← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجًا عنه فهو لمن وهب له. وفيه حديث عبد الله بن [عمرو] (أ) مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عِدَة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن [أعطيه] (ب)، وأحق ما أكرم به الرجل ابنته أو أخته" أخرجه النسائي (١) من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. [وأخرج] (جـ) البيهقي (٢) من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة نحوه، وقال الترمذي (٣) بعد إخراجه (د): والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة؛ منهم عمر، قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط ألا يخرجها لزم. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق؛ كذا قال، والنقل في هذا غريب عن الشافعي، وروى في "البحر" هذا القول عن عمر، ومعاوية، ثم عمر بن عبد العزيز، وشريح، وأحمد، وأبي الشعثاء (٤)، ولها الفسخ إن لم يف لها بالشرط، والظاهر من قول الشافعية أن المراد بالشروط هي (هـ) التي لا

стр. 2697

تنافي النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده، كاشتراط العِشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسُّكنَى، وألا يقصر في شيء من حقها من قسمةٍ ونحوها، وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك، وأما شرط ينافي مقتضى النكاح؛ كألا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها أو لا ينفق، أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد لغا وصح النكاح بمهر المثل، وفي وجه يجب المسمى ولا أثر للشرط، وفي قول [للشافعي] (أ): يبطل النكاح. قال الترمذي (١): وقال علي ﵁: سبق شرط الله شرطها. قال: وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشروط الجائزة لا المنهي عنها. انتهى. وقد اختلف عن عمر فروى ابن وهب (٢) بإسنادٍ جيد عن عبيد (ب) بن السباق، أن رجلًا تزوج امرأة فشرط لها ألا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها. قال أبو عبيد (٣): تضادت الروايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص وطاوس والأوزاعي، وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي:

стр. 2698

حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلًا فرضيت بخمسين على ألا يخرجها، فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمَّى. وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصته له مِن الصداق، وهو مقتضى قول الهَدويَّة. وقال الشافعي: يصح النكاح ويلغو الشرط، ويلزمه مهر المثل. وعنه، يصح وتستحق الكل. قال أبو عبيد: والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن [نحكم] (أ) عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه ألا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط، فكذلك هذا. وهذا يقتضي حمل الحديث على الندب، ويؤيد حمله على الندب قوله في حديث بريرة: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). والوطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزوج، إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطًا ليس في كتاب الله، فيبطل. وقد تقدم في البيوع الإشارة إلى حديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا" (٢). وحديث: "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق" (٣) وأخرج الطبراني في "الصغير" (٤) بإسنادٍ حسن عن جابر أن النبي ﷺ خطب أم مبشر (ب) بنت البَراء بن معرور فقالت: إني شرطت لزوجي ألا أتزوج بعده. فقال النبي ﷺ : "إن هذا لا يصلح".

стр. 2699

٨١٦ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: رخّص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها. رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على (أ) أنه قد وقع الترخيص بنكاح المتعة، ثم نهي عنه من بعد وصار ذلك محرمًا، ونكاح المتعة هو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يومًا، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة (ب) أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر بل المشروط، ولا تثبت لها نفقة، ولا توارث، ولا عدة، إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه، كذا ذكر في كتب الإمامية، وقد ذهب إلى نسخها والقول بالتحريم الجمهور من السلف والخلف بعد أن وقع الترخيص في ذلك، وقد روي تحريمها بعد الترخيص في ستة مواطن؛ الأول: خيبر كما سيأتي في حديث علي (٢). الثاني: عمرة القضاء. قال عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) عن (جـ معمر، عن الحسن، قال جـ): ما حلت المتعة قط إلا ثلاثًا في عمرة القضاء، ما حلت قبلها ولا بعدها. وشاهده ما رواه ابن حبان في

стр. 2700

"صحيحه" (١) من حديث سَبرة بن معبد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما قضينا عمرتنا قال لنا: "ألا تستمتعون مِن هذه النساء". قال المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٢): أما عمرة القضاء فلم يصح الأثر فيها؛ لكونه من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وعلى تقدير ثبوته، فلعله أراد أيام خيبر؛ لأنهما كانا في سنة واحدة. هذا كلامه وقد عرفت تصحيح ابن حبان لذلك. الثالث: عام الفتح، رواه مسلم (٣) من حديث سبرة بن معبد: أن رسول الله ﷺ نَهَى عن متعة النساء يوم الفتح. وفي لفظ له (٤): أمرنا بالمتعة عام الفتح حتى دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها. وفي لفظ له (٥): ثم (أ) رسول الله ﷺ قال: "يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة". الرابع: عام أوطاس كما ذكره المصنف هنا. قال السهيلي (٦): من قال: عام أوطاس فهو موافق لمن قال: عام الفتح؛ لأنهما في عام واحد. وفيه نظر؛ لأن الفتح كان في شهر رمضان، وأوطاس في شهر (ب) شوال، وقد عرفت من سياق مسلم للرواية أنهم ما خرجوا من مكة

стр. 2701

إلا وقد حرمت عليهم، فهذه رخصة متأخرة، وتعقبها نسخ آخر، وهذا ظاهر الرواية، إلا أنه يحتمل أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس؛ لتقاربهما، ولم يكن في الحديث تصريح بأنهم تمتعوا بالنساء في غزوة أوطاس، مع أنه يبعد أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن وقَع التصريح قبلها في غزوة الفتح بأنها حرمت إلى يوم القيامة، فتقرر الرخصة والتحريم في غزوة الفتح من غير معارض. الخامس، غزوة تبوك، رواه الحازمي (١) من طريق عباد بن كثير، عن ابن عقيل، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام جاءنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فسألنا رسول الله ﷺ عنهن، فأخبرناه فغضب، وقام فينا يخطبنا، فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ ولم نعد، ولا نعود فيها أبدًا، فسميت ثنية (أ) الوداع. وهذا الإسناد ضعيف، ولكن يؤيده ما أخرجه إسحاق بن راهويه، وابن حبان (٢) من طريقه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما نزل ثنية الوداع، رأى مصابيح وسمع نساء يبكين، فقال: "ما هذا؟ ". فقالوا: يا رسول الله، نساء كانوا يتمتعون منهن. فقال: "هدم المتعةَ النكاحُ والطلاقُ والميراثُ". وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا.

стр. 2702

قال المصنف (١) ﵀: ليس في القصة ما يدل على أنهم وقع منهم الاستمتاع منهن في تلك الحال، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديمًا وجاءت النسوة على ما ألِفن منهم فوقع التوديع حينئذ، أو أنه وقع من البعض بناء على الرخصة المتقدمة ولم يبلغه النهي فاستمر على الرخصة، فلذلك قرن بالغضب؛ لتقدم النهي، وحديث جابر من رواية عباد (٢)، وهو متروك، وحديث أبي هريرة من رواية مؤمل بن إسماعيل (٣) عن عكرمة بن عمار (٤)، وفيهما مقال. السادس: حجة الوداع، رواه أبو داود (٥) مِن طريق الربيع بن سَبرة وقال: أشهد على أبي أنه حدث عن رسول الله ﷺ ، أنه نهى عنها في حجة الوداع. والرواية عنه بأنها في غزوة الفتح، وهي أصح وأشهر، فإن كان حديثًا محفوظًا فليس في سياق الحديث أنه وقع الترخيص في حجة الوداع ثم نهى عنها، وإنما فيها النهي، فلعله ﷺ أراد إعادة النهي ليشِيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، ويحتمل أن يكون قد انتقل ذهن أحد الرواة من الفتح إلى حجة الوداع، فإن أكثر الروايات عن سَبرة في الفتح. وقال الماوردي (٦): يحتمل أن يكون التحريم تكرر والرخصة مرة واحدة، ويحتمل أنها أبيحت

стр. 2703

مرارًا؛ ولهذا قال في المرة الأخيرة: "إلى يوم القيامة". قال النووي (١): الصَّواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين، وكانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا، ولا مانع من تكرير الإباحة. ونقل غيره عن الشافعي، أن المتعة نسخت مرتين، ويدل عليه حديث ابن مسعود (٢) في سبب الإذن (أفي المتعة أ)؛ أنهم كانوا إذا غزوا اشتدت عليهم العزبة؛ فأذن لهم في الاستمتاع، فلعل النهي كان يتكرر في كل موطن بعد الإذن، فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن والله أعلم. وكذا أخرج ابن عبد البر (٣) من حديث سهل بن سعد بلفظ: إنما رخص النبي ﷺ في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها. فلما فتحت خيبر وسع عليهم من المال ومن السبي، فناسب النهي عن المتعة لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شكر نعمة الله على التوسعة بعد الضيق، أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بعد ومشقة، وخيبر بخلاف ذلك؛ لأنها بقرب المدينة، فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدم إذن فيها، ثم لما عادوا إلى سفرة بعيدة المدة وهي غزاة الفتح، وشقت عليهم العزوبة أذن لهم في

стр. 2704

المتعة، لكن مقيدا بثلاثة أيام فقط دفعًا للحاجة، ثم نهاهم بعد انقضائها عنها كما سيأتي، وهكذا يجاب (أ) عن كل سَفْرة ثبت فيها النهي بعد الإذن، وأما حجة الوداع فالذي يظهر أن الذي وقع فيها النهي مجردًا -إن ثبت الخبر في ذلك- لأن الصحابة حجوا فيها بنسائهم بعد أن وسع عليهم فلم يكونوا في شدة ولا طول عزبة، وإلا فحديث سَبرة المروي في ذلك وقع عليه الاختلاف في تعيين الغزوة، والحديث واحد في قصة واحدة فيتعين الترجيح، والطريق التي أخرجها مسلم مصرحة بأنها في زمن الفتح أرجح، فتعين المصير إليها. فإذا عرفت ما ذكر فجميع هذا المروي مقرر لنسخ حكمها، وأن ذلك منهي عنه محرم، وذهب إلى القول ببقاء الرخصة، وأن ذلك غير منسوخ؛ جماعة من الصحابة هم؛ عبد الله بن العباس، وأسماء بنت أبي بكر، وجابر ابن عبد الله، وابن مسعود، ومعاوية، وعمرو بن حُريث، وأبو سعيد، وسلمة [ومعبد] (ب) ابنا أمية بن خلف، قال ابن حزم: ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله ﷺ . قال: ومدة أبي بكر ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته. قال: وروي عن عمر أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليه عدلان فقط. وقال بها من التابعين طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة. قال: وقد تقصينا الآثار بذلك في كتاب "الإيصال". انتهى كلامه في

стр. 2705

"المحلى" (١)، فأما ابن عباس؛ فروى الترمذي (٢) ذلك وقال: كان يُجوِّز نكاح المتعة ثم رجع عنه. وعقد الترمذي لذلك بابًا مفردًا، وفي إسناده موسى بن عبيدة الرَّبَذي (٣)، منسوب إلى الرَّبَذة لسكونه فيها، وهو ضعيف. وقد أخرجه البخاري (٤) في باب النهي عن نكاح المتعة عن أبي جمرة الضبعي، أنه سأل ابن عباس عن متعة النساء فرخص [فيها] (أ). فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة؟ قال: نعم. وقد أخرجه الإسماعيلي في "مستخرجه" (٥) بلفظ الجهاد بدل الحال الشديد. وفي كتاب "غرر الأخبار" (٥) أخرجه عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ما تقول في المتعة فقد أكثر الناس فيها حتى قال فيها الشاعر، قال: وما قال الشاعر؟ قال: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس وهل ترى رَخْصَة (ب) الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر (جـ) الناسِ

стр. 2706

قال: وقد قال الشاعر فيه؟ قلت: نعم. قال: فكرهَها، أو نَهَى عنها. وأخرج الخطابي (١) عن سعيد بن جبير مثل هذا، وقال: قال ابن عباس: سبحان الله، والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا لمضطر. وأخرج البيهقي (٢) عن ابن شهابٍ قال: ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفتيا. و [ذكره] (أ) [أبو] (ب) عوانة في "صحيحه" (٣) أيضًا. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤) عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباسٍ: كان يراها حلالًا ويقرأ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (٥). قال: وقال ابن عباسٍ: في حرف أبي بن كعب: (إلى أجل مسمى) (٦). قال: وكان يقول: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة مِن الله رحم الله بها عباده، ولولا نهي عمر ما احتيج إلى الزنى أبدًا. وذكر ابن عبد البر (٧) عن الليث بن [سَعد] (جـ) عن بكير بن الأشج عن [عمار] (د) مولى الشريد:

стр. 2707

سألت ابن عباس عن المتعة؛ أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا نكاح ولا سفاح. قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله. قلت: هل عليها حيضة؟ قال: نعم. قلت: يتوارثان؟ قال: لا. وأخرج النسائي (١) من طريق مسلم القري، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر فسألتها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول الله ﷺ . وأما جابر ففي "مسلم" (٢) من طريق أبي نضرة عنه: فعلناها مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنها عمر فلم نعد لها. وأما ابن مسعود ففي "الصحيحين" (٣) عنه، قال: رخص لنا رسول الله ﷺ أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء. ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤). وأما معاوية فأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٥) عن ابن جريج عن عطاء قال: أول من سمعت منه المتعة صفوان بن (أ) يعلى بن أمية قال: أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف (ب) فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عباسٍ فذكرنا له ذلك، فقال: نعم. وأما عمرو بن حريث فوقعت الإشارة إليه فيما رواه مسلم (٦) من طريق أبي الزبير: سمعت جابرًا يقول: كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق

стр. 2708

والتمر الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى نهانا عنها عمر في شأن عمرو بن حُرَيث. وأما معبد وسلمة ابنا أمية فذكر [عمر بن شبة] (أ) في "أخبار المدينة" بإسناده، أن سلمة بن أمية بن خلف استمتع بامرأة، فبلغ ذلك عمر، فتوعده على ذلك (١). وأخرج عبد الرزاق (٢) قصة معبد، وأما رواية جابر (٣) عن الصحابة فالظاهر أنه عنى بذلك ما فهم من قوله: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر. فإن فيه ما يدل على أن ذلك شائع بين الصحابة. وذهب إلى القول ببقاء الإباحة؛ ابن جريج فقيه مكة والباقر والصادق والإمامة، محتجين بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. فإنه فسرها ابن عباسٍ بنكاح المتعة، والقراءة بزيادة: (إلى أجل مسمى) مصرحة بالمراد. وأجاب الجمهور بما تقدم من النسخ بعد الإباحة كما تظافر بذلك روايات الإباحة، فإنها مقرونة بالنسخ، وكذا مَا تقدم عن ابن عباسٍ من الرجوع وغيره من الصحابة. وقال البخاري (٤): بين علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه منسوخ. وأخرج ابن ماجه (٥) عن عمر بإسناد صحيح أنه خطب، فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثًا ثم حرمها، والله لا أعلم

стр. 2709

[أحدًا يتمتع] (أ) وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. وروى الطبراني في "الأوسط" (١) من طريق إسحاق بن راشد [عن الزهري] (ب) عن سالم قال: [أُتي] (جـ) ابن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة. فقال: معاذ الله، ما أظن ابن عباسٍ يفعل هذا. قيل: بلى. قال: وهل كان ابن عباس على عهد رسول الله ﷺ إلا غلامًا صغيرًا. ثم قال ابن عمر: نهانا عنها (د) رسول الله ﷺ وما كنا مسافحين. إسناده قوي. وروى الدارقطني (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "هدم المتعة الطلاقُ والعدةُ والميراثُ". وإسناده حسن. وأخرج [أبو] (هـ) عوانة في "صحيحه" (٣) عن ابن جريج أنه قال لهم في البصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن حل المتعة. بعد أن حدثهم ثمانية عشر حديثًا أنه لا بأس بها. ومع هذا فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ؛ ولذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم في "علوم الحديث" (٤): يترك من قول أهل الحجاز خصر. [فذكر منها] (و)

стр. 2710

متعة النساء من قول أهل مكة، وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل المدينة. وذهب زفر إلى أنه إذا وقع العقد إلى أجل أنه يصح العقد ويلغو التوقيت. وذهب ابن زياد إلى أنهما إن شرطا مدة لا يعيشان إليها صح العقد؛ إذ القصد الدوام. وقريبٌ من هذا ما ذكره الفقيه أحسن النحوي أن التوقيت بالموت لا يضر بالعقد، قال: لأنه غاية النكاح. قال الإمام المهدي (١): قالوا: إباحتها قطعية فلا تنسخ بالظني. قال الإمام يحيى: بل ظني. قلت: وفيه نظر؛ إذ لم يسمع بمن أنكرها من الأصل. انتهى كلامه. وأنت خبير بأن الراوين لإباحتها رووا نسخها إلا القليل، وذلك إما قطعي في الطرفين، أو ظني في الطرفين جميعًا، والله سبحانه أعلم. وقال في " [نهاية] (أ) المجتهد" (٢): إنها تواترت الأخبار بالتحريم، إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم. قال الإمام المهدي في "البحر" (٣): مسألةٌ: وتحريمها ظني لأجل الخلاف، [وإن صح] (ب) رجوع من أباحها لم تصر قطعية على خلاف بين الأصوليين. فرعٌ: [قيل] (جـ): ولا

стр. 2711

يعتبر في المتعة من أجازها من أحكام النكاح إلا الاستبراء. أبو جعفر: بل يعتبر الولي والشهود. قلنا: أدلتهم وفعلهم يقتضي عدم الاعتبار. انتهى. وأراد بقوله: على خلاف بين الأصولين. هو ما اشتهر من الخلاف في انعقاد الإجماع بعد الخلاف المستقر أم لا ينعقد؟ والمراد أنه لا يكون إجماعًا قطعيًّا، ولكن هذا مبني على اعتبار الخلاف، وقد عرفت فيما تقدم أن المبيحين إنما بنوا على الأصل لما لم يبلغهم الدليل الناسخ، وليس مثل هذا من باب الاجتهاد، وإنما هم معذورون لجهل الناسخ، والمسألة لا اجتهاد فيها بعد ظهور النص، والله أعلم. ٨١٧ - وعن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة في عام خيبر. متفق عليه (١). الحديث في البخاري أن النبي ﷺ نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. بالمعجمة أوله والراء آخره، هكذا لجميع أصحاب الزهري، إلا ما رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: حنين. بمهملة أوله ونونين، أخرجه النسائي والدارقطني (٢)، ونبها على أنه وهْم تفرد به عبد الوهاب، وأخرجه الدارقطني (٣) من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: خيبر. على الصواب.

стр. 2712

وقوله: في عام خيبر. وكذا: زمن خيبر. الظاهر أنه ظرف للمتعة ولتحريم لحوم الحمر الأهلية، وحكى البيهقي (١) عن الحميدي أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: في خيبر. يتعلق بالحمُر الأهلية لا بالمتعة. قال البيهقي: وما قاله محتمل. يعني في روايته هذه، وأما غيره فصرح أن الظرف يتعلق بالمتعة. وقد صرح بذلك البخاري في غزوة خيبر في (أ) كتاب المغازي (٢)، وكذا في الذبائح (٣) من طريق مالك بلفظ: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية. وهكذا أخرجه مسلم (٤) من رواية ابن عيينة أيضًا، وأخرجه البخاري (٥) في ترك الحيل في رواية [عبيد] (١) الله بن عمر، عن الزهري أن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وكذا أخرجه مسلم (٦)، وزاد من طريقه فقال: مهلًا يا بن عباس. ولأحمد (٧) من طريق معمر بسنده أنه بلغه أن ابن عباس رخص في متعة النساء، فقال له: إن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية. وأخرجه مسلم (٨) من رواية يونس بن يزيد عن الزهري،

стр. 2713

والدارقطني (١) عن مالك ويونس وأسامة بن زيد، ثلاثتهم عن الزهري، مثل ما أخرجه مسلم (٢) في الذبائح من طريق مالك. وأما السهيلي (٣) فذكر أن ابن عيينة رواه عن الزهري بلفظ: نهى عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر وعن المتعة بعد ذلك، أو: في غير ذلك. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكره لم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد وابن أبي عمر والحميدي وإسحاق (٥) في "مسانيدهم" عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاري من طريقه، إلا أن منهم من زاد لفظ: نكاح المتعة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن موسى والعباس بن الوليد. وأخرجه مسلم (٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، جميعًا عن ابن عيينة [بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور (٧) عن ابن عيينة] (أ)، لكن قال: "زمن" بدل "يوم". قال السهيلي (٨): ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن

стр. 2714

نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار. قال: والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النَّقل عن ابن عيينة؛ فذكر ابن عبد البر (١) من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميدي ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر. قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: ثم راجعت "مسند الحميدي" من طريق قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السُّلمي عنه فقال بعد سياق الحديث: قال ابن عيينة: يعني أنه نَهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؛ ولا يعني [نكاح] (أ) المتعة. قال ابن عبد البر: وعلى هذا أكثر الناس. وقال البيهقي (٣): يشبه أن يكون كما قال؛ لصحة الحديث في أنه ﷺ رخص فيها بعد ذلك ثم نَهَى عنها، فلا يتم احتجاج عليٍّ إلا إذا وقع النهي أخيرًا؛ لتقوم له الحجة على ابن عباسٍ. وقال أبو عوانة (٤) في "صحيحه": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح. انتهى. والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر كما أشار إليه البيهقي، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليًّا لم تَبلغه الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع النهي عنها عن قرب، ويمكن أن يكون علي

стр. 2715

رضي الله عنه فهم من الترخيص فيها يوم الفتح توقيت الترخيص وهو أيام شدة الحاجة مع العزوبة، وبعد مضي ذلك فهي باقية على أصل التحريم المتقدم، فتقوم له الحجة على ابن عباسٍ، وإن كان ابن القيم ذكر في "الهدي" (١) أن الصحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر؛ إذ لم يقع هناك نكاح متعة، إلا أنه قد يمكن أن يكون هناك مشركات غير كتابيات، فإن أهل خيبر كانوا يصاهِرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فلعله كان مِن نساء الأوس والخزرج هناك من استمتعوا منهن، فلا يرد الاعتراض. وهذا ما يتعلق بتصحيح هذه الرواية، وقد تقدم الكلام في الحديث الأول على النسخ، والله أعلم. ٨١٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه (٢). وفي الباب عن علي ﵁ أخرجه الأربعة إلا النسائي (٣). حديث ابن مسعود صححه أيضًا ابن القطان، وابن دقيق العيد على شرط البخاري، وأخرجه عبد الرزاق (٤) من طريق أخرى، وأخرجه أيضًا من

стр. 2716

طريق أخرى إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: والعمل عليه عند أهل العلم؛ منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن عمر (٢)، وهو قول الفقهاء من التابعين، ولفظه في رواية أحمد والنسائي: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والموتشمة (أ) والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكله. وحديث علي في إسناده مجالد وهو ضعيف، وقد صححه ابن السكن وأعله الترمذي، ولفظه عن علي عن النبي ﷺ : "لعن الله المحلل والمحلل له". وأخرجه الترمذي (٣) عن جابر من طريق مجالد وحكم عليه بالوهم. ورواه أحمد والبيهقي وإسحاق والبزار، وابن أبي حاتم في "العلل" (٤) من حديث أبي هريرة، وحسنه البخاري. ورواه ابن ماجه والحاكم (٥) من حديث الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر، (ب [ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له"] ب). وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بأن الصواب رواية الليث عن سليمان بن عبد الرحمن

стр. 2717

مرسلًا، وحكى الترمذي (١) عن البخاري أنه استنكره. وقال أبو حاتم (٢): ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكارًا شديدًا. وقال: إنما حدثنا به الليث عن سليمان، ولم يسمع الليث من مشرح شيئًا. قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): وقع التصريح بسماعه في رواية الحاكم، وفي رواية ابن ماجه عن الليث: قال لي مشرح. ورَوَاه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٤) مِن رواية عبيد بن عمير (٥) عن [أبيه عن جده] (أ)، وإسناده ضعيف. الحديث فيه دلالة على تحريم التحليل؛ لأن اللعن إنما يكون على فعل محرم، والمحرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقد، فإن اللعن وإن كان للفاعل فهو لأجل فعله الذي هو التحليل، إذ تعليق الحكم على وصف يصح أن يكون علة للحكم يقتضي التعليل، وللتحليل صور؛ منها أن يقول في العقد: إذا أحللتها فلا نكاح. وهذا يشبه نكاح المتعة للتوقيت؛ ومنها أن يقول: إذا أحللتها طلقتها. ومنها أن يكون مضمرًا عند العقد بأن يتواطأا على التحليل، ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود، ولم يشرطا عند العقد ذلك. فالصورة الأولى باطلة، والظاهر أنه متفق عليه بين من حرم نكاح

стр. 2718

المتعة. والصورة الثانية يصح العقد ويلغو الشرط في أقوى احتمالين عند الهدوية. وهو قول المؤيد بالله والحنفية، قالوا: إنه لا دليل على بطلانه. وَلِمَا ذكره في "الشفاء" أنه قيل للنبي ﷺ : إن فلانًا تزوج بفلانة وما نراه تزوجها إلا ليحللها. فقال النبي ﷺ : "أصْدَقَ؟ ". قيل: نعم. فقال: "أشْهَدَ؟ ". قيل: نعم. قال: "ذهب الخداع" (١). وهذا وإن كان ظاهره في مضمر التحليل، ولكنه يفهم من الجواب ما يعم هذه الصورة والصورة الأولى، إلا أنها خرجت بدليل تحريم نكاح المتعة. وأما الصورة الثالثة فذهبت الهدوية وأبو حنيفة والشافعي إلى صحتها؛ لما ذكر. وذهب مالك وأحمد وإسحاق والنخعي وداود والهادي إلى بطلانها؛ لعموم اللعن. قال الإمام المهدي: قلنا: قرره قوله ﷺ : "ذهب الخداع". وفعل عمر ولم ينكر. قال الإمام المؤيد بالله: وحديث اللعن يتناول المؤقت جمعًا بين الأدلة. قال الإمام يحيى: أو يصح العقد ويتناولهما اللعن؛ لمنافاة المروءة. قلت: وفيه نظر. انتهى. وجه التنظير ما أشرنا إليه أن ذلك الحديث يقتضي النهي، والنهي [يقتضي] (أ) الفساد، وإذا سلمنا التناول لزم الفساد، ويمكن الجواب عنه بأن ذلك إنما يستقيم إذا كان النهي لذات المنهي عنه، أو لوصف [مقارب] (ب)، وأمَّا إذا كان لوصف مفارقٍ فلا يقتضي الفساد، وهو هنا كذلك؛ حيث

стр. 2719

جعل العلة فيه منافاة المروءة. وقال في " [نهاية] (أ) المجتهد" (١): سبب اختلافهم؛ اختلافهم في مفهوم اللعن؛ فمن فهم [منه] (ب) التأثيم فقط، قال: النكاح صحيح. ومَن فهم من التأثيم فساد العقد تشبيهًا بالنهي الذي يدل على فساد المنهي [عنه] (جـ)، قال: النكاح فاسد. انتهى. وعلى ما قررناه أولًا أن اللعن يقتضي النهي، فلا يصح ما ذكر، والله أعلم. وقال المصنف رحمه الله تعالى (٢): استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو شرط أن يطلقها ونحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها، لكن روى الحاكم والطبراني [في الأوسط] (د) (٣) من طريق [أبي] (هـ) غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى [ابن] (و) عمر، [فسأله] (ز) عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له [عن] (جـ) غير مؤامرة ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلَّا نكاح رغبة، كنا نعد هذا

стр. 2720

سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ . وقد روي مثل هذا عن عثمان وعلي وابن عباسٍ وابن عمر، وهي نصوص فيما إذا قصد الزوج التحليل من غير مواطأة بينه وبين المطلق ولا المرأة، وأن هذا من التحليل الملعون صاحبه، وأن من شرط النكاح أن يكون نكاح رغبة في الزوجة. وقد أخرج هذه الآثار عن الصحابة، وأخرج عن التابعين وتابع التابعين كذلك ابن القيم في كتاب "إغاثة اللهفان" (١)، وأن التحليل يشمل ما كان الإضمار من الزوج وحده، أو من المطلق، أو من المرأة، ومَن أراد الاستيفاء فليرجع إليه. وقال ابن حزم (٢): ليس الحديث على عمومه في كل محلل، إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحللين وهو من [أحل] (أ) حرامًا لغيره بلا حجة، فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك؛ لأنهم لم يختلفوا في الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول ونوته هي، أنها لا تدخل في اللعن، فدل على أن المعتبر الشرط، والله أعلم. انتهى. وهذا الحديث يعارض ما تقدم من الحديث في التحليل ويعارض رواية "البحر" عن عمر الصحة، والله أعلم. ٨٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله". رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات (٣). الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على الزوجة أن تزوج بمن ظهر زناه،

стр. 2721

ولعل الوصف بالمجلود بناءً على الغالب في حق من ظهر منه الزنى، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالمرأة الزانية التي ظهر زناها، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ومعنى قوله: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله". يعني أنه لا يرغب الزاني في نكاح الصالحة الطيبة مِن الزنى، وإنما يرغب في نكاح فاسقة خبيثة من شكله، والفاسقة الزانية لا يرغب في نكاحها الصلحاء، وإنما يرغب فيها من كان في صفتها، كما قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. فنكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية، [ورغبته] (أ) فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنى -محرم عليه محصور، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور موقع التهمة والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة، وأنواع المفاسد ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة (ب) الزواني! وقد نبه الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢). وعن عائشة ﵂ أن الرجل إذا زنى بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانيًا (٣). وذهب ابن عباسٍ (٤) إلى جوازه وشبهه بمن

стр. 2722

سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: "أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال" (١). وقوله: "لا ينكح". يحتمل النهي، فيكون مجزومًا، ويحتمل الخبر و "لا" للنفي، فيكون مرفوعًا، والمعنى واحد إذا كان الخبر في معنى النهي، ويكون أبلغ في تأدية ذلك المعنى، كما أن: رحمك الله. أبلغ من: ليرحمك الله. وإذا كان خبرًا محضًا مستعملًا في معناه، فمعناه أن عادة الزاني الجارية المستمرة أن ينكح مثله، وعلى المؤمن ألا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويصون نفسه عن هذه النقيصة. ٨٢٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: طلق رجل امرأته ثلاثًا فتزوجها رجل ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسأل رسول الله ﷺ (أعن ذلك أ) فقال: "لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول". متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢). الرجل اسمه رفاعة، بكسر الراء المهملة، ابن سموءل، بفتح المهملة وبكسرها وفتح الميم وسكون الواو بعدها همزة ثم لام، متفق على تسميته في جميع الروايات، و [القرظي] (ب)، بضم القاف وفتح الراء المهملة والظاء

стр. 2723

المعجمة، منسوب إلى قريظة من الخزرج، والمرأة اسمها تميمة بنت وهب من بني قريظة، كذا في "الموطأ" (١) مرسلًا، وأخرجه الطبراني (٢) والدارقطني في "الغرائب" موصولًا، وتميمة بالمثناة من فوق، واختلف هل التاء مفتوحة مكبرًا أو مضمومة مصغرًا؟ والثاني أرجح. وقيل: اسمها سهيمة (أ) بسين مهملة مصغرًا. أخرجه أبو نعيم (٣) وكأنه تصحيف، وعند ابن منده (٤) [أميمة] (ب) بهمزة في أول الاسم، وسمى أباها (جـ) الحارث، والراجح هو الأول، واسم الزوج الآخر عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي، وهذا متفق عليه في جميع الروايات عن هشام بن عروة (د) أن الزوج الأول اسمه رفاعة والثاني عبد الرحمن، وكذا في رواية سعيد بن أبي عروبة (٥)، أن تميمة بنت أبي عبيد القرظية كانت تحت رفاعة فطلقها، فخلف عليها عبد الرحمن بن

стр. 2724

الزبير، وتسميته لأبيها لا ينافي ما تقدم أن اسمه وهب، فلعل اسمه وهب وكنيته أبو عبيد، وقد وقع عند [ابن] (أ) إسحاق في "المغازي" (١) مقلوبًا، فجعل الزوج الأول عبد الرحمن والثاني رفاعة، والمحفوظ ما اتفق عليه الجماعة عن هشام، وقد وقع لامرأة أخرى قريب من هذه القصة في رواية النسائي (٢) عن عبيد الله بن العباسِ مصغرًا، أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي ﷺ تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء فقال: إنها كاذبة، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول. فقال: "ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته". ورجاله ثقات، لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار. وعبيد الله بن العباس وُلد في زمن النبي ﷺ ، وقد اختلف في سماعه. واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم، أخرجه الطبراني وأبو مسلم الكجي وأبو نعيم في "الصحابة" (٣) عن عائشة أن [عمرو] (٥) بن حزم طلق الغميصاء [فتزوجها] (جـ) رجل قبل أن يمسها، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، الحديث. ولم يأت التصريح باسم الزوج الثاني، ووقع لثالثة

стр. 2725

قصة أخرى مع رفاعة النضري رجل آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير أيضًا أخرجه مقاتل بن حيان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة" (١) عن أبي موسى في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). قال: نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضرية كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها طلاقًا بائنًا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فقالت: إنه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ قال: "لا". الحديث. وهذا إن كان محفوظًا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبدُ الرحمن بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص، وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما، ظنًّا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب، فقال: اختلف في أمر رفاعة على خمسة أقوال، ووقعت لأبي ركانة قصة أخرى فيما أخرجه أبو داود (٣) مِن حديث ابن عباسٍ قال: طلق عبد يزيد أم ركانة ونكح امرأة مِن مزينة فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه. قال: فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: "طلقها وراجع أم ركانة". ففعل. فقد يحتج بها في مسألة العنين. وقوله: "من عسيلتها". تصغير العسل، وأنث المصغر لأن العسل

стр. 2726

مؤنث، كذا قال [الفراء] (أ)، وقال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري (١): إنه يذكر ويؤنث. وقيل: إن العرب تؤنث ما حقرته. وقيل: التأنيث هنا باعتبار المعنى المجازي، لما كان مراده بالعسيلة الوطأة إشارة إلى أنها تكفي في المقصود مِن تحليلها للزوج الأول. واختلف ما المراد بالعسيلة؛ فقيل: المراد بها إنزال المني، وأن التحليل لا يكون إلا بذلك. وذهب إليه الحسن البصري. وقال الجمهور من العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب الحشفة من الرجل في فرج المرأة، ويكفي منه ما يوجب الحد، ويحصل به تحصين الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم. قال الأزهري (١): الصواب أن معنى العسيلة حَلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة، وأنث لشبهها بالعسل. وقال الداودي: صغرت لشدة شبهها بالعسل. وقال أبو عبيد: العُسيلة لذة الجماع. والعرب تسمي كل شيء تستلذه عَسلًا. فالحديث دَل على ما ذهب إليه الجمهور على هذا الوجه، ويؤيد ذلك أنه لو كان المعتبر الإنزال لكفى إذا حصَل قبل الإيلاج، والحسن يوافق أنه لا يكفي ولكنه يقال عليه: إنه مَا ذاق أحدهما عسيلة الآخر. وهو المعتبر، وذهب سعيد بن السيب إلى أنه يحصل التحليل بالعقد الصحيح. قال ابن المنذر (٢): أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن

стр. 2727

المسيب. ثم ساق سنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني. وأنا أقول: إذا تزوجها صحيحًا لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور (١). قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا وافقه عليه (أ) إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن انتهى. ومِن هذا يؤخذ ضعف نقل أبي جعفر النحاس في "معاني القرآن" (٢)، وتبعه عبد الوهاب المالكي في "شرح الرسالة" عن سعيد بن جبير، ولا يعرف سند ذلك عن سعيد بن جبير في شيء من المصنفات، وحكى مثل ذلك ابن الجوزي عن داود. وقول (ب) المصنف: هذا لفظ مسلم. يعني وأما البخاري فساقه بألفاظ؛ منها في باب (٣): إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها، عن عائشة أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة، فقال: "لا حتى [تذوقي] (جـ) عسيلته [و] (د) يذوق عسيلتك". وفي باب من قال

стр. 2728

لامرأته: أنت علي حرام (١). بلفظ: ولم يكن معه إلا مثل الهدبة فلم يقربني إلا هَنَةً -وهي بفتح الهاء والنون الخفيفة: المرة الواحدة الحقيرة- واحدة، ولم يصل مني إلى شيء، أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تحلين لزوجك الأول". الحديث. وفي أوائل الطلاق (٢): وإنما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله ﷺ : "لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا" الحديث. وفي باب اللباس (٣)، أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزَّبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها فلما جاء رسول الله ﷺ والنساء ينصر بعضهن بعضًا، قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجَلدُها أشد خضرة من ثوبها. قال؛ أي عكرمة: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ فجاء ومعه ابنان له مِن غيرها، قالت: والله ما لي إليه ذنب إلا أن ما معه ليس بأغْنَى عني مِن هذه. وأخذت هُدبة مِن ثوبها، فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة. فقال رسول الله ﷺ : "فإن كان ذلك فلا تحلين له، أو: لا تصلحين له، حتى يذوق من عسيلتك". قال: وأبصر معه ابنين له (أ) فقال: "بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "هذا الذي تزعمين ما تزعمين! فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب". وذكره في غير هذه المواضع أيضًا.

стр. 2729

باب الكفاءة والخيار الكفاءة بمعنى المماثلة والمساواة، يقال: فلان كُفء لفلان. إذا كان مماثلًا له في صفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١). أي مماثلًا، وهو بضم الكاف والفاء وسكون الفاء وبكسر الكاف، وقد قرئ بها (٢). وهو متفق على اعتبار الكفاءة في الدين، فلا تحل المسلمة للكافر، ومختلف في غير ذلك. ٨٢٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العرب بعضهم أكْفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء [بعضٍ] (أ)، إلا [حائكًا] (ب) أو حجامًا". رواه الحاكم، وفي إسناده راوٍ لم يُسم، واستنكره أبو حاتم، وله شاهد عند البزار عن معاذ بن جبل بسندٍ (جـ) منقطع (٣). الحديث أخرجه الحاكم من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر به، والراوي عن ابن جريج لم يُسمَّ، وقد سأل ابن أبي حاتم (٤) عنه

стр. 2730

أباه، فقال: هذا كذب لا أصل له. وقال في موضع آخر (١): باطل. ورواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢) من طريق بقية، عن زرعة، عن عمران بن أبي الفضل، عن نافع، عن ابن عمر. قال الدارقطني (٣) في "العلل": لا يصح. وقال ابن حبان (٤): عمران بن أبي (أ) الفضل يروي الموضوعات عن الثقات. قال ابن أبي حاتم (٥): سألت أبي عنه، فقال: منكر. وقد حدث به هشام بن عبيد [الرازي] (ب)، فزاد فيه بعد "أو حجامًا": "أو دَبّاغًا". قال: فاجتمع عليه الدباغون وهموا به. وقال ابن عبد البر (٢): هذا منكر، موضوع. وذكره ابن الجوزي (٦) في "العلل المتناهية" من طريقين إلى ابن عمر؛ في أحدهما عليُّ (جـ) بن عروة، وقد رماه (د) ابن حبان بالوضع (هـ) (٧). وفي الأخرى محمد بن الفضل بن عطية (٨)، وهو متروك. والأُولى في ابن عَدي (٩)،

стр. 2731

والثانية في الدارقطني (١). وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، رواها (أ) البزار (٢) في "مسنده"، رفعه: "العرب بعضها لبعض أكفاء، والموالي بعضها لبعضٍ أكفاء". وفيه سليمان بن أبي [الجون] (ب). قال ابن القطان (٣): لا يُعرف. ثم هو من رواية خالد بن معدان عن معاذ، ولم يسمع منه. والحديث فيه دلالة على استواء العرب في الكفاءة، وأن الموالي ليسوا (جـ أكفاءً لهم جـ)، وأنهم أكفاء بعضهم لبعضٍ، وهذا فيه دلالة بالنظر إلى العلة المناسبة لاعتبار ذلك، وهو ما يلحق من الغضاضة إذا اتصل الوضيع بالرفيع، فيقاس ما كان فيه عدم مساواة بين الزوجين، إما من جهة النسب أو الحسب أو المال أو الصفات الدنيوية أو الدينية، وللعلماء في ذلك اختلاف؛ فذهب الهادي والقاسم وأبو العباس وأبو طالب والمؤيد بالله إلى أن المعتبر المماثلة في الحسب والدِّين. وزاد أبو حنيفة المماثلة في المال، ونقل صاحب "الإفصاح" (د) (٤) عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدِّين والمال والنسب. ونقل ابن المنذر (٥) عن البويطي أن الشافعي قال: الكفاءة في الدِّين. وهو كذلك في "مختصر البويطي"، قال الرافعي: وهو خلاف المشهور. ونقل

стр. 2732

الآبري (أ) عن الربيع، أن رجلًا سأل الشافعي عنه، فقال: أنا عربي، لا تسألني عن هذا (١). وجزم باعتبار المال أبو الطيب [والصيمري] (ب) وجماعة، واعتبره الماوردي في أهل الأمصار، وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى، المتفاخرين بالنسب دون المال، وذهب أبو يوسف إلى أن المعتبر المساواة في الحسب -وهو بفتح المهملتين ثم باء موحدة- وهو في الأصل التشرف (جـ) بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الأفعال الحسنة. وقد يطلق على المال والدِّين (د) والمال والحرفة الرفيعة. والمحترفون أكفاء إلا الحاكة والدبَّاغين والكناسين. وقال محمد بن الحسن: إن المعتبر الحسب والمال لا الدين. ويرد قوله ﷺ : "ممن ترضون خلقه ودينه" (٢). عليه؛ فإنه اعتبر الدين. وذهب زيد بن علي، وأحد قولي الناصر، ومالك، إلى أن المعتبر الدين فقط. قالوا: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣). وقوله ﷺ : "الناس كلهم ولد آدم" (٤). و: "الناس كأسنان المشط" (٥).

стр. 2733

وقد أشار البخاري (١) إلى نصرة هذا القول، فقال في أول باب الأكفاء في الدين: وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (٢). فاستنبط من الآية الكريمة المساواة بين بني آدم، ثم أردفه بإنكاح أبي حذيفة من سالم بابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، وتبناه حذيفة (٣). وهذا القول مروي عن عمر وابن مسعود، وعن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وحديث الباب كما عرفت من ضعفه. وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٤) من حديث بُريدة يرفعة: " [إن] (أ) أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال". فهو لا يؤخذ منه أن المال معتبر في الكفاءة، فإن الظاهر من معناه [أن] (أ) من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعًا، وضعَةَ من كان مقِلًّا ولو كان كريمًا، كما هو موجود مشاهَد. ولكن هذا الذي يذهب إليه أهل الدنيا من سوء نظرهم، وعدم التفاتهم إلى ما ينفع في العقبى، كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٥). وقد كفى في الرد على مَن اعتبر غير الدين،

стр. 2734

بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١). أي أن الحكمة في ذلك هي أن يعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزي إلى غير آبائه، لا أن يتفاخروا بالآباء والأجداد، ويدَّعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، [ويكتسب] (أ) الشرف والكرم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وكذلك ما صرح به النبي ﷺ يوم فتح مكة لما طاف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "الحمد لله الذي أذهب عنكم عبِّيَّة (٢) -بضم المهملة وكسرها- الجاهلية وتكبُّرَها، يأيها الناس، إنما الناس رجُلان؛ مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله". ثم قرأ الآية (٣). وقال ﷺ : "مَن سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله" (٤). فجعل النبي ﷺ الالتفات إلى النسب من عبية الجاهلية وتكبرها، فكيف يعتبره المؤمن ويُبنَى عليه حكم شرعي؟! وفي الحديث شيء كثير مما (ب) يفيد التواتر المعنوي في النهي عن الالتفات إلى النسب، لا سيما النسب المنقطع

стр. 2735

في الدنيا، كنسب من لا ينسب (أ) إلى النبي ﷺ ، ومن اعتبر الكفاءة في النسب اختلفوا في تفصيل ذلك؛ فقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا، والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفئًا لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفئًا للعَرب. وهو وجه للشافعية، والصحيح (ب عند الشافعية ب) تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعضٍ. وقال الثوري (جـ): إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح. وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فأرُدَّ به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضُوا صح ويكون حقًّا لهم تركوه، فلو رضُوا إلا واحدٌ فله فسخه. وهذا هو كقول الهدويَّة، أنه يغتفر برضا (د) الأعلى والولي، ويرد على هؤلاء تزويج النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس القرشية من أسامة (١)، وتقديمه على مَن هو مساوٍ في النسب، مع أنه ما عرف أن النبي ﷺ عرض على أحدٍ من قرابتها إسقاط حقه، لو كان لهم حق في ذلك كما ذكر، بل أمر بني بَياضة بإنكاح أبي هند، وقال: "إنما هو امرؤٌ من المسلمين" (٢). فنبه على
следующие страницы →