← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض. فهذه الأحاديث فيها إيماء إلى أن العلة الحمل أو تجويزه، وقد عرفت أن الحكم منصوص في السبايا، وقيس عليه انتقال الملك بالشراء وغيره، وذهب داود الظاهري وعثمان البتي إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبي، أما داود فلأنه لا يثبت الحكم بالقياس، ولأن الشراء ونحوه عقد كالتزويج، وأجيب بأنه قد روي عن علي ﵁: من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة (١). وقد تقدم مثله عن عمر (٢) ﵁، ولا يقاس على النكاح للفرق، فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة. كذا ذكره في "البحر"، ولا يخفى ركة الجواب، إذ لا دخل لملك الرقبة في هذا الحكم مع اشتراكهما في الوصف المناسب، وهو العلم ببراءة الرحم المفضي إلى اختلاط الأنساب. وإطلاق هذه الأحاديث في السبايا، وتوقيت الوطء بوضع الحمل أو الحيضة، (أيقضي بحل أ) الوطء، وإن لم يدخلن (ب) في الإسلام، فإنه لو كان الإسلام شرطا لبينه النبي ﷺ ، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع أن فيهم حديثي عهد بالإسلام يخفى عليهم هذا الحكم، وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكانوا عدة آلاف بعيد، بل في غاية البعد أن يسلموا جميعهم دفعة واحدة، لا تتخلف عن الإسلام منهن جارية واحدة من غير عرض الإسلام ولا إكراه عليه، ولم يكن لهن رغبة وبصيرة في الدخول في الإسلام يقتضي المبادرة إلى الإسلام قبل

стр. 3222

كل شيء، فمقتضى هذه السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله ﷺ قاض بجواز الوطء من دون إسلام، وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره، وقواه صاحب "المغني" (١) وقوى أدلته. والله أعلم. ٩٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه من حديثه (٢). ومن حديث عائشة ﵂ في قصةٍ (٣)، وعن ابن مسعود عند النسائي (٤)، وعن عثمان عند أبي داود (٥). الحديث ذكره البخاري من طرق، قال ابن عبد البر (٦) هو أصح ما روي، فإنه جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة. قال المصنف (٧) ﵀: وفي الباب عن عمر (أ) وعثمان وابن مسعود وابن الزبير وابن عمرو وأبي أمامة وعمرو (ب) بن خارجة وزيد بن أرقم، وزاد شيخنا: معاوية

стр. 3223

وابن عمر. وزاد ابن منده (١) في "تذكرته": معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة. وقد وقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري (أ) وواثلة بن الأسقع وزينب بنت جحش، وجميع هؤلاء وقع عندهم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". انتهى. والحديث فيه دلالة على ثبوت نسب الولد بالفراش من الأب، واختلف العلماء في معنى "الفراش"؛ فذهب الأكثر أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة الافتراش، وذهب أبو حنيفة إلى أن الفراش اسم للزوج، ونقل ابن الأعرابي (١) ذلك، وأنشد عليه قول جرير (٢): * باتت تعانقه وبات فراشها * البيت، وهو إما أن يكون مع الحرة، فلا يثبت الفراش منها إلا بإمكان الوطء في نكاح صحيح أو فاسد، وهذا مذهب الهادي والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يثبت بنفس العقد، وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل ولو طلقها عقيبه في المجلس. وذهب ابن تيمية (٣) إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق، وقال: إن

стр. 3224

الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه قال فيمن طلق قبل البناء وأتت امرأته بولد فأنكره: إنه ينتفي عنه بغير لعان. واختار هذا القول ابن القيم (١)، قال: وهل يَعُدُّ أهل اللغة والعرف المرأة فراشا قبل البناء بها؟! وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبْنِ بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها، بمجرد إمكان ذلك؟! وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق. انتهى كلامه. وقد ترجح القول الأول بأن ذلك هو اللائق بالاحتياط في لحوق النسب، ومعرفة الوطء المحقق يتعذر معرفته في حق [غير] (أ) الزوجين، والإشكال إنما هو مع تناكرهما، ففي ثبوته مع إمكان الوطء احتياط في ثبوت النسب، وإلا كان ذريعة لكثير ممن يريد مجرد سفح الماء من غير أن يَلحقه ولد أن ينكر وجود الوطء منه، والشهادة متعذرة، وقد جعل الله له المخرج باللعان، إذا لم يكن منه الولد. ويُشترط أن تأتي بالولد بعد مضي أقل مدة الحمل، وهذا مجمع عليه، إلا أن أبا حنيفة يقول: من يوم العقد. وعند الجمهور من إمكان الوطء؛ لما أومأ إليه النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢). وقوله

стр. 3225

تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١). فإنه يعلم منه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإنما اشتُرط مُضي أقل مدة الحمل؛ لأنها لو ولدت لأقل من ذلك، قطعنا أنه من قبل العقد، إلا أنه إذا عاش مدة أكثر مما لغير الناقص فذلك لازم، وينتفي بغير لعان، وإن عاش المدة التي يعيش الناقص، كان لاحقا وجرى له حكم الولد، ويُشترط إمكان البلوغ من الزوجين، فلا يلحق بمن كان دون التسع اتفاقًا إذ لم يُعتد ولد لمثله، ويلحق بابن العشر اتفاقًا، إذ قد يمني مثله ولو كان نادرًا، إذ قد حصل الإمكان، وفي ابن التسع تردد؛ قال الشافعي: لا يلحق، إذ لا يمني مثله. وقال الإمام يحيى وأبو إسحاق: يلحق، إذ قد تحيض المرأة لتسع، فيجوز الإمناء في الصبي. والقصد الإمكان، وأما إذا كان النكاح باطلًا فلا يكفي الإمكان، بل لا بد من تحقق الوطء إذ لا حكم للعقد، ويثبت الفراش للخصي والمجبوب؛ لإمكان إلقاء الماء في الرحم، ولا عبرة بقول الأطباء أن ماءه رقيق لا يُخلق منه ولد، وإذا حاضت المرأة ثلاث حيض بعد الطلاق، ثم تزوجت فأتت بولد لدون ستة أشهر، لم يلحق بالأول ولا بالثاني، لأن الحيض يتعذر مع الحمل، والظاهر أنه حيض. وقال الشافعي: بل يلحق بالأول. لأنه لا يتعذر الحيض مع الحمل عنده. وهذا الكلام في الزوجة، وأما فراش الأمة، فظاهر الحديث أنه شامل له، وأنه يثبت الفراش للأمة بالوطء، إذا كانت مملوكة للواطئ، أو في شبهة ملك، إذا اعترف به السيد، أو ثبت بوجه، فإن الحديث ورد في وليدة زمعة، ولفظه في رواية عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص

стр. 3226

وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة (أ) بن أبي وقاص، عهد إليَّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهًا بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة". فلم تره سودة قط (١). والحديث كان في فتح مكة، فإنه أثبت الولد بفراش زمعة للوليدة المذكورة، فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمة، وهذا قول الجمهور، وذهب إليه الشافعي ومالك والنخعي وأحمد وإسحاق، ونسبه الإمام يحيى إلى مذهب الهدوية، وذهب أبو حنيفة -وهو مذهب الهدوية والثوري- أن الأمة لا يثبت فراشها إلا بدعوى الولد، ولا يكفي الإقرار بالوطء، فإن لم تدَّعه فلا نسب له وكان ملكًا لمالك الأمة، وإذا قد ثبت فراشها فما ولدته بعد ذلك لحق بالسيد، وإن لم يدَّع المالك ذلك، قالوا: فالفرق بين الحرة والأمة أن عقد النكاح في الحرة إنما يراد للاستفراش [والوطء] (ب) بخلاف ملك اليمين، فإن الوطء والاستفراش تابع وأغلب المنافع غيره، وأجيب عن ذلك بأن الكلام في الأمة التي اتخذت للوطء، فإن الغرض من الاستفراش قد حصل بها، فإذا عرف الوطء كانت فراشًا، ولا يحتاج إلى استلحاق، وهذا الحديث شاهد له؛ فإن عبد بن زمعة لما قال: ولد على فراش أبي. ألحقه النبي ﷺ بزمعة، ولم ينظر إلى الشبه البين الذي فيه المخالف للملحق به، وهذا في حق الأمة المذكورة،

стр. 3227

ولا يجوز تخصيصه منه، فإن العام الوارد على سبب خاص يكون نصا في السبب لا يصح تخصيصه، والخلاف فيه عند أهل الأصول في نوع السبب أو في عينه، والأرجح أنه في نوعه، وأجابت الحنفية ومن قال بقولهم، بأن النبي ﷺ لم يُلحقه بعبدٍ على أنه أخ له، وإنما ألحقه به مملوكًا، ويدل عليه (أ) أن اللام ظاهرها التمليك في قوله: "هو لك". ويؤكده أنه قد جاء في بعض ألفاظه: "هو لك عبد" (١). وجاء في رواية: "احتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ" (٢). ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل (ب) الزبير (٣)، وقد طعن البيهقي في سنده (٤) وقال: فيه جرير (٥) وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروف. وأجيب عن ذلك بأن قوله: "هو لك". اللام فيه للاختصاص لا للملك، ورواية: "هو لك عبد" (١). باطلة لا تصح أصلا، ومعارضة بالرواية الصحيحة المصرحة بالأخوة، وهو ما أخرجه الإمام البخاري (٦): "هو لك، هو أخوك يا عبد بن

стр. 3228

زمعة". قالوا: أمر النبي ﷺ سودة بالاحتجاب [منه] (أ)، فلو كان أخًا لها لم يأمرها بالاحتجاب منه. وأجيب عن ذلك بأنه على سبيل الاحتياط والورع والصيانة لأمهات المؤمنين من بعض المباحات مع الشبهة، وذلك لما رآه ﷺ في الولد من الشبه البيّن بعتبة بن أبي وقاص. وفي الحديث دلالة على أن لغير الأب أن يستلحق الولد، مثل استلحاق (ب) عبد بن زمعة للأخ المذكور، بإقراره أن الفراش لأبيه، وظاهر الرواية وإن لم يصدقه سائر الورثة، فإن سودة لم يُذكر منها تصديق ولا إنكار، وإن كان سكوتها وعدم إنكارها لما ادعاه أخوها، قد يُدَّعى أنه قائم مقام الإقرار منها، وقد اتفق أهل العلم على أن للأب أن يستلحق، فأما الجد فإن كان الأب موجودًا لم يؤثر استلحاقه شيئًا، وإن كان معدومًا، وهو كل الورثة، صح إقراره وثبت نسب المقر به، وإن كان بعض الورثة وصدقوه فكذلك، وإلا لم يثبت نسبه، إلا أن يكون أحد الشاهدين فيه مع شاهد آخر، والحكم في الأخ كالحكم في الجد سواء، والأصل في ذلك أن من حاز المال ثبت النسب بإقراره، واحدًا كان أو جماعة، وهذا أصل مذهب أحمد والشافعي؛ لأن الورثة قاموا مقام الميت وحلوا محله، ومذهب الهدوية أنه لا يصح الاستلحاق من غير الأب، وإنما المقر به يشارك المقر في الإرث دون النسب، ومذهب الشافعي أن الإقرار من الوارث هو إقرار خلافة ونيابة عن الميت، وكذا مذهب أحمد فلا يشترط عدالة المستلحق بل ولا إسلامه، وقالت المالكية: هو إقرار شهادة، فتعتبر فيه أهلية الشهادة. وحكى ابن القصار عن مذهب مالك أن الورثة إذا أقروا

стр. 3229

بالنسب لحق، وإن لم يكونوا عدولًا، والمعروف من مذهب مالك خلافه، ويدل الحديث على أن للوصي أن يستلحق لموصيه، ويكون كالوكيل له؛ لأن سعدا لم ينكر عليه النبي ﷺ ما وقع منه من الدعوى، والفراش يثبت أيضًا بالبينة بأن المُدَّعَى ولد على الفراش، أو أنه ابنه أقرّ به، والحديث يدل عليه، وذهبت المالكية إلى أن مثل هذا الحديث مما يدل على (أ) مشروعية حُكم بين حُكمين، وهو أن يأخذ الفرع [شبها] (ب) من أكثر من أصل، فيعطى أحكاما؛ لأن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة، والشبه إلحاقه بعتبة، فأعطي الفرع حُكما بين حُكمين؛ فروعي الفراش في إثبات النسب، وروعي الشبه البيِّن بعتبة في أمر سودة بالاحتجاب، قالوا: وهذا أولى التقديرات، فإن الفرع إذا دار بين أصلين فألحق بأحدهما فقط، فقد أبطل شَبهه بالثاني من كل وجه، فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه، كان أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه. وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمتنع ثبوت النسب من وجه دون وجه كما ذهب أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم، أنه لا يحل أن يتزوج ابنته من الزنى، وإن كان لها حكم الأجنبية، واعترض ذلك ابن دقيق العيد (١) بأن هذا الحكم إنما هو إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين، يقتضي الشرع الإلحاق بكل واحد منهما من حيث النظر، يعني القياس على أصلين، وههنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش، والشبه ها هنا غير

стр. 3230

مقتض للإلحاق، فالحكم بأن الأمر بالاحتجاب للاحتياط [أولى] (أ)، وأنت خبير بأن المثبت لذلك لم يجعله من باب الإلحاق بأصلين، وإنما أثبت هذا الحكم بدليل شرعي سني، وحكمه ﷺ على الواحد حكم على الجماعة، فيكون هذا الحكم -وهو إثبات النسب بالنظر إلى ما يجحب للمدعى من أحكام البنوة- ثابتًا له، وبالنظر إلى ما يتعلق بالغير من النظر إلى المحارم غير ثابت، وهو وقوف على مدلول الواقعة، والحديث يدل على أن الولد لا يثبت إلا بالفراش، لإفادة هذه الصيغة الحصر، ولكن ثبوت الفراش قد يكون بالعقد بالشروط المتقدمة أو بظهور الوطء في حق الأمة وغيرها من المغلوط بها، ونحو ذلك كما تقدم، وإذا قد ثبت الفراش، فلا يُنفى من الحرة الولد إلا بلعان كما تقدم، وأما الأمة فإذا قد ولدت وادعاه على القول باشتراط الدعوى، أو بثبوت الوطء عند من لم يشترط الدعوى، فما حدث من الولد لحق نسبه من دون تجديد دعوى، وذهب الناصر إلى وجوب الدعوى في كل ولد وإلا لم يلحق، فإذا أراد نفي الولد من الأمة بعد ثبوت الفراش لم يكن له ذلك عند الهدوية، وذهب الشافعية؛ قال الرافعي: وهو المنصوص للشافعي. وقال في "الروضة": هو المذهب والمنصوص. ونسبه في "البحر" إلى الحنفية، وهو مروي عن المنصور بالله، أن للسيد النفي للولد إذا علم أنه ليس منه. وقد أخرج ذلك البيهقي (١) عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت؛ أنهم أنكروا أولادًا من جواريهم ونفوهم. وقد يقوى هذا القول بأن الله سبحانه جعل للأزواج المخرج من لحوق من لم يكن

стр. 3231

منهم باللعان في حق الزوجات، فلو لم يكن للسيد النفي لزم أن يلحق به من لم يكن منه، واللعان غير مشروع في حقه، وكان في ذلك الحكم غاية العبث والحرج، والله سبحانه أحكم. واختلف العلماء في القافة هل يثبت بها النسب أم لا؛ فذهب العترة وأبو حنيفة إلى أنه لا يثبت النسب بها؛ لأن قوله: "الولد للفراش". يدل على أن القافة غير معتبرة؛ لإفادة مثل هذا التركيب الحصر. وذهب الشافعي وغيره إلى ثبوت النسب بها، إلا أنه إنما يكون فيما أشكل من وطأين محرمين؛ كالمشتري والبائع يطأان الجارية في طهر قبل الاستبراء، كذا قال النواوي (١)؛ لأن النبي ﷺ قرر مجزِّزا المدلجي في قوله: هذه الأقدام بعضها من بعض. في حق أسامة وزيد -أخرج القصة البخاري ومسلم (٢) - فقرر قوله، واستبشر بذلك، ودخل على عائشة وأسارير وجهه تَبرُق، وأخبرها بما قاله المدلجي. وقال ﷺ في حق الملاعنة: "إن جاءت به على نعت كذا، فهو لشريك بن سحماء" (٣). وقال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٤). وقال في جواب أم سليم لما قالت: أو تحتلم المرأة؟ فقال: "مم يكون الشبه؟! " (٥). وقال: "إن (أ) ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له، وإذا

стр. 3232

سبق ماؤها كان الشبه لها" (١). وأخرج سعيد بن منصور (٢) عن عمر، في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا. فجعله بينهما. قال الشعبي: وعليٌّ يقول: هو ابنهما وهما أبواه يرثانه. أخرجه سعيد (٢) أيضًا. وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة، فحملت فولدت غلامًا يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر فدعا القافة فنظروا، فقالوا: نراه يشبههما. فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه (٣). ولا يعرف في الصحابة قط من يخالف عمر وعليًّا في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرة المهاجرين والأنصار ولم ينكره منهم منكر، وأجابت الحنفية عن ذلك، بأن نسب أسامة قد ثبت بالفراش، وسرور النبي ﷺ بقول القائف إنما هو لإلزام الخصم الذي يقول بالقافة؛ لأن المنافقين كانوا يحبون الطعن في نسب أسامة، وكانت العرب تعتبر القافة، فكان في قول القائف إقناع للخصم، وقطعٌ للجاجه في الباطل وتماديه في العناد، فلم يكن سكوت النبي ﷺ عن إنكارها واستبشاره دلالة على ثبوتها طريقًا في إثبات النسب، وبأن قصة الملاعنة تدل على عدم اعتبار الشبه؛ لأنه لو كان معتبرًا لما لاعن ولقال: انتظروها، فإن جاءت به كذا فهو لكذا. فما فعل اللعان إلا لأنه لا يُعتبر، وبأن ما ذكر من الشبه بسبب المني لا يدل على اعتبار ذلك في ثبوت النسب، وبأن حكم عليٍّ وعمر قد وقع فيه الاختلاف، فقد روي ذلك، وروي عن عمر أن القائف قال له: قد اشتركا فيه. فقال له

стр. 3233

عمر: [والِ] (أ) أيهما شئت (١). فلم يعتبر قول القائف. والجواب عن ذلك؛ أما قصة أسامة، فإن الاحتجاج بها إنما هو لسكوت النبي ﷺ عن إنكار كونها طريقا يثبت بها النسب، مع أنه لم يسبق من النبي ﷺ إظهار إنكارها حتى يقال: إن تقريره لا يكون مثبتًا لها. وإن ذلك مثل مُضي كافر ذمي إلى كنيسته مما قد عرف إنكاره، ولم ينكره في الحال اعتمادًا على ذلك، فكان سكوته عن إنكارها تقريرًا لثبوتها طريقًا، والاستبشار بذلك يزيده وضوحًا. وأما قصة الملاعنة، فالنسب كان ثابتًا بالفراش، والفراش هو أقوى ما يثبت به، فلا تعارضه القافة، فإنها إنما تعتبر مع الاحتمال عند القائل بها، فلا يعارض الفراش ويبطل حكمه إلا الأيمان التي شرعها الله سبحانه لدفعه، فيكون معنى قوله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٢). أي لولا ما شرعه الله من الأيمان، ولم يشرع القافة في مثل ذلك، وأما ثبوت الشبه بسبق المني فهو مثبت للشبه الذي يستند إليه القائف، وهو محصل للظن الذي ثبت اعتباره في كثير من الأحكام الشرعية. وأما قصة الذي ولدت امرأته ولدًا أسود مخالفًا للون أبيه (٣)، فلم يمكنه من النفي بمخالفة الشبه لثبوت ما هو أقوى منه، وهو الفراش، فلم يقو (ب)

стр. 3234

على معارضته، مع أن في الجواب بقوله: "لعلها نزعة عرق" (١). ما يدل على أن الشبه معتبر، وأما ما روي عن عمر بقوله: [والِ] (أ) أيهما شئت (ب). فهو غير ثابت ولا يعرف صحته [عن عمر] (جـ)، مع أن قوله: [والِ]، (أ) أيهما شئت. لم يكن فيه إبطال لقول القائف، فإن القائف قد حكم باشتراكهما فيه. ومسألة إذا ألحقه القائف باثنين، فيها خلاف أيضًا، ذهب الشافعي إلى إبطال قوليهما، قال: لأنه لا يكون للرجل إلا أب واحد. وقال الجمهور: بل يصح أن يُلحقه باثنين. ونص أحمد في رواية مهنّا (٢) إلى أنه يصح أن يلحقه بثلاثة، وقال صاحب "المغني" (٣): إنه يلحق بمن ألحقه القائف وإن كثروا؛ لأنه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من واحد. وقد جوز الهدوية والحنفية في الأمة المشتركة والمشتراة الموطوءة في طهر واحد، وادعاه الشركاء - لحوقه بهم. وقال محمد بن الحسن: لا يلحق بأكثر من ثلاثة. وقال أبو حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين. وهو قول أبي يوسف، قال الملحقون: إنه إذا جاز تخلق الولد من ماء اثنين، جاز من أكثر من ذلك. وقد أخرج أبو داود والنسائي (٤) من طريقين، في إسناد إحداهما من لا يحتج به،

стр. 3235

والطريق الأخرى كل رجالها ثقات إلا احتمال الإرسال فيها، أن عليًّا ﵁ أتى إليه ثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة واحدة في طهر واحد يتنازعون في ولد، فسأل اثنين أن يُقرَّا لهذا، قالا: لا. حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه. فهذه القصة رجع فيها إلى القرعة، وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم؛ فذهب إسحاق بن راهويه إلى العمل بظاهر هذا، وقال: هو السنة في دعوى الولد. وكان الشافعي يقول به في القديم، وأما الإمام أحمد بن حنبل فسئل عن هذا ورجح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحب إلي. وبقي الكلام في تغريم الدية، ولعله يقال: إنه لما تعين له بالقرعة صار حكمه حكم المتلف للولد عليهما، وضمان الحر بالدية كمن أتلف عبدًا له شريك فيه، فإنه يضمن حصة الشريك، والله أعلم. وقوله: "وللعاهر الحجر". العاهر الزاني، يقال: عهر. أي زنى. ويختص بالليل، ومعنى: له الحجر. أي له الخيبة، ولا حق له في الولد، وعادة العرب أنها تقول: له الحجر. و: بفيه الأثلب. وهو التراب. ونحو ذلك، يريدون ليس له إلا الخيبة. وقيل: المراد بالحجر هنا، أنه يرجم بالحجارة. وهو ضعيف؛ لأنه لا يرجم بالحجارة إلا المحصن.

стр. 3236

باب الرضاع هو بفتح الراء وكسرها، والرضاعة بفتح الراء وكسرها، وقد رضع يرضع بفتح الضاد في الماضي وكسرها في المضارع رضعًا كضرب يضرب ضربًا، وأرضعته أمه، وامرأة مرضع؛ أي لها ولد ترضعه، فإن أردت حدوث ذلك المعنى قلت: مرضعة. بالهاء. ٩٣٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم المصة والمصتان". أخرجه مسلم (١). المصة، الواحدة من المص، وهو أخذ اليسير من الشيء، كذا في "الضياء" (٢)، وفي "القاموس" (٣): مصصته بفتح العين وكسرها: [شربته] (أ) شربًا رفيقًا. والحديث فيه دلالة على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يحرم ولا يكون للرضاع به حكم، وأما الزائد على ذلك كالثلاث، فيؤخذ من مفهوم العدد أن ذلك يحرم، وقد ذهب إلى هذا أبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وداود بن علي الظاهري، وهو رواية عن أحمد، وقد اختلف العلماء في هذا؛

стр. 3237

فذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أنه يحصل التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهو مروي عن علي وابن عباس (١)، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي والثوري، وهو مذهب الهادي والقاسم وأبي حنيفة ومالك. وحدُّه ما وصل الجوف [بنفسه] (أ)، وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد. وذهب الشافعي، وهو رواية عن أحمد، إلى أنه لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير (٢)، وعطاء وطاوس، وهو إحدى روايات ثلاث عن عائشة، ورواية (٣) أنه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة (٤): لا يحرم أقل من عشر. وحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاع، فحيث وجد اسمها وجد حكمها، والنبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٥). وهو موافق لإطلاق القرآن، وثبت في "الصحيحين" (٦) عن

стр. 3238

عقبة بن الحارث، أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ ". ولم يسأل عن عدد الرضاع، قالوا: ولأنه قد يتعلق به التحريم، فاستوى قليله وكثيره كالوطء الموجب له، ولأن إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره، ولأن أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها واضطربت أشد الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشارع نصابًا؛ لعدم ضبطه والعلم به. وحجة من قال بتحريم ما زاد على الاثنتين، أنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تحرم المصة والمصتان". وفي رواية (١): "الإملاجة والإملاجتان". وفي حديث آخر (٢): أن رجلًا قال: يا رسول الله، هل تحرم المصة الواحدة؟ قال: "لا". وهذه الأحاديث صحيحة رواها مسلم في "صحيحه"، فهي دالة نصًّا على أن الواحدة والاثنتين لا تحرمان، ويؤخذ من مفهوم العدد أن الزائد على ذلك يحرم، ويدل عليه عموم الآية الكريمة. قالوا: ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث، ولأنها أول مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة، وحجة من اعتبر الخمس ما سيأتي من حديث عائشة ﵂، وقد أخبَرت عائشة بأن النبي ﷺ توفي والأمر على ذلك (٣). وقوله ﷺ لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالمًا خمس رضعات تحرمي عليه" (٤). والعمل به لا يخالف حديث: "المصة

стр. 3239

والمصتان"؛ لأن ذلك دلالة مفهوم، وهذا دلالة مفهوم، ويرجع إلى الترجيح بينهما بأن هذا نص على المقصود، لأنه لبيان أول مراتب التحريم، فلو لم يكن أول مراتب التحريم، وجوزنا أن التحريم حاصل بدونها، كان فيه تلبيس على السامع، ولم يبين له وقت الحاجة، بخلاف دلالة: "لا تحرم المصة والمصتان". فإنه يدل على أن هذا القدر لا يحرم، وإن كان الثلاث والأربع مثل هذا، والاقتصار على هذا القدر لا يوقع في الخطأ، والاعتراض على حديث عائشة بأنها روت ذلك قرآنًا، والقرآن لا يثبت بخبر الواحد، ولم تروه خبرًا عن النبي ﷺ ، فإذا لم يثبت كونه قرآنا، ولم تروه خبرًا، فلا يعمل به - مندفع بأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا ولا تجري [عليه] (أ) أحكام القرآن من أحكام اللفظ، فقد روته عن النبي ﷺ ، فله حكم الخبر في جواز العمل؛ لأنهما حكمان متغايران، وقد عمل بمثل ذلك الفقهاء؛ فالشافعي وأحمد في هذا الموضع، وأبو حنيفة احتج بقراءة ابن مسعود في صيام الكفارة: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (١). ومالك وأصحابه في فرض الأخ من الأم السدس بقراءة أُبي: (وله أخ أو أخت من أم) (٢). والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، وكانت سند الإجماع، وهذا مثل رواية عمر: (الشيخ والشيخة إذا زنيا) (٣).

стр. 3240

وحجة من قال بالسبع ما أخرجه ابن أبي خيثمة (١) بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، رواها عبد الله بن الزبير، وعبد الرزاق (٢) من طريق عروة: كانت عائشة تقول: لا تحرم دون سبع رضعات أو خمس. وحجة من قال بالعشر ما أخرجه في "الموطأ" (٣) عن عائشة ﵂: لا يحرم دون العشر. وعن حفصة كذلك (٤)، وهذان المذهبان لا حجة لهما ظاهرة إلا على القول بأن قول الصحابي يكون حجة، ولكنه لا يعارض ما تقدم من الأحاديث المرفوعة، والموقوف دون المرفوع لا يقوى على المعارضة. وقد سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات. فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة [تحرم] (أ) (٥). وقد روي مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن، قال طاوس: كان لأزواج النبي ﷺ رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد (٦).

стр. 3241

والرضعة فعلة من الرضاع، فهي مرة منه؛ كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب كان ذلك أكلة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وللشافعية فيما إذا قطعته المرضعة ثم عاد إليه الصبي وجهان، هل ذلك رضعتان -لأن الرضاع يكون من الراضع والمرضع- أو رضعة واحدة؟ لأن الاعتبار بفعل الرضيع، كما أنَّه لو رضع وهي نائمة صح ذلك. [وكذلك إذا انتقل من ثديها الأول إلى ثديها الآخر أنها رضعة واحدة أو أنها] (أ) رضعتان، لأنه ارتضع وقطعه باختياره؟ ومذهب الإمام أحمد بن حنبل فيه تفصيل. قال صاحب "المغني" (١): إذا قطع قطعًا بينًا باختياره كان ذلك رضعة، فإن عاد كانت رضعة أخرى، وإن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نُظِر؛ فإن لم يعد قريبًا فهي رضعات، وإن عاد في الحال ففيه وجهان؛ أحدهما أن الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى. والثاني أن جميع ذلك رضعة كما هو مذهب الشافعي، والله أعلم.

стр. 3242

٩٣٣ - وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "انظرن مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". متفق عليه (١). لفظ الحديث: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي. فقال: "انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: لم أقف على اسمه وأظنه ابنًا لأبي القعيس، وغلط من قال: هو عبد الله بن يزيد رضيع عائشة. لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة، وكأن أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي ﷺ فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة. وقوله في الحديث: "انظرن من إخوانكن". بلفظ "من" في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: "ما إخوانكن". والأولى أوجه؛ لأن "من" لمن يعقل، والمعنى الأمر بالتأمل فيما وقع من الرضاع، هل هو رضاع صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاع ومقدار الإرضاع؟ فإن الحكم الَّذي ينشأ من الرضاع، إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط، قال المهلب: المعنى: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر، حين تسد الرضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد (٣): معناه أن الَّذي إذا جاع كان طعامه الَّذي يشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.

стр. 3243

وقوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة". تعليل للباعث على إمعان النظر والفكر، بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه فيصير جزءًا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فهو في قوة: [لا رضاعة] (أ) معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة. كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ من جُوعٍ﴾ (١). ويؤيده حديث ابن مسعود الآتي: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" (٢). وحديث أم سلمة: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (٣). أخرجه الترمذي وصححه. والحديث فيه دلالة على أن الرضاع إنما يثبت له الحكم حيث كان الصبي يحتاجه لسد جوعته، وهو من يعتاد مثله الاكتفاء باللبن، وتعلق الحكم بالمظنة وإن كان الناس يختلف حالهم في ذلك ولم يكن فيه تحديد. مدة ولا تقدير ما الَّذي يحصل به ذلك، ففيه إجمال بالنظر إلى هذا الحكم، قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: يمكن أن يستدل به على أن الرضعة الواحدة لا تحرم؛ لأنها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات، واستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة تحرم، سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان؛ وَجُورًا

стр. 3244

أو سَعوطا (١)، أو غير ذلك، لأن ذلك يسد من الجوع. وهذا قول الجمهور، وخالفت الهدوية والحنفية في الحقنة فقالوا: لا توجب تحريمًا. وقال الليث وأهل الظاهر: إن الرضاع المحرم إنما يكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه. وهو جمود على مسمى الرضاع كما هو مذهبهم. ٩٣٤ - وعنها قالت: جاءت سهلةُ بنتُ سُهَيلٍ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إن سالمًا مولى أبي حُذيفةَ معنا في بيتنا، وقد بلَغ ما يبلُغُ الرجالُ. فقال: "أرضِعِيهِ تحرمي عليه". رواه مسلم (٢). الحديث فيه دلالة على أن الرضاع يثبت له حكم التحريم ولو كان الراضع كبيرًا بالغًا، وهذا مذهب عائشة، ورواه مالك (٣) عن ابن شهاب أنَّه سئل عن رضاعة الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر النبي ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم ففعلت، وكانت تراه ابنًا لها. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين، فمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. وقال عبد الرزاق (٤): ثنا ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأل رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلًا كبيرًا، أفأنكحها؟ قال عطاء: لا تنكحها. فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها. وهذا قول ثابت عن

стр. 3245

عائشة، ويروى عن علي (١) وعروة بن الزبير، وهو قول الليث بن [سعد] (أ) وأبي محمد بن حزم، ولم ينسبه في "البحر" إلا إلى عائشة وداود الظاهري، وحجتهم هذا الحديث، وهو حديث صحيح لا يمتري أحد في صحته، صريح في أن رضاع الكبير يحرم مثل رضاع الصغير، قالوا: وهو مبين للمراد من قوله تعالى. ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٢) أن المراد إنما هي الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان رضيا أم كرها، ويزيد ذلك وضوحًا آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣). مطلق غير موقت الرضاع فيه بوقت، فهذا الحديث يبين أن (ب) الإطلاق مقصود، والرد بأن هذا خاص بسالم كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ، كما روي عن أم سلمة أنها قالت: ما نرى هذا إلا خاصًّا بسالم، وما ندري لعله رخصة لسالم (٤) -لا يدفع الحديث، لأن ذلك تظنن، ولا يعارض السنة الصحيحة، ولذلك قالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة حسنة (٥)؟ فسكتت أم سلمة ولم

стр. 3246

تنطق بحرف، ولو كان خاصًّا بسالم لبينه النبي ﷺ كما بين اختصاص أبي بُردة بالتضحية بالجذعة من المعز (١). ودعوى النسخ؛ لأن هذه القصة كانت في أول الهجرة نزلت عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِأَبآئِهِمْ﴾ (٢). ولأن راوي أحاديث الصغير ابن عباس (٣) وأبو هريرة وأم سلمة (٤) لا تتم، فإن النسخ إنما يصح ويتم إذا عرف التاريخ والتقدم والتأخر وعدم احتمال التأويل، وهذه منتفية، وكون ابن عباس وأبي هريرة من المتأخرين لا يفيد التاريخ؛ لأنهما لم يصرحا بالسماع، وهو يجوز أنهما سمعا من غير النبي ﷺ ، مع أن في بعض روايات سالم ما يدل على أن قصتها متأخرة عن اعتبار الحولين، فإنها قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فاستنكارها يدل على أن هذا التحليل بعد اعتقاد التحريم، والتأويل أيضًا ممكن كما أولت الآية الكريمة. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أن الرضاع المعتبر ما كان في الصغر، واختلفوا في قدر ذلك على أقوال؛ فذهب العترة والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد إلى أنَّه يشترط أن يكون في الحولين، ولا يحرم ما كان بعدهما، وصح ذلك عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر (٥)، وروي عن سعيد بن المسيب والشعبي وابن

стр. 3247

شبرمة، وهو قول سفيان وإسحاق وأبي عبيد وابن حزم وابن المنذر وداود وجمهور أصحابه. وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام. ولم يقدروه بزمن. صح ذلك عن أم سلمة وابن عباس، وروي عن علي (١)، ولم يصح عنه، وهو قول الحسن والزهري وقتادة وعكرمة والأوزاعي، قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد [و] (أ) استمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئًا، فإن تمادى رضاعه ولم يفطم، فإنه ما كان في الحولين يحرم، وما كان بعدهما فإنه لا يحرم وإن تمادى الرضاع. وقالت طائفة: المحرم ما كان في الصغر. ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر وابن المسيب وأزواج النبي ﷺ خلا عائشة (٢). وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرًا. وعن أبي حنيفة رواية أخرى كقول أبي يوسف ومحمد. وقال مالك في المشهور من مذهبه (٣): يحرم في الحولين وما قاربهما، ولا حرمة له بعد ذلك. ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة، وروى عنه شهران، وروي عنه شهر ونحوه، وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره أن ما كان بعد

стр. 3248

الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فإنه عندي من الحولين. وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه، والذي رواه عنه أصحاب "الموطأ" وكان يقرأ عليه إلى أن مات. قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين، فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الماء. هذا لفظه، وقال (١): إذا فصل الصبي قبل الحولين، واستغنى بالطعام عن الرضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة. وقال الحسن بن صالح وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرم. وقال عمر بن عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين. وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من قوله، وروي عنه خلاف هذا. وحكي عن ربيعة أن مدته حولان واثنا عشر يومًا. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع يعتبر فيه الصغر، إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الَّذي لا يستغنى عن دخوله [على] (أ) المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثّر رضاعه، وأما من عداه فلا بد من الصغر، وفي هذا جمع للأحاديث الواردة، والعمل بها ممكن، وهو الواجب ما أمكن، وحجة القائلين باعتبار الحولين قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ

стр. 3249

الْرَّضَاعَةَ﴾. فدل على أنَّه لا حكم لما بعدهما فلا يتعلق به التحريم، وقد تقدم بيان المراد من الآية، وحديث ابن عباس: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". وحديث ابن مسعود: "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم". ورضاع الكبير لا ينبت لحمًا ولا ينشز عظمًا. والجواب ممكن عن الاحتجاج المذكور، بأن المراد بـ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". أي الرضاع المحتاج إليه في حق الصغير النافع له، المغني عن الطعام والشراب. وأما حديث ابن مسعود فقد يدَّعى فيه أن رضاع الكبير بفعل ما ذكر، ويكون الغرض منه بيان أن القليل لا ينفع كالمصة، فإنها لا تنبت لحمًا، ويؤيده ذكر الخمس الرضعات أو العشر. وحديث: "لا رضاع إلا ما كان في الثدي" (١). قد يصلح متمسَّكًا لمن يقول: الرضاع لا يكون إلا قبل الفطام. وإن فسر الثدي بأيام الحولين كان حجة لأهل الحولين، وأما حجة من اعتبر الفطام فحديث أم سلمة: "يحرم من الرضاع ما كان قبل الفطام". وحديث ابن عباس: "لا رضاع بعد الفطام". علق الحكم بالفطام، وحديث: "الرضاعة من المجاعة". يفهم منه ذلك، فإن المراد سد الجوع، ولا يكون سد الجوع إلا فيمن لا يستغني بغير الرضاع، ويجاب عنه بأن الحكم معلق بالحالة الأغلبية، وإلا فقد لا يرضع أحد غير أيام اللِّبَأ (٢) ويستغني بغير الرضاع، وأما حجة من قال بالثلاث أو بالسبع فلم أقف عليها، والله أعلم. ٩٣٥ - وعنها أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته

стр. 3250

بالذي صنعته، فأمرني أن آذن له عليَّ، وقال: "إنه عمك". متفق عليه (١). أفلح بالفاء والحاء المهملة مولى رسول الله ﷺ وقيل: مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ . والقُعَيس بقاف، وعين وسين مهملتين، مصغرًا، وجاء في رواية مسلم: هو أفلح بن قعيس. قال المصنف (٢): والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس، ويحتمل أن يكون اسم أبيه قعيسًا أو اسم جده فنسب إليه، فتكون كنيته -أي الأخ- أبا القعيس، وافقت اسم أبيه أو اسم جده، ويؤيده ما وقع في الأدب (٣) من طريق عقيل عن الزهري: [فإن] (أ) أخا [أبي] (ب) القعيس. وكذا وقع عند النسائي (٤) من طريق وهب بن كيسان عن عروة، وفي مسلم (٥) من رواية ابن عيينة عن الزهري: أفلح بن أبي القعيس. وكذا لأبي داود (٦) عن هشام بن عروة عن أبيه، ولمسلم (٧) من طريق ابن جريج عن عطاء أخبرني عروة أن عائشة قالت: استأذن عليَّ عمي من الرضاعة أبو

стр. 3251

الجعد. قال: فقال لي هشام: إنما هو أبو القعيس. وكذا عند مسلم (١) من طريق أبي معاوية عن هشام: استأذن عليها أبو القعيس. وسائر الرواة عن هشام قالوا: أفلح أخا أبي القعيس. كما هو المشهور، ووقع عند سعيد بن منصور والطبراني (٢) أن الَّذي استأذن عليها أبو القعيس. واسم أبي القعيس وائل بن أفلح الأشعري، وكذا سماه الدارقطني، وحكى هذا ابن عبد البر (٣)، وحكى أيضًا أن اسمه الجعد، فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه، ويحتمل أن يكون أبو القعيس [نسب] (أ) لجده، ويكون اسمه وائل بن قعيس بن أفلح، قال ابن عبد البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكرًا إلا في هذا الحديث. الحديث فيه دلالة على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة، وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده، ولذلك قال ابن عباس في هذا الحكم: اللقاح واحد. أخرجه ابن أبي شيبة (٤)، فإن الوطء يدر اللبن، فللرجل فيه نصيب، وقد ذهب إلى هذا الجماهير من الصحابة والتابعين، والعترة، وفقهاء الأمصار؛

стр. 3252

كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم، والحديث يدل دلالة صريحة على ذلك، وفي رواية سفيان عند أبي داود (١) زيادة تصريح، قالت: دخل عليَّ أفلح، فاستترت منه، فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي. قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. الحديث. ووقع في رواية شعيب (٢) في آخره من الزيادة قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب. وفي رواية سفيان بن عيينة (٣): ما تحرمون من النسب. وظاهره الوقف، وقد جاء في رواية مسلم (٤) في هذا الحديث قال ﷺ : "لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". والخلاف في ذلك عن ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة (٥) وعائشة في رواية مالك في "الموطأ" وسعيد بن منصور في "السنن" (٦) وأبي عبيد في كتاب النكاح بإسناد حسن -وعن سعيد بن المسيب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشعبي وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية،

стр. 3253

أخرجها ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور (١) وابن المنذر وعن ابن سيرين وربيعة الرأي وإبراهيم بن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، وأغرب عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم، قالوا: لا يثبت حكم الرضاع للرجل؛ لأن الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢). ولما روي أن عبد الله بن الزبير أرسل إلى زينب بنت أم سلمة يخطب ابنتها أم كلثوم على حمزة بن الزبير، وكان حمزة أمه الكلبية، وكانت زينب قد رضعت من أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير، فقالت: لا تحل له هي ابنة أخته. فقال عبد الله: إنما أردت المنع، أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وأما ما كان من عدا أسماء فليسوا لك بلإخوة، فأرسلي فسلي عن هذا. فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا. فأنكحتها إياه، فلم تزل عنده حتَّى هلك عنها (٣). قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابة ﵃. والجواب عن ذلك أن الآية الكريمة لم يكن فيها ما يعارض الحديث، فإن ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك، فإنه مفهوم لقب. وقوله:

стр. 3254

﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. [يحتمل] (أ) للتناول على فرض ثبوت حكم اللبن للرجل وعدم التناول على تقرير عدمه، وأما سؤال الصحابة، فالمسألة اجتهادية، ولعل من قال بالجواز يذهب إلى هذا اجتهادًا منه، واجتهاد الصحابي لا يكون حجة على الصحيح، ولا تصح دعوى الإجماع لسكوت الصحابة عن الإنكار، لأن المسألة اجتهادية، وقد صح عن علي (١) القول باعتباره، وكذا عن ابن عباس أخرجه البخاري لما سئل عن الحل، فقال: لا، اللقاح واحد (٢). إلا أنَّه يلزم الحنفية ذلك، لأن عائشة عملت بخلاف ما روت، والعمل عندهم بما رأى لا بما روى، وألزم الشافعي والمالكية مثل ذلك، وذلك أنهم يقدمون عمل أهل المدينة على الخبر الآحادي، وقد قال عبد العزيز بن محمد عن ربيعة: إن لبن الفحل لا يحرم. قال عبد العزيز: وهذا رأي فقهائنا إلا الزهري. قال الشافعي: فيلزمهم على هذا؛ إما يردوا هذا الخبر وهم لم يردوه، أو يردوا ما خالف الخبر، يعني من عمل أهل المدينة، فيخالفون أصلهم. انتهى. والحديث قد يستدل به على أن قليل الرضاع يحرم كما يحرم كثيره، لعدم الاستفصال فيه، ويجاب عنه بأن عدم الذكر لا يدل على أنَّه لم يستفصل في نفس الأمر، وعلى أن من شك في أمر يتوقف عنه حتَّى يسأل العلماء عنه، وأن من اشتبه عليه الأمر طالب المدعي ببيانه، وأنه يجب الحجاب

стр. 3255

من الأجانب، وأن المحرم يستأذن على محرمه، وأن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه، وقد جاء في رواية (١) زيادة: "تربت يداك". وهو يؤخذ من الزيادة أنَّه لا ينبغي الجزم بالحكم قبل الاستثبات فيه، والله سبحانه أعلم. ٩٣٦ - وعنها ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن). ثم نسخن بخمس معلومات، فتُوفِّي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. رواه مسلم (٢). الحديث تقدم الكلام في أحكامه (٣). وقوله: معلومات. فائدة التقييد به بأنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بعد تعدد الرضعات، وأنه لا يكفي في ذلك الظن، ويشترط تحقق العشر، وإلا فالرجوع إلى الأصل وهو عدم ثبوت حكم الرضاع. وقوله: فيما يقرأ. بضم الياء، يعني أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا حتَّى إنه ﷺ توفي وبعض لم الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنَّه لا يتلى. والنسخ على ما هو معروف ثلاثة أنواع؛ أحدها، ما نسخ حكمه وتلاوته كـ: (عشر رضعات). والثاني، ما نسخ تلاوته دون حكمه كـ: (خمس رضعات)، وكـ: (الشيخ والشيخة إذا زنيا

стр. 3256

فارجموهما) (١). والثالث، ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهو الأكثر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوَنَ مِنكُمْ﴾ الآية (٢). وقد تقدم تحقيق القول في حكم هذا الحديث. ٩٣٧ - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". متفق عليه (٣). الحديث، قوله: أريد. القائل له بذلك علي ﵁ كما أخرجه مسلم من حديثه، وابنة حمزة اختلف في اسمها على سبعة أقوال؛ أمامة وعمارة وسلمى وعائشة وفاطمة وأمة الله ويعلى. وحكى المزي (٤) في أسمائها أم الفضل، وجزم ابن بشكوال (٥) بأن ذلك كنية، والنبي ﷺ رضع من ثويبة أمة أبي لهب بعد أن أرضعت حمزة، ثم أرضعت أبا سلمة. وقوله: "ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وذلك بالنظر إلى المرضع، وأن أقاربه أقارب للرضيع، وأما أقارب الرضيع فلا علاقة بينهم وبين

стр. 3257

المرضع، فلا يثبت [لهم] (أ) حكم من الأحكام، والأحكام التي تثبت في الرضاع هي: جواز النظر، والخلوة، والمسافرة، لا غير ذلك من التوارث ووجوب الإنقاق والعتق بالملك والشهادة والعقل وإسقاط القصاص. قال القرطبي (١): وقع في رواية (٢): "ما يحرم من الولادة". وفي رواية: "ما يحرم من النسب". وهو دال على جواز نقل الرواية بالمعنى. قال: ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قال اللفظين في وقتين. ٩٣٨ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" .. رواه الترمذي وصححه هو والحاكم (٣). قوله: "فتق الأمعاء". أي سلك فيها؛ من الفتق بمعنى الشق، والأمعاء جمع المعى، بفتح الميم وكسرها. تقدم الكلام في الحديث. ٩٣٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: لا رضاع إلا في الحولين. رواه الدارقطني وابن عدي (٤) مرفوعًا وموقوفًا ورجحا الوقوف.

стр. 3258

الحديث أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقال: تفرد برفعه الهيثم بن جميل (١) عن ابن عيينة، وكان ثقة حافظًا. وقال ابن عدي: يعرف بالهيثم، وغيره لا [يرفعه] (أ) وكان يغلط. ورواه سعيد بن منصور (٢) عن ابن عيينة فوقفه. وقال البيهقي (٣): الصحيح أنَّه موقوف. وروى البيهقي (٣) عن عمر وابن مسعود التحديد بالحولين. وهو يدل على اعتبار الحولين، وإن كان يحتمل أن النفي إنما هو لنفع الرضاع للمولود، أو لما يجب على الأب فيه تسليم أجرة المرضعة، ويكون معناه ما دلت عليه الآية الكريمة، وقد تقدم الكلام في ذلك. ٩٤٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم". أخرجه أبو داود (٤). الحديث أخرجه أبو داود بلفظ: "لا رضاع إلا ما أنشز". إلخ، من حديث أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود. وأبو موسى (٥) وأبوه، قال أبو حاتم (٦): مجهولان. لكن أخرجه البيهقي (٧) من وجه آخر، من

стр. 3259

حديث أبي حصين عن أبي عطية مع قصة. قوله: "أنشز". ويروى بالراء المهملة، أي شد العظم وقواه، من الإنشار بمعنى الإحياء، وروي بالزاي المعجمة، أي رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، وهو من النشز المرتفع من الأرض. كذا في "النهاية" (١). تقدم الكلام في الحديث. ٩٤١ - وعن عقبة بن الحارث ﵁، أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما. فسأل النبي ﷺ فقال: "كيف وقد قيل؟ ". ففارقها عقبة، فنكحت زوجًا غيره. أخرجه البخاري (٢). هو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر القرشي النوفلي، وذكر أهل النسب أن أبا سروعة أخوه، وأنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وعداد عقبة في أهل مكة، روى عنه عبد الله بن أبي مليكة وعبيد بن أبي مريم، وقيل: إن ابن أبي مليكة لم يسمع منه، وأن عبيد بن أبي مريم بينهما. وسروعة بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو والعين المهملة، وعبيد بضم العين المهملة، وأم يحيى صحابية واسمها غنية بفتح العجمة وكسر النون بعدها ياء تحتانية مثقلة، وفي النسائي (٣) اسمها زينب، ولعل غنية لقبها، وإهاب بكسر الهمزة وبالباء الموحدة.

стр. 3260

قوله: فجاءت امرأة. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: لم أعرف اسمها، واحتمل أنها مملوكة، أو غير مملوكة، وجزم الإمام أحمد بن حنبل بأنها أمة، رواه عنه جماعة كأبي طالب ومهنا وحرب وغيرهم، وقال الإسماعيلي: قد جاء في بعض طرقه: فجاءت مولاة لأهل مكة. قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرة [التي] (أ) عليها الولاء، فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة. وتعقب بأنه صرح البخاري في كتاب الشهادة بأنها أمة سوداء، وما عرفتَ عن أحمد. والحديث فيه دلالة على أن شهادة المرضعة تقبل وحدها، وبوب على ذلك البخاري، وقال: باب شهادة المرضعة. وقد ذهب إلى هذا الإمام أحمد بن حنبل كما قال علي بن [سعيد] (ب): سمعت أحمد يسأل (جـ) عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فقال: تجوز على قول عقبة بن الحارث. وهو قول الأوزاعي، ونقل عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن (٢) وإسحاق، وروى عبد الرزاق (٣) عن ابن جريج عن ابن شهاب، قال: فرق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم. قال ابن شهاب: الناس يأخذون [بذلك] (٥) من قول عثمان. واختاره أبو عبيد إلا أنَّه قال:
следующие страницы →