← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وأجاب البيهقي (١) عن ذلك بأنه محمول على أنَّه زوجها من غير كفء. والله أعلم. قال المصنف (٢) ﵀: جواب البيهقي (أ) هو المعتمد، فإنَّها واقعة عين فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا، وأمَّا الطعن في الحديث، فلا معنى له، فإن طرقه يقوي بعضها ببعض، وفي الباب عن جابر وابن عمر وعائشة (٣). وبوب البُخاريّ (٤): إذا زوج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود. وذكر فيه حديث خنساء بنت خدام، [بفتح] (ب) المعجمة بعدها نون ومهملة ممدود، وقد روي خناس بوزن فلان، وخدام بكسر المعجمة بعدها [دال مهملة] (جـ)، ولكن في روايته أنها كانت ثيبًا (د)، والثيب (هـ) مجمع على اعتبار رضاها إلَّا مَا روي عن الحسن (٥) أنَّه أجاز إجبار الأب للثيب. وعن النَّخعيِّ (٦): إن كانت في عياله جاز وإلا رد. واختلفوا إذا وقع بغير رضاها، فقالت الحنفية

стр. 2662

والهدوية: إن أجازته جاز. وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا. ورده الباقون مطلقًا. ٨٠٦ - وعن ابن عباس ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وَليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها". رواه مسلم (١). وفي لفظ: "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر". رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وصححه ابن حبان (٢). الحديث الأخير: "ليس للولي" إلى آخره. رواته ثقات، أخرجه ابن حبان من حديث معمر عن صالح بن كيسان عن نافع (أ) بن جبير عن ابن عباس، [وقال] (ب) أبو الفتح القشيري: ويقال: إن معمرًا أخطأ فيه. يعني أن صالحًا إنَّما حمله عن عبد الله بن الفضل عن ابن (جـ) جبير، وهو قول الدارقطني (٣). قوله: "واليتيمة تستأمر". اليتيم في الشرع؛ الصَّغير الذي لا أب له،

стр. 2663

فظاهر الحديث أن اليتيمة يصح أن يزوجها الأولياء، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (١) الآية. وما ذكر في سبب نزولها من أنَّه يكون في حجر الولي يتيمة وليس له رغبة في نكاحها، وإنَّما يرغب في مالها فيتزوجها لذلك، فنهوا، وكذا قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢) الآية. وترجم البُخاريّ (٣) ذلك، وقال: باب تزويج اليتيمة. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب مالك إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلَّا الوصي، وكأنه نظر إلى أن الوصي قائم مقام الأب فله حكمه، وذهب الناصر والشّافعيّ إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلَّا الأب؛ محتجين بقوله: "واليتيمة تستأمر". قالوا (أ): والاستئمار لا يكون إلَّا بعد البلوغ، إذ لا فائدة [في استئمار] (ب) الصغيرة، فكان ذلك قرينة على أن المراد باليتيمة فاقدة الأب وقد بلغت، لأنَّه قد يطلق اليتيم على من فقد أحد أبويه وإن بلغ، والمراد أن اليتيمة تترك حتَّى تستأمر ولا يكون استئمارها إلَّا بعد البلوغ. ومَن أجاز تزويج الصغيرة بغير الأب يثبت لها الخيار متى بلغت ولو كان جدًّا، وذهب الناصر، والمؤيد بالله، والفريقان، إلى أنَّه كالأب فلا خيار لها؛ لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤). فسمى الجد أبًا. والجواب بأنه

стр. 2664

مجاز. وثبوت الخيار لها عند الهدوية وأبي حنيفة، ومحمد، والمؤيد بالله؛ قالوا: قياسًا على الأمة، فإنَّها تخير إذا أعتقت وهي مزوجة، والجامع بينهما حدوث ملك التصرف. وذهب أبو يوسف إلى أنَّه لا خيار لها؛ كمن زوجها أبوها. قال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (١): سبب الاختلاف في إنكاح الصغيرة لغير الأب، قياس غير الأب في ذلك على الأب، فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب بسببه أن يزوج الصغيرة لا يوجد في غير الأب (ب)، لم يجز ذلك، ومن رأى أنَّه يوجد فيه أجاز ذلك، ومن فرق بين الصَّغير في ذلك والصغيرة، فلان الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا. انتهى. وأعلم أن نكاح الأب لأولاده الصغار مجمع عليه، وترجم على ذلك البُخاريّ (٢) بباب: نكاح الرجل ولده الصغار، ضبط بضم الواو وسكون اللام بصيغة الجمع وبفتحهما بصيغة الجنس، يشمل الذكر والأنثى، واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣). فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ؛ أي يدل على أن النكاح قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، ولكن ذلك لا يختص بالأب إلَّا أن يقال: قد بَيَّن أن المراد

стр. 2665

بما (أ) في الآية الكريمة هو من زوجها الأب تَزْويج عائشة ﵂، والأصل في الأبضاع التحريم إلَّا ما دل عليه النص، فاقتصر على المنصوص عليه. قال المهلب (١): أجمعوا على أنَّه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلَّا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ. وحكاه ابن حزم (٢) عن ابن شبرمة مطلقًا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتَّى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزوج النَّبيُّ ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين (٣) كان من خصائصه، والله أعلم. ٨٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها". رواه ابن ماجه والدارقطني ورجاله ثقات (٤). وأخرج الحديث البيهقي (٥). وفي قوله: "لا تزوج المرأة المرأة". دلالة على أن المرأة لا يثبت لها ولاية في النكاح، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهبت الحنفية إلى ثبوت

стр. 2666

الولاية للنساء بعد العصبة. قال في "كنز الدقائق" (١): وإن لم يكن عصبة، فالولاية للأم، ثم الأخت لأب وأم، ثم لأب (أ)، ثم ولد الأم، ثم لذوي الأرحام، ثم للحاكم. انتهى. والحديث هذا يرد عليهم، وقد يستأنس (ب) لهم في حق الأم بقوله ﷺ : "استأمروا النساء في بناتهن" (٢). فالاستئمار يدل على ثبوت الحق لهن في ذلك، والجمهور حملوا الأمر على الندب، وأن الغرض من ذلك إنَّما هو تطييب لنفس الأم لما لها من الاتصال بابنتها. وقوله: "ولا تزوج المرأة نفسها". فيه دلالة على عدم أهلية المرأة لإنكاحها نفسها. وقد تقدم بعض من ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك. قال في "نهاية المجتهد" (٣): اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست بشرط؟ فذهب مالك إلى (جـ) أنَّه لا يكون نكاح إلَّا بولي، وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه، وبه قال الشَّافعي، وقال أبو حنيفة، وزُفر، والشعبي، والزهري: إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفئًا جاز. وفرق داود بين البكر والثيب، فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب، ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع؛ أن اشتراطها سنة لا فرض؛ وذلك أنَّه روي عنه أنَّه كان

стр. 2667

يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي، وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلًا من النَّاس على نكاحها، فكأنه عنده مِن شروط التمام لا مِن شروط الصحة، بخلاف عبارة البغداديين مِن أصحاب مالك، أعني أنهم يقولون: إنَّها من شروط الصحة لا من شروط التمام. وسبب الاختلاف؛ أنَّه لم تأت آية ولا سنة ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلًا عن أن يكون في ذلك نصٌّ، بل الآيات (أ) والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة في ذلك، وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة، ونحن نورد ما احتج به الفريقان، ونبين وجه الاحتمال في ذلك، فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب في اشتراط الولاية قوله تعالى: [﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ] (ب) أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). قالوا: وهذا خطاب للأولياء، ولو لم يكن لهم حق في الولاية لما نهوا عن العضل. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢). وهذا أيضًا خطاب للأولياء، ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزُّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاث مرات، وإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي مَن لا ولي لها".

стр. 2668

أخرجه التِّرمذيُّ (١) وقال فيه: حديث حسن. وأمَّا ما احتج به من لم يشترط الولاية مِن الكتاب والسنة فقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). قالوا: وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها. قالوا: وقد أضاف إليهن (أ) في غير ما آية من الكتاب الفعل، فقال: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤). وأمَّا من السُّنَّة، فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته، وهو قوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها" (٥). وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى. فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع. فأمَّا قوله تعالى: [﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ] (ب) أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها عن (جـ) أن يمنعوها النكاح، وليس نهيهم عن العضل ممَّا يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازًا، أعني بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص، بل قد يمكن أن يفهم منه ضد

стр. 2669

هذا، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١). هو أن يكون خطابًا لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابًا للأولياء، وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابًا للأولياء أو لأولي الأمر. فإن قيل: هذا عام، والعموم يشتمل ذوي الأمر [و] (أ) الأولياء. قيل: هذا الخطاب إنَّما هو خطاب بالمنع، والمنع بالشرع، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مَأمورًا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الإذن، (ب أصلًا كالأجنبي ب). ولو قلنا: إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح. لكان مجملًا لا يصح به عمل؛ لأنَّه ليس فيها ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترًا أو قريبًا من التواتر؛ لأنَّ هذا ممَّا تعم به البلوى، ومعلوم أنَّه كان في المدينة مَن لا ولي لها، ولم ينقل عنه ﷺ أنَّه كان يعقد أنكحتهم، ولا نصب لذلك من يعقده، وأيضًا فإن المقصود من الولاية ليس هو حكم الولاية، وإنَّما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات، وهذا ظاهر، والله أعلم. وأمَّا حديث عائشة (٢)، فهو حديث مختلف في وجوب العمل به، والأظهر أن مَا ليس يتفق على صحته، أنَّه لا يجب العمل به، وأيضًا فإن

стр. 2670

سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلَّا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي، أعني المولَّى عليها. وإن سلمنا أنَّه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد على نفسها، أعني أن تكون هي التي تولت العقد، بل الأظهر منه أنَّه إذا أذن لها (١) جاز أن تعقد على نفسها. وأمَّا مَا احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإن المفهوم منه النَّهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن، وليس ها هنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلَّا عقد النكاح، فظاهر هذه الآية، والله أعلم، أن لها أن تعقد النكاح، وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف، وهو الظاهر من الشرع، وأمَّا إضافة النكاح إليهن، فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد، لكن الأصل هو الاختصاص، إلَّا أن يقوم الدليل على غير ذلك. وأمَّا حديث ابن عباس (٢) فهو لَعمرى ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر؛ لأنَّه إذا كان كل واحدة منهما يستأذن ويتولى العقد عليها الولي، فبماذا؟ ليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها من وليها، والاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهو أظهر في أن المرأة تلي العقد مِن الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. على أن الولي هو الذي يلي العقد. وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة، وذلك أنَّه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزُّهريّ، وحكى ابن علية عن ابن جريج أنَّه سأل الزُّهريّ عنه، فلم يعرفه. قالوا: والدليل على

стр. 2671

ذلك أن الزُّهريّ لا يشترط الولاية. وقد احتجوا أيضًا بحديث ابن عباس أنَّه قال: "لا نكاح إلَّا بولي وشاهدي عدل" (١). ولكنه مختلف في رفعه. وأمَّا احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل؛ وذلك أنَّه يمكن أن يقال: إن الرشد إذا وُجِدَ في المرأة اكتفى به في عقد النكاح، كما يكتفى به في التصرف في المال، وشبهه أن يقال: إن المرأة مائلة الطبع إلى الرجال أكثر منها إلى تدبير الأموال، فاحتاط الشرع بأن جعلها محجورة في هذا المعنى على التأبيد، مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى أوليائها، لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ والحسبة، والمسألة كما ترى محتملة، لكن الذي يغلب على الظن أنَّه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإذا كان لا يجوز عليه فييه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه تواترًا أو قريبًا (أ) من التواتر، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين؛ إما أنه ليست الولاية شرطًا في صحة النكاح وإنَّما للأولياء الحسبة في ذلك، وأمَّا إن كانت شرطًا فليس من شرط صحتها تمييز أصناف الأولياء وصفاتهم؛ ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب. انتهى. وهذا الكلام الذي ذكره في "غاية التحقيق ونهاية

стр. 2672

التدقيق"، والله أعلم، وقد روي عن عائشة أيضًا أن النكاح يصح بغير ولي. رواه الطحاوي والبيهقيّ (١). وروى البيهقي (٢) عن علي ﵁، أنَّه أجاز النكاح بغير ولي بعد الدخول بالمرأة، في قصة جرت، ولم يذكر المصنف ﵀، الوارد في اعتبار الشهادة. وقد أخرج في "زوائد المسند" (٣) عن عمران بن حصين عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا نكاح إلَّا بولي وشاهدي عدل". وعن عائشة مرفوعًا مثله بزيادة: "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". رواه الدارقطني (٤)، ولمالك في "الموطأ" (٥) عن أبي الزُّبير المكيِّ أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلَّا رجلٌ وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت. وعن ابن عباس ﵁: "لا نكاح إلَّا بشاهدي عدل وولي مرشد" (٦). ولا مخالف له من الصّحابة. أخرجه الدارقطني (٧) وذكر أن في سنده مجاهيل، وقد ذهب إلى اعتبار الشهادة علي، وعمر، وابن عباس، والعِترة، والحسن البصري، والنخعي، والشعبي، وابن المسيب، والشّافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد. وذهب ابن عمر، وابن الزُّبير، وعبد الرحمن بن مهدي، وداود،

стр. 2673

إلى أن الشهادة لا تعتبر كشراء الأمة للوطء. وقال في "نهاية المجتهد" (١): اتفقوا، أعني أبا حنيفة والشّافعيّ ومالكًا على أن الشهادة من شروط النكاح، واختلفوا هل هي شَرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد؟ واتفقوا على أنَّه لا يجوز نكاح السر، واختلفوا إذا شهد شاهدان ووصيا بالكتمان؛ هل هو سر أم ليس بسر؟ فقال مالك: هو سر ويفسخ. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليس بسر. وسبب اختلافهم، هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم (أ) إنَّما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف والإنكار؟ فمن قال: حكم شرعي. قال: هي من شروط الصحة. ومن قال: توثيق. قال: من شروط التمام. ثم ذكر حديث ابن عباس حجة القائل باعتباره، ثم قال: وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين؛ لأنَّ المقصود عنده بالشهادة هو الإعلان فقط. والشّافعيّ يرى أن الشهادة تتضمن المعنيين، أعني الإعلان والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة، وأمَّا مالك فليس يتضمن عنده الإعلان إذا أوصى الشاهدان بالكتمان، وسبب اختلافهم؛ هل ما يقع فيه الشهادة (ب) ينطلق عليه اسم السر أم لا؟ والأصل في اشتراط الإعلان قول النَّبيِّ ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح" الحديث (٢). وقول عمر ﵁ فيه: هذا نكاح السر، ولو تقدمت فيه لرجمت.

стр. 2674

وقد روي عن الحسين بن علي ﵁ أنَّه تزوج بغير شهادة ثم أعلن النكاح. انتهى. ٨٠٨ - وعن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشِّغار، والشِّغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه (١). واتفقا من وجه آخر (أ) على أن تفسير الشِّغار من كلام نافعٌ (٢). هو أبو عبد الله نافع بن سَرْجِس، بفتح السِّين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر الجيم، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان دَيْلميًّا (٣)، من كبار التّابعين المدنيين، سمع ابن عمر، وأبا سعيد الخُدري. روى عنه الزُّهريّ، وأيوب السَّختياني، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ومالك بن أنس. وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر مروي عنه. قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر، لا

стр. 2675

أبالي ألَّا أسمعه من أحد. مات سنة سبع عشرة ومائة (أ). وقيل: سنة عشرين. الشِّغار بمعجمتين مكسور الأول، أصله في اللغة الرفع (١)، يقال: شغر الكلب. إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتَّى أرفع رجل بنتك. وقيل: هو من شغر البلد، إذا خلا، لخلوه عن الصداق. ويقال: شغرت المرأة. إذا رفعت رجلها عند الجماع. وقال ابن قتيبة (٢): كل واحد منهما يشغر عند الجماع. وكان من نكاح الجاهلية. وقوله: نهى عن الشغار. المراد به نهى عن نكاح الشغار، بتقدير المضاف، وقد صرح به في رواية ابن وهب عن مالك، ذكره ابن عبد البر (٣). وقوله: والشغار. إلى آخره. قال ابن عبد البر (٣): ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه. وأمَّا أبو داود (٤) فاختصر الرّواية عن القعنبي، وكذا التِّرمذيّ (٥)، أخرجه من طريق معن بن عيسى، واختصر التفسير، ويدل على ذلك أن النَّسائيّ (٦) أخرجه من طريق معن بالتفسير، وكذا الخطيب (٧)

стр. 2676

أخرجه من طريق القعنبي بالتفسير. وقد اختلفت الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه التفسير، والأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشَّافعي، فيما حكاه البيهقي في "المعرفة" (١): لا أدري؛ التفسير عن النَّبيِّ ﷺ ، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك؟ ونسبه محرز بن عون وغيره إلى مالك. قال الخطيب (٢): تفسير الشغار ليس من كلام النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّما هو قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرز بن عون، ثم ساقه عنهم كذلك، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيلي والدارقطني (٣) في "الموطآت". وأخرجه الدارقطني (٣) أيضًا من طريق خالد بن مخلد عن مالك، قال: سمعت أن الشِّغار أن يزوج الرجل ... إلى آخره. وهذا دالٌّ على أن التفسيرين منقول مالك لا من مقوله، وصرح البُخاريّ (٤) في كتاب ترك الحيل عن نافع في هذا الحديث؛ تفسير الشغار مِنْ قول نافع ولفظه. قال عبيد الله: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره. فلعل مالكًا أيضًا حمله عن نافع، وقال أبو الوليد الباجي: الظاهر أنَّه مِن جملة الحديث، وعليه يحمل، حتَّى يتبين أنَّه من قول الراوي وهو نافع. وقال المصنف (٥) ﵀: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه ألا يكون في نفس الأمر مرفوعًا، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم (٦)

стр. 2677

من رواية أبي أسامة وابن نمير عن (أعبيد الله أ) بن عمر أيضًا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، مثله سواء. قال: وزاد ابن نمير: والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. أو: زوِّجني أختك وأزوجك أختي. وهذا يحتمل أن يكون تلقاه عن أبي الزناد، ويؤيّد الاحتمال الثَّاني وُروده في حديث أنس وجابر وغيرهما أيضًا، فأخرج عبد الرَّزاق (١) عن معمر عن ثابت وأبان عن أنس مرفوعًا: "لا شغار في الإسلام". والشغار أن يزوج الرجل الرجل (ب) أخته بأخته. وروى البيهقي (٢) من طريق نافع بن يزيد عن ابن جريج عن أبي الزُّبير عن جابر مرفوعًا نَهى [النبي ﷺ ] (جـ) عن الشغار. والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق؛ بُضع (د) هذه صداق هذه، وبُضع (د) هذه صداق هذه. وأخرج أبو الشَّيخ (٣) في كتاب النكاح من حديث أبي ريحانة أن النَّبيَّ ﷺ نهى عن المشاغرة. والمشاغرة أن يقول: زوج هذا من هذه، وهذه من هذا، بلا مهر. قال القرطبي (٤): تفسير الشغار صحيح، موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان

стр. 2678

من قول الصحابي فمقبول أيضًا؛ لأنَّه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. انتهى. وفي "الطّبرانيّ" (١) من حديث أُبي بن كعب مرفوعًا: "لا شغار". قالوا: يا رسول الله، وما الشغار؟ قال: "نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما". وإسناده وإن كان ضعيفًا، لكن يُستأنس به في هذا القام. اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل هو باطل أو غير باطل؟ فذهب العِترة والشّافعيّ ومالك إلى أنَّه باطل، للنهي الوارد فيه، والنهي يقتضي بطلان المنهي عنه، واختلفوا في العلة المقتضية للبطلان، فذهب المؤيد بالله وأبو طالب إلى أن العلة كون البضع صار ملكًا للأخرى، وذهب إليه أكثر الشَّافعية، قالوا: لأنَّه يصير البضع مشتركًا بين الزوج والأخرى، وجعل كل واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبعض بضع زوجته بتمليكه (أ) لبضع موليته، وهذا ظلم بكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحها عن مهر ينتفع به. وقال القفال (٢): العلة في البطلان التعليق والتوقيف، وكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتَّى ينعقد لي نكاح بنتك. وقال الخطابي (٣): كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة ويستثني عضوًا من أعضائها، وهو ممَّا لا خلاف في

стр. 2679

فساده، وتقرير ذلك أنَّه يزوج وليته ويستثني بضعها حيث يجعله للأخرى صداقًا. وقال مالك: العلة خلو العقد عن المهر. ونقله الخرقي (أ) (١) عن نص (ب) أحمد بن حنبل، وكذا ابن دقيق العيد (٢). وقال الإمام يَحْيَى: بل العلة مجموع الاشتراك في البضع والخلو عن الهر. وحديث الباب يؤيد قول مالك وأحمد بقوله: لا صداق بينهما. فإنَّه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد. وقال ابن دقيق العيد (٣): وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النَّهي. وحديث أبي ريحانة يؤيده، ويتفرع على الخلاف ما إذا ذكر مهر لكل واحدة منهما أو لأحدهما، هل يخرج عن الشغار أو لا؟ فعلى من يقول: إن العلة المجموع أو عدم ذكر المهر وحده. يصح النكاح ولا يكون شغارًا، ومن جعل العلة الاشتراك في البضع، هو شغار منهي عنه. واختُلف على أصل الشَّافعي فيما إذا لم يصرحا بالبضع، فالأصح عند الشَّافعية الصحة، ونصَّ الشَّافعي على خلافه، ولفظه: إذا زوج الرجل ابنته أو المرأة يلي أمرها من كانت لآخر على أن صداق كل واحدة [بضع] (جـ) الأخرى، أو على أن ينكحه الأخرى، ولم يُسمِّ أحد منهما لواحدة منهما صداقًا، فهذا الشغار

стр. 2680

الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، وهو [مفسوخ] (أ). هكذا ساقه البيهقي (١) بإسناده الصَّحيح عن الشَّافعي، [قال (٢)] (ب): وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث، واختلف نَصُّ الشَّافعي فيما إذا سمَّى مع ذلك مهرًا، فنص في "الإملاء" (٣) على البطلان، وظاهر نصه في "المختصر" (٣) الصحة؛ وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشَّافعي من ينقل الخلاف من أهل مذهبه، وذهب الحنفية والزهري ومكحول والثوري والليث، ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، أن النكاح صحيح، ويلغو ما ذكر فيه. قالوا: لعموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤). ولم يُفَصِّلْ. قال الإمام الهدي في "البحر": قلنا: النَّهي اقتضى قبحه فلا صحة. انتهى. وقد يجاب من طرق الحنفية بأن النَّهي وإن اقتضى القبح فلا يلزم منه الفساد، بل النَّهي يدل على الصحة عندهم، ورواية عن (جـ) مالك، أنَّه يفسخ عقد الشغار قبل الدخول لا بعده. وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وقد يجاب عنه بما قاله الشَّافعي (٥) ﵀: إن النساء محرمات -[لعمومِ] (د) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٦) - إلَّا ما أحل الله، من النكاح و (هـ) ملك يمين، فإذا ورد

стр. 2681

النَّهي عن نكاح تأكد التحريم، والمراد (أ) أنَّه لا يباح إلَّا بالنكاح الذي لا نهي عنه، وما نهي عنه رجع إلى ذلك الأصل، وهذا وجه قوي. والله أعلم. واعلم أنَّه ذكر في (ب لحديث لفظ ب) البنت، وفي رواية: الأخت. قال النووي (١): أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن، كالبنات في ذلك. قال ابن القيِّم في "الهدي النبوي" (٢): والذي يجيء على أصل أحمد أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم، أنَّه لا يصح؛ لأنَّ المقصود في العقود معتبر، والمشروط عرفًا كالمشروط لفظًا؛ فيبطل العقد بشرط ذلك والتواطؤ عليه ونيته. والله أعلم. ٨٠٩ - وعن ابن عباس ﵁ أن جارية بكرًا أتت النَّبيَّ ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها رسول الله ﷺ . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأعل بالإرسال. الحديث تقدم الكلام عليه قريبًا في أثناء حديث أبي هريرة، فارجع إليه (٣). ٨١٠ - وعن الحسن عن سمرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما". رواه أحمد والأربعة وحسنه التِّرمذيُّ (٤).

стр. 2682

هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن -واسم أبي الحسن يسار- البصري، من سبي مَيْسَان، مولى زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، وقدم البصرة بعد مقتل عثمان، ورأى عثمان، وقيل: إنه لقي عليًّا بالمدينة. وأمَّا بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح؛ لأنَّه كان في وادي القرى متوجهًا نحو البصرة، حين قدم علي بن أبي طالب البصرة. ويقال: إنه لقي طلحة وعائشة ولم يصح له منهما سماع. وروَى عن غيرهما من الصّحابة؛ مثل أبي بكرة الثَّقفيّ وأنس بن مالك وسمرة بن جندب، وروى عنه خلق كثير من التّابعين وتابعيهم، وهو إمام وقته في كل فن وعلم وزهد وورع وعبادة. مَات في رجب سنة عشر ومائة. ويسار بفتح الياء المنقوطة اثنتين من أسفل وتخفيف السين المهملة، وميسان بفتح الميم وسكون الياء تحتها نقطان، وبالسين المهملة (١). الحديث صححه أبو زرعة (٢) وأبو حاتم (٣) والحاكم (٤) في "المستدرك"، وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، ورجاله ثقات. واختلف فيه عن الحسن، ورواه الشَّافعي وأحمد والنَّسائيُّ (٥) من طريق قتادة

стр. 2683

أيضًا عن الحسن عن عقبة بن عامر، قال التِّرمذيُّ (١): الحسن عن سمرة في هذا أصح. قال ابن المديني (٢): لم يسمع الحسن من عقبة شيئًا. وأخرجه ابن ماجه (٣) من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أو عقبة بن عامر. دَل الحديث على أن المرأة إذا عقد لها وليّان لشخصين وكان العقدان مترتبين، أنها للأول منهما، وسواء كان الثَّاني قد دَخَل بها أو لا، أما إذا دخل بها عالمًا، فإجماعٌ أنَّه زانٍ وأنها للأول، وأمَّا إذا دخل جهلًا فكذلك، إلَّا أنَّه لا حدَّ للجهل. وقد ذهب إلى هذا العِترة والحنفية والشافعية والحسن البصري وأحمد وإسحاق بن راهويه. وذهب عمر وطاوس والزهري ومالك أنها تكون للثاني، إذ الدخول أقوى من العقد لتكملة المهر. قال الإمام المهدي: قلنا: الحديث أولى، والوطء لا يصحح الباطل، كما أن المرأة لو نكحت في العدة، ودخل بها الزوج، فإنَّه لا يُصِحُّ الوطءُ العقدَ، وهذا حيث ترتب العقدان. وأمَّا إذا وقعا في وقت واحد فإن العقدين يبطلان، والظاهر أنَّه مجمع عليه، وأمَّا إذا علم التَّرتيب، ثم التبس المتقدم، فإن العقدين يبطلان أيضًا؛ لأنَّه لا يمكن إجراء حكمهما؛ لعدم إمكان قسمتها بين الزوجين بخلاف المبيع بين المشتريين فإنَّه يمكن القسمة، وقد ذهب إلى هذا الهدوية وأبو حنيفة والشّافعيّ إلَّا أن الزوجة إذا أقرت بسبق أحدهما أو دخل بها أحد الزوجين برضاها فإن ذلك يقرر العقد الذي أقرت بسبقه؛ إذ الحق عليها فإقرارها صحيح، وكذا الدخول برضاها، فإنَّه قرينة

стр. 2684

السبق؛ لوجوب الحمل على السلامة. وقال أحمد وإسحاق: إنه في هذا الظرف يقرع بين الزوجين. ويجاب بأن القرعة غير مشروعة في مثل هذا. وقال الإمام يَحْيَى: إنه إن جهل المتأخر أو التبس كون الوقت متحدًّا أو مختلفًا يكون لها حكم الزوجة الملتبسة لا تخرج منهما إلَّا بطلاق، فإن تمردا؛ فقال الحقيني والأستاذ: إن الحاكم يفسخ النكاح. وقال السيد أحمد الأزرقي: إنهما يجبران على الطلاق، ولا يطؤها أيهما ولا مهر ولا ميراث؛ لاحتمال عدم الزوجية، ومن مات اعتدت منه، فإن مات الثَّاني بعد انقضاء العدة استأنفت للاحتمال لا قبل الانقضاء؛ إذ عليها في الحقيقة عدة واحدة فينتقل إلى الأخرى. قال الإمام المهدي: هذه الأحكام حيث علم المتأخر ثم التبس، لا حيث التبس كون الوقت متحدًّا أم لا. وقد ذكر هذا القاضي زيد والإمام يَحْيَى في موضع غير هذا الموضع، ولكن الظاهر أنَّه لا فرق بين الصورتين، فما ذكره الإمام يَحْيَى في هذا الموضع هو الأولى، والله أعلم. ٨١١ - وعن جابر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه أو أهله فهو طاهر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وكذلك ابن حبان (١). الحديث من رواية ابن عقيل، وأخرجه ابن ماجه (٢) من رواية ابن عقيل

стр. 2685

عن ابن عمر (أ [وقال التِّرمذيُّ: لا يصح وإنَّما هو عن جابر. وأبو داود (١) من حديث العمري عن نافع عن ابن عمر] أ) بلفظ: "فنكاحه باطل". وتعقبه بالتضعيف وتصويب وقفه. ورواه ابن ماجه (٢) من حديث ابن عمر بلفظ ثالث: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان". وفيه مندل بن علي وهو ضعيف. وقال أحمد بن حنبل (٣): هذا حديث منكر. وصوب الدارقطني (٤) في "العلل" وقف هذا المتن على ابن عمر، ولفظ الموقوف أخرجه عبد الرَّزاق (٥) عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، أنَّه أحَدَّ (ب) عبدًا له تزوج بغير إذنه، ففرق بينهما وأبطل صداقه وضربه حدًّا. الحديث فيه دلالة على أن نكاح العبد بغير إذن مالكه لا يصح، وهل يكون حكمه حكم الزنى؟ فالجمهور على ذلك، إلَّا أنَّه إذا كان جاهلًا للتحريم سقط عنه الحد، ولحق النسب به. وذهب الإمام يَحْيَى إلى أن العقد الباطل لا يكون له حكم الزنى هنا ولو كان عالمًا. وقال: إن العقد شبهة يدرأ به الحد؛ لأنَّ فيه خلاف داود في صحة نكاح العبد بغير إذن سيده؛ لأنَّ النكاح عنده فرض عين، فهو كسائر فروض الأعيان لا يحتاج

стр. 2686

إلى إذن السيد، ويجاب عنه بأن الظاهر من قوله: فهو عاهر. يدل على أنَّه زنى حقيقة، وتأويله بأنه من باب التشبيه البليغ خلاف الظاهر من دون قرينة، فإن تزوج بغير إذن سيده كان قالعقد موقوفًا ينفذ بالإجازة. وذهب الناصر والشّافعيّ إلى أنَّه لا ينفذ بالإجازة؛ لقوله: "فهو عاهر". والجواب بأنه عاهر إذا لم يحصل إجازة، إلَّا أن الشَّافعي والناصر لا يصح عندهما إجازة الموقوف، وذهب مالك إلى أن العقد نافذ إلَّا أن السيد له فسخه. والحديث يدل على أنَّه لا يحتاج إلى فسخ كما ذهب إليه العترة والشّافعيّ إن حمل على ظاهره، ولكنه لا يتم ذلك على كل قول، إلَّا على قول الشَّافعي والناصر؛ لأنَّ العهر -وهو الزنى- لا تلحقه الإجازة، فلا بد من تأويله بالحمل على التشبيه البليغ، ومع ذلك فهو يحتمل ما ذهب إليه مالك من حيث إنه غير مستقر، لأنَّ للسيد فسخه، فهو يشبه ما لا اعتبار له رأسًا كالعهر، ويحتمل ما ذكره الهدويَّة أنَّه كالعاهر؛ لأنَّه إذا لم يجزه السيد كان عاهرًا، وإذا أجازه نفذ، فهو في الابتداء كالعاهر. ٨١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "لا يُجْمَعُ بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها". متَّفقٌ عليه (١). قوله: "لا يجمع". بلفظ المضارع المبني للمجهول مرفوعًا على أن "لا"

стр. 2687

نافية غير ناهية، فهو خبر في معنى النَّهي، وهو كثير في اللغة، (أظاهر في أ) تحريم الجمع بينهما، سواء كان ذلك مرتبًا أو في عقد واحد معًا، إلَّا أنَّه مع التَّرتيب يبطل العقد على الثَّانية، وفي الجمع بينهما في عقد واحد، يبطلان جميعًا. قال الشَّافعي (١): تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال التِّرمذيُّ (٢)، بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا؛ أنَّه لا يحل للرجل أن يجمع المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن ينكح المرأة على عمتها أو خالتها. وقال ابن المنذر (٣): لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنَّما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وكذا ابن عبد البر (٤) نقل الإجماع، وكذا ابن حزم (٥) والقرطبي (٦)، والنووي (٧). واستثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من البصرة، وهو بفتح الموحدة وتشديد التاء المثناة، واستثنى النواوي والإمام المهدي طائفة من الخوارج والضيعة، والقرطبي حكى الخلاف عن الخوارج، وزاد أيضًا في الرّواية عنهم جواز الجمع بين الأختين، والظاهر أن نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط؛ لأنَّ ذلك نص القرآن، وهم يعتمدون نصوص القرآن، وإنَّما مخالفتهم للسنة؛ لطعنهم في أكثر الصّحابة رضوان الله عليهم.

стр. 2688

وأعلم أنَّه يلزم الحنفية أن يجوزوا الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأنهم يقدمون (أ) العمل بعموم الكتاب على أخبار الآحاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١)، إلَّا أن صاحب "الهداية" من الحنفية انفصل عن هذا بأن هذا الحديث مشهور، والمشهور له حكم القطعي، ولا سيما مع الإجماع من الأمة وعدم الاعتداد بالمخالف. والرضاع حكمه حكم النسب، وقد روي عن الهادي أنَّه أحل ذلك من الرضاع، وقد أجيب بأن الهادي إنَّما قصد الفرق بين الرضاع والنسب في العلة، وأمَّا الحكم فواحد. وأعلم أن هذا الحكم قد روي عن جماعة من الصّحابة، إلَّا أنَّه قال الشَّافعي (٢): إن أهل العلم لا تثبت إلَّا الرّواية عن أبي هريرة. قال البيهقي (٣): هو كما قال؛ قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن [عمرو] (ب) وأنس وأبي سعيد وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصَّحيح، وإنَّما اتفقا (٤) على إثبات حديث أبي هريرة، وأخرج البُخاريّ (٥) حديث جابر من رواية عاصم عن الشعبي عن جابر، وبين الاختلاف على الشعبي فيه، وقال: والحفاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصّواب رواية ابن عون وداود بن أبي هند. انتهى.

стр. 2689

ولكن هذا الاختلاف لا يقدح عند البُخاريّ، لأنَّ الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة، وللحديث طريق أخرى عن جابر بشرط الصَّحيح أخرجها النَّسائيّ (١) من طريق ابن جريج عن أبي الزُّبير عن جابر، والحديث أيضًا محفوظ من أوجه عن أبي هريرة، فلكل من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقي عنهم تضعيف حديث جابر معارض بتصحيح التِّرمذيِّ وابن حبان وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاري له موصولًا قوة. [وقد أخرج التِّرمذيُّ أيضًا من حديث أبي موسى، وأبي أمامة وسمرة] (٢). قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: ووقع لي (أ) أيضًا من حديث أبي الدرداء ومن حديث عتاب بن أسيد، ومن حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود، وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي (ب) داود والنَّسائيُّ وابن ماجه وأبي يعلى والبزار والطبراني وابن حبان وغيرهم (٤).

стр. 2690

وفي لفظ حديث ابن عباس عند أبي داود: كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين، وفي رواية عند ابن حبان نهى أن تزوج المرأة على العمة والخالة. وقال: "إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامَكن". وهذه الروايات (أ) يؤيد بعضها بعضًا، والله أعلم. ٨١٣ - وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا يُنكح". رواه مسلم (١)، وفي رواية له: "ولا يخطب" (٢). زاد ابن حبان (٣): "ولا يخطب عليه". تقدم الكلام عليه في كتاب الحج (٤). ٨١٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: تزوج النَّبيُّ ﷺ ميمونة وهو محرم. متَّفقٌ عليه (٥). ولمسلم (٦) عن ميمونة نفسها أن النَّبيَّ ﷺ تزوجها وهو حَلال. وفي رواية عن ابن عباس عند النَّسائيّ (٧): تزوج النَّبيُّ ﷺ ميمونة وهو محرم؛ جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها إياه.

стр. 2691

وللبخاري (١) في عمرة القضاء بزيادة: وبنى بها وهي حلال وماتت بسرف. والحديث فيه دلالة على صحة عقد المحرم، كما ذهب إليه الحنفية، وخالفهم الجمهور كما تقدم في كتاب الحج، وأجابوا عن حديث ابن عباس بأجوبة. قال الأثرم (٢): قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأي شيءٍ يدفع حديث ابن عباس؟ أي مع صحته. قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيب يقول: وَهَمَ ابن عباس. وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال. انتهى. وحديث عثمان يعارضه. قال ابن عبد البر (٣): اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرّواية أنَّه تزوجها وهو حلال جاءت من [طرق] (أ) شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد. انتهى. ويترجح حديث عثمان بأنه [لتقعيد] (ب) قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين يحتمل أنواعًا من الاحتمالات؛ منها، أن ابن عباس كان يرى أن مَن قلّد الهدي يصير (جـ) محرمًا، والنبيّ ﷺ كان قلّد الهدي (د) في عمرته تلك التي

стр. 2692

تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنَّه ﷺ تزوجها وهو محرم؛ أي عقد عليها بعد أن قلّد الهدي وإن لم يكن تلبّس بالإحرام، وذلك أنَّه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، تروجها من النَّبيِّ ﷺ . وقد أخرج التِّرمذيُّ، وابن خزيمة وابن حبان (١) في [صحيحيهما] من طريق مَطَر الورَّاق عن ربيعة بن [أبي] (أ) عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النَّبيَّ ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما. قال التِّرمذيُّ (٢): لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر، ورواه مالك (٣) عن ربيعة عن سليمان مرسلًا. ومنها أن معنى محرم أي داخل في الحرم أو في الشهر الحرام. وقد ورد ذلك عن العرب، وجزم بهذا التأويل ابن حبان في "صحيحه" (٤). وعارض حدَّثنا ابن عباس أيضًا حديث يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حَلال. أخرجه مسلم (٥) من طريق الزُّهريّ. قال: وكانت خالته كما كانت خالة ابن عباس (٦). وأخرج مسلم (٥) من وجه آخر عن يزيد بن

стр. 2693

الأصم، قال: حدثتني ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. قال الطبري (١): الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد؛ لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة؛ فتعارضت الأخبار فيها. ثم ساق من طريق أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع، لأنه ﷺ كان بعث إلى العباس ينكحها منه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبي ﷺ . وقال بعضهم: بعد ما أحرم. وقد ثبت أن عمر وعليًّا ﵄ وغيرهما من الصحابة فرّقوا بين محرم نكح وبين امرأته (٢)، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. فائدة: ذكر ابن عبد البر (٣) أن ابن عباس اختص من بين الصحابة بهذه الرواية، وليس كذلك، فقد أخرج النسائي من طريق أبي سلمة (٤) عنه عن عائشة مثله، وأخرجه الطحاوي والبزار (٥) من رواية مسروق عنها، وصححه ابن حبان (٦)، وقد أعلّ بالإرسال كما ذكر النسائي عن [عمرو] (أ) بن علي أنه

стр. 2694

قال لأبي عاصم: أنت أمليت علينا مِن الرقعة ليس فيه عائشة. فقال: دع عائشة حتى أنظر فيه. وهذا إسنادٌ صحيح لولا هذه القصة، لكنه شاهد قوي. وأخرج الدارقطني (١) عن أبي هريرة مثله، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف (٢)، لكنه يعتضد (أ) بحديثي (ب) ابن عباس وعائشة. وجاء عن الشعبي ومجاهد مرسلًا مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة (٣). وأخرج الطحاوي (٤) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر. قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم، فقال: لا بأس به، هل هو إلا كالبيع. وإسناده قوي، وكأن أنسًا لم يبلغه حديث عثمان، والله أعلم. ٨١٥ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به (جـ) الفروج". متفق عليه (٥). هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "أحق ما أَوفيتم من الشروط أن توفوا به مَا استحللتم به الفرج (د) ". والمراد أن أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛

стр. 2695

لأن أمره أحوط، وبابه أضيق. الحديث فيه دلالة على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يلزم الوفاء بها، وظاهره سواء كان الشرط عرضًا (أ) أو مالًا، حيث كان الشرط للمرأة؛ لأن استحلال الفرج إنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضَى به لغيرها، وللعلماء في ذلك تفصيل وخلاف. قال الخطابي (١): الشروط في النكاح مختلفة؛ فمنها مَا يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر الله به؛ من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقًا، كسؤال طلاق أختها؛ كما ورد النهي عنه (٢)، ومنها ما اختلف فيه؛ كاشتراط ألا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله، وعند الشافعية الشروط في النكاح على ضربين؛ منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، وما يكون خارجًا عنه فيختلف الحكم فيه، فمنه ما يتعلق بحق الزوج وسيأتي بيانه، ومنه ما يشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصداق، وبعضهم يسميه الحلوان. فقيل: هو للمرأة مطلقًا. وذهب إليه الهادي وأبو طالب فقالوا: ما شرط لغيرها مع مهرها استحقته لا الغير، إلا أن تبرع به من بعد. وهو قول عطاء وجماعة من التابعين، وبه قال الثوري وأبو عبيد. وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروق وعلي بن الحسين. وقيل: يختص ذلك بالأب دون غيره من الأولياء. وقال الشافعي: إن وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجًا عنه لم يجب. وقال مالك: إن

стр. 2696

وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجًا عنه فهو لمن وهب له. وفيه حديث عبد الله بن [عمرو] (أ) مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عِدَة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن [أعطيه] (ب)، وأحق ما أكرم به الرجل ابنته أو أخته" أخرجه النسائي (١) من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. [وأخرج] (جـ) البيهقي (٢) من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة نحوه، وقال الترمذي (٣) بعد إخراجه (د): والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة؛ منهم عمر، قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط ألا يخرجها لزم. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق؛ كذا قال، والنقل في هذا غريب عن الشافعي، وروى في "البحر" هذا القول عن عمر، ومعاوية، ثم عمر بن عبد العزيز، وشريح، وأحمد، وأبي الشعثاء (٤)، ولها الفسخ إن لم يف لها بالشرط، والظاهر من قول الشافعية أن المراد بالشروط هي (هـ) التي لا

стр. 2697

تنافي النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده، كاشتراط العِشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسُّكنَى، وألا يقصر في شيء من حقها من قسمةٍ ونحوها، وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك، وأما شرط ينافي مقتضى النكاح؛ كألا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها أو لا ينفق، أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد لغا وصح النكاح بمهر المثل، وفي وجه يجب المسمى ولا أثر للشرط، وفي قول [للشافعي] (أ): يبطل النكاح. قال الترمذي (١): وقال علي ﵁: سبق شرط الله شرطها. قال: وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشروط الجائزة لا المنهي عنها. انتهى. وقد اختلف عن عمر فروى ابن وهب (٢) بإسنادٍ جيد عن عبيد (ب) بن السباق، أن رجلًا تزوج امرأة فشرط لها ألا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها. قال أبو عبيد (٣): تضادت الروايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص وطاوس والأوزاعي، وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي:

стр. 2698

حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلًا فرضيت بخمسين على ألا يخرجها، فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمَّى. وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصته له مِن الصداق، وهو مقتضى قول الهَدويَّة. وقال الشافعي: يصح النكاح ويلغو الشرط، ويلزمه مهر المثل. وعنه، يصح وتستحق الكل. قال أبو عبيد: والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن [نحكم] (أ) عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه ألا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط، فكذلك هذا. وهذا يقتضي حمل الحديث على الندب، ويؤيد حمله على الندب قوله في حديث بريرة: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). والوطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزوج، إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطًا ليس في كتاب الله، فيبطل. وقد تقدم في البيوع الإشارة إلى حديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا" (٢). وحديث: "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق" (٣) وأخرج الطبراني في "الصغير" (٤) بإسنادٍ حسن عن جابر أن النبي ﷺ خطب أم مبشر (ب) بنت البَراء بن معرور فقالت: إني شرطت لزوجي ألا أتزوج بعده. فقال النبي ﷺ : "إن هذا لا يصلح".

стр. 2699

٨١٦ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: رخّص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها. رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على (أ) أنه قد وقع الترخيص بنكاح المتعة، ثم نهي عنه من بعد وصار ذلك محرمًا، ونكاح المتعة هو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يومًا، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة (ب) أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر بل المشروط، ولا تثبت لها نفقة، ولا توارث، ولا عدة، إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه، كذا ذكر في كتب الإمامية، وقد ذهب إلى نسخها والقول بالتحريم الجمهور من السلف والخلف بعد أن وقع الترخيص في ذلك، وقد روي تحريمها بعد الترخيص في ستة مواطن؛ الأول: خيبر كما سيأتي في حديث علي (٢). الثاني: عمرة القضاء. قال عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) عن (جـ معمر، عن الحسن، قال جـ): ما حلت المتعة قط إلا ثلاثًا في عمرة القضاء، ما حلت قبلها ولا بعدها. وشاهده ما رواه ابن حبان في

стр. 2700

"صحيحه" (١) من حديث سَبرة بن معبد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما قضينا عمرتنا قال لنا: "ألا تستمتعون مِن هذه النساء". قال المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٢): أما عمرة القضاء فلم يصح الأثر فيها؛ لكونه من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وعلى تقدير ثبوته، فلعله أراد أيام خيبر؛ لأنهما كانا في سنة واحدة. هذا كلامه وقد عرفت تصحيح ابن حبان لذلك. الثالث: عام الفتح، رواه مسلم (٣) من حديث سبرة بن معبد: أن رسول الله ﷺ نَهَى عن متعة النساء يوم الفتح. وفي لفظ له (٤): أمرنا بالمتعة عام الفتح حتى دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها. وفي لفظ له (٥): ثم (أ) رسول الله ﷺ قال: "يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة". الرابع: عام أوطاس كما ذكره المصنف هنا. قال السهيلي (٦): من قال: عام أوطاس فهو موافق لمن قال: عام الفتح؛ لأنهما في عام واحد. وفيه نظر؛ لأن الفتح كان في شهر رمضان، وأوطاس في شهر (ب) شوال، وقد عرفت من سياق مسلم للرواية أنهم ما خرجوا من مكة
следующие страницы →