والأظهر أنه لفظ مشترك. وذهب الإمام يحيى والهادي إلى أنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وذهب بعض الشافعية إلى العكس، والأكثر منهم إلى الاشتراك، ولا خلاف أن المراد به في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. أحدهما لا مجموعهما، وذهب عبد الله بن عمر (أ) وزيد بن ثابت وعائشة (١) -وهو مروي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وأبان بن عثمان، والزهري، وعامة فقهاء المدينة- ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه -وهو مروي عن علي ﵁ (٢) - أن الأقراء الأطهار المراد بها في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال الشافعي (٣): ويدل على ذلك دلالتان؛ إحداهما، الكتاب الذي دل عليه السنة، والأخرى، اللسان؛ فالكتاب قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤). وقد قال ﷺ في حديث ابن عمر: "ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (٥). وفي حديث أبي الزبير، أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طهرت فليطلق أو يمسك". وتلا النبي ﷺ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لقبل عِدَّتِهِنَّ، أو في قبل
стр. 3187
عدتهن) " (١). قال الشافعي: أنا شككت، فأخبر رسول الله ﷺ عن الله أن العدة بالطهر دون الحيض وقرأ: (فطلقوهن لقبل عدتهن). وهو أن يطلقها طاهرًا، لأنها (أ) حينئذ تستقبل (ب) عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. واللسان، هو أن القرء اسم معناه الحبس، تقول العرب: هو يقرأ الماء في حوضه. و: في سقائه. وتقول العرب: يقرأ الطعام في شدقه. يعني يحبس الطعام في شدقه. وتقول العرب إذا حبس الرجل الشيء: قرأه. يعني خبأه، وقال عمر: العرب تقرأ في صحافها. أي تحبس في صحافها. وقال الأعشى (٢):
أفي (جـ) كل عام أنت جاشم غزوة ... تحل (د) لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة عزا وفي الحي (هـ) رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
فالقرء في البيت بمعنى الطهر؛ لأنه ضيع أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن. وذهب جماعة من أكابر الصحابة وغيرهم إلى أن الأقراء هي الحيض، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن
стр. 3188
الصامت وأبو الدرداء وابن عباس ومعاذ بن جبل (١). وهو قول أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم؛ كعلقمة والأسود وإبراهيم وشريح، وقول الشعبي والحسن وقتادة، وقول أصحاب ابن عباس؛ سعيد بن جبير وطاوس، وهو قول سعيد بن المسيب، وهو قول أئمة الحديث؛ كإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم والإمام أحمد، فإنه رجع إليه واستتقر عليه مذهبه، وكان يقول أولًا: إنه الطهر. وهو قول أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: لأنه لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض كقوله ﷺ للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣). وهذا هو الحيض أو (أ) الحمل؛ لأن المخلوق في الرحم هو أحدهما. وبهذا قال السلف والخلف، هو الحمل والحيض. وقال بعضهم: الحمل. وبعضهم: الحيض. ولم يقل أحد: إنه الطهر. ولما رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي (٤) من حديث عائشة، أنه قال ﷺ : "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم (٥)، ومظاهر لا
стр. 3189
يعرف له في العلم غير هذا الحديث. ولفظ الدارقطني (١) فيه: "طلاق العبد اثنتان". وروى ابن ماجه (٢)، من حديث عطية العوفي، عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : "طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان". وأخرج ابن ماجه (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. وأخرج النسائي (٤): أن النبي ﷺ أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت، أن تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها. ومثله في "سنن أبي داود" (٥). وفي الترمذي (٦)، أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ ، أو أمرت، أن تعتد بحيضة. وروى أحمد وابو داود (٧) في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". وقد أجيب من جانب من قال: الأقراء الأطهار. بجوابين؛ مجمل ومفصل؛ أما المجمل؛ فهو أن النبي ﷺ فسر العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار، فلا التفات بعد ذلك إلى شيء يخالفه، ولأن عائشة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ تكلمت فيما يتعلق بالنساء، وهو العدة، وقالت: إن الأقراء الأطهار. و:
стр. 3190
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (١)
وأما الجواب المفصل؛ فحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢). فقد أجاب عنه الشافعي، قال (٣): زعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية: الأقراء الحيض. واحتج بحديث سفيان عن أم سلمة أنه ﷺ قال في امرأة استحيضت أن تدع الصلاة أيام أقرائها. قال الشافعي: وما حدث بهذا سفيان قط، إنما قال سفيان، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن (أ) " (٤). أو قال: "أيام أقرائها". الشك من أيوب الذي روى عنه سفيان لا يدري قال هذا [أو] (ب) هذا، فجعله هو حديثا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدق. قال (٥): وقد أخبرنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، ثم لتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتصل". "ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب، يقول بمثل أحد معنيي أيوب الذي رواهما. انتهى كلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
стр. 3191
أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١). فإنه الحيض أو الحبل أو كلاهما، ولا ريب أن الحيض داخل في ذلك، ولعن تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض، فإنها إذا كانت الأطهار فإنها تنقضي [بالطعن] (أ) في الحيضة الرابعة أو الثالثة، فكتمان الحيض يلزم منه عدم معرفة انقضاء الطهر الذي تتم به العدة، فتكون دلالة الآية على أن القروء الأطهار أظهر. وأما حديث عائشة: "طلاق الأمة طلقتان، وقرؤها حيضتان". فهو حديث ضعيف من حديث مظاهر بن أسلم، قال فيه أبو حاتم الرازي (٢): منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: لا يعرف. وضعفه أبو عاصم أيضًا (٣). وقال أبو داود (٤): هذا حديث مجهول. وقال الخطابي (٥): أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث. وقال البيهقي (٦): لو كان ثابتا قلنا به إلا [أنا لا نثبت] (ب) حديثًا يرويه من نجهل عدالته. وقال الدارقطني (٣): الصحيح عن القاسم بخلاف هذا. ثم روى عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغك عن النبي ﷺ في هذا؟
стр. 3192
فقال: لا. وقال البخاري في "تاريخه" (١): مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة يرفعه: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت مظاهرًا فحدثنا به، وكان أبو عاصم يضعف مظاهرًا، وأخرج من حديث يحيى بن سليمان في قصة أنه قال القاسم: إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولكن عمل به المسلمون. انتهى. فهو يضعف رفع الحديث.
وأما حديث ابن عمر فعطية العوفي (٢) ضعفه غير واحد من الأئمة، وقد قال الدارقطني (٣): الصحيح عن ابن عمر، ما رواه سالم ونافع أنه كان يقول: طلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاثة قروء، وطلاق الحر الأمة تطليقتان، وعدتها عدة الأمة حيضتان. قال الشافعي رحمه الله تعالى (٤): أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ترثه، ولا يرثها. فهذا مذهب عائشة وابن عمر أن الأقراء الأطهار بلا شك، فكيف يكون عندهما عن النبي ﷺ خلاف ذلك ولا يذهبان إليه؟! وحديث بريرة يجاب عنه بمثل هذا، وأما الاستدلال بالاستبراء بحيضة، فالاستبراء لا شك أنه ورد بحيضة، وهو النص عن رسول الله ﷺ ، وهو قول جمهور الأمة، والقول الصحيح من قولي
стр. 3193
الشافعي. والفرق بين الاستبراء والعدة أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصت بزمان حقه وهو الطهر، وبأنها تتكرر، فيعلم منها البراءة بواسطة الحيض، بخلاف الاستبراء.
وقد أجيب عن هذه الأجوبة؛ أما قول الشافعي: ما حدث بهذا سفيان. فجوابه أن الشافعي لم يسمع ذلك عن سفيان، فقال بموجب ما سمعه، لكنه قد سمعه من سفيان من لا يستراب في حفظه وأمانته وعدالته، وقد ثبت في "السنن" من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله ﷺ فقال لها: "إذا جاء قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". رواه أبو داود بإسناد صحيح (١).
وأما حديث سفيان الذي قال فيه: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر" (٢). فهو لا يعارض، فإنه قد يكون [رواية] (أ) بالمعنى، وهي جائزة ومفسرة أن المراد بالقروء أيام الحيض، فإنه لو لم يكن ذلك اللفظ هو المراد بالآخر، لما (ب) جاز من الراوي أن يبدل اللفظ بلفظ آخر غير مرادف، فمثل أيوب [السختياني] (جـ) الذي لا مدافع له عن الإمامة والعدالة والصدق والورع لا يحمل إلا على هذا المحمل الصحيح.
стр. 3194
وأما حديث عائشة ﵂ (١)، فهو وإن كان في طريقه مظاهر، فهو معتضد بغيره، فيصح العمل به، وقد أخرج الحاكم (٢) من حديث عثمان بن [سعد] (أ) القرشي، عن ابن أبي مليكة، قال: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة. وذكر الحديث. ثم قال: "قولي لها: فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قروئها". قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وعثمان بن [سعد] (أ) الكاتب (٣) بصري ثقة عزيز الحديث يجمع حديثه. قال البيهقي (٤): قد تكلم فيه غيره، ولكنه قد تابعه الحجاج بن أرطاة على ابن أبي مليكة عن عائشة. وفي "المسند" (٥)، أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: "إذا أقبلت أيام أقرائك فأمسكي عليك". وفي "سنن أبي داود" (٦) من حديث عدي بن ثابت في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي". وفيها عن فاطمة بنت أبي حبيش أنه قال لها ﷺ : "فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين [القرء إلى القرء] (ب) ". وقد يرد على هذا بأن إطلاق القرء هنا على الحيض لعله من كلام الراوي، غيَّر لفظ "الحيض"
стр. 3195
إلى "القرء" روايةً بالمعنى. وأما حديث مظاهر فهو وإن كان مظاهر ممن لا يحتج به، ولكنه قد يعضد بغيره فيقوى ويحتج به. وأما عمل عائشة بخلاف ما روت، فهو لا يقدح فيه، فإن [المعول] (أ) عليه أن مخالفة الراوي لا توجب رد حديثه، وأن المعتبر بما روى لا بما رأى. وأما تضعيف حديث ابن عمر بعطية العوفي فهو وإن ضعفه أكثر أهل الحديث، فقد احتمل الناس حديثه وخرجوه في السنن. وقال يحيى بن معين في رواية عباس (٥) الدوري عنه (١): صالح الحديث. وقال ابن عدي (٢): روى عنه جماعة من الثقات، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. فيعتضد به وإن لم يعتمد عليه وحده.
وأما مخالفة مذهب ابن عمر، فلا تكون قادحة كما عرفت.
وأما الفرق بين الاستبراء والعدة، فالجميع حق للزوج، فإن الحائض للزوج الاستمتاع منها في زمن الحيض كما له الوطء في زمن الطهر، فلا يصلح فارقًا.
٩٢٤ - وعن ابن عمر ﵄: طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان. رواه الدارقطني، وأخرجه مرفوعًا وضعفه (٣).
стр. 3196
وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وخالفوه فاتفقوا على ضعفه.
تقدم (أ) الكلام على الحديث، وهو يدل على أن الأمة تخالف الحرة، وأن الأمة تبين من زوجها بطلقتين. وهذه المسألة اختلف فيها السلف والخلف على أربعة أقوال؛ الأول: أن طلاق العبد والحر سواء. وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم، حكاه عنهم أبو محمد بن حزم (٢)، واحتجوا بعموم النصوص الواردة في الطلاق من غير فرق بين عبد وحر.
الثاني: أنه إذا كان أحد الزوجين رِقًّا، كان الطلاق اثنتين. وهذا رواه حماد بن سلمة، عن [عبيد] (ب) الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحر يطلق الأمة تطليقتين وتعتد حيضتين، والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاث حيض (٣). وذهب إلى هذا عثمان البتي.
الثالث: أن الطلاق بالرجال، فيملك الحر ثلاثا وإن كانت زوجته أمة، والعبد اثنتين وإن كانت زوجته حرة. وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في ظاهر كلامه، وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس (٤)، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة،
стр. 3197
وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، وسليمان بن يسار، وعمرو بن شعيب، وابن المسيب، وعطاء، واحتج في "البحر" لهذا القول بقوله ﷺ : "الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء" (١). ولم أر من خرجه. وقال في الجواب: قلنا: أراد أن الطلاق إنما يقع من الرجل لا المرأة.
الرابع: أن الطلاق بالنساء كالعدة، كما روى (أ) شعبة، عن أشعث بن سوار، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود: السنة الطلاق، والعدة بالنساء (٢). وروى عبد الرزاق (٣)، عن محمد بن يحيى، وغير واحد، عن عيسى، عن الشعبي، عن اثني عشر رجلا من الصحابة، قالوا: الطلاق والعدة بالمرأة. هذا لفظه. وهو قول الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وإبراهيم، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي، وأبي حنيفة وأصحابه. فهذه الأقوال الأربعة كما عرفت، وسبب الخلاف أن الأحاديث الواردة قد عرفت ما فيها من الضعف، ووردت الآثار عن الصحابة وهي متعارضة، وليس بعضها أولى من بعض، وبقي القياس وتجاذبه طرفان؛ طرف المطلِّق، وطرف المطلَّقة، فمن راعى طرف المطلِّق، قال: هو الذي يملك الطلاق فيتنصف في حقه كما تتنصف عليه سائر أحكام الحر. ومن
стр. 3198
راعى طرف المطلَّقة، قال: الطلاق يقع عليها وتلزمها العدة والتحريم وتوابعها فيتنصف برقها. ومن نصف برق أيِّ الزوجين كان راعى الأمرين وأعمل الشبهين. ومن قال بأنهما كالحر رأى أن الآثار لم تثبت، والمنقول عن الصحابة متعارض، والقياس كذلك، فلم يتعلق بشيء من ذلك، وتمسك بإطلاق النصوص الدالة على أن الطلاق الرجعي طلقتان، ولم يفرق الله بين حر وعبد، ولا بين حرة ولا أمة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١). قالوا: والحكمة التي جُعل الطلاق الرجعي لأجلها [اثنتين] (أ)، هي في الحر والعبد سواء. قالوا: وقد قال مالك: إن له أن ينكح أربعًا كالحر؛ لأن حاجته إلى ذلك كحاجة الحر. وقال الشافعي وأحمد: أجله في الإيلاء كأجل الحر؛ لأن ضرر الزوجة في الصورتين. وقال أبو حنيفة: إن طلاقه وطلاق الحر سواء، إذا كانت المرأتان حرتين؛ لإطلاق نصوص الطلاق وعمومها للحر والعبد. وقال أحمد بن حنبل والناس معه: صيامه في الكفارات كلها وصيام الحر سواء، وحدّه في السرقة والشراب حدّ الحر سواء.
وإذا طلق العبد زوجته تطليقتين ثم عتق بعد ذلك، هل يبقى ذلك الحكم، ويكون حكمها حكم المثلثة، أو يكون له حكم الحر؟ في ذلك أربعة أقوال للفقهاء؛ أحدها: أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، حرة كانت أو أمة. وهذا قول الشافعي [وأحمد] (ب) في إحدى الروايتين عنه.
الثاني: أن له أن يعقد عليها عقدًا مستأنفًا من غير اشتراط زوج وإصابة
стр. 3199
منه. وقد ذهب إلى هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه، وإحدى الروايتين للشافعية. وأخرج أصحاب "السنن" من حديث أبي حسن مولى بني نوفل (١)، أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله ﷺ (٢). قال الإمام أحمد (٣)، عن عبد الرزاق: إن ابن المبارك قال [لعمر: من أبو حسن هذا؟ لقد] (أ) تحمل صخرة عظيمة. انتهى.
قال المنذري (٤): وأبو حسن هذا قد ذكر بخير وصلاح. وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان (٥)، غير أن الراوي عنه عمر بن معتب (٦)، وقد قال علي بن المديني (٧): هو منكر الحديث. وقال النسائي (٨): ليس بالقوي.
الثالث: أن له أن يرتجعها في عدتها، وأن ينكحها بعدها بدون زوج ولو لم يعتق. وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم، فإن عندهم الحر والعبد في
стр. 3200
الطلاق سواء. وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أن عبدًا له طلق امرأته طلقتين، فأمره ابن عباس أن يراجعها فأبى، فقال ابن عباس: هي لك فاستحلها بملك اليمين (١).
القول الرابع: أن زوجته إن كانت حرة ملك عليها تمام الثلاث، وإن كانت أمة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. وهذا قول أبي حنيفة.
وقوله: وعدتها حيضتان. فيه دلالة على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، إلا أنه لما لم يمكن أن تجعل العدة حيضة ونصفًا كملت حيضتين، كما روى حماد بن زيد، عن عمرو بن أوس الثقفي، أن عمر بن الخطاب قال: لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفًا لفعلت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، فاجعلها شهرًا ونصفًا (٢). وقد روى عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جعل لها عمر حيضتين؛ يعني الأمة. وأخرج عن عتبة بن مسعود عن عمر: ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تحض فشهرين. أو قال: شهرًا ونصفًا (٤). وأخرج عن ابن مسعود قال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة (٥)؟! وقال ابن وهب:
стр. 3201
أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعًا وابن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة وغير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين قالوا: عدة الأمة حيضتان (١). ورواه (١) عن القاسم بن محمد، وقال القاسم: مع أن هذا ليس في كتاب الله ، ولا نعلمه سنة من رسول الله ﷺ ، ولكن قد مضى أمر الناس على هذا. وروي ذلك بإسناد صحيح عن علي (٢) ﵁. ورواه الزهري عن زيد بن ثابت (٣). وأخرجه مالك (٤)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. وهو مذهب فقهاء المدينة؛ سعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن عتبة، والزهري، ومالك، وفقهاء مكة؛ كعطاء بن أبي رباح، ومسلم بن خالد، وغيرهما، وفقهاء البصرة؛ كقتادة، والحسن، وابن سيرين، وفقهاء الكوفة؛ كالثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وفقهاء الحديث، كأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم. فالحديث يدل على هذا، وهو متأيد بعمل الصحابة وبالقياس على الحد. وذهب الظاهرية كما قاله أبو محمد بن حزم (٥) أنه مذهب أبي سليمان، وجميع أصحابنا إلى أن عدة الأمة كعدة الحرة سواء؛ لعموم آيات العدد الثلاث للحرة والأمة، قال (٦): لأن الله تعالى علمنا العدد في الكتاب، فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٧). ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
стр. 3202
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وقد علم الله تعالى إذ أباح لنا زواج الإماء أن عليهن العدد المذكورات، وما فرق بين حرة ولا أمة في ذلك، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣). قال: وثبت عمن سلف مثل قولنا؛ قال (٤) محمد بن سيرين: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سُنة، فالسنة أحق أن تتبع. قال (٤): وذكر أحمد بن حنبل أن قول مكحول: إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة. انتهى كلامه.
ومثل هذا (أ) في كتب الهدوية؛ قال الإمام المهدي في "البحر": مسألة: والأمة كالحرة في عدتها إذ لم يفصل الدليل. انتهى كلامه. ولم يحك خلافًا. والجواب عن ذلك أن العمومات في الآيات الثلاث مخصوصة بالأحاديث المتقدمة، وهي وإن كانت فيها مقال ولكنها متأيدة بآثار (ب) كثيرة، بل ظاهر ما تقدم أنه إجماع الصحابة، والإجماع كاف في
стр. 3203
التخصيص، والقياس كذلك مؤيد، مع أن الآيات إذا تأمل الفطن لسياقها وجدها لا تتناول الإماء، فإن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. في حق الحرائر، فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (١). فجعل ذلك إلى الزوجين، والمراد به العقد، وفي الأمة ذلك يختص بسيدها، وكذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). والأمة لا فعل لها في نفسها، مع أن ابن سيرين لم يجزم بذلك وأخبر به عن رأيه، والرواية عن مكحول لم يذكر لها ابن حزم سندًا، وإنما حكاه عن أحمد عنه، فلم يبق معهم أحد من السلف إلا رأي ابن سيرين المعلق على عدم سنة متبعة.
وفي الاعتداد بالأشهر في حق الصغيرة والآيسة ثلاثة أقوال وهي للشافعي، وهي ثلاث روايات عن أحمد، فأكثر الروايات أنها شهران. رواه عنه جماعة من أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب. ذكرها الأثرم وغيره عنه. وحجة هذا القول أن عدتها بالأقراء حيضتان، فجعل كل شهر مكان حيضة. والقول الثاني: أن عدتها شهر ونصف. نقلها عنه الأثرم والميموني. وهذا قول علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن المسيب، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد أقواله. وحجته أن التنصيف في الأشهر ممكن فينصف بخلاف. والقول الثالث أن عدتها ثلاثة أشهر كوامل. وهو إحدى الروايتين عن عمر، وقول ثالث للشافعي. وحجة هذا القول أن العدة إنما هي لأجل براءة الرحم، وهي لا تحصل بدون ثلاثة أشهر في حق الحرة والأمة
стр. 3204
جميعًا؛ لأن الحمل يكون نطفة أربعين يومًا، ثم علقة أربعين يومًا، ثم مضغة أربعين، وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة إلى الحرة والأمة سواء، بخلاف الأقراء، فإن الحيضة الواحدة يعلم بها براءة الرحم، ولذا اكتفي بها في استبراء الأمة.
٩٢٥ - وعن رويفع بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره". أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان، وحسنه البزار (١).
هو رويفع، تصغير رافع، بضم الراء المهملة، ابن ثابت بن سكن، من بني مالك بن النجار، الأنصاري، عداده في المصريين، توفي سنة ست وأربعين.
الحديث، وأخرجه الحاكم (٢) من حديث ابن عباس في خبر أوله: أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم، وقال: "لا تسق ماءك زرع غيرك". وأصله في النسائي (٣).
الحديث فيه دلالة على أنه يحرم وطء الحامل من غير الواطئ، سواء كان ذلك الحمل لاحقًا بغيره أم لا، وذلك كالأمة المشتراة إذا كانت حاملا من
стр. 3205
غيره والمسبية. و (أ) ظاهر الحديث إذا كان الحمل متحققًا، وأما إذا كان الحمل غير متحقق وتملَّك (ب) الأمة بسبي أو شراء أو غيره، فسيأتي، ويدخل في عموم الحديث (جـ) ما إذا زنت المرأة المزوجة أو وطئت غلطًا؛ أنه لا يجوز للزوج أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة، وقد ذهب إلى وجوب العدة على الزانية (د) مالك وإسحاق بن راهويه وربيعة، وقيل: يستبرئ بحيضة. وذهب العترة، والفريقان الحنفية والشافعية، وابن سيرين، إلى أنه لا عدة على زانية، قالوا: لقوله ﷺ : "الولد للفراش" (١). ولأن عمر جلد الغلام والصبية، وزوَّج الغلام بالصبية، ولم يُنكَر؛ فدل على عدم وجوب الاستبراء. والجواب عنه: أن الوطء مظنة الحمل، فيجب الاجتناب كما في حق من تحقَّق حملها، ولا يدل قوله: "الولد للفراش". على المدَّعى؛ لأن المراد أنه غير لاحق بالزاني فقط، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يجوز نكاح الزانية بالكلية، حتى تتوب ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة؛ لأن النبي ﷺ فرق بين الرجل وبين المرأة التي (هـ تزوج بها هـ)، فوجدها حبلى، وجلدها الحد، وقضى لها بالصَّداق. أخرجه أبو داود (٢). وهذا صريح في بطلان العقد على الحاملة من زنًى. قال المصنف رحمه الله تعالى في
стр. 3206
"التلخيص" (١): هذا. الحديث -يعني حديث رويفع- احتج به الحنابلة على فساد نكاح الحامل من الزنى، واحتج به الحنفية على امتناع وطئها، وأجاب الأصحاب عنه بأنه ورد في السبي، لا في مطلق النساء، وتعقب بأن العبرة بعموم اللفظ. انتهى.
وقوله: "زرع غيره". استعارة أصلية مصرِّحة بشبه الحمل بالزرع، بجامع [النماء] (أ) وتولُّده عن المادة الشبيهة (ب) بالماء.
٩٢٦ - وعن عمر ﵁ في امرأة المفقود: تتربَّص أربع سنين، ثم تعتدُّ أربعة أشهر وعشرًا. أخرجه مالك والشافعي (٢).
أخرجه من حديث يحيى بن سعيد، [عن سعيد] (جـ) بن المسيب، عن عمر: أيما (د) امرأة فقدت زوجها، فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرًا. ورواه عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج، عن يحيى به. ورواه أبو عبيد (٤)، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن
стр. 3207
الزهري، عن سعيد، عن عمر وعثمان به. ورواه البيهقي (١) من طرق (أ) أخرى عن عمر. وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا غندر، ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن عمر نحوه. وللدارقطني (٣) من طريق عاصم (ب) الأحول عن أبي عثمان، قال: أتت (جـ) امرأة عمر بن الخطاب فقالت: استهوت (د) الجن زوجها. فأمرها أن تتربَّص أربع سنين، ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن يطلقها، ثم أمرها بعد أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢)، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب وعثمان قالا في امرأة المفقود: [تربَّص أربع] (هـ) سنين، وتعتدّ أربعة أشهر وعشرًا.
وأخرج أبو [عبيد] (و) (٤)، عن جابر بن زيد أنه شهد ابن عباس وابن عمر تذاكرا امرأة المفقود، فقالا: تتربص [بنفسها] (ز) أربع
стр. 3208
سنين، ثم تعتدّ عدة الوفاة.
الحديث فيه دلالة على أن امرأة المفقود بعد مضي المدة المذكورة تبين من زوجها، وقد ذهب إلى هذا عمر، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وروي أيضًا عن ابن مسعود و (أ) عن جمع من التابعين، كالنخعي، وعطاء، والزهري، ومكحول، والشعبي (١)، واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم يُرفَع أمرها إلى الحاكم، وعلى أنها تعتدّ عدة الوفاة بعد مضي الأربع السنين، وذهب أبو يوسف، ومحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، أنها لا تخرج عن عهد الزوجية حتى يصحّ لها موته أو طلاقه أو ردته، ولا بد أن تتيقَّن ذلك، قالوا: لأن عقدها ثابت بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين. وقال المؤيد بالله: إنه يكفي في ذلك الظن الغالب الحاصل بخبر العدل. واحتج في "البحر" بقوله ﷺ : "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" (٢) الآتي. وروى الشافعي (٣) من طريق المنهال (٤) بن عمرو، عن عَبَّاد (ب) بن عبد الله، عن علي، أنه قال في امرأة المفقود: إنها لا تتزوج. وذكر في مكان آخر تعليقا (٥)، فقال: وقال علي في امرأة المفقود: امرأة
стр. 3209
ابتُلِيَت، فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها يقين موته. وقال البيهقي (١): هو عن علي مطولًا مشهور (أ). وأخرج عبد الرزاق (٢) أن عليًّا قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتليت، فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق. وأخرج (٣) أيضًا عن علي قال: تربَّص حتى تعلم أحي هو أو ميت. وقال (٤) عن ابن جريج أنه قال: بلغني أن ابن مسعود وافق عليًّا. وأخرج (٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عمر لما عاد المفقود مكَّنه من أخذ زوجته. وفيه انقطاع مع ثقة رجاله، قالوا: فإن لم تتيقَّن ما تقدَّم، تربَّصت العمر الطبيعي. قال القاسم: وهو مائة وعشرون سنة من مولده. وقال المؤيد بالله: مائة وخمسون سنة إلى مائتين. وقال الإمام يحيى: لا وجه للتربُّص، لكن إن ترك لها الغائب ما يقوم بها فهو كالحاضر؛ إذ لم يفتها إلا الوطء، وهو حق له لا لها، وإلا فسَخها الحاكم عند مطالبتها من دون انتظارٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (٦)، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧)، "لا ضرر (ب)
стр. 3210
ولا ضرار في الإسلام" (١). والحاكم شرع لرفع المضارة في الظهار والإيلاء، وهذا أبلغ، والفسخ مشروع كالعيب ونحوه. قال: والتقدير بالعمر الطبيعي والأربع لا دليل عليه من كتاب أو سنة؛ لأنهم إن جوزوا لها النكاح بمضيها (أ) لأجل الضرر، فأيّ ضرر أبلغ من تربُّصها هذه المدة، وإن كان لحصول اليقين ببينونتها، فلا يقين بذلك، وإن كان لنصٍّ أو قياس، فلا شيء منهما. قال الإمام المهدي: أما الطبيعي فقدروه عند تعذر اليقين والبَيِّنة الكاملة، ليحصل أقوى مراتب الظن؛ [إذ لا قرينة أقوى من ذلك فيطلبوها، ولابد مع مضي المدة من حصول الظن] (ب)، ولا يكفي مجرد المدة، وإلا لزم فيمن غاب وقد بقي يومان من عمره الطبيعي أن تزوّج امرأته، ولا قائل به. قال الإمام المهدي: ولا شك أن في التربُّص المذكور حرجًا، فالفسخ قوي. قال الإمام يحيى: فإن غلب في الظن موته لأي الأمارات القوية، جاز تزويجها بلا فسخ، وتعتدّ من عند الظن كلو قامت بينة، فإن عاد رجعت إليه، بخلاف الفسخ. وهذا الذي ذكره الإمام يحيى إحداثُ قولٍ ثالث رافع للقولين السابقين اللذين ظهرا في أيام السلف من الصحابة ومن بعدهم.
واعلم أنه قال عبد الرزاق (٢): أخبرنا الثوري، عن يونس بن خَبَّاب (جـ)،
стр. 3211
عن مجاهد، عن الفقيد الذي فقد، قال: دخلت الشِّعْب فاستهوتْني الجنّ، فمكثت أربع سنين، فأتت امرأتي عمر بن الخطاب ﵁، فأمرها أن تتربَّص أربع سنين من حين رفعتْ أمرها إليه، ثم دعا وليه فطلَّقها، ثم أمرها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا، ثم جئتُ بعدما تزوجتْ، فخيَّرني عمر بينها وبين الصداق الذي اصدقتُها. ورواه ابن أبي شيبة (١) من طريق يحيى بن جعدة، عن عمر به. ورواه البيهقي (٢) من طريق أخرى. والله أعلم.
وقال بالتخيير هذا القائلون بأنها تعتدّ. وقال أكثرهم: إن اختار الأول الصداق، غرمه له الثاني. وخالف سعيد بن السيب في المفقود في صفِّ القتال؛ أنها تربَّص سنةً واحدة، وفي غير الصف أربع سنين. وفرَّق مالك بين القتال في (أ) دار الحرب أو (أ) دار الإسلام.
٩٢٧ - وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان". أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (٣).
أخرجه الدارقطني بلفظ: "حتى يأتيها الخبر". وأخرجه البيهقي (٤)
стр. 3212
بلفظ: "حتى يأتيها البيان". ولكن ضعفه أبو حاتم (١)، والبيهقي (٢)، وعبد الحق (٣)، وابن القطان (٤)، وغيرهم.
الحديث تقدَّم الكلام عليه في الحديث الذي قبله.
٩٢٨ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبيتنَّ رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم". أخرجه مسلم (٥).
في لفظ مسلم زيادة: "عند امرأة ثيب". بزيادة لفظ: "ثيب". وجاء في بعض نسخ مسلم: "أو ذات محرم".
وقوله: "ناكحا". المراد أن يكون ذلك الرجل زوجًا للمرأة، أو يكون ذا محرم، وهذا هو الظاهر، وقد فسره بعضهم بأن المراد بالناكح هي المرأة المزوَّجة، يعني وزوجها حاضر، فيبيت قريبها في بيتها بحضرة الزوج. وهذا التفسير خلاف الظاهر، قال العلماء: وإنما خصَّ الثيب بالذكر لكونها التي يُدخَل إليها غالبًا، وأما البكر فمصونة متصوّنة في العادة، مجانبة للرجال أشد مجانبة، فلم يُحتَجْ إلى ذكرها، وهو أيضًا من باب الأوْلى، لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر
стр. 3213
أوْلى. والحديث يدل على أنه يحرم الخلوة بالأجنبية، وإباحة الخلوة بالمحرم، وهذان الأمران مجمع عليهما. وضابط المحرم: هو (أ) كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسببٍ مباحٍ لحرمتها. فقولنا: على التأبيد. احتراز من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها، ونحوهن. وقولنا: بسبب مباح. احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنها حرام على التأبيد، لكن لا بسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة، لأنه ليس فعل مكلف. وقولنا: لحرمتها. احتراز من الملاعنة، فهي حرام على التأبيد؛ لا لحرمتها، بل [تغليظ] (ب) عليهما.
٩٢٩ - وعن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". أخرجه البخاري (١).
الحديث، الكلام عليه تقدم فيما قبله.
٩٣٠ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (٢).
стр. 3214
وله شاهد عن ابن عباس ﵄ في الدارقطني (١).
وحديث ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع، أو حائل حتى تحيض. قال الدارقطني: إن ابن صاعد قال: إن [العابدي] (أ) راويه من حديث ابن عيينة تفرد بوصله وغيره أرسله، ورواه الطبراني في "الصغير" (٢) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، وأبو داود (٣) من حديث رويفع بن ثابت بلفظ: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة". وروى ابن أبي شيبة (٤) عن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن توطأ الحامل حتى تضع، أو الحائل حتى تستبرأ بحيضة. لكن في إسناده ضعف وانقطاع.
قوله: أوطاس. هو اسم واد في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين. كذا قال القاضي عياض (٥). وقد ذهب إليه بعض أهل السير، قال المصنف رحمه الله تعالى (٥): والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما
стр. 3215
انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرًا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب؛ يعني حديث البخاري (١)، ثم توجه هو بعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيد البكري (٢): أوطاس واد في ديار هوازن. انتهى.
الحديث فيه دلالة على أنه يجب استبراء المسبية إذا أراد السابي وطأها، فإن كانت حاملا فبوضع الحمل، وإن كانت غير ذات حمل فبحيضة، وهذا المنصوص عليه، لأنه ورد في حق السابين (أ)، وقيس على (ب) السابي المشتري والمتملك بأي وجه من وجوه التمليك بجامع ابتداء التملك (جـ)، وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية ومالك والثوري والنخعي، وظاهر قوله: "ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". يعم البكر والثيب، وقياسًا على العدة حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم، ويؤيده قول عمر: من ابتاع جارية قد بلغت الحيض فليتربص بها حتى تحيض، فإن كنت لم تحض فليتربص (د) خمسا وأربعين ليلة (٣). وقد وجبت العدة على الصغيرة والآيسة،
стр. 3216
والاستبراء عدة، فتجب على الجميع، وذهب جماعة إلى أن الاستبراء إنما يكون في حق من لم يعلم براءة رحمها، وأما من علم براءة رحمها، فلا استبراء عليها، وهذا رواه عبد الرزاق (١) عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء. ورواه البخاري (٢) في "الصحيح" عنه، وذكر حماد بن سلمة (٣)، قال: حدثنا علي بن زيد عن أيوب [بن] (أ) عبد الله اللخمي عن ابن عمر قال: وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة. قال ابن عمر: فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون. وأخرج البخاري في "الصحيح" (٤) مثل ذلك عن علي ﵁ من حديث بريدة، قال: بعث رسول الله ﷺ عليًّا إلى خالد -يعني باليمن- ليقبض الخمس، فاصطفى علي منها صبية، وأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟! وفي رواية: فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟! قال بريدة: وكنت أبغض عليًّا، فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت له، فقال: "يا بريدة، أتبغض عليًّا؟ ". فقلت: نعم. فقال: "لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك". فهذه الجارية إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها (ب)، وإما أن تكون في آخر حيضة فاكتفى
стр. 3217
بالحيضة قبل تملكه لها، وعلى كل تقدير فلا بد أن تكون قد تحقق براءة رحمها، ويؤيد هذا ما أخرجه الإمام أحمد (١) من حديث رويفع: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض". ويكون هذا (أ) مخصصا لعموم: "ولا غير ذات حمل حتى تحيض". وإلى هذا يرجع مذهب مالك. وقال أبو عبد الله [المازري] (ب) من المالكية: والقول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء، وكل من غلب على الظن كونها حاملًا، أو شك في حملها، أو تردد في فيه، فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب على الظن براءة رحمها لكنه يجوز حصوله، فإن المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه، ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة كاستبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة، وفيه روايتان عن مالك. قال صاحب "الجواهر": ويجب في الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة وأربع عشرة، وفي إيجاب الاستبراء إذا كانت ممن يطيق الوطء ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر روايتان، أثبته في رواية ابن القاسم، ونفاه في رواية ابن عبد الحكم، وإن كانت ممن لا يطيق الوطء فلا استبراء فيها. قال: ويجب الاستبراء ممن جاوزت سن الحيض ولم تبلغ سن اليأس مثل ابنة الأربعين والخمسين، وأما التي قعدت عن المحيض وتأيست عنه، فهل يجب فيها الاستبراء أو لا يجب؟ روايتان لابن القاسم
стр. 3218
وابن عبد الحكم. قال [المازري] (أ): ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة، لأنه يمكن فيهما الحمل على الندور، أو [لمخافة] (ب) الذريعة، لئلا تدعي في مواضع الإمكان أن لا إمكان. قال: ومن ذلك استبراء الأمة خوفًا أن تكون زنت، وهو المعبر عنه بالاستبراء لسوء الظن، وفيه قولان، والنفي لأشهب. قال: ومن ذلك استبراء من كان الغالب على السادات عدم وطئهن، ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم، ففي وجوبه روايتان عن مالك، ومن ذلك [استبراء] (جـ) المكاتبة [إذا كانت] (د) تتصرف ثم عجزت فرجعت إلى سيدها، فابن القاسم يثبت الاستبراء، وأشهب ينفيه، ومن ذلك استبراء البكر. قال أبو الحسن اللخمي: هو مستحب على وجه الاحتياط غير واجب. وقال غيره من أصحابه: هو واجب. ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة وعلم المشتري أنه قد استبرأها، فإنه يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري، ومن ذلك إذا أودعه أمة فحاضت عند المودَع حيضة ثم اشتراها، لم يحتج إلى استبراء ثان، وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها، وهذا بشرط ألا تخرج، ولا يكون سيدها يدخل عليها، ومن ذلك أن يستبرئها من زوجته، أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند البائع، فابن القاسم يقول: إذا كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وأشهب يقول: إذا كانت مع المشتري في دار وهو ذابّ عنها وناظر في أمرها أجزأه (هـ) ذلك،
стр. 3219
سواء كانت تخرج أو لا تخرج، ومن ذلك أن سيد الأمة إذا كان غائبًا فحين قدم اشتراها منه رجل قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائض، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا استبراء عليه، ومن ذلك إذا بيعت (أ) وهي حائض في أول حيضها، فالمشهور من مذهبه أن ذلك يكون استبراء لها، لا تحتاج إلى حيضة مستأنفة، ومن ذلك الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية، وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده، فلا استبراء عليها (ب). انتهى كلامه.
وهذا الكلام ينبئ أن مأخذ مالك في الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم، فحيث لا تعلم ولا تظن البراءة وجب الاستبراء، وحيث تعلم أو تظن البراءة فلا استبراء. وقال بهذا أبو العباس بن سريج والإمام أبو العباس بن تيمية، واختاره الإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، وهذا الذي ذكروه قوي، فإن الحكم ليس بتعبدي محض، بل له معنى معقول مناسب للحكم، وهو براءة الرحم للبعد من اختلاط الأنساب، والأحاديث الواردة في سبايا أوطاس منبهة على هذا التعليل؛ ففي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقي عدوًّا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك:
стр. 3220
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). أي فهن حلال لكم. فكأن التحرج إنما هو في حق من يظن أنها قد وطئها زوج، وفيه من حديث أبي الدرداء (٢) أن النبي ﷺ مر بامرأة مجح (٣) على باب فسطاط، فقال: "لعله [يريد] (أ) أن يلم بها؟ ". قالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره؛ كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ ". وفي الترمذي (٤) من حديث عرباض بن سارية، أن النبي ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن. وفيه من حديث (ب) رويفع بن ثابت (٥)، أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره". قال الترمذي: حديث حسن. ولأبي داود (٦) من حديثه أيضًا: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها". وذكر البخاري (٧) في "صحيحه" عن ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو عتقت، فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء. وأخرج عبد الرزاق (٨) عن معمر عن طاوس: لا
стр. 3221
يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض. فهذه الأحاديث فيها إيماء إلى أن العلة الحمل أو تجويزه، وقد عرفت أن الحكم منصوص في السبايا، وقيس عليه انتقال الملك بالشراء وغيره، وذهب داود الظاهري وعثمان البتي إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبي، أما داود فلأنه لا يثبت الحكم بالقياس، ولأن الشراء ونحوه عقد كالتزويج، وأجيب بأنه قد روي عن علي ﵁: من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة (١). وقد تقدم مثله عن عمر (٢) ﵁، ولا يقاس على النكاح للفرق، فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة. كذا ذكره في "البحر"، ولا يخفى ركة الجواب، إذ لا دخل لملك الرقبة في هذا الحكم مع اشتراكهما في الوصف المناسب، وهو العلم ببراءة الرحم المفضي إلى اختلاط الأنساب. وإطلاق هذه الأحاديث في السبايا، وتوقيت الوطء بوضع الحمل أو الحيضة، (أيقضي بحل أ) الوطء، وإن لم يدخلن (ب) في الإسلام، فإنه لو كان الإسلام شرطا لبينه النبي ﷺ ، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع أن فيهم حديثي عهد بالإسلام يخفى عليهم هذا الحكم، وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكانوا عدة آلاف بعيد، بل في غاية البعد أن يسلموا جميعهم دفعة واحدة، لا تتخلف عن الإسلام منهن جارية واحدة من غير عرض الإسلام ولا إكراه عليه، ولم يكن لهن رغبة وبصيرة في الدخول في الإسلام يقتضي المبادرة إلى الإسلام قبل
стр. 3222
كل شيء، فمقتضى هذه السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله ﷺ قاض بجواز الوطء من دون إسلام، وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره، وقواه صاحب "المغني" (١) وقوى أدلته. والله أعلم.
٩٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه من حديثه (٢).
ومن حديث عائشة ﵂ في قصةٍ (٣)، وعن ابن مسعود عند النسائي (٤)، وعن عثمان عند أبي داود (٥).
الحديث ذكره البخاري من طرق، قال ابن عبد البر (٦) هو أصح ما روي، فإنه جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة. قال المصنف (٧) ﵀: وفي الباب عن عمر (أ) وعثمان وابن مسعود وابن الزبير وابن عمرو وأبي أمامة وعمرو (ب) بن خارجة وزيد بن أرقم، وزاد شيخنا: معاوية
стр. 3223
وابن عمر. وزاد ابن منده (١) في "تذكرته": معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة. وقد وقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري (أ) وواثلة بن الأسقع وزينب بنت جحش، وجميع هؤلاء وقع عندهم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". انتهى.
والحديث فيه دلالة على ثبوت نسب الولد بالفراش من الأب، واختلف العلماء في معنى "الفراش"؛ فذهب الأكثر أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة الافتراش، وذهب أبو حنيفة إلى أن الفراش اسم للزوج، ونقل ابن الأعرابي (١) ذلك، وأنشد عليه قول جرير (٢):
* باتت تعانقه وبات فراشها *
البيت، وهو إما أن يكون مع الحرة، فلا يثبت الفراش منها إلا بإمكان الوطء في نكاح صحيح أو فاسد، وهذا مذهب الهادي والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يثبت بنفس العقد، وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل ولو طلقها عقيبه في المجلس.
وذهب ابن تيمية (٣) إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق، وقال: إن
стр. 3224
الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه قال فيمن طلق قبل البناء وأتت امرأته بولد فأنكره: إنه ينتفي عنه بغير لعان.
واختار هذا القول ابن القيم (١)، قال: وهل يَعُدُّ أهل اللغة والعرف المرأة فراشا قبل البناء بها؟! وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبْنِ بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها، بمجرد إمكان ذلك؟! وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق. انتهى كلامه.
وقد ترجح القول الأول بأن ذلك هو اللائق بالاحتياط في لحوق النسب، ومعرفة الوطء المحقق يتعذر معرفته في حق [غير] (أ) الزوجين، والإشكال إنما هو مع تناكرهما، ففي ثبوته مع إمكان الوطء احتياط في ثبوت النسب، وإلا كان ذريعة لكثير ممن يريد مجرد سفح الماء من غير أن يَلحقه ولد أن ينكر وجود الوطء منه، والشهادة متعذرة، وقد جعل الله له المخرج باللعان، إذا لم يكن منه الولد.
ويُشترط أن تأتي بالولد بعد مضي أقل مدة الحمل، وهذا مجمع عليه، إلا أن أبا حنيفة يقول: من يوم العقد. وعند الجمهور من إمكان الوطء؛ لما أومأ إليه النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢). وقوله
стр. 3225
تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١). فإنه يعلم منه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإنما اشتُرط مُضي أقل مدة الحمل؛ لأنها لو ولدت لأقل من ذلك، قطعنا أنه من قبل العقد، إلا أنه إذا عاش مدة أكثر مما لغير الناقص فذلك لازم، وينتفي بغير لعان، وإن عاش المدة التي يعيش الناقص، كان لاحقا وجرى له حكم الولد، ويُشترط إمكان البلوغ من الزوجين، فلا يلحق بمن كان دون التسع اتفاقًا إذ لم يُعتد ولد لمثله، ويلحق بابن العشر اتفاقًا، إذ قد يمني مثله ولو كان نادرًا، إذ قد حصل الإمكان، وفي ابن التسع تردد؛ قال الشافعي: لا يلحق، إذ لا يمني مثله. وقال الإمام يحيى وأبو إسحاق: يلحق، إذ قد تحيض المرأة لتسع، فيجوز الإمناء في الصبي. والقصد الإمكان، وأما إذا كان النكاح باطلًا فلا يكفي الإمكان، بل لا بد من تحقق الوطء إذ لا حكم للعقد، ويثبت الفراش للخصي والمجبوب؛ لإمكان إلقاء الماء في الرحم، ولا عبرة بقول الأطباء أن ماءه رقيق لا يُخلق منه ولد، وإذا حاضت المرأة ثلاث حيض بعد الطلاق، ثم تزوجت فأتت بولد لدون ستة أشهر، لم يلحق بالأول ولا بالثاني، لأن الحيض يتعذر مع الحمل، والظاهر أنه حيض. وقال الشافعي: بل يلحق بالأول. لأنه لا يتعذر الحيض مع الحمل عنده.
وهذا الكلام في الزوجة، وأما فراش الأمة، فظاهر الحديث أنه شامل له، وأنه يثبت الفراش للأمة بالوطء، إذا كانت مملوكة للواطئ، أو في شبهة ملك، إذا اعترف به السيد، أو ثبت بوجه، فإن الحديث ورد في وليدة زمعة، ولفظه في رواية عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص