← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

صحيح، ورواه النسائي (١) مرفوعًا ورجاله ثقات، وفي الباب أحاديث كثيرة في تحريم الإضرار في الوصية، ونص القرآن الكريم بذلك: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢). واحتج ابن بطال على أن الحديث غير محمول على الوجوب بأن راوي الحديث وهو ابن عمر لم يوص كما أخرجه ابن المنذر (٣) بسند صحيح عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، [و] (أ) أما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد (ب). ويجاب عنه بأن عمل الراوي بخلاف ما روى لا يكون مخصصًا ولا مقيدًا، والعمل على ما روى، وبأنه أيضًا معارض بما أخرجه مسلم (٤) في "صحيحه" عن ابن عمر أنه قال: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي. ويمكن الجمع بأنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها وينجِّز ما كان يوصي به. وفي قوله: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه. إشارة إلى ذلك، ويدل عليه أيضًا ما أخرجه عنه البخاري (٥) من الحديث في الرقاق: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. الحديث. وقوله: "ليلتين". كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي (٦) من طريق

стр. 2557

حماد بن زيد عن أيوب: "يبيت ليلة أو ليلتين". ولمسلم والنسائي (١) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه: "ثلاث ليال". وكأن ذكر الليلتين والثلاث ذكر لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار (أ) الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، و [لذلك] (ب) قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: ولم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي: في تخصيص الليلتين والثلاث تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت زمنًا وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. وقوله: "مكتوبة عنده". يستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو (جـ) لم يقترن ذلك بالشهادة. وخص أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية أن الاعتماد على الخط مخصوص بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها، بل ولأن الوصية لما كان مأمورًا بها وهي تكون بما يلزم المرء من الحقوق، واللزوم متجدد في الأوقات، واستصحاب الشهادة في كل لازم يريد أن يوصي فيه خشية مفاجأة الأجل، متعسر بل متعذر في بعض الأوقات، ويلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها بالكتابة من دون

стр. 2558

شهادة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وقد ثبت هذا الأمر المذكور في الحديث. وقال الجمهور: إن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به. قالوا: ومعنى قوله: "ووصيته مكتوبة عنده". أي بشرطها وهو الشهادة. وقال المحب الطبري (١): إضمار الإشهاد معتبر هنا، ويستدل على الإشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢) الآية. فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية. وقال القرطبي (١): ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق [عليها] (أ) ولو لم تكن مكتوبة. والله أعلم. ويجاب عن ذلك بأن ذكر الإشهاد في الآية الكريمة لا يلزم أن الوصية لا تثبت إلا به، وفي الحديث زيادة على ذلك وهو اعتبار الكتابة، والإجماع الفعلي (ب) في جميع الأعصار وأمصار أهل الإسلام في اعتبار الصكوك وخطوط الأمراء والحكام يدل على أن ذلك معتبر، فإذا عرف خط الحاكم أو خط الموصِي أو خط المقر عمل بذلك، ويتأيد بما أجمع عليه من أنه ﷺ كان يُنفذ الكتب منه مع (جـ) الآحاد من غير أن يخبر الرسول بما تضمنه ذلك الكتاب، وهي متضمنة لتبليغ شرائع وتنفيذ أحكام، وكذلك العهود التي كتبها رسول الله ﷺ في الإقطاعات وعقد الذمة والصلح، مع أنه لم ينقل عن أحد ممن اطلع على

стр. 2559

ذلك في الأعصار المتأخرة أنه ردّها لعدم بقاء الشهادة، وإنما رد العلماء على يهود خيبر لما أخرجوا كتابًا أن عليًّا ﵁ أسقط عنهم الجزية -في سنة سبع وأربعين وأربعمائة- فرد عليهم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي وزير القائم في إبطاله جزءًا، وكتب له عليه الأئمة؛ أبو الطب الطبري وأبو نصر بن الصباغ ومحمد بن محمد البيضاوي ومحمد بن علي الدامغاني وغيرهم، وكان مستند الرد للخطيب البغدادي (١) أنه مذكور في الكتاب شهادة معاوية، فقال: معاوية هو أسلم عام الفتح، وخيبر فتحت قبل ذلك، ولم يكن مسلمًا في ذلك الوقت ولا حضر ما جرى، وشهادة سعد بن معاذ وهو مات في يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكْحَله (٢) يوم الخندق وذلك قبل فتح خيبر بسنتين. وفي هذا دلالة على أنه إذا غلب في الظن عدم التزوير والتلبيس جاز العمل به، وذكر الإمام المهدي في "البحر" في كتاب الشهادات قال: مسألة الأحكام والفريقان: ولا تجوز شهادته لمعرفة خطه بها إذ لا يقتضي اليقين؛ لاحتمال التزوير. أبو طالب: يجوز، لنا ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ (٣) الآية ونحوها. المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس وقول المنتخب: يجوز. محمول على حصول العلم الضروري. قلت: فحينئذ العبرة بحصولي العلم فيرتفع الخلاف. فرَّع العترة والفريقان: ولو عرف خط [غيره] (أ) بإقرار بحق لم يشهد به. مالك: يجوز (ب). قلنا: يحتمل التزوير فلا يقين. هذا كلامه. وقال في كتاب القضاء: فرع العترة والنخعي

стр. 2560

والفريقان: ولا يعمل بالكتاب إلا ببينة كاملة أنه كتابه. أبو ثور: يجوز؛ لعملهم بكتب رسول الله ﷺ من غير شهادة. الإصطخري ومالك والعنبري: إن عرف الخط والختم عمل به وإلا فلا. قلنا: تشتبه الخطوط والختوم. انتهى. هذا كلامه وقد يجاب عما زدته من الاشتباه أن الاحتمال لا يمنع العمل كالعمل بالشهادة، فإن الاحتمال حاصل فيها والعمل باليمين وغير ذلك. وقال في "الهدي النبوي" (١) في حديث أنه ﷺ بعث عبد الله بن جحش ومعه سرية إلى نخلة ترصد عيرًا لقريش، وأعطاه كتابًا مختومًا وأمره ألا يقرأه إلا بعد يومين ... الحديث: في هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وعليه يدل حديث "الصحيحين": "ما حق امرئ" الحديث. وفيها (أ) أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا أصل له من كتاب ولا سنة، وقد كان رسول الله ﷺ يدفع كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته. وقال في "العواصم": إنه يجوز العمل بالخط. ورواه عن المنصور بالله مع غلبة الظن بالصدق، وهو قوي راجح. والله أعلم. وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للمرء التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤُه الموت؛ لأنه ما من سنّ تفرض إلا

стр. 2561

وقد مات فيه جمع جم، وكل واحد جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبًا لذلك، فيكتب وصيته ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحط عنه (أ) الوزر من حقوق الله وحقوق عباده. ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض. وفي قوله: "شيء". يستدل به على صحة الوصية بالمنفعة وهو قول الجمهور. وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه واختاره ابن عبد البر (١): إنه لا يصح الإيصاء بالمنفعة؛ اعتمادًا على رواية: "له مال". فتكون هذه الرواية مفسرة للفظ "شيء" في الرواية الأخرى. وقوله: "مكتوبة". أعم من أن تكون مكتوبة بخطه أو بخط غيره، ويستفاد منه أن الأشياء المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة، لأنها أثبت من الضبط بالحفظ، لتجويز النسيان غالبًا، والله أعلم. فائدة: اختلف في كونه ﷺ أوصى أم لا، فروى البخاري (٢) عن ابن أبي أوفى أنه قال: إنه ﷺ لم يوص. جوابًا لمن سأله عن ذلك. ويؤول بأنه أراد أنه لم يوص بالثلث كما فعله غيره، لأنه لم يترك بعده مالًا، وأما الأرض فقد كان سبَّلها، وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر أنها لا تورث بل هي صدقة. كذا ذكر النووي (٣)، وأما الذهَيبة فسأل عائشة عنها في مرضه قال: "ما فعلت الذهيبة؟ ". قالت: هي عندي. فقال: "أنفقيها". أخرجه

стр. 2562

أحمد وابن سعد (١). وأخرج ابن سعد (٢) من وجه آخر أنه قال: "ابعثي بها إلى علي ليتصدق بها". وفي "المغازي" لابن إسحاق (٣) قال: لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث؛ لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بجادِّ مائة وسق من خيبر، وألا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة. وأخرج مسلم (٤) في حديث ابن عباس: أوصى بثلاث، أن يُجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم. الحديث. وفي حديث ابن أبي أوفى: أوصي بكتاب الله. وفي حديث أنس عند النسائي وأحمد وابن سعد (٥) واللفظ له: كانت [عامة] (أ) وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". وله شاهد من حديث على عند أبي داود وابن ماجه (٦) [وآخر من رواية نعيم بن يزيد عن علي] (ب): "أدُّوا الزكاة" بعد الصلاة، أخرجه أحمد (٧). وأخرج سيف بن عمر (٨) في "الفتوح" من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ حذر من الفق في مرض موته،

стр. 2563

ولزوم الجماعة والطاعة. وأخرج الواقدي (١) من مرسل العلاء بن عبد الرحمن أنه ﷺ أوصى فاطمة فقال: "قولي إذا مت: إنا لله وإنا إليه راجعون". وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف قالوا: يا رسول الله، أوصنا -يعني في مرض موته- قال: "أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وأبنائهم من بعدهم". قال: لا يروى عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد. تفرد به عتيق بن يعقوب وفيه من لا يعرف حاله. وفي "سنن ابن ماجه" (٣) من حديث علي قال رسول الله ﷺ : "إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر [غرس] " (أ). وكانت بقباء وكان يشرب منها. وفي "مسند البزار" (٤) و"مستدرك الحاكم" (٥) بسند ضعيف أنه ﷺ أوصى أن يصلى عليه أرسالًا بغير إمام. فهذا ما روي في وصيته بأسانيد معتبرة، وقد روي غير ذلك. فإن قلت: فقد توفي رسول الله ﷺ وعليه دين ليهودي، فكيف لم يوص به والوصية بالديون واجبة؟ فالجواب أنه ﷺ كان قد رهن درعه في الدين عند اليهودي والرهن حجة لليهودي فلم يحتج إلى الوصية كما أشار إليه في آية الدين بقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٦). مع أن علم ذلك لم يكن مختصًّا به فقد علمه بعض أصحابه،

стр. 2564

ولهذا أخبرت به عائشة ﵂، ويؤخذ من هذا أن الدين إذا علم الميت أن صاحب الدين لا يفوت عليه شيء من دينه بعده أنه لا يجب عليه الوصية به؛ وهو إذا كان معه بينة واضحة أو علم به الورثة وأمن منهم الجحود. فائدة: أخرج عبد الرزاق (١) وسنده صحيح عن أنس ﵁ قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن فلان؛ أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأَوْصى مَن ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). وقوله في الحديث: "امرئ مسلم". الامرؤ المراد به الرجل وقد خرج مخرج الغالب، وإلا فلا فرق في الوصية بين الرجل والمرأة، وسواء كانت مزوجة أو فارغة، بإذن الزوج أو لا، إذ هي تحصيل قربة أخروية عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا، والوصف بالإسلام كذلك خرج مخرج الغالب أو هو للتهييج والإلهاب لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة (أ)، وادعى ابن المنذر الإجماع من أهل العلم الذين يحفظ عنهم، وفي "البحر": ويصح بين أهل

стр. 2565

الذمة فيما يملكون ولو خمرًا لصحة تصرفهم فيه؛ لقول عمر: ولّوهم بيعها. ولم ينكر المؤيد وأبو طالب وأبو حنيفة، وتصح منهم لكنائسهم وبيعهم في خططهم إذا أقروا عليه، ومنع من ذلك صاحبا أبي حنيفة، إذ فيه إحياء للكفر وهو معصية. قلنا: أقروا عليه. انتهى. وظاهر هذا (أ) التفصيلُ في وصية الذمي والأمر كذلك في وصية المسلم وهو ما كان محظورًا لا يمتثل ولا تصح الوصية به، وصرح بمثل هذا في موضع آخر، والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية، فلا تصح وصية مجنون وعبد، وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف، قال في "البحر": لا تصح من ابن السبع إجماعًا. أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي: ولا من ابن العشر لرفع القلم فأشبه ابن الخمس. عمر وأحمد ومالك: بل تصح؛ لقوله ﷺ : "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم" (١). ولم يفصل. قلت: فصل القياس على الخمس. انتهى. وفي "طرح التثريب شرح التقريب" في حكاية الخلاف ما لفظه: وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف؛ جوزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلط، وأحمد بن حنبل إذا جاوز العشر، وفي رواية أخرى عنه إذا جاوز السبع، وحكى عنه ابن المنذر إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة، ومنعها أبو حنيفة، وهو أظهر قولي الشافعي وبه قال أكثر أصحابه، وهو رواية عن أحمد، وعن الشافعي قول آخر أن وصيته صحيحة، فرتب الخلاف على التمييز وهو الأولى. وأما المحجور عليه فتصح وصيته وهي موقوفة على فك الحجر، والمحجور للسفه

стр. 2566

تصح وصيته عند الجمهور ومنهم الشافعي. وأما وصية العبد فهي لا تنفذ منه ما دام عبدًا إجماعًا، وأما إذا عتق وقد كان أوصى، فاختار الإمام المهدي أنها تنفذ لزوال المانع، وهو الموافق لما ذكر في نكاحه بغير إذن سيده إذا (أ) عتق، وحكى قولًا أنه يشترط إطلاق التصرف عند صدورها. والله أعلم. ٧٨٨ - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". متفق عليه (١). الحديث، وقع هذا الحكم في حجة الوداع بمكة، وهو مصرح به في رواية الزهري ولفظه: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة في حجة الوداع (٢). وأخرج الترمذي (٣) عن ابن عيينة أنه في فتح مكة. واتفق الحفاظ أنه وهم ولكنه قد وجد لرواية ابن عيينة مستند فيما أخرجه أحمد والبزار والطبراني

стр. 2567

والبخاري في "التاريخ" وابن سعد (١) من حديث (أ) عمرو بن [القاري] (ب) أن رسول الله ﷺ قدم فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرًا دخل عليه وهو مغلوب فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ الحديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرتين؛ مرة عام الفتح ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له بنت فقط. والله أعلم. وقوله: أنا ذو مال. التنوين فيه للتكثير؛ أي مال كثير، وقد ورد في بعض طرقه مصرحًا بالوصف. وقوله: ولا يرثني إلا ابنة. قال النووي (٢) وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرًا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي. أو ظن أنها ترث جميع المال واستكثر لها نصف التركة، وهذه البنت قيل: إن اسمها عائشة. وهي غير عائشة المذكورة في إسناد الحديث في البخاري، فهي تابعية عمرت حتى أدركها مالك ؤروى عنها، وماتت (جـ) سنة سبع

стр. 2568

عشرة إلا أن النسابين لم يذكر أحد منهم أن لسعد بنتًا تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمّها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخر أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): والظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك. انتهى. واعلم أن الفاكهي (٢) ذكر أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين وأنه لا يعرف أسماؤهم، وقد سمّى مسلم ثلاثة؛ عامرًا ومصعبًا ومحمدًا، واقتصر القرطبي على أن أولاده ثلاثة، وعن بعضهم أنه عد أربعة من الذكور غير الثلاثة؟ وهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق. وابن سعد (٣) ذكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة؛ وهم عبد الله وعبد الرحمن وعمر وعمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغرًا وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا. والله أعلم. وقوله: أتصدق بثلثي مالي. هكذا في رواية عائشة بنت سعد (٤)، وكذا في رواية الزهري (٥)، وجاء في رواية سعد بن إبراهيم (٦): أوصي بمالي كله. فقوله: أتصدق. يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف: أفأوصى. فإنها نص في التعليق، إلا أنه يحمل على أن رواية: أتصدق. مراد به التعليق للجمع بين روايتين مع اتحاد القصة، وقد تمسك بلفظ أتصدق من جعل

стр. 2569

تبرعات المريض من الثلث وحملوه على التنجيز، وأما رواية المال كله فهي زيادة ولعل الراوي الذي أهملها لم يثبتها، ومن رواها أثبتها، ومن اقتصر عليها إما أنه نسي ما بعدها أو اختصر في الرواية، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن [زيد] (أ) عند أحمد (١)، وفي رواية [بكير] (ب) عند النسائي (٢)، وفي رواية بلفظ: قلت: فالشطر (٣). والشطر مراد به النصف. وقوله: قال: "الثلث". يجوز جره بتقدير الجارّ ومتعلقه؛ أي تصدق بالثلث. وتقدير الجار وإبقاء أثره وإن كان قليلًا لكنه مع وجود القرينة على المقدّر [فصيح] (جـ)، ويجوز النصب بتقدير: سم الثلث أو عينّ الثلث. ويجوز الرفع بتقدير فعل ويكون هذا فاعله وهو: يجوز الثلث. وقوله: "والثلث كثير". بالثاء المثلثة. وفي البخاري (٤) رواية بالشك في كثير بالمثلثة أو بالموحدة من أسفل. وكذا للنسائي (٥) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد وفيه: فقال: "أوصيت؟ ". قلت: نعم. قال: "بكم؟ ". قلت: بمالي كله. قال: "فما تركت لولدك؟ ". وفيه: "أوص بالعشر". قال: فما زال يقول وأقول حتى قال: "أوص بالثلث والثلث

стр. 2570

كثير". أو: "كبير". يعني بالمثلثة أو بالموحدة، شك الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه، وفائدة قوله: "والثلث كثير". بيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو الذي يتبادر إلى الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمرٌ نسبي، ويدل على الأول قول ابن عباس (٢): وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية. وفي لفظ (٣): لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. والحديث فيه دلالة على منع الوصية لمن له وارث بأكثر من الثلث، واستقر على ذلك الإجماع، واختلفوا في المستحب من ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه ما دون الثلث لقوله ﷺ : "الثلث كثير". وقال بهذا ابن عباس وإسحاق بن راهويه، وهو معروف من مذهب الشافعي وقال به كثير من السلف. قال قتادة: أوصى أبو بكر بالخمس وأوصى عمر بالربع، والخمس أحبُّ إلى. وذهب قوم إلى أن الثلث مستحب؛ لقوله ﷺ : "إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم". وهذا الحديث ضعيف وسيأتي (٤). وأما إذا كان لا وارث فذهب مالك إلى أنه كذلك لا تجوز الزيادة على الثلث، وذهب إليه الأوزاعي، واختلف فيه قول أحمد. وأجاز

стр. 2571

أبو حنيفة وإسحاق والهدوية وهو قول ابن مسعود الوصية بالمال كله. وسبب الخلاف في ذلك أن قوله ﷺ : "إنك أن تذر" إلخ. هل يفهم منه علة المنع من الوصية بأن السبب في ذلك رعاية حق الوارث وأنه إذا انتفى ذلك انتفى الحكم بالمنع، أو يجعل الحكم تعبديًّا وإن علل بعلة فلا يتعدى الحكم، أو يجعل المسلمون بمنزلة الورثة كما ذهب إليه المؤيد بالله وهو قول للشافعي؟ والظاهر أن الحكم معلل معتبر التعليل، وهو منتفٍ في حق من لم يكن له وارث معين وإن كان المسلمون ورثته ولكن الضياع في حقهم غير معتبر، وكذلك إذا أجاز الورثة الوصية نفذت وإن كانت أكثر من الثلث؛ لإسقاط حقهم الذي منع اعتباره الزائد على الثلث. وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لأهل الظاهر والمزني، وقوّاه السبكي واحتج له بحديث عمران بن الحصين في الذي أعتق ستة أعبد، فإن فيه عند مسلم: فقال له النبي ﷺ قولًا شديدًا (١)، وفسر القول الشديد في رواية أخرى أنه قال: "لو علمت ذلك ما صليت عليه" (٢). ولم ينقل أنه راجع الورثة، فدل على منعه مطلقًا، وإذا أجاز الورثة في حال الحياة وأرادوا الرجوع عن ذلك، فمن نظر إلى أن الحق قد ثبت ولو في حال الحياة قال: لا يصح الرجوع؛ لأنه إسقاط حق قد ثبت. وقد ذهب إلى هذا الصادق والناصر، وذكر في المعنى عن القاسمية أن لهم الرجوع ولعلهم يقولون: إن الحق متجدد فيصح الرجوع. وأما بعد الموت فذهب الهادي في "الأحكام" وهو قول الحسن وعطاء وابن أبي ليلى أنه لا يصح الرجوع؛ لأن الحق قد انقطع بالموت فحصل الموت وهو منقطع فلم ينفع الرجوع، وذكر الهادي في "الفنون" والمؤيد بالله وأبو حنيفة

стр. 2572

والشافعي أن له الرجوع؛ قالوا: لأن الحق إنما يستقر بالموت، والإجازة وقعت قبله، فأشبه الشفعة قبل البيع. ويجاب عنه بأنه (أيقارن استقراره أ) والموت والإسقاط دائم، فالرجوع بعد سقوطه لا يصح. وقال مالك: إن أجازوا في حال المرض فلا رجوع، وإن كان في حال الصحة ثبت الرجوع. ووجه التفرقة أنه قد قوي حق الوارث بالمرض، واستثنى بعض المالكية ما إذا كان المجيز من عائلة الموصى (ب) وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش، فإن له الرجوع. وقال الزهري: ليس له الرجوع مطلقًا. وقوله: "إنك أن تذر". يروى في "أَن" الفتح للهمزة والكسر، فالفتح على تقدير اللام للتعليل، والكسر على جعلها شرطية. قال النووي (١): وهما صحيحان. وقال القرطبي: لا يستقيم الشرط هنا لعدم الجواب. ومثله قال عبد الله بن أحمد الخشاب. قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر. والجواب عما ذكروه بأن جواب الشرط "خير"، وهو خبر مبتدأ محذوف بتقدير الفاء، وهو جائز في السعة (جـ)، ومن خصّه بالشعر فقد ضيق، وإنه كثير في الشعر قليل في [السعة] (د)، وأنشد سيبويه (٢): * من يفعل الحسنات الله يشكرها * وفي غير الشعر مثل قوله في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلا

стр. 2573

استمتع بها" (١). فإن الفاء محذوف في قوله: "استمتع". وكذا في حديث اللعان: "وإلّا حَدٌّ" (٢). فإن الفاء مقدرة على لفظ: حد. وقوله: "ورثتك". ولم يقل: ابنتك. مع أنه لم يكن له إلا ابنة، مع أنه في لفظ: ولا يرثني إلا ابنة. إما لأنه قد عرف ﷺ أنه لا يموت إلا وله ورثة كثيرون، أو لأنه يجوز أن تموت البنت قبله، فأجابه بكلام [كلي مطابق لكل حالة] (أ)، بقوله: "ورثتك". ولم يخص بنتًا من غيرها، مع أنه لم يكن ميراثه متعينًا في البنت، فقد كان لأخيه عتبة أولاد إذ ذاك؛ منهم هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين. وقوله: "عالة". أي فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، وهو من عال يعيل إذا افتقر. وقوله: "يتكففون الناس". أي يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكفف الناس واستكف. إذا بسط كفه للسؤال، أو مأخوذ من كف عنه؛ أي يسأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل (ب) كفافًا من الطعام. والحديث فيه من الفوائد مشروعية زيارة المريض كما هو مذكور في تمام الحديث للإمام فمن دونه، ويتأكد عند اشتداد المرض. وفي الحديث أيضًا أنه وضع يده على جبهة سعد ومسح على العضو الذي يؤله وبشره بطول العمر، وأخبره سعدٌ بشدة مرضه وقوة ألمه ولم ينكر عليه في ذلك؛ لأنه لم يقترن بما يمنع من التبرم وعدم الرضا، وقد يستحب أو يحسن إذا كان في ذلك طلب دعاء أو دواء، ولا ينافي ذلك الاتصاف

стр. 2574

بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، فإن الإخبار به بعد (أ) البرء أَجوز. وفي الحديث دلالة على إباحة جمع المال، والحث على صلة الرحم والإحسان [إلى] (ب) الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد. وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا، لأنه لما منع من الوصية بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز، فاستفسر عما دون ذلك. وفيه النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشارع للواحد يعم من كان بصفته من المكلفين، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب يفيد التقرير، وإن كان بعض العلماء قال: إن ذلك يختص بسعد ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلفه قليلًا؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها، وإن كانت (جـ) بغير مال لم يرغب فيها. وفيه أن من ترك مالًا قليلًا فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة. وفيه مراعاة العدل في الوصية وأن الثلث في حد الكثرة. فائدة: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور -بمهملات- أوصى به النبي ﷺ ، وكان قد مات قبل أن يدخل النبي ﷺ المدينة بشهر، فقبله النبي ﷺ ورده على ورثته. أخرجه الحاكم وابن المنذر (١). فائدة: يفهم من قول سعد: وأنا ذو مال. أنه مال كثير، وأن الوصية

стр. 2575

تكون من المال الكثير دون المال القليل. وكذا الحديث الأول على رواية: له مال. قال ابن عبد البر (١): وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية. ثم قال (٢): اختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب (أ) عند من أوجبها؛ فروي عن علي ﵁ أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصية (٣). وروي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية (٤). وقال ابن عباس: لا وصية في ثمانمائة درهم (٥). وقالت عائشة في امرأة لها أربعة من الولد ولها ثلاثة آلاف درهم: لا وصية في مالها (٦). وقال إبراهيم النخعي: ألف درهم إلى خمسمائة درهم (٧). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٨): ألف فما فوقها (٩). وعن علي: من ترك مالًا يسيرًا فليدعه لورثته فهو أفضل (١٠). وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة درهم: لم يترك خيرًا فلا يوص. أو نحو هذا من القول. قال ابن عبد البر (٢): وفي هذا دلالة على أن

стр. 2576

الأمر بالوصية في الكتاب والسنة على الندب، وإن كانت الوصية واجبة في الكتاب للوالدين والأقربين كانت منسوخة بآية الواريث. انتهى. وهذه الدلالة مأخذها من أنه لو كانت واجبة لبيّن القدر الذي تجب عنده الوصية كما هو في غيره من سائر الواجبات المالية. وقال ابن حزم (١) عن عائشة أنها قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده. وقال أبو الفرج السرخسي (٢) من الشافعية: إن من قل ماله وكثر عياله يستحب ألا يفوته عليهم بالوصية. والصحيح المعروف عند الشافعية استحباب الوصية لمن له مال مطلقًا، وهو قول الهدوية. ٧٨٩ - وعن عائشة ﵂ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". متفق عليه واللفظ لمسلم (٣). قوله: أن رجلًا. أورد البخاري (٤) بعد هذه الرواية حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة قال: إن أمي ماتت وعليها نذر. الحديث. وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة، وجاء في البخاري (٥) في رواية لحديث سعد بلفظ: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن

стр. 2577

تصدقت به عنها؟ لاحتمال أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها. وبيّن النسائي (١) من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة، [فأخرج] (أ) من طريق ابن المسيب عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء". ومثله أخرج الدارقطني في "غرائب مالك"، والمحفوظ عن مالك الحديث المذكور أولًا عن سعد. وقوله: افتلتت. بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام، أي أُخِذتْ فلتة؛ أي بغتة. وقوله: نفسها. بالضم على الأشهر نائب مناب الفاعل وبالفتح أيضًا وهو موت الفجأة، والمراد بالنفس هنا الروح. وأظنها لو تكلمت تصدقت. وفي لفظ للبخاري (٢): وأُراها. وهو بمعنى الظن، وظاهر هذا أنها لم تتكلم. وقد أخرج في "الموطأ" (٣) من حديث سعيد بن سعد بن عبادة أنه خرج سعد مع النبي ﷺ في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. فقالت: فيم أوصي والمال مال سعد؟ فتوفيت قبل أن يقدم سعد. فذكر الحديث. وظاهر هذا أنها تكلمت ومنعها هذا المانع من الوصية. ويمكن تأويل النفي بأنها لم تتكلم أي بالصدقة، أو يحمل بأن سعدًا ما عرف ما قيل لها وما أجابت به، فإن

стр. 2578

الراويين [مختلفان] (أ). وقوله: أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ الحديث. الحديث فيه دلالة على أن الميت تنفعه الصدقة ويصل ثوابها إليه ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١). ويلتحق بالصدقة العتق، وقد ورد مصرحًا به في رواية للبخاري في حديث سعد خلافًا للمالكية على المشهور عندهم، وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالحج والصوم؟ وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الجنائز (٢). وأفاد الحديث أن تارك الوصية غير ملوم، فإنه لم يرو أن النبي ﷺ لامها في ذلك ليحذر الغير، فدل على ندبيتها. وأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يستشيرون النبي ﷺ في أمور الدين، وأن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها. ٧٩٠ - وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة وابن الجارود (٣).

стр. 2579

ورواه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس ﵁ وزاد في آخره: "إلا أن يشاء الورثة". وإسناده حسن. الحديث ترجم به البخاري (٢) وقال: باب لا وصية لوارث. وكأنه لم يثبت على شرطه، فترجم به كعادته، والحديث أخرجوه (أ) من حديث خطة الوداع بلفظ: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". وفي إسناده إسماعيل بن عياش (٣)، وقد قَوَّى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة؛ منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذي والنسائي (٤). وعن أنس عند ابن ماجه (٥). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني (٦). وعن جابر عند الدارقطني (٧) أيضًا وقال: الصواب إرساله. وعن علي عند ابن أبي شيبة (٨)، ولا يخلو إسناد منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في "الأم" (٩) إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل

стр. 2580

الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازي (١) في كون هذا الحديث متواترًا. وحديث الدارقطني (٢) بزيادته أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء (أعن ابن عباس أ) مرفوعًا: "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة". ورجاله ثقات إلا أن فيه علة بأنه قد قيل: إن عطاء هو الخراساني (٣). وكأن البخاري أشار إلى ذلك فترجم بالحديث، ثم أخرج البخاري (٤) بعده عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفًا، في تفصيل تفسير الآية، وله حكم المرفوع أيضًا. والحديث فيه دلالة على منع الوصية للوارث، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من أهل العلم، وذهب الهادي والناصر وأبو طالب وأبو العباس إلى أنه تجوز الوصية للوارث، قالوا: لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية (٥). فإنه نسخ الوجوب وبقي الجواز. ويجاب عن هذا بأنه مبني على القول بأن نسخ الشيء الواجب لا يلزم منه رفع حكمه بالكلية، وهي مسألة خلاف تحقيقها في الأصول. وبأن قوله ﷺ : "لا وصية لوارث". يدل على رفع حكم الوصية، [وأنه] (ب) لا

стр. 2581

يبقى لها (أ) حكم شرعي لا بمعنى: لا وجوب، ويدل على هذا الزيادة التي في آخر الحديث وهو: "إلا أن يشاء الورثة". ومن المعلوم أن ذلك لا يكون تقييدًا إلا لصحتها واعتبارها شرعًا بنفوذ حكمها لا بمعنى أن (ب) وجوبها باقٍ، كما يلزم على القول بأن المرفوع من الآية إنما هو الوجوب. ثم اختلف العلماء: ما الناسخ للآية الكريمة؛ فقال قوم: هي منسوخة بالحديث المذكور؛ لأنه متلقى بالقبول. وهذا يستقيم على قول من يجوز نسخ القرآن بالسنة المعلومة، وعلى قول من منع يصح أن تكون آية المواريث هي الناسخة، لتقدم آية الوصية، والسنة مبينة أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية. واختلف أهل العلم ما المنسوخ من آية الوصية، فذهب طاوس وقليل من أهل العلم إلى أنها منسوخة في حق الأقارب الذين يرثون، وبقي وجوبها في الأقارب الذين لا يرثون، كالأبوين الكافرين أو العبدين. ويحكى هذا القول عن الحسن وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه (١). ويروى عن ابن عباس (٢). قال طاوس: إن الوصية كانت قبل الميراث فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابته لم تجز وصيته. وقال أكثر أهل العلم: نسخ وجوب الوصية في جميع الأقربين، ثم منع من الوصية للوارثين، واستحبت لغير الوارثين. وهو قول ابن عمر ومجاهد والشعبي والنخعي والسدي (٣) ومالك والشافعي. وفي

стр. 2582

البخاري (١) عن ابن عباس ﵄ قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. وقوله في الزيادة: "إلا أن يشاء الورثة". فيها دلالة على نفوذ الوصية بإجازة الورثة، وقد تقدم الكلام في الإجازة (٢). واختلفوا أيضًا في إقرار المريض للوارث؛ فأجازه مطلقًا الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور. وهو المرجح عند الشافعي. وبه قال مالك، إلا أنه استثنى ما إذا أقر لبنته ومعها من يشرك من غير الولد كابن العم مثلًا، قال: لأنه يتهم في أنه يزيد بنته وينقص ابن عمه من غير عكس. واستثنى ما إذا أقر لزوجته التي يعرف بمحبتها والميل إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد ولا سيما إذا كان له منها ولد في تلك الحال. وحاصل المنقول عن المالكية أن مدار الأمر على التهمة وعدمها، فإن فقدت جاز، وإلا فلا. وهو اختيار الروياني من الشافعية. وعن شريح والحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث إلا لزوجته بصداقها. وعن القاسم وسالم والثوري والشافعي في قول -وزعم ابن المنذر أن الشافعي رجع عن الأول إليه- وبه قال أحمد، لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقًا، لأنه منع الوصية له، فلا يؤمن أن يزيد الوصية له فيجعلها إقرارًا. واحتج من أجاز مطلقًا بما تقدم عن الحسن أن التهمة في حق المحتضر بعيدة، وبالفرق بين الوصية والدين؛ لأنهم اتفقوا على أنه لو أوصى في صحته لوارثه بوصية وأقر له بدين ثم رجع، أن رجوعه عن الإقرار لا يصح، بخلاف الوصية فيصح رجوعه عنها، واتفقوا على أن المريض إذا أقر بوارث صح إقراره، مع أنه

стр. 2583

يتضمن الإقرار بالمال، وبأن مدار الأمر على الظاهر، فلا يترك إقراره للظن المحتمل، فإن أمره إلى الله تعالى. والله أعلم. ٧٩١ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم". رواه الدارقطني (١). وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء (٢)، وابن ماجه من حديث أبي هريرة (٣)، وكلها ضعيفة لكن قد يقوى بعضها ببعض. في رواية الدارقطني والبيهقي (٤) زيادة في الحديث: "ليجعل لكم زكاة في أموالكم". والحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان (٥). وفي الباب عن أبي بكر الصديق رواه العقيلي في "تاريخ الضعفاء" (٦) من طريق حفص بن عمر بن ميمون وهو متروك (٧). وعن خالد

стр. 2584

ابن عبد الله السلمي (١)، وهو مختلف في صحبته، رواه عنه ابنه الحارث (٢) وهو مجهول. الحديث فيه دلالة على شرعية الوصية بالثلث، وأن ذلك لا يمنع منه الميت، وظاهره الإطلاق في حق الوارث وغيره، فتنفذ الوصية بالثلث ولو لوارث. وقد ذهب إليه الهادي وغيره من أهل البيت. وادعى أبو طالب إجماع أهل البيت على ذلك. والحديث يفهم ذلك، ويقويه إطلاق قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ الآية (٣). وذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم والمؤيد بالله وحكاه في "شرح الإبانة" عن زيد بن علي وأبي عبد الله الداعي إلى أن الوصية للوارث لا تنفذ (أ)، والحديث والآية مقيدان بما عدا الوصية للوارث، والقيد لذلك الحديث المعمول به الذي مرّ، وهو دليل واضح كما مرّ تحقيقه. والله أعلم. فائدة: ظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). أن الدين والوصية يخرجان من تركة الميت على سواء، فتشارك الوصية الدين إذا استغرق المال، والعلماء اتفقوا أن الدين يقدم إخراجه على الوصية، وأشار

стр. 2585

البخاري (١) إلى ذلك فقال: باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أي بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدَّين مع أن الدين هو المقدم في الأداء، ثم قال البخاري: ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي (٢) وغيرهما من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قضى محمد ﷺ أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين. لفظ أحمد وإسناده ضعيف لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم. وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فعادته ألا يورد الضعيف في مقام الاحتجاج، وقد أورد له شواهد، ولم يختلف العلماء أن الدين مقدم على الوصية إلا في صورة واحدة؛ وهي إذا أوصى لشخص بألف مثلًا وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده وصدقه الوارث؛ ففي وجه للشافعية [تقدم] (أ) الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة، والسرّ في تقديم الوصية على الدين في الآية الكريمة هو أنه لما كان الوصية تقع على سبيل البر والصلة، والدين نفع يتعدى الميت بحسب الأغلب، فبدئ بالوصية لكونها أفضل. كذا ذكر السهيلي. وقال غيره: قدمت الوصية لأنه شيء يوجد بغير عوض، والدين يوجد بعوض، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنة التفريط، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه، فقدمت

стр. 2586

الوصية لذلك، ولأنها حظ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة وله مقال، ولأن الوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه، فقدمت تحريضًا على العمل بها، بخلاف الدين فإنه مطلوب منه ذكَر أو لم يذكره، ولأن الوصية ممكنة من كل أحد مطلوبة منه؛ إما وجوبًا أو ندبًا فيشترك فيها جميع المخاطبين، وتقع بالمال وبالعمل، وقل من يخلو عن ذلك، بخلاف الدين، وما يكثر وقوعه أهم بأن يذكر أولًا على ما يقل وقوعه. والله سبحانه أعلم.

стр. 2587

باب الوديعة الوديعة اسم لعين يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ليحفظها، مأخوذة من ودَع الشيء يدَع: إذا سكن، فكأنها ساكنة عند المودع، وقيل من قولهم: فلان في دعة. أي في خفض من العيش؛ لأنها غير مبتذلة بالانتفاع. وبالقيود المذكورة تخرج العين في يد الملتقط، والثوب إذا ألقاه طائر في دار آخر، وحكمه يغاير حكم الوديعة. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). وقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". صححه الحاكم (٣) على شرط مسلم. ولأن بالناس حاجة بل ضرورة إليها، وقد تكون واجبة إذا لم يكن من يصلح لها غيره وخاف الهلاك عليها إن لم يقبل. ذكره أصحاب الشافعي، وذكره في "البحر" منسوبًا إلى الإمام يحيى. قال ابن الملُقِّن: وهو محمول على أصل القبول دون أن يتلف منفعة نفسه في الحفظ من غير عوض. فعلى هذا يجب عليه أن يقبل بالأجرة، ويلزم على هذا (أ) أن يأخذها وإن لم يرض صاحبها، وعلى أصل الشافعية من دون حكم حاكم، وعلى أصل الهدوية لا يأخذها إلا بحكم، واحتج في "البحر" بقوله ﷺ : "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه" (٤). وتكون محرمة

стр. 2588

على من عرف من نفسه العجز عن حفظها؛ لأنه يعرضها للهلاك. وقال صاحب "المهذب" (١) و [الماوردي] (أ): وكذا من عرف من نفسه الخيانة ويعجز عن دفعها، ويكره في حق من يقدر على حفظ نفسه من الخيانة مع مسارعة نفسه إلى ذلك؛ إذ لا يأمن عليه نفسه. وقال في "شرح المهذب": منهم من يقول: لا يجوز. ومنهم من يقول: يكره. ولم يرجح واحدًا منهما. وقال النووي في "الروضة" (٢): هل يحرم قبولها أو يكره؟ وجهان، قال صاحب "المطلب": ويظهر أن هذا كله فيما إذا رأى قبولها من غير اطلاع المالك على الحال، أما إذا أطلعه فرضي بذلك فلا تحريم ولا كراهة، ويندب إذا أوثق من نفسه الأمانة، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣). وقوله ﷺ : "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". أخرجه مسلم (٤). ٧٩٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من أودع وديعة فليس عليه ضمان". أخرجه ابن ماجه وإسناده ضعيف (٥). وباب قسم الصدقات [تقدم] (ب) في آخر الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقيب الجهاد إن شاء الله تعالى.

стр. 2589

الحديث في إسناده المثنَّى بن الصباح (١)، وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة فيما ذكره البيهقي (٢). وأخرج الدراقطني (٣) حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان". وفي إسناده ضعيفان. قال الدارقطني: وإنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع. ورواه (٣) من طريق أخرى ضعيفة بلفظ: "لا ضمان على مؤتمن". وفسر المُغِل في رواية الدارقطني بأن المغل هو الخائن. وقيل: هو مدرج. وقيل: إنه المستغل وهو القابض. وفي الباب آثار عن أبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وجابر أن الوديعة أمانة. أما أبو بكر فرواه سعيد بن منصور (٤) قال: حدثنا أبو شهاب، عن حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر أن أبا بكر قضى في وديعة كانت في جراب فضاعت؛ أن لا ضمان فيها. وإسناده ضعيف. وأما علي وابن مسعود فرواه الثوري في "جامعه" والبيهقي (٢) من طريقه عن جابر الجعفي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عليّا وابن مسعود قالا: ليس على المؤتمن ضمان. وقد تضمن أثر أبي بكر معنى أثر جابر؛ لأن الظاهر في روايته لذلك أنه يقول به ولا يخالف. الحديث فيه دلالة على أن الوديع لا يضمن الوديعة، وهو حكم مجمع عليه، إلا ما يروى عن الحسن البصري أنه إذا شرط عليه الضمان فإنه يضمن. وقد تؤُول بأنه مع التفريط.

стр. 2590

واعلم أن الوديعة تثبت بلفظ الموجب: كاستودعتك هذا. أو: استحفطك هذا. أو: [أنبتك] (أ) في حفظه. وكذا: خذه أمانة. وما أشبهه من الألفاظ الدالة على الاستحفاظ، ويكفي القبول لفظًا، وكذا ما يقوم مقامها مما يدل على الرضا عرفًا؛ مثل أن يضع في حانوته وهو حاضر ولا يمنعه من ذلك، أو يضع في المسجد عنده وهو غير مصل، أو يقول: أضع عندك؟ فيسكت سكوت رضا، وأما إذا وضع عنده وهو يصلي؛ فلا يكون رضا، لعدم تمكنه من إظهار الكراهة. كذا في كتب الهدوية. وفي كتب الشافعية وجوه ثلاثة؛ الأصح أنه يكفي القبض في العقار والمنقول كما في الوكالة. والثاني: أنه لا يكفي، بل لا بد من القبول بناء على أنها عقد. والثالث: يفصل بين صيغة الأمر كـ: احفظ هذا المال. والعقد كـ: أودعتك. والخلاف كما قال المتولي [ينبنى] (ب) على أن العقود هل يعتبر فيها ألفاظها أو معانيها (١)؟ وعندهم في توقف القبول على القبض وجوه ثلاثة؛ جزم البغوي بمنعه، والمتولي بمقابله، وأفتى الغزالي بأنه إن كان الموضع في يده فقال: ضعها هنا. دخل الوديعة في يده لحصوله في الموضع الذي هو في يده، وإن لم يكن بأن قال: انظر إلى متاعي في وكائي. فقال: نعم. لم يكن وديعة، وأما شرائط المودِع والمودَع، وكيفية الرد، فتفصيل ذلك في كتب الفروع.

стр. 2591

البَدْرُ التمام شرح بُلوغ المرام للإمامِ القاضِي الحسَين بن محمد المغربي (١٠٤٨ هـ - ١١١٩ هـ) تحقيق علي بن عبد الله الزبن عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قدم له فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى الجزء السابع

стр. 2592

البَدرُ التمام شرح بُلوغ المرام

стр. 2593

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ - هـ-٢٠٠٧ م

стр. 2594

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب النكاح النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وقال الفراء (١): النُّكْح بضم ثم سكون: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسمي به العقد لكونه سببه. وقال أبو القاسم الزجاجي (١): هو حقيقة فيهما. وقال الفارسي (١): إذا قالوا: [نكح] (أ) فلانة أو بنت فلان. فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته. فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء بشيء مستعليًا عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني. قالوا: نكح المطر الأرض. ونكح النعاس عينه. ونكحتُ القمح في الأرض. إذا حرثتها وبذرته فيها. ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، ويدل على ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن (ب) إلا للعقد، ولا يَرِدُ مثلُ قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). لأن شرط الوطء في التحليل إنما يثبت بالسنة، وإلا [فالعقد] (جـ) لا بد منه؛ لأن قوله ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾. معناه: حتى تتزوج. أي: يعقد عليها. ومفهومه أن

стр. 2595

ذلك كافٍ بمجرده، لكن بينت السنة أنه لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العُسَيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق، ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١). فإن المراد به الحلم. والله أعلم. وفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما. وبه جزم الزجاجي، وهو الذي يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول، فإن أسماء الجماع كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستهجنه لما لا يستهجنه، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف علي تسليم المدعي أنها كلها كنايات، وقد جمع أسماء النكاح ابن [القطاع] (أ) فزادت على الألف. ٧٩٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا [معشر] (ب) الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء". متفق عليه (٢). قوله: "يا [معشر] (ب) الشباب". المعشر جماعة يشملهم وصف ما،
следующие страницы →