعتماد على الخط مخصوص بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها، بل ولأن الوصية لما كان مأمورًا بها وهي تكون بما يلزم المرء من الحقوق، واللزوم متجدد في الأوقات، واستصحاب الشهادة في كل لازم يريد أن يوصي فيه خشية مفاجأة الأجل، متعسر بل متعذر في بعض الأوقات، ويلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها بالكتابة من دون
стр. 2558
شهادة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وقد ثبت هذا الأمر المذكور في الحديث. وقال الجمهور: إن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به. قالوا: ومعنى قوله: "ووصيته مكتوبة عنده". أي بشرطها وهو الشهادة. وقال المحب الطبري (١): إضمار الإشهاد معتبر هنا، ويستدل على الإشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢) الآية. فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية.
وقال القرطبي (١): ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق [عليها] (أ) ولو لم تكن مكتوبة. والله أعلم. ويجاب عن ذلك بأن ذكر الإشهاد في الآية الكريمة لا يلزم أن الوصية لا تثبت إلا به، وفي الحديث زيادة على ذلك وهو اعتبار الكتابة، والإجماع الفعلي (ب) في جميع الأعصار وأمصار أهل الإسلام في اعتبار الصكوك وخطوط الأمراء والحكام يدل على أن ذلك معتبر، فإذا عرف خط الحاكم أو خط الموصِي أو خط المقر عمل بذلك، ويتأيد بما أجمع عليه من أنه ﷺ كان يُنفذ الكتب منه مع (جـ) الآحاد من غير أن يخبر الرسول بما تضمنه ذلك الكتاب، وهي متضمنة لتبليغ شرائع وتنفيذ أحكام، وكذلك العهود التي كتبها رسول الله ﷺ في الإقطاعات وعقد الذمة والصلح، مع أنه لم ينقل عن أحد ممن اطلع على
стр. 2559
ذلك في الأعصار المتأخرة أنه ردّها لعدم بقاء الشهادة، وإنما رد العلماء على يهود خيبر لما أخرجوا كتابًا أن عليًّا ﵁ أسقط عنهم الجزية -في سنة سبع وأربعين وأربعمائة- فرد عليهم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي وزير القائم في إبطاله جزءًا، وكتب له عليه الأئمة؛ أبو الطب الطبري وأبو نصر بن الصباغ ومحمد بن محمد البيضاوي ومحمد بن علي الدامغاني وغيرهم، وكان مستند الرد للخطيب البغدادي (١) أنه مذكور في الكتاب شهادة معاوية، فقال: معاوية هو أسلم عام الفتح، وخيبر فتحت قبل ذلك، ولم يكن مسلمًا في ذلك الوقت ولا حضر ما جرى، وشهادة سعد بن معاذ وهو مات في يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكْحَله (٢) يوم الخندق وذلك قبل فتح خيبر بسنتين. وفي هذا دلالة على أنه إذا غلب في الظن عدم التزوير والتلبيس جاز العمل به، وذكر الإمام المهدي في "البحر" في كتاب الشهادات قال: مسألة الأحكام والفريقان: ولا تجوز شهادته لمعرفة خطه بها إذ لا يقتضي اليقين؛ لاحتمال التزوير. أبو طالب: يجوز، لنا ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ (٣) الآية ونحوها. المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس وقول المنتخب: يجوز. محمول على حصول العلم الضروري. قلت: فحينئذ العبرة بحصولي العلم فيرتفع الخلاف. فرَّع العترة والفريقان: ولو عرف خط [غيره] (أ) بإقرار بحق لم يشهد به. مالك: يجوز (ب). قلنا: يحتمل التزوير فلا يقين. هذا كلامه. وقال في كتاب القضاء: فرع العترة والنخعي
стр. 2560
والفريقان: ولا يعمل بالكتاب إلا ببينة كاملة أنه كتابه. أبو ثور: يجوز؛ لعملهم بكتب رسول الله ﷺ من غير شهادة. الإصطخري ومالك والعنبري: إن عرف الخط والختم عمل به وإلا فلا. قلنا: تشتبه الخطوط والختوم. انتهى. هذا كلامه وقد يجاب عما زدته من الاشتباه أن الاحتمال لا يمنع العمل كالعمل بالشهادة، فإن الاحتمال حاصل فيها والعمل باليمين وغير ذلك. وقال في "الهدي النبوي" (١) في حديث أنه ﷺ بعث عبد الله بن جحش ومعه سرية إلى نخلة ترصد عيرًا لقريش، وأعطاه كتابًا مختومًا وأمره ألا يقرأه إلا بعد يومين ... الحديث: في هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وعليه يدل حديث "الصحيحين": "ما حق امرئ" الحديث. وفيها (أ) أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا أصل له من كتاب ولا سنة، وقد كان رسول الله ﷺ يدفع كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته.
وقال في "العواصم": إنه يجوز العمل بالخط. ورواه عن المنصور بالله مع غلبة الظن بالصدق، وهو قوي راجح. والله أعلم.
وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للمرء التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤُه الموت؛ لأنه ما من سنّ تفرض إلا