← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق وأهل الظاهر، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية، وفيه دلالة واضحة، فإنه رتب القطع على جحد العارية في القصة المذكورة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يوجب القطع، قالوا: لأن الآية الكريمة ذكر فيها السارق، والجاحد لا يسمى سارقًا. ورد هذا ابن القيم (١)، وقال: إن الجحد داخل في اسم السرقة. قال: ولا يلزم القطع في جحد الغاصب والمختلس؛ للفرق في ذلك، وهو أن السارق وجاحد العارية لا يمكن الاحتراز منهما، بخلاف المختلس والمنتهب. قال: ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شيء عليه [لجر] (أ) ذلك إلى سد باب العارية، وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشرع، بخلاف ما إذا علم أنه يقطع، فإن ذلك يكون أدعى لاستمرار العارية. انتهى. وقد [فرَّ من] (ب) هذا بعض من قال بذلك، فخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعًا للمستعار منه، ثم تصرف في العارية، وأنكرها لما طولب بها، فإن هذا لا يقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركة السارق في أخذ المال خفية. [غير] (جـ) أن ابن المنذر نقل عن إياس بن معاوية أنه قال: المختلس يقطع. وكأنه ألحقه بالسارق؛ لاشتراكهما في الأخذ خفية، ولعله يسميه

стр. 3572

سارقًا كما قال ابن الجوزي. وأخرج (أ) البيهقي (١) عن الفقهاء من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: على الطَّرَّار (٢) القطع. وكانوا يقولون: لا [قطع] (ب) إلا فيما بلغت قيمته ربع دينار فصاعدًا. وقال الجمهور: إنه ورد حديث المخزومية من طريق عائشة وجابر وعروة بن الزبير ومسعود بن الأسود، أخرجها البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم مصرحًا فيه بذكر السرقة، بل في رواية مسعود أنها سرقت قطفة رسول الله ﷺ . وحديث مسعود صححه الحاكم، وأخرجه ابن ماجه، وعلقه أبو داود والترمذي (٣). وأخرجه أبو الشيخ في "كتاب السرقة"، ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليًّا (٤). والجمع ممكن بأن يكون الحلي في القطيفة، فسرقت الظرف والمظروف، وأفرد الرواة ذكر أحدهما عن الآخر. وأخرج عبد الرزاق (٥) من حديث عمرو بن دينار، أن الحسن أخبره قال: سرقت امرأة -قال عمرو: وحسبت أنه قال: من ثياب الكعبة. الحديث. وسنده إلى الحسن صحيح.

стр. 3573

وقد يمكن الجمع مع بُعده أن ذلك الثوب هو قطيفة، وأنه من ثياب الكعبة، ولعله كان في بيت النبي ﷺ قبل أن يوضع على الكعبة، وهو مهدى لها، والأرجح الأول، فتقرر أن المذكورة قد وقع منها السرقة، فرواية أنها جحدت العارية لا تدل على أن القطع كان لها؛ أما أولًا: فلأنها مخالفة لمفهوم الآية الكريمة، فإن مفهوم الصفة يدل على أنه لا قطع بغير السرقة. وثانيًا: إمكان أن يقال: إن ذكر العارية إنما هو لمجرد التعريف بما اشتهر من وصف المرأة المذكورة، فالعارية وجحدها قد صار لها خلقًا معروفًا، فعرفت المرأة به، والقطع كان للسرقة. وهذا معنى ما أجاب به الخطابي (١)، وتلقاه عنه غيره من الأئمة كالبيهقي والنووي (أ) (٢). ويؤيد هذا ما قيل في ذكر فاطمة ﵂، وقد نزهها الله تعالى وطهرها عن نسبة مثل هذا النقص إليها. ويؤيد هذا حديث (٣): "ليس على خائن، ولا مختلس، ولا منتهب، قطع". وهو حديث قوي، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة والترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه. وصرح ابن جريج في رواية النسائي بقوله: أخبرني أبو الزبير. وقال النسائي: رراه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبي الزبير، ولم يصرح أحد منهم بالتحديث عن أبي الزبير، في لا أحسبه سمعه منه. وصرح ابن القطان بأنه من معنعن أبي الزبير، إلا أنه يخدش فيه أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعنه عن جابر. لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير،

стр. 3574

وأخرجه عبد الرزاق (١) بتصريح سماع أبي الزبير من جابر، فقوي الحديث، وأجمعوا على العمل [به] (أ) إلا من شذ، كما نقل عن إياس بن معاوية. ١٠٢٥ - وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : "ليس على خائن، ولا منتهبٍ، ولا مختلس، قطع". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان (٢). الحديث أخرجوه، والحاكم والبيهقي (٣) من حديث أبي الزبير عن جابر. وفي رواية عند ابن حبان (٤) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير عن جابر. وليس فيه ذكر "الخائن". ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٥) من طريق مكي بن إبراهيم عن ابن جريج، وقال: لم يذكر فيه "الخائن". غير مكي. قال المصنف (٦) رحمه الله تعالى: قد رواه ابن حبان (٧) أيضًا من حديث سفيان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "ليس على المختلس ولا على الخائن

стр. 3575

قطع". وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١) عن أبيه: لم يسمعه ابن جريج من أبي الزبير، إنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات، وهو ضعيف (٢). وكذا قال أبو داود، [وزاد] (أ): وقد رواه المغيرة بن أسلم عن أبي الزبير عن جابر. وأسنده النسائي (٣) من حديث المغيرة. ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن [جريج] (٥): أخبرني أبو الزبير (٤). وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، رواه ابن ماجه (٥) بإسناد صحيح، وآخر من رواية الزهريّ عن أنس، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦) في ترجمة أحمد بن القاسم، ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٧) من حديث ابن عباس وضعفه. قوله: "ليس على خائن". والمراد بالخائن الذي يظهر ما لا يضمره في نفسه، والخائن هنا هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه مع إرائه له النصيحة والحفظ، والخائن أعم، فإنه قد تكون الخيانة في غير المال، ومنه ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ (٨). أي: ما يخون النظر من مسارقة النظر إلى ما لا يحل.

стр. 3576

و "المنتهب": المغير، من النهبة، وهي الغارة والسلب. ولعل المراد به هنا ما كان على جهة الغلبة والقهر. و "المختلس": السالب، من: اختلسه إذا سلبه، قال في "النهاية" (١) في قوله ﷺ : "ليس في النهبة ولا الخليسة قطع". أي ما يؤخذ سلبًا ومكابرة. وقد تقدم الكلام في أحكام الحديث قريبا. ١٠٢٦ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمر ولا أكثر". رواه المذكورون، وصححه أيضًا الترمذي وابن حبان (٢). وأخرج الحديث أيضًا مالك والحاكم والبيهقي (٣)، واختلفوا في وصله وإرساله، وقال الطحاوي (٤): هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول. ورواه أحمد وابن ماجه (٥) من حديث أبي هريرة، وفيه سعد بن سعيد المقبري، وهو ضعيف (٦).

стр. 3577

والثمر، قال المنذري (أ): المراد به ما كان معلقًا في النخل قبل أن يجذ. وعلى هذا تأوله الإمام الشافعي، وقال: حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من جوانبها. والثمر (ب): اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما. كذا قاله في "البدر المنير"، والكثر؛ بفتح الكاف والثاء المثلثة: الجُمّار، كما وقع في رواية النسائي. ويقال: طلعها. وقد أكثر النخل. أي: طلع. ذكره في "الصحاح" (١). وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسولَ اللهِ ﷺ سئل عن الثمر العلق، فقال: "من سرق منه شيئًا بعد أن [يؤويه] (جـ) الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع". وأخرج ابن أبي شيبة، وفي "الموطأ" (٣)، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل". وهو معضل. الحديث فيه دلالة على أنه لا يجب القطع في سرقة الثمر والكثَر،

стр. 3578

وظاهره سواء كان على أصل المنبت له أو قد جدّ. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة، ولذلك قال في الكثر: ولا يقطع بفاكهة رطبة ولو على شجر. وكذا قال في "نهاية المجتهد" (١). وقال أبو حنيفة، لا قطع في الطعام، ولا فيما أصله مباح؛ كالصيد، والحطب، والحشيش. وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب قوله ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثر" انتهى. وقال في "الكنز": ولا يقطع بخشب أو حشيش وقصب وسمك وطير وصيد وزِزنِيخ (٢) ونُورة (٣). قال في "الهداية" (٤): لأن ذلك تافه؛ لأن ما صورته في الأصل غير مرغوب فيه، حقير تقل الرغبات [فيه] (أ)، والطباع لا تضن به -أي تبخل- فقلما يوجد أخذه على كره (ب) من المالك، فلا حاجة إلى شرع الزاجر، ولهذا لم يجب القطع بسرقة ما دون النصاب، ولأن الحرز فيها ناقص، ألا ترى أن الخشب تُلقى على الأبواب، وإنما تدخل الدار للعمارة لا للإحراز، والطر يطير، والصيد يفر. واستثنى الإمام المهدي لأبي حنيفة الساج (٥)

стр. 3579

والآبنوس (١) [والصندل] (أ) والمصوغ (ب) والذهب والفضة. وكذا في "الكنز". وأما الإمام المهدي فقال في "البحر": مسألة؛ الهدوية والحنفية: ولا قطع فيما أخذ من منبته ولو أحرز عليه إلا بعد قطعه. فجعل كلام الحنفية فيما كان معلقًا في أصله، وهذا هو المذكور في حديث عمرو بن شعيب المتقدم. وذهب الجمهور إلى أنه يجب القطع في كل محرز، سواء كان على أصله باقيًا أو قد جذ، كان أصله مباحا؛ كالحشيش أو غيره. قالوا: لعموم الآية الكريمة والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب، وأما حديث: "لا قطع في ثمر". فقال الشافعي: إنه خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، فذلك لعدم الحرز، فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. ١٠٢٧ - وعن أبي أمية المخزومي ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بلص قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : "ما إخالك سرقت". قال: بلى. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع، وجيء به، فقال: "استغفر الله وتب إليه". فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: "اللهم تب عليه". ثلاثا. أخرجه أبو داود واللفظ له، وأحمد والنسائي (٢)، ورجاله ثقات.

стр. 3580

وأخرجه الحاكم (١) من حديث أبي هريرة، فساقه بمعناه وقال فيه: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه". وأخرجه البزار (٢) أيضًا وقال: لا بأس بإسناده. أبو أمية المخزومي لا يعرف له اسم، عداده في أهل الحجاز، روى عنه أبو المنذر مولى أبي ذر له هذا الحديث (٣). قال الخطابي (٤): في إسناده مقال. قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به. قال عبد الحق (٥): أبو المنذر (٦) [المذكور] (أ) في إسناده لم يرو عنه إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٧) من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. ووصله الدارقطني والحاكم والبيهقي (٨) بذكر أبي هريرة، ورجح ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد إرساله، وصحح ابن

стр. 3581

القطان الموصول (١). والحديث فيه دلالة على أنه يشرع للإمام تلقين السارق أن ينكر السرقة، وقد روي أنه ﷺ قال لسارق: "أسرقت؟ قل: لا". قال الرافعي (١): ولم يصححوا هذا الحديث. وكذا قال الغزالي في "الوسيط" (٢): وقوله: "قل: لا". لم تصححه الأئمة. وقال الجويني في "النهاية" (١): سمعت بعض أئمة الحديث لا يصحح هذا اللفظ. وذكر في تعليق الشيخ أبي حامد وغيره أن أبا بكر [قال] (أ) لسارق أقر عنده. وقد رواه البيهقي (٣) موقوفًا على أبي الدرداء، أنه أتىِ بجارية سرقت، فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا. فقالت: لا. فخلى سبيلها. وفي "مصنف عبد الرزاق" (٤) عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمَّى [أبا] (ب) بكر وعمر. وعن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد قال: أتي عمر بن الخطاب برجل فسأله: أسرقت؟ قل: لا. فقال: لا. فتركه (٥).

стр. 3582

وروى ابن أبي شيبة (١) من طريق أبي المتوكل، أن أبا هريرة أتي بسارق -وهو يومئذ أمير- فقال: أسرقت؟ قل: لا. مرتين أو ثلاثًا. وفي "جامع سفيان" عن حماد عن إبراهيم قال: أتي [أبو] (أ) مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملًا، فقال: أسرقت؟ قولي: لا (٢). فهذه الروايات تدل على ثبوت التلقين. واحتج به الإمام المهدي على أنه لا يثبت إلا بالإقرار (ب) مرتين، كما [هو] (جـ) مذهب العترة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق. قال: وذهب الفريقان ومالك أن الإقرار يكفي مرة واحدة؛ لقوله ﷺ : "من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حق الله" (٣). ولم يفصل. قلنا: لا ينافي ما ذكرناه. انتهى كلامه في "البحر". وأنت خبير بأن التلقين الظاهر من الحديث إنما هو لإسقاط الحد لا لإعادة الجواب ليثبت عليه الحد، وأن ذلك لو كان شرطًا لبين، وقد جاء في رواية أنه قال له: "لا إخالك سرقت". ثلاث مرات. ولا قائل بأنه يشترط في الإقرار ثلاث مرات، فما كان ذلك إلا لقصد التلقين، وقد ذكر عدة أحاديث كما في حديث المجن ورداء صفوان، ولم يذكر إعادة لفظ آخر،

стр. 3583

والآية الكريمة تؤيد ذلك. والله سبحانه أعلم. وإذا رجع عن الإقرار إلى غير شبهة يدعيها، فعن مالك روايتان. وظاهر الحديث خلافه، فإن قوله: لا. رجوع عن الإقرار من دون ادعاء شبهة. والله أعلم. وقوله: "ثم احسموه". ظاهر الحديث وجوب الحسم، والمراد به الكي بالنار، أي يكوى محل القطع لينقطع الدم؛ لأن منافذ الدم تنسد به، لأنه ربما استرسل الدم فيؤدي إلى التلف. وفي "البحر" (١): وندب حسم موضع القطع، ويكون بإذن السارق، فإن كره لم يحسم. انتهى. وهو مشكل، لأنه يؤدي إلى تلفه، وهو لا يجاب إلى إتلاف نفسه، والأمر بالقطع والحسم فيه دلالة على أنه يتولى ذلك الإمام، وتكون أجرة القطع من بيت المال، وكذلك قيمة الدهن الذي يحسم به؛ لأن ذلك واجب على غيره. وإن اختار أن يقطع نفسه فوجهان، قال الإمام: أصحهما أنه لا يمكَّن من ذلك، كالمقتص منه، فإنه لا يمكَّن من قتل نفسه، وسائر الحدود كذلك، لأن الله نهى الإنسان عن قتل نفسه، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). ووجهه أنه يمكَّن من قطع نفسه لحصول المقصود من الزجر، بخلاف القصاص، فالمقصود التشفي، وهو لا يحصل بفعل نفسه.

стр. 3584

ومن السنة أن تعلق يد السارق في عنقه، وقد أخرج البيهقي (١) من حديث ابن محيريز قال: قلت لفَضالة بن عبيد: أرأيت تعليق يد السارق في العنق، أمن السنة؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ قطع سارقًا، ثم أمر بيده فعلقت في عنقه. وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه النسائي (٢)، وكذلك مَن رواه عن حجاج، وهو المُقَدَّمي (أ) عمر بن علي (٣). قال المصنف (٤) ﵀: هما مدلسان. وأخرج (٥) أن عليًّا ﵁ قطع سارقًا، فمروا به ويده معلقة في عنقه. ١٠٢٨ - وعن عبد الرحمن بن عوف، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد". رواه النسائي (٦)، وبين أنه منقطع، وقال أبو حاتم (٧): هو منكر. الحديث رواه النسائي من حديث المِسور بن إبراهيم، عن عبد الرحمن

стр. 3585

ابن عوف. والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف، قال النسائي: هو مرسل وليس بثابت. وكذا أخرجه البيهقي (١)، وزاد في إعلاله بأنه اختلف على المفضل بن فَضالة قاضي مصر؛ فرُوي عنه عن يونس بن يزيد الأيلي عن سعد بن إبراهيم عن المسور عن عبد الرحمن، كما في رواية النسائي. وروي عنه عن يونس عن الزهري. عن سعد. ورُوي عنه عن يونس عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور. قال: فإن كان سعد [هذا] (أ) ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فلا يعرف في التواريخ له أخ معروف بالرواية يقال له: المسور. ولا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سجد بن محمد بن المسور بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن، ولا رؤية ولا رواية، فهو منقطع، وإن كان غيره، فلا نعرفه ولا نعرف أخاه، ولا يحل لأحد من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه. انتهى. ولعل النسائي أشار بقوله: وليس بثابت. إلى هذا الذي ذكره البيهقي. والله أعلم. الحديث فيه دلالة على أن العين المسروقة إذا تلفت في يد السارق لم يغرمها بعد أن وجب عليه القطع، سواء أتلفها قبل القطع أم بعده. وقد ذهب إلى هذا الهدوية. ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وهو المشهور. قال في "شرح الكنز": لأن وجوب الضمان ينافي القطع؛ لأنه يتملكه بأداء

стр. 3586

الضمان مستندًا إلى وقت الأخذ فيبرأ به، ورد على ملكه، [فينتفي] (أ) القطع، وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي، ولأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول، فصار القطع بدلًا من الغرم، ولذلك إذا ثنى سرقة (ب) ما قد قطع به لم يقطع. وذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور والليث، ورواه الحسن عن أبي حنيفة وجماعة، إلى أنه يغرم؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد" (١). والحديث لا تقوم [به] (جـ) حجة مع ما سمعت فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). و: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٣). ولأنه اجتمع في السرقة حقان؛ حق لله تعالى وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، ولأنه قام الإجماع بأنه إذا كان موجودًا بعينه أُخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه؛ قياسًا على سائر الأموال الواجبة، واجتماع الحقين بسبب السرقة غير مخالف للأصول، فإن الحكمة فيهما مختلفة؛ فالقطع لحكمة الزجر، والتغريم لتفويت حق الآدمي، كما في الغصب. وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يغرم إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا لم يتبع. وحكى عنه ابن القاسم أنه

стр. 3587

يشترط دوام اليسر (أ) إلى يوم القطع. وهذا استحسان من مالك مبني على غير قياس. كذا قال ابن رشد (١). وقال الإمام المهدي في "البحر": كنفقة (ب) القريب، والجامع كونه مالًا يثبت في الذمة لا بمعاوضة. قال: وما خرج عن يده وتعذر رده فكالتالف، وإن أمكن استرجع كالباقي. قيل: إلا حيث يوجب الاسترجاع ضمانًا. قلت: وهو قوي. انتهى. ووجهه أنه حيث كان يوجب ضمانًا يكون حكمه حكم التضمين للفائت، فهو قياس على ما ورد فيه الحديث. والله أعلم. ١٠٢٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ ، أنه سئل عن الثمر (جـ) المعلق، فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم (٢).

стр. 3588

المراد بالثمر (أ) المعلق ما كان معلقا في النخل قبل أن يجذ ويُجرَّن. كذا قال المنذري. والثمر (ب) اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما. وقوله: "خُبنة". بضم الخاء، وهي معطف الإزار وطرف الثوب، أي لا يخبئ في ثوبه، يقال: أخبن الرجل، إذا خبأ شيئًا في خُبنة ثوبه أو سراويله. وقوله: "الجرين". هو موضع التمر الذي يجفف فيه، مثل البيدر للحنطة. والحديث فيه دلالة على أنه إذا أخذ المحتاج بفيه لسد فاقته، فإن ذلك مباح له، ثم إذا خرج بشيء منه؛ فإن كان قبل أن يجذ فعليه الغرامة والعقوبة، وإن كان بعد أن قطع وأواه الجرين وبلغ نصاب القطع فعليه القطع. وهذا بناء على الأغلب؛ [لأن] (جـ) الجرين يكون محرزًا، وأما إذا كان بغير إحراز فلا قطع فيه. وقد تقدم الكلام في الثمر المعلق. وأما قوله: "فعليه الغرامة والعقوبة". وقد جاءت الغرامة مفسرة في رواية البيهقي (١): "غرامة مثليه"، والعقوبة: "جلدات نكال". والحديث يدل على جواز العقوبة بالمال، فإن "غرامة مثليه" من باب العقوبة، وقد قال به الشافعي في القديم ثم رجع عنه، وقال: لا تضعف (د)

стр. 3589

الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال. وقال: ذلك منسوخ، والناسخ له قضاء النبي ﷺ على أهل الماشية أن ما أفسدته بالليل فهو ضامن على أهلها (١). قال: وإنما يضمنونه بالقيمة. وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الزكاة في حديث بهز (٢). والله أعلم. ١٠٣٠ - وعن صفوان بن أمية ﵁، أن النبي ﷺ قال له لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: "هلا كان قبل أن تأتيني به". أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن الجارود والحاكم (٣). الحديث أخرجوه من طرق؛ منها، عن طاوس عن صفوان، ورجحها ابن عبد البر (٤)، وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن؛ لأنه أدرك زمن عثمان، وقال: أدركت سبعين شيخًا من أصحاب رسول الله ﷺ .وقال البيهقي (٥): روي [عن] (أ) طاوس عن ابن عباس، وليس بصحيح. ورواه مالك عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه، أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداء له من برد، فوضعه تحت رأسه فنام، فأتاه لص فاستله من تحت

стр. 3590

رأسه فأخذه. فذكر الحديث. أخرجه ابن ماجه (١). وله شاهد في "الدارقطني" (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وسنده ضعيف. وأخرج البيهقي (٣) من رواية الشافعي عن مالك، أن صفوان بن أمية قيل له: من لم يهاجر هلك. فقدم صفوان المدينة فنام في المسجد متوسدًا رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه من تحت رأسه، فأخذ السارق فجاء به النبي ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ بقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة. فقال رسول الله ﷺ : "فهلّا قبل أن تأتيني به". وأخرجه (٣) من طريق أخرى عن غير مالك عن طاوس عن النبي ﷺ بمثله. وقد روي من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس موصولًا، وليس بصحيح. وأخرج (٣) عن عطاء بن أبي رباح قال: بينما صفوان بن أمية مضطجع بالبطحاء، إذ (أ) جاء إنسان فأخذ برده من تحت رأسه، فأتى به النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال: إني أعفو عنه وأتجاوز. قال: "فهلَّا قبل أن تأتينا (ب) به". وأخرج (٣) من حديث حميد ابن أخت صفوان عن صفوان قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني. فأخذ الرجل فأتى به النبي

стр. 3591

- ﷺ ، فأمر به ليقطع. قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأُنسئه ثمنها. قال: "ألا كان هذا قبل أن تأتيني به؟ ". هكذا رواه جماعة عن عمرو بن حماد. قال الشافعي: ورداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه، فقطع النبي ﷺ سارق ردائه. الحديث فيه دلالة على أنه يقطع سارق ما كان مالكه حافظا له، وإن لم يكن مغلقا عليه في مكان، فإن الأحاديث الواردة في القصة بعضها بأنه كان نائمًا وهو تحت رأسه في المسجد، وبعضها في البطحاء كما عرفت، وقد ذهب إلى هذا الشافعي والمالكية والحنفية، قال ابن رشد من المالكية (١): وإذا توسد النائم شيئًا، فتوسُّده له حرز، على ما جاء في حديث صفوان. وقال في "الكنز" للحنفية: ومن سرق من المسجد متاعًا وربه عنده قُطع؛ لأنه وإن كان غير محرز بالحائط (أ)، لأن المسجد ما بني لإحراز الأموال -فلم يكن المال محرزا بالمكان. واسترجح هذا الإمام المهدي في "البحر"، ورد على الإمام يحيى القائل، بأنه لا يقطع، بخبر صفوان. وفيه دلالة على أنه لا تجوز الشفاعة بعد الرفع إلى الإمام، وقد تقدم الكلام. وجاء في الرواية التي تقدمت أنه تصدق به على السارق ولم يسقط عنه، ففيه دلالة على أن التملك بعد الرفع لا يسقط القطع. وقد ذهب إلى

стр. 3592

هذا مالك والشافعي؛ لأنه قد رفع، ولا عفو بعد الرفع. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يسقط الحد مطلقًا، سواء كان قبل الرفع أو بعده؛ إذ هو شبهة، وحد السرقة يدرأ بها. ويجاب بالحديث. وأما إذا اتهبه قبل الرفع [أو] (أ) تملكه؛ فذهب العترة وأبو يوسف وابن أبي ليلى وبعض أصحاب الحديث وقول عن الشافعي، أنه يسقط، وذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق إلى أنه لا يسقط؛ لعموم الآية الكريمة، ولحديث صفوان. وقوله: "فهلا كان قبل أن تأتيني به". وهذا اللفظ محتمل لأن يكون المراد: هلا كان التصدق قبل أن تأتيني. يعني: ولا تأتي به؛ لأنه إذا تصدق عليه تركه. ويحتمل أن يكون المراد: هلا كان التصدق قبل أن تأتي به. وأن الإتيان به بعد التصدق لا يضر، فيكون حجة للقول الأول. وأما العفو عن السارق قبل الرفع، فيسقط به إجماعًا. واختلف العلماء في اعتبار الحرز، وأنه شرط في القطع؛ فذهب الظاهرية وطائفة من أهل الحديث، ونسبه الإمام المهدري في "البحر" إلى أحمد وإسحاق والخوارج وزفر، إلى أنه لا يشترط الحرز، وأنه يقطع من سرق النصاب مطلقًا. وحجتهم ظاهر الآية الكريمة، واشتراط النصاب دل عليه الحديث الصحيح، فكان مقيدًا لإطلاق الآية الكريمة، والإطلاق في الحرز باق على إطلاقه. وذهب الجمهور إلى اشتراط الحرز، وأنه لا قطع فيما لم يحرز. قالوا: لقوله ﷺ : "فإذا آواه الجرين". وقوله: "لا قطع في ثمر، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه الجرين والمُراح، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" (١).

стр. 3593

ولأن الإحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجيء مستترًا لأخذ مال غيره من حرز. كذا فسره في "القاموس" (١)، وكذا قال ابن الخطب في "تيسير البيان" أن السرقة أخذ المال على حين خفية من الأعين مع قيام (أ) ملاحِظِها (ب) أو ما يقوم مقامها من الأحراز الموجبة للاستخفاء في العادة، ومنه قولهم: فلان يسارق النظر إلى فلان. إذا راقب غفلته لينظر إليه. فالحرز ركن في السرقة لا تتصور إلا به، لا شرط في وجوب القطع، ولهذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق. انتهى كلامه، وهو كلام حسن، فإنه لا يفترق الحال بين الخائن والمنتهب والمختلص والسارق إلا بالحرز، لا بالأخذ خفية، فإن الأخذ خفية واقع في (جـ) غير المنتهب. وحريسة الجبل؛ قيل: هي السرقة نفسها، تقول: حرس يحرس حرسًا. إذا سرق. وقيل: هي المحروسة. يعني: ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع؛ لأنه ليس بموضع حرز. وحريسة الجبل: الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها. والمرُاح الموضع الذي تأوي إليه الماشية ليلًا. كذا في "جامع الأصول" (٢). واعلم أنه اختلف المشترطون للحرز؛ فقال الشافعي ومالك والإمام

стр. 3594

يحيى: إن لكل مال حرزًا يخصه، فحرز الماشية ليس حرزًا للذهب والفضة. وقال أبو حنيفة والهدوية: ما أحرز فيه مال فهو حرز لغيره؛ إذ الحرز ما وضع لمنع الداخل والخارج ألا يخرج، (أوما أ) ليس كذلك فليس بحرز، لا لغة ولا شرعا، والدار المفتوح بابها لا تكون حرزًا إلا إذا كان فيها حافظ، والباب الخارجي إذا كان فيه إكليل حرز لنفسه ولما داخله، والخيم المطنَّبة مشدودة الأذيال حرز. وتردد المؤيد (ب) في المضروبة في البراري. قال الإمام يحيى [والطحاوي] (جـ): والمساجد والشوارع والخانكات (د) ليست حرزًا ولو ثَمَّ حارس؛ إذ قد يشغل فيذهل عن المتاع وينام عنه. ويرد عليه حديث صفوان. وذهب جماعة من السلف والشافعي ومالك والهادي وأبو يوسف إلى أن النباش سارق يقطع؛ لأنه أخذ المال خفية من حرز له. وقد روي عن علي ﵁: حد النباش حد السارق. وعن عائشة: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا (١). وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: لا يقطع؛ لأنه ليس بحرز، ولا يكون القبر حرزًا لغير الكفن المشروع. وكذا الكعبة والمسجد حرزان لآلاتهما وكسوتهما. ذهب إلى هذا الشافعي والهدوية. وقد تقدم

стр. 3595

في حديث المخزومية أنها سرقت من ثياب الكعبة. وعثمان ﵁ قطع مَن سرق قُبْطيَّة من منبر رسول الله ﷺ (١). ولم ينكر عليه. وهي ثوب من كتان ينسج في مصر. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والإمام يحيى إلى أنه لا قطع. وذهب أبو حنيفة والشافعي والهدوية إلى أنه لا يقطع مَن سرق مِن بيت المال. وقد روي عن عمر أنه لا قطع عليه (٢). ولم يذكر. وذهب مالك وقول للشافعي إلى أنه يقطع. ولا قطع في الخمس والغنيمة إجماعًا وإن لم يكن غانمًا، إذ قد يشارك فيها بالرضخ أو من الخمس. ١٠٣١ - وعن جابر قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: "اقتلوه". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: "اقطعوه". فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: "اقتلوه". فذكر مثله. ثم جيء به الثالثة. فذكر مثله .. ثم جيء به الرابعة كذلك. ثم جيء به الخامسة فقال: "اقتلوه". أخرجه أبو داود والنسائي واستنكره (٣). وأخرج (٤) من حديث الحارث بن حاطب نحوه. وذكر الشافعي (٥) أن

стр. 3596

القتل في الخامسة منسوخ. قال النسائي: حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث (١). وحديث الحارث أخرجه النسائي والحاكم (٢). وأخرج أبو نعيم في "الحلية" (٣) عن عبد الله بن [زيد] (أ) الجهني. وقال ابن عبد البر (٤): حديث القتل منكر لا أصل له. وقد قال الشافعي: هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم. قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن ما حكاه أبو مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له. وجاء في رواية النسائي بعد ذكر قطع قوائمه الأربع: ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر، فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: "اقتلوه". ثم دفعه إلى فتية من قريش فقتلوه. ثم قال النسائي: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا. والحديث فيه دلالة على قتل السارق في الخامسة، وأن قوائمه الأربع تقطع في الأربع المرات. وقد نسب الباجي (٥) هذا القول في "اختلاف

стр. 3597

العلماء" إلى مالك. قال: وله قول آخر أنه لا يقتل. وقال عياض: لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به إلا ما ذكره أبو مصعب صاحب مالك في "مختصره" عن مالك وغيره من أهل المدينة، ونسب ذلك إلى قول رسول الله ﷺ وعمر بن عبد العزيز. انتهى. ونقل المنذري (١) تبعًا لغيره الإجماع أنه لا يقتل. ولعلهم أرادوا أنه استقر على ذلك الإجماع بعد خلاف مالك. وقال بعضهم: كان القتل خاصًّا بذلك الرجل، وكأن النبي ﷺ اطلع على أنه واجب القتل، فلذلك أمر بقتله من أول مرة، ولعله كان من المفسدين في الأرض. والواجب في القطع قطع اليمنى إجماعًا، وقراءة ابن مسعود مبينة: (فاقطعوا أيمانهما) (٢). فإن عاد قطعت الرجل اليسرى عند الأكثر؛ قياسًا على المحارب، ولفعل الصحابة. وعن طاوس: يده اليسرى؛ لقربها من اليمين. ورواية عنه أنه يسقط القطع. فإن عاد في الثالثة؛ فذهب أبو حنيفة والعترة إلى أنه يحبس، وقد روى البيهقي (٣) من حديث علي ﵁، أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في الثالثة: بأي شيء يتمسح؟ وبأي شيء يأكل؟ لا قيل له: تقطع يده اليسرى. ثم قال: أقطع رجله؟! على أي شيء يمشي؟ إني لأستحي من الله. ثم ضربه وخلده في السجن. وأخرج (٤) أن أبا بكر ﵁ أراد أن يقطع رجلًا بعد اليد والرجل، فقال عمر ﵁: السنة اليد. وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يقطع في كل مرة

стр. 3598

طرفًا؛ لما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". أخرجه الدارقطني (١)، وفي إسناده الواقدي (٢). ورواه الشافعي (٣) عن بعض أصحابه عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "السارق إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". ونحوه عن عصمة بن مالك، رواه الطبراني والدارقطني (٤). وإسناده ضعيف. وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (٥) عن ذلك بأن عمل الصحابة بخلافه دليل نسخه، أو أنه عارضه دليلٌ عرفوه. انتهى. ويرد عليه ما أخرجه البيهقي من حديث القاسم بن محمد عن أبيه، أن أبا بكر ﵁ أراد أن يقطع رِجلًا بعد اليد والرجل، فقال عمر ﵁: السنة اليد. وأخرج (٦) عن ابن عباس قال: شهدت عمر قطع يدًا بعد يد ورجل. وقال بعد رواية إنكار عليٍّ علَى عمر لما أراد أن يقطع رجل مقطوع اليد والرجل: فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها؛ إما أن [تعزره] (أ)، أو تستودعه السجن. قال: فاستودعه السجن. الرواية الأولى عن عمر أولى أن تكون صحيحة، وكيف تصح هذه عن عمر وقد أنكر في الرواية الأولى

стр. 3599

قطع الرجل بعد اليد والرجل وأشار باليد؟ فهذان شيخا الإسلام قطعا في كل سرقة، فكيف [يتم] (أ) قوله: عمل الصحابة بخلافه؟ وقوله: أو أنه عارضه دليل عرفوه. مجرد تحسين ظن لا يكفي في الاحتجاج، لا سيما مع وجود الرواية المخالفة. والقطع يكون من مفصل الكف، إذ هو أقل ما يسمى يدًا، ولأن اليد كانت محترمة قبل السرقة، فلما (٥) جاء الأمر بقطع اليد -واليد تطلق على جميعها إلى الإبط، وعلى بعضها إلى المرفق، وعلى بعضها إلى مفصل الكف- فمع الاحتمال يجب الاقتصار على المتيقن (جـ)، ولفعله ﷺ فيما أخرجه الدارقطني (١) من رواية عمرو بن شعيب: أتي [النبي] (أ) ﷺ بسارق، فقطع من مفصل الكف. وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة (٢) من مرسل رجاء بن حيوة، أن النبي ﷺ قطع من المفصل. وأخرجه أبو الشيخ (٣) من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه. وعن جابر رفعه. وأخرج (د) سعيد بن منصور (٤) عن عمر أيضًا. وذهب ابن سريج (هـ) والإمامية ورواية عن علي ﵁، أنه يقطع من أصول الأصابع، إذ هو أقل ما يسمى يدًا.

стр. 3600

ويجاب عنه بأنه لا يسمى يدًا، ولا يقال: مقطوع [اليد] (أ). لا لغة ولا عرفًا، وإنما يقال: مقطوع الأصابع. وذهب الزهري والخوارج إلى أنه يقطع من الإبط، إذ هو اليد الحقيقية. والجواب، أن الكف هو المراد، وبين الآية الحديثُ، وفعل علي وأبي بكر وعمر ولم ينكر، والرواية عن علي روتها الإمامية، فهي غير مقبولة. كذا قال الإمام المهدي. وهو غير مسلم، فإنه أخرج عبد الرزاق (١) عن معمر عن قتادة عن علي، أنه قطع اليد من الأصابع، والرجل من مشط القدم. وهو منقطع، ورجاله رجال الصحيح. ولكنه معارَض بما أخرجه عبد الرزاق (٢) من وجه آخر أن عليًّا كان يقطع الرجل من [الكعب] (ب). وذكر الشافعي في (جـ كتاب الاختلاف عن علي وابن مسعود جـ) (٣)، أن عليًّا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة، ويقول: أستحي من الله أن أتركه بلا عمل. وكذا القدم يقطع من مفصل القدم. وذهبت الإمامية، ورواية عن علي ﵁، أنه من معقِدِ الشِّراكِ (٤)، وهو نصف القدم. وأجيب بأن ذلك لا يسمى رجلًا في اللغة، والمتعارف إنما هو من مفصل القدم، وقياسًا على اليد. والله أعلم.

стр. 3601

باب حد الشارب وبيان المسكر ١٠٣٢ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون. فأمر به عمر. متفق عليه (١). ولمسلم (٢) عن علي في قصة الوليد بن عقبة: جلد النبيُّ ﷺ أربعين، و (أ) أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنة، وهذا أحب إلي. وفي هذا الحديث: أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر، فقال عثمان: إنه لم يتقيأْها حتى شربها. قوله: أُتي برجل قد شرِب الخمرَ. الخمر مصدر (ب) خمر كضرب ونصر، وهي (جـ) مؤنثة وقد تذكر، ويقال أيضًا: خمرة. (د لواحد الخمر، سمى د) به الشَّراب المعتصر من العنب إذا غلا وقذف بالزبد. ويطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو ما أسكر من العصير أو من النبيذ أو غير ذلك، قال

стр. 3602

صاحب القاموس (١): والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا من نبيذ البُسْر والتمر، وسميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره. ومنه خمار المرأة لستره وجهها. والخامر (أ) هو من يكتم شهادته، فيكون بمعنى اسم الفاعل أي الساترة للعقل، وقيل: لأنها تغطى حتى تشتد. ومنه: "خمروا آنيتكم" (٢). أي غطوها. فيكون بمعنى اسم المفعول. وقيل: لأنها تخالط العقل ومنه خامره. إذا خالطه. وقيل: لأنها تترك حتى تدرك. ومنه: اختمر العجين. أي بلغ إدراكه، ومنه: خمرت الرأي. أي تركته حتى ظهر وتحرر، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة؛ وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر (٣): الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه، فبيِّن أن الخمرَ تطلق على عصير العنب المشتد حقيقة إجماعا، وتطلق على غيره، لكن هل حقيقة أم مجازًا؟ ومع كونه مجازًا هل مجاز لغة أو من باب القياس على الخمر الحقيقية عند من يثبت التسمية بالقياس؟ قال الراغب في تفسيره لمفردات القرآن (٤): سمي الخمر لكونه خامرًا للعقل أي ساترًا له، وهو عند بعض الناس اسمٌ لكلِّ مسكر، وعند بعضهم للمُتَّخَذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير

стр. 3603

المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا. وكذا قال أبو نصر بن (أ) القشيري في تفسيره (١): سميت الخمر خمرا لسترها العقل، [أو] (ب) لاختمارها (جـ). وكذا قال غير واحد من أهل اللغة؛ منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر خمرًا لأنها تركت حتى خمرت، واختمارها تغير رائحتها. ويقال: سميت بذلك لمخامرتها العقل. وجزم ابن سيدة في "المحكم" (٢) بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب وغيرها من المسكرات يسمى خمرًا مجازا. وقال صاحب "الهداية" (٣)، من الحنفية: الخمر عندنا ما اعْتُصر من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر، لقوله ﷺ : "كل مُسكرٍ خمر (د) " (٤). وقوله: "الخمر من هاتين الشجرتين" (٥). ولأنه مخامر للعقل، وذلك موجود في كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعماله فيه. وقال الخطابي (٦): زعم قوم أنَّ العربَ لا تعرف الخمر إلا من العنب؛ فيقال لهم:

стр. 3604

إن الصحابةَ الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا عربٌ فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر (١): قال الكوفيون: الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢). قال: فدَلَّ على أن الخمرَ هو ما يعتصر لا ما ينتبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر. وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم: كل مُسكرٍ خمر، وحُكْمُه حكم ما اتخذ من العنب. وقال القرطبي (٣): الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالفٌ لِلُغةِ العرب وللسُّنةِ الصحيحة وللصحابة؛ لأنهم لمَّا نزَل تحريمُ الخمرِ، فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريمَ كل ما يُسْكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما، وحرموا ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصِلوا ويتحققوا التحريمَ، ثم خطبة عمر على منبر رسول الله ﷺ : ألَا إن الخمرَ قد حرمت، وهي من خمسة؛ من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (٤). وعمر من أهل اللغةِ، وإن كان يحتمل أنه أرد أن هذا هو الذي تعلق به التحريم لا أنه المسمى في اللغة؛ لأنه بصددِ بيان الأحكام الشرعية، ولعل ذلك صار اسمًا شرعيًّا لهذا النوع فتكون حقيقة شرعية،

стр. 3605

وإن كان مجازًا لغويًّا، وقال ابن المنذر: القائل بأن الخمر من العنب ومن غيره عمرُ وعلي وسعد (١) وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، ومن التابعين ابن المسيب (أ [وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك] أ) والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، ويمكن التأويل بما ذكرنا أن المراد الحقيقة الشرعية، [وقد روى] (ب) الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (٢) "كل مسكر خمر، وكل مُسْكر حرام". وروى أبو داود: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". وأخرج أحمد وأبو يعلى (٣): "ألا فكل مسكر خمر، وكل (جـ) حرام". وفي الصحيحين (٤) أنه ﷺ سئل عن البتع -أي نبيذ العسل- فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام". قال الخطابي: إن الآيةَ لما نزلت في تحريم الخمر، وكان مسماها مجهولًا للمخاطبين، بيّن أن مسماها هو ما أسكر، فيكون مثل لفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من الحقائق

стр. 3606

الشرعية. هذا معنى كلامه، وهو بناء على أن مسمى الخمر في اللغة هو ماء العنب وحده، ثم قال: لا يأتينا أن الشارع ليس مقصوده تعليم اللغات بل تعليم الأحكام. ثمَّ قال: ووجه آخر وهو أن المراد بكون هذه المذكورات خمرًا أي أنها كالخمر في التحريم، فلا نقل للفظ الخمر عن معناه اللغوي، وقد حصل المقصود من تحريم ما أسكر من ماء العنب أو غيره؛ إما بنقل اللفظ إلى الحقيقة الشرعية أو (أبالتشبيه والإلحاق أ) الشرعي. قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين. فيه دلالة على أن الحد يكون بالجريد، والجريد هو سعف النخلة، وقد اختلف العلماء في أنه هل يتعين الجلد بالجريد أم (ب) لا؟ على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية (١)؛ أصحها: يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيْدِي والنِّعال [والثياب] (جـ). ثانيها: يتعين الجلد. ثالثها: يتعين الضرب. وحجة الراجح أنه فعل في عهد النبي ﷺ ولم يَثْبُتْ نسخه، والجلد في عهد الصحابة، فدل على جوازه، وحجة الآخر ما قاله الشافعي في "الأم": لو أقام عليه الحد بالسوط فمات، وجبت الدية. فسوى بينه وبين ما إذا زاد، فدل على أن الأصل الضرب بغير السوط، وصرح أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط، وصرح القاضي حسين بتعيين السوط، واحتج بأنه إجماع الصحابة، ونقل عن النص في القضاء -يعني عن نص الشافعي في باب

стр. 3607

القضاء- ما يوافقه، وينظر على دعوى إجماع الصحابة بما قال النووي في شرح مسلم (١): أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب. ثم قال: والأصح جوازه بالسوط، وشذ من قال: هو شرط، وهو غلط منابذ للأحاديث الصحيحة. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وتوسط بعض المتأخرين؛ فعين السوط للمتمردين وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متجه. وهذا اللفظ هو رواية شعبة عن قتادة، وأخرج النسائي (٣) من طريق يزيد بن هارون عن شعبة: فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ: فأمر قريبًا من عشرين رجلا فجلده (أ) كل واحدٍ (٤) جلدتين بالجريد والنعال. أخرجه أحمد والبيهقي (٥)، وهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة، وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا (ب) أنه جلده بجريدتين أربعين، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: جلد بالجريد والنعال أربعين. علقه أبو داود بسند صحيح، ووصله البيهقي (٦). وقوله: فلما كان عمر استشار ... إلخ. في رواية مسلم: فلما كان

стр. 3608

عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال. ما ترون؟ وأخرج مالك في "الموطأ" (١) عن ثور بن زيد أن عمر استشار في الخمر، فقال له علي بن أبي طالب: نرى (أ) أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا معضل، وقد وصله النسائي والطحاوي (٢) عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ إن الشرَّاب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال والعصا حتى توفى، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدًّا. فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي ﷺ ، فجلدهم أربعين حتى توفى، ثم كان عمر فجلدهم كذلك، حتى أتى برجل فذكر قصته وأنه تأوَّل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. وأن ابن عباس ناظره في ذلك، واحتج ببقية الآية، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣). والذي يرتكب ما حرمه الله، ليس بمتقي. فقال عمر: ما ترون؟ فقال علي: فذكره. وزاد بعد قوله: وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فأمر به عمر فجلده ثمانين. ولهذا الأثر عن عليٍّ طُرقٌ؛ منها: ما أخرجه [الطبراني] (ب) والطحاوي والبيهقي (٤) وفيه

стр. 3609

أن رجلا من بني كلب، يقال له: ابن وبرة. أخبره أن خالد بن الوليد بعثه إلى عمر، وقال: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة. فقال عمر ﵁ لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد، فقال علي ... فذكر مثل رواية ثور الموصولة. وأخرج عبد الرزاق (١) عن عكرمة، أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى. الحديث. ومنها: ما أخرج ابن أبي شيبة (٢) في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وتأولوا الآية المذكورة، فاستشار عمر فيهم، فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين وإلا ضربت أعناقهم، لأنهم استحلوا (أ) ما حرم الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين. وأخرج أبو داود والنسائي (٣)، أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن الناس قد انهمكوا في الشراب، وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم، واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال علي. فذكر مثله. وأخرج عبد الرزاق (٤) عن ابن جريج، ومعمر عن ابن شهاب قال:

стр. 3610

فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطًا، وفرض فيها (أ) عمر ثمانين. قال [الطحاوي (١)] (ب) جاءت الأخبار متواترة عن علي أن النبي ﷺ لم يسن في الخمر شيئًا، وجاء في حديث عقبة بن الحارث وعبد الرحمن بن أزهر، أنه أُتِيَ النبيُّ ﷺ برجل شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه. فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالجريد، ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابًا فرمى به في وجهه. إلا إنه متعقب بما أخرجه مسلم (٢)، أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده، فجلده فلما بلغ أربعين، قال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إليَّ. فإن فيه الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا رواية: نحو الأربعين. ولكنه يجاب بأن ذلك لا يخالف. قوله: لم يسن. لأن المراد بالسنة هو الطريقة التي استمرت، وضرْب أربعين مرة واحدة، لا يلزم أن تكون سُنة حيث لم يحافظ عليها كما في الروايات الأخر التي لم يذكر فيها عدد، ورواية: نحو الأربعين. إنما هي للتقريب لا للتحقيق، وتضعيف الطحاوي لحديث مسلم بأن في رواته (جـ)
следующие страницы →