حديث أبي داود (١) عن عكرمة: فقلت له: ما المترجلات من النساء؟ قال: المتشبهات بالرجال. قال ابن التين (٢): المرأد باللعن في هذا الحديث: من تشبه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق، فإن لهذين المصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك. قال: وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت (أ)؛ لئلا يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر.
١٠١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا". أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف (٣).
وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو ضعيف أيضًا (٤).
ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ: ادرءوا الحدود بالشبهات (٥).
تمام حديث عائشة: "فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن
стр. 3537
يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي وهو ضعيف (١)، قد قال فيه البخاري: منكر الحديث (٢). وقال النسائي: متروك الحديث (٣). ورواه وكيع عنه موقوفًا (٤)، وهو أصح، قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك (٥). وقال البيهقي في "السنن": رواية الوقف أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري، ورشدين ضعيف أيضًا، ورويناه عن علي مرفوعًا: "ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود". وفيه المختار بن نافع (٦)، وهو منكر الحديث، قاله البخاري؛ قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن [أبي] (أ) وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضًا موقوفًا، وروي منقطعًا وموقوفًا على عمر (٧). قال المصنف رحمه الله تعالى: ورواه [أبو] (ب) محمد بن حزم في كتاب
стр. 3538
"الإيصال" من حديث عمر موقوفًا عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة (١) من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات. وفي "مسند أبي حنيفة" للحارثي (٢) من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشبهات". مرفوعًا.
الحديث فيه دلالة على أنه يدرأ الحد إذا ادعى من لزمه شبهة يجوز وقوعها؛ وذلك إذا ادعى الإكراه، أو أن المرأة أتيت وهي نائمة، أو نحو ذلك، ولا يحتاج إلى إقامة شهادة على (أ) تلك الشبهة التي ادعاها. والله أعلم.
١٠١٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتتبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ". رواه الحاكم، وهو في "الموطأ" من مراسيل زيد بن أسلم (٣).
الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قام بعد رجم الأسلمي، فقال: "اجتنبوا" الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): ورويناه في "جزء هلال الحفار" عن حسين بن يحيى القطان عن
стр. 3539
[حفص بن عمرو الربالي] (أ) عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري به إلى قوله: "فليستتر بستر الله". وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في "العلل" وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسندًا ومرسلًا، والمرسل أشبه. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط. الحديث، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات". فذكره، وفي اخره: "نقم عليه كتاب الله". ورواه الشافعي (١) عن مالك، قال: وهو منقطع. وقال ابن عبد البر (٢): لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. ومراده بذلك من حديث مالك، وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أن إمام الحرمين في "النهاية" قال: إنه صحيح متفق على صحته. قال ابن الصلاح: وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم. انتهى. ولكنه ورد على ابن الصلاح بأن الحاكم ذكر أنه على شرطهما، فلعل إمام الحرمين أراد بالاتفاق على صحته أنه على شرط الصحة. والله أعلم.
قوله: "اجتنبوا هذه القاذورات". الأمر للوجوب؛ فإن القاذورة المراد بها الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه مما يجب عليه
стр. 3540
حد كالزنى وشرب الخمر. والحديث يدل على أنه يجب على من فعل معصية أن يستتر بستر الله تعالى، ولا يفضح نفسه بالإقرار بذلك الفعل، ويبادر إلى التوبة، وان أخبر أحدًا بذلك ندب له أن يأمره بالتوبة، ويستره عن الناس، كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، فإنهما أمراه بالستر والتوبة (١). وقولة ﷺ لهزال: "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" (٢). وذكر الثوب مبالغة؛ أي. لو لم تجد السبيل إلى ستره [إلا] (أ) بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت عليه به من الإظهار.
وقوله: "بيد لنا صفحته". أي يظهر لنا حقيقة أمره، استعار الصفحة التي هي جانب الوجه للأمر المظهر؛ لإظهارها عند الإقرار بالشيء والمواجهة بالخطاب.
وقوله: "نقم عليه كتاب الله". أي الحد الذي وجب بكتاب الله تعالى، وفيه دلالة على أنه إذا ظهر عند الإمام أو الحاكم ما يوجب الحد باستكمال شروطه وجب إقامته وحرم العفو، وهو في معنى قوله: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". ترجم له أبو داود (٣): العفو عن الحد ما لم بيلغ السلطان. وصححه الحاكم (٤)، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح.
стр. 3541
باب حد القذف
القذف في اللغة بمعنى الرمي بالشيء، يقال: قذفه بالحجر. أي رماه به، ومنه قوله تعالى: ﴿بَل نَقذِفُ بِالحقِ عَلَى الباطِل﴾ (١). وفي الشرع: الرمي بوطء يوجب الحد على المقذوف.
١٠١٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا الحد. أخرجه أحمد والأربعة وأشار إليه البخاري (٢).
قولها: عذري. أي البراءة لها مما نسب إليها أهل الإفك، والمراد بالقرآن الذي تلاه هو ما أنزل في (أ) التبرئة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَ الَذِينَ جَاءُو بالإفكِ﴾. إلى قوله: ﴿وَرِزقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣) ثماني عشرة آية. كذا رواه ابن أبي حاتم والحاكم في "الإكليل" من مرسل سعيد بن جبير (٤)، وفي البخاري (٥):
стр. 3542
العشر الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وفي رواية عطاء الخراساني عن الزهريّ: إلى قوله: ﴿وَاللَّهَ غفور رَحِيمٌ﴾ (١). وعدد الآيات إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية، فلعل قول عائشة: عشر آيات. مجاز بطريق إلغاء الكسر. وفي رواية الحكم بن عتيبة (أ) مرسلًا عند الطبراني: فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النور حتى بلغ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ (٢). وهذا فيه تجوز، وعدة الآي إلى هذا الموضع ست عشرة. وعند أبي داود (٣) من طريق حميد الأعرج عن الزهريّ [عن عروة] (ب) عن عائشة: جلس رسول الله ﷺ وكشف الثوب عن وجهه ثم قال: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. وفي رواية ابن إسحاق (٤): ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم. ويجمع بين الروايتين بأنه قرأ ذلك عند (جـ) عائشة، ثم خرج فقرأها على الناس.
وقوله: أمر برجلين وامرأة. الرجلان هما حسان ومسطح، والمرأة حمنة بنت جحش، وظاهر هذا أن عبد الله بن أبي لم يقم عليه الحد، وكذا في
стр. 3543
حديث أبي هريرة عند [البزار] (أ) (١)، وبنى على ذلك ابن القيم (٢)، وهو وجه قول من قال: إن للإمام إسقاط الحد وتأخيره لمصلحة. وأخرج الحاكم (٣) في "الإكليل" عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أنه من جملة من حده. ويفهم من البخاري في آخر رواية هشام بن عروة حيث قال (٤): وكان الذي تكلم به مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي. وصحح الماوردي أن النبي ﷺ لم يحدهم، واستند إلى أن الحد إنما يثبت ببينة أو إقرار، وورد عليه بأنه قد ثبت ما يوجبه بنص القرآن الكريم، وحد القذف يثبت بعدم ثبوت ما قذفوا به، ولا يحتاج في إثباته إلى بينة، والذي ذكر إنما هو في حد الزنى والسرقة والشرب. والله أعلم.
١٠١٨ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أول لعان كان في الإسلام، أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له رسول الله ﷺ .: "البينة وإلا فحد في ظهرك"الحديث. أخرجه أبو يعلى، ورجاله ثقات (٥)، و (ب) في البخاري نحوه من حديث ابن عباس ﵁ (٦).
стр. 3544
حديث أنس أخرجه أبو يعلى، وأخرجه مسلم (١) أيضًا من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس، وأخرجه البخاري من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس، وقد أعل هذا الحديث باختلاف الطريقين عن هشام، والجمع ممكن بأن لهشام شيخين؛ أحدهما محمد بن سيرين، والآخر عكرمة، فروي الحديث من الطريقين، وأخرج البخاري إحداهما، ومسلم الأخرى.
وقوله: أول لعان. قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان؛ ففي رواية ابن عباس وأنس أنها في قصة هلال، وفي حديث سهل -أخرجه البخاري أيضًا- أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني؛ لقوله ﷺ : "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" (٢). ومن العلماء من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، وصادف مجيء عويمر أيضًا، فكانت في شأنهما معًا، وقد جنح النووي (أ) إلى هذا (٣)، وسبقه الخطيب (٤) وقال: لعله اتفق كونهما معًا في وقت واحد، مع أنه روى البزار (٥)
стр. 3545
من طريق زيد بن [يُثيع] (أ) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ ". قال: كنت فاعلًا به (ب) شرًّا. قال: "فأنت يا عمر؟ ". قال: كنت أقول: لعن الله الأبعد. قال: فنزلت. وأجاب ابن الصباغ في "الشامل" (١) بأن الآية نزلت في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك". فمعناه [ما] (جـ) نزل في قصة هلال. وجوز القرطبي (٢) أن تكون الآية نزلت مرتين، والجمع بين الروايات وحملها على الوجه الممكن أولى، وقد أنكر أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب بن أبي صفرة ذكر هلال بن أمية، قال: وهو خطأ، والصحيح أنه عويمر. وقال ابن العربي (٣): قال الناس: هو وهم من هشام بن حسان ولم يقله غيره، وإنما القصة لعويمر العجلاني. وقال النووي في "البهمات": اختلفوا في الملاعن علي ثلاثة أقوال؛ عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي. ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، وقد تعقب على هذا بأن التخطئة خطأ، فإن حديث هلال ثابت في "الصحيحين"، ولم يتفرد به هشام بن حسان، بل وافقه عباد بن
стр. 3546
منصور (١)، وكذا جرير بن حازم عن أيوب أخرجه الطبري (أ) وابن مردويه موصولًا (٢)، قال: لما قذف هلال بن أمية امرأته. وترجيح الواحدي مرجوح؛ لأن الجمع الممكن أولى من (ب) الترجيح. وقوله: وعاصم بن عدي. فيه نظر؛ لأن عاصمًا إنما أتى إليه عويمر، وذكر له أن يسأل له النبي ﷺ ، فلم يكن ملاعنًا.
والحديث فيه دلالة على أن الزوج إذا عجز عن البينة وجب عليه الحد، ولكنه نسخ وجوب الحد بالملاعنة، ويكون هذا من نسخ السنة بالقرآن. والله أعلم.
وإن كانت الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٣). سابقة على آية اللعان، كانت هذه الآية إما ناسخة على فرض تراخي النزول عند من (جـ يشترطه لقذف جـ) الزوج، أو مخصصة إذا لم يتراخ النزول؛ لعموم: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. أو تكون هذه الآية قرينة على أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. عموم أريد به الخصوص،
стр. 3547
وهو من عدا القاذف لزوجته مجازًا، من استعمال العام في الخاص بخصوصه.
١٠١٩ - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين. رواه مالك والثوري في "جامعه" (١).
هو أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي (٢)؛ بفتح الياء تحتها نقطتان وسكون الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة وقد تفتح وبالباء الموحدة، القارئ الشامي، كان عالمًا ثقة حافظًا فيما رواه، من التابعين في الطقة الثانية، أحد القراء السبعة، روى عن واثلة بن الأسقع ومعاوية ولقيهما، وقرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان، ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة في أولها، ومات يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة ومائة بدمشق، وله سبع وتسعون سنة، وتولى القضاء [زمن] (أ) الوليد بن عبد الملك.
والحديث فيه دلالة على أن الحد هنا ينصف على المملوك، كما في
стр. 3548
حد (أ) الزنى، وقد ذهب إلى هذا الخلفاء الأربعة، وعليه جمهور فقهاء الأمصار، وذلك للقياس على حد الزنى، فيكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الآية (١). وذهب ابن مسعود (٢) وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأبو ثور والظاهرية إلى أنه لا ينصف، قالوا: لعموم الآية الكريمة. والجواب ما عرفت.
١٠٢٠ - وعن أبي هرورة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال". مفق عليه (٣).
الحديث فيه دلالة على أن السيد إذا قذف عبده لا يقام عليه الحد؛ لأنه لو وجب عليه الحد [في الدنيا] (ب) لذكره كما ذكر الحد يوم القيامة، بل ولأنه لو حُدَّ في الدنيا لم يجب عليه الحد يوم القيامة، كما قد جاء في هذا أن الحد كفارة لمن أقيم عليه. وأما إذا قذف المملوك غير مالكه، فأجمع العلماء على أنه لا يجب الحد، ومستند الإجماع القياس على تنصيف الحد لو وجب عليه، فلم يساو الحر، فكذلك لا يساوي الحر في أنه يحد قاذفه لنقصان مرتبته، فلم يجب حد على قاذفه، إلا أم الولد، فإن في قذفها
стр. 3549
خلافًا؛ فذهبت الهدوية والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا حد على قاذفها؛ لأنها مملوكة قبل موت السيد، وقال مالك وجماعة ومنهم الحسن البصري وأهل الظاهر: إنه يجب الحد. وأخرج عبد الرزاق (١) عن معمر عن أيوب عن نافع، أنه سأل ابن عمر عن قذف أم الولد، فقال: يضرب الحد صاغرًا. وهذا سند صحيح، وذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى أنه إن كان معها ولد حد قاذفها، وإلا لم يحد.
стр. 3550
باب حد السرقة
١٠٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". متفق عليه (١) واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا". وفي رواية لأحمد (٢): "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك".
الحديث فيه دلالة على أنه يعتبر في الشيء المسروق أن يبلغ هذا القدر وهو ربع دينار فأكثر من ذلك؛ لأن معنى قوله: "فصاعدًا". أي فزائدًا على ذلك، وهو منصوب على الحالية، ويستعمل بالفاء وبثم، ولا يستعمل بالواو، قال ابن جني (٣): هو حال مؤكدة؛ لأن معناه: ولو زاد. وإذا زاد لم يكن إلا صاعدًا. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: "فما فوقه". بدل قوله: "صاعدًا".
واشتراط النصاب هو قول الجمهور، والخلاف في ذلك للحسن
стр. 3551
البصري والخوارج والظاهرية، فقالوا: يقطع في القليل والكثير. وقال به أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية (٢). وربما احتجوا بما أخرجه البخاري (٣) من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". والجواب عليهم (أ): أن الآية الكريمة مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها، وأما البيضة فليس المقصود أنه يقطع بسرق البيضة والحبل، وإنما المراد تحقير شأن السارق وخسارة ما ربحه من السرقة؛ وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك خلقًا له، جرأه على سرقة ما هو أكثر؛ الذي يبلغ قدر ما يقطع به، فليحذر هذا القليل قبل أن تملكه العادة، فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك. ذكر معنى هذا التأويل [الخطابي] (ب) (٤) وسبقه إليه ابن قتيبة (٥)، ونظير هذا قوله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة" (٦). وقوله:
стр. 3552
"تصدَّقي ولو بظلف محرق" (١). ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يصح تسبيله (٢)، ولا الصدقة بالظلف [المحرق] (أ)؛ لعدم الانتفاع بهما فيما قصدوا، إنما المراد المبالغة في الترغيب، وأن القاصد لتسبيل المسجد يصل إلى الخير الذي ينتفع به، وأما تأويل الأعمش للحديث بأن المراد بالبيضة بيضة الحديد، والحبل حبل السفن، فغير مناسب؛ لأنهما ليسا علما لكثرة المسروق ولا لقلته، فلا يناسب المقام من تقبيح حال (ب) السارق ودناءة همته وخسران صفقته، وبعضهم صحيح تأويل الأعمش بما أخرجه ابن أبي شيبة (٣) عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁، أنه قطع يد سارق في بيضة حديد، ثمنها ربع دينار. ورجاله ثقات مع انقطاعه، فيبطل حينئذ احتجاج المحتج به، إذا كان هذا الحديث واردًا في سياق هذه القصة. والقائلون بأن الموجب للقطع هو نصاب معروف اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، انتهت الأقوال إلى عشرين قولًا، والمشهور المستند إلى أدلة ثابتة هو قولان؛ أحدهما: قول فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم.
والثاني: قول فقهاء العراق وأكثر أهل البيت.
стр. 3553
أما فقهاء الحجاز فإنهم أوجبوا القطع في ثلاثة دراهم من الفضة، وربع دينار من الذهب، واختلفوا فيما يقوَّم به غير الذهب والفضة؛ فقال مالك في المشهور: يقوَّم بالدراهم لا بربع دينار؛ يعني إذا اختلف صرفهما، مثل أن يكون ربع الدينار صرف درهمين مثلًا. وقال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها. قال الخطابي (١): ولذلك إن الصكاك القديمة كان يكتب فيها: عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل. فعرفت الدراهم بالدنانير وحصرت بها، حتى قال الشافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع الدينار لم توجب القطع. ويحتج له بما أخرجه ابن المنذر من طريق عمرة (٢): أتي عثمان بسارق سرق أترجة، قوِّمت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر، فقطع. ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه، أن عليّا ﵁ قطع في ربع دينار (أ) كانت قيمته درهمين ونصفًا (٣). وقال مالك: يقوَّم بالدراهم لا بربع الدينار. وكل واحد منهما إذا سرق معتبر في نفسه لا يقوَّم بالآخر. وذكر بعض البغداديين عنه أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبًا في نقود أهل البلد (٤). قال ابن رشد من المالكية: وأظن أن في المذهب من يقول: إن ربع الدينار يقوَّم بالثلاثة دراهم. وقال يقول الشافعي في التقويم أبو ثور والأوزاعي وداود، وقال يقول مالك
стр. 3554
في التقويم بالدراهم أحمد.
وأما فقهاء العراق فالنصاب الموجب للقطع عندهم هو عشرة دراهم، ولا يجب في أقل من ذلك.
فعمدة القول الأول حديث عائشة ﵂، وهو مبين لإطلاق الآية الكريمة، وهو حديث ثابت في "الصحيحين"، وإن رواه مالك موقوفًا فقد أسنده غيره.
وعمدة القول الثاني ما أخرجه مالك (١) عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع في مجن (٢) قيمته ثلاثة دراهم. وأخرجاه في "الصحيحين" (٣)، وأخرجه البيهقي (٤) من طرق متعددة بهذا اللفظ، قالوا: فقد ثبت أنه قطع في المجن، ولكن [قيمته] (أ) ليس كما في هذه الرواية: ثلاثة دراهم. بل قيمته عشرة دراهم، فأخرج البيهقي والطحاوي (٥) من حديث محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ يقوَّم عشرة دراهم. وروي محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن (ب) المجن على
стр. 3555
عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم (١). فهذه الرواية معارضة للرواية الأولى أن قيمته ثلاثة دراهم، وإذا كان هذا الاختلاف فيما بين الصحابة في قيمة المجن، فالواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم قطعه إلا بحقه، فيجب الأخذ بالمتيقن وهو الأكثر، وبمثل هذا قال ابن العربي المالكي (٢) حيث قال: ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث على أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم؛ وذلك أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أجمع عليه، والعشرة متفق على القطع بها عند الجميع، فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك. وهذا كلام حسن، وقد أجيب عن حديث ابن عباس بأن محمد بن إسحاق قد خالفه الحكم بن [عتيبة] (أ)؛ فرواه عن عطاء ومجاهد عن أيمن الحبشي قال: كان يقال: لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن وأكثر. قال: وكان ثمن المجن يومئذ دينارًا (٣). قال البخاري (٤): تابعه شيبان عن منصور، وأيمن الحبشي من أهل مكة مولى ابن أبي (ب) عمرة (جـ) المكي، سمع عائشة، [روى] (د) عنه ابنه عبد الواحد بن أيمن. قال
стр. 3556
البيهقي (١): وروايته عن النبي ﷺ منقطعة. وكذا حديث ابن عمر [أخرجاه] (أ) في "الصحيحين": أن قيمته ثلاثة دراهم. وأخرج البيهقي (٢) من حديث عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع السارق فيما دون ثمن المجن". فقيل لعائشة رضي لله عنها: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. قال الشافعي رحمه الله تعالى (٣): وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم؛ وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ﷺ اثنا عشر درهمًا، وكان كذلك بعده، وفرض عمر الدية على أهل الورق اثنى عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وأخرج (٤) أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان فقوِّمت ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا دينار، فقطع يده. قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها [الناس] (ب). وأخرج (٥) عن علي من حديث جعفر عن أبيه عن علي: القطع في ربع دينار فصاعدًا. ومن حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، أنه قطع يد سارق في بيضة من حديد؛ ثمن ربع دينار (٦).
إذا عرفت هذا، فقد ظهر صحة الاحتجاج بحديث الباب، وما اعتل به
стр. 3557
الطحاوي في إعلاله، بأن الزهريّ اضطرب فيه لاختلاف الرواة عنه، فإن ابن عيينة رواه بلفظ: كان يقطع. وهذا كان كان هذا اللفظ ظاهرا في الإخبار عن زمن النبي ﷺ ، إلا أن التقويم لما وقع لأجله القطع من عندها، فقولها: في ربع دينار. أي بما غلب في ظنها تقويمه به، ويحتمل أن تكون قيمته أكثر في نفس الأمر، وهذا غير وارد، فإن من البعيد أن تجزم بالأمر بالنظر إلى ظنها، ثم التقويم لا يتفاوت في العادة مثل هذا التفاوت، بأن يكون مقومه له بربع دينار، وهو يسوى عند غيرها دينارًا [أو] (أ) يقل منه قليلًا، وجل الرواة عن الزهريّ رووه بلفظ النبي ﷺ ، ومثل هذا لا يكون اضطرابًا مع إمكان الترجيح، مع أن ابن عيينة قد رواه مثل رواية الأكثر من لفظ النبي ﷺ ، وخالف في بعض رواياته، فيكون الاضطراب في روايته، فلا تكون قادحة في رواية غيره، ولا يسلم ترجيح روايته في الزهريّ كما ادعاه الطحاوي؛ فإن يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصري رجحا يونس عليه، مع أنه يجوز أن تكون عائشة أخبرت يقول النبي ﷺ وبفعله، فنقل عنها الروايتان، ولا مخالفة بينهما، مع أن حديث ابن إسحاق في تقويم المجن بعشرة دراهم رواه الطحاوي بلفظ: كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم. وفيه الاحتمال الذي أورده في حديث عائشة، وفي إسناده اضطراب كثير، وفي لفظ الطحاوي من رواية أيمن ابن أم أيمن: لا يقطع السارق إلا في حجفة (١). وقومت يومئذ على عهد رسول الله ﷺ
стр. 3558
دينارًا أو عشرة دراهم. وفي لفظ له: أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن، وكان يقوم يومئذ بدينار. وجمع المذاهب في المسألة العشرين:
الأول: القطع في كل قليل وكثير، تافه أو غير تافه. وهو قول أهل الظاهر والخوارج والحسن البصري [وأبي] (أ) عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وإن كان الإمام المهدي ذكر في "البحر" (١) أنه قام الإجماع على أنه لا يقطع في اليسير كالبصلة، ولعله يحمل قولهم في التافه، هو ما كان له قيمة في نفسه.
ومقابل هذا القول القول الثاني: أنه لا يجب القطع إلا في أربعين درهمًا أو أربعة دنانير. نقله القاضي عياض (٢) عن إبراهيم النخعي.
الثالث: مثل الأول (ب إلا الشيء التافه ب)؛ لحديث عروة: لم يكن القطع في الشيء التافه (٣). وروي عن ابن الزبير، أنه قطع في نعلين (٤). وعثمان في فخارة (٢). وعمر بن عبد العزيز في مد أو مدين (٢).
الرابع: تقطع في درهم فصاعدًا. وهو قول عثمان البتي (٢) -بفتح
стр. 3559
الموحدة وتشديد التاء المثناة- من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة، ونسبه القرطبي إلى عثمان ظنًّا أنه الخليفة، فأطلق.
الخامس: في درهمين. وهو قول الحسن البصري، جزم به ابن المنذر عنه (١).
السادس: فيما زاد على درهمين ولم يبلغ الثلاثة. أخرجه أبن أبي شيبة (٢) بسند قوي عن أنس: أن أبا بكر قطع في شيء ما يساوي درهمين.
وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم.
السابع: في ثلاثة دراهم، ويقوَّم ما عداها بها ولو كان ذهبًا. وهو رواية عن أحمد، وحكاه الخطابي عن مالك (٣).
الثامن: مثله، لكن إذا كان المسروق ذهبًا فنصابه ربع دينار، وإن كان فضة فنصابه ثلاثة دراهم، وإن كان غيرهما؛ فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وإن لم تبلغ لم يقطع ولو كان نصف دينار. وهو قول لمالك المعروف عند أتباعه، وهو رواية عن أحمد، ويحتج له بما أخرجه أحمد (١) من تأويل عمرة لحديث عائشة: اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في أدنى من ذلك. قالت: وكان ربع الدينار قيمته ثلاثة دراهم. ويجاب عنه بأن المرفوع نص فلا يرجع إلى الموقوف.
التاسع: مثله، إلا أنه إذا كان المسروق من غيرهما فما بلغ قيمة
стр. 3560
أحدهما [قُطع به] (أ). وهذا هو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق (١).
العاشر: مثله، لكن لا يكتفي بأحدهما إلا إذا كانا غالبين، فإن كان أحدهما غالبًا فهو المعول عليه. وهو قول جماعة من المالكية، وهذا هو الحادي عشر.
الثاني عشر: ربع دينار أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض. وهو مذهب الشافعي كما تقدم تقريره، وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث، ورواية عن إسحاق وعن داود، ونقله الخطابي (٢) وغيره عن عمر وعثمان وعلي، وقد أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع (٣).
الثالث عشر: أربعة دراهم. نقله عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن أبي هرورة وأبي سعيد (٣).
الرابع عشر: ثلث دينار. حكاه ابن المنذر عن أبي جعفر الباقر (٣).
الخامس عشر: خمسة دراهم. وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة، ونقل عن الحسن البصري (٤)، وعن [سليمان بن] (ب) يسار
стр. 3561
أخرجه النسائي (١)، وجاء عن عمر: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أخرجه ابن المنذر (٢) من طريق منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عنه، وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن أبي هريرة وأبي سعيد مثله، ونقله أبو زيد الدبوسي عن مالك وشذ بذلك.
السادس عشر: عشرة دراهم أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض. (أوهو قول أكثر أهل البيت وأبي حنيفة والثوري، وقد تقدم تقرره.
السابع عشر: دينار أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض أ). حكاه ابن حزم عن طائفة، وجزم ابن المنذر بأنه قول النخعي (٤).
الثامن عشر: دينار أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحدهما. حكاه ابن حزم أيضًا (٤)، وأخرجه ابن المنذر (٥) عن علي بسند ضعيف، وعن ابن مسعود بسند منقطع، قال: وبه قال عطاء (٦).
التاسع عشر: ربع دينار فصاعدًا من الذهب، ومن غير الذهب كالفضة والعروض في القليل والكثير. وهو قول ابن حزم، ونقل ابن عبد البر نحوه عن
стр. 3562
داود، إلا إذا كان الشيء تافهًا، واحتج بأن التحديد في الذهب ثبت منصوصًا، ولم يثبت التحديد صريحًا في غيره، فتبقى الآية الكريمة على عمومها.
العشرون: المعتبر في التقويم بغالب نقد البلد؛ إن ذهبًا قوِّم ما عداه به، وإن فضة قوم بالفضة. وهذا مخرج من قول جماعة من المالكية.
١٠٢٢ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قطع في معين قيمتة ثلاثة دراهم. متفق عليه (١).
تقدم الكلام فيه.
١٠٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". متفق عليه (٢).
تقدم الكلام فيه.
١٠٢٤ - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ". ثم قام فخطب. فقال: "أيها الناس، إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". متفق
стр. 3563
عليه (١) واللفظ لمسلم. وله (٢) من وجه آخر عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
الحديث ورد في قصة المخزومية، واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد [الأسد] (أ) بن عبد الله بن عمر، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ ، قتل أبوها كافرًا يوم بدر، قتله الحمزة بن عبد المطلب، ووهم من زعم أن له صحبة، وهي منسوبة إلى مخزوم بن يقظة -بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة- بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن مخزوم، ومخزوم أخو كتاب بن مرة الذي ينسب إليه بنو عبد مناف. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد. وهي بنت عم المذكورة، أخرجه عبد الرزاق (٣). والأول أصح، وقد ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وابن سعد في ترجمتها (ب) في "الطبقات" (٤). وأما عبد الغني في "المبهمات" (٥) فقال:
стр. 3564
فاطمة بنت أبي الأسود بنت أخي أبي (أ) سلمة. ولا منافاة؛ لاحتمال أن يكون الأسود كنيته أبو الأسود. وأما أم عمرو فلها قصة أخرى، ذكر ابن سعد (١) أنها خرجت ليلًا فوقعت بركب نزلوا، فأخذت عيبة (٢) لهم، فأخذها القوم فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبي ﷺ ، فعاذت بحقوي أم سلمة، فأمر بها النبي ﷺ فقطعت. وكان ذلك في حجة الوداع، وقصة المخزومية في عام الفتح، وأخطأ ابن الجوزي لما جعلها واحدة وأنها أم عمرو (٣)، وابن طاهر وابن بشكوال (٤) ترددا في القصة بين فاطمة وأُم عمرو، بناء على أنها قصة واحدة.
وقوله: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ". الاستفهام فيه للإنكار، وكأنه قد كان سبق من النبي ﷺ المنع من الشفاعة في الحد، فحسن الإنكار والجواب (ب) بالإنكار على أسامة.
وأصل الحديث واللفظ اللبخاري: أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسوله الله ﷺ ، فقاله: "أتشفع ... " الحديث. وبعد قوله: "أقاموا عليه الحد": "وايم الله، لو أن فاطمة بنت
стр. 3565
محمد سرقت لقطع محمد يدها".
وقد جاء أنها عاذت بأم سلمة، وأخرج الحاكم موصولًا وأبو داود (١) تعليقًا أنها عاذت بزينب بنت رسول الله ﷺ . وقد استشكل بأن زينب قد سبق موتها في جمادى في سنة سبع، وهذه غزوة الفتح في رمضان سنة ثمان، وقيل: المراد زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي ﷺ . ونسبتها إلى النبي مجاز، وقد جاء مصرحًا في رواية أحمد (٢): بربيب (أ) النبي ﷺ . وقد جاء أيضًا من رواية عبد الرزاق (٣) أنها عاذت بعمر بن أبي سلمة، فأتى إلى النبي ﷺ فقال: أي أبه، إنها عمتي. وأراد بالعمة وإن كانت بنت عمه، لكبر سنها. والجمع بين الروايات أنها عاذت بأم سلمة وبنتها، وأنهم شفعوا فلم يشفعهم النبي ﷺ ، فطلب الجماعة من قريش من أسامة الشفاعة عسى أن يخصه النبي ﷺ بالقبول، ولذلك قالوا: حب رسول الله ﷺ . (ب فلذلك رد ب) عليه النبي ﷺ بالإنكار، وقد جاء في رواية أنه قال: استغفر لي يا رسول الله. وقد جاء في مرسل حبيب بن أبي ثابت (٤): فلما أقبل أسامة ورآه النبي ﷺ قال: "لا تكلمني". فظاهره أنه لم يتكلم، وهي تخالف رواية البخاري: فكلمه. ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ لما أقبل عرف ما يريد
стр. 3566
من الكلام، فقال: "لا تكلمني". ثم حصل منه الاجتراء وكلم النبي ﷺ ، ولذلك جاء في رواية النسائي (١): فزبره. بفتح الزاي والموحدة؛ أي: أغلظ له في النهي حتى نسبه إلى الجهل. وفي رواية (٢): فكلمه فتلون وجه رسول الله ﷺ . ففي هذا دلالة على أنه وقع الكلام من أسامة بعد النهي؛ لما عرف من خلق النبي ﷺ الكريم من حسن التعليم، وأنه ما زبر إلا لما وقع الاجتراء بعد النهي. وظاهر الإطلاق أن الشفاعة في الحد لا تصلح، وإن لم يكن قد رفع (أ) إلى السلطان، إلا أن البخاري أورد الحديث بعد أن ترجم الباب: باب كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان. وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه من مرسل حبيب بن أبي ثابت، أن النبي ﷺ قال لأسامة لما شفع فيها: "لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس بمترك". وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". فترجم له أبو داود (٣): العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان. وصححه الحاكم (٤). وسنده إلى عمرو ابن شعيب صحيح، وأخرج أبو داود أيضًا، وأحمد، وصححه الحاكم (٥)، من طريق يحيى بن راشد، قال: خرج علينا ابن عمر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله
стр. 3567
فقد ضاد الله في أمره". وأخرجه ابن أبي شيبة (١) من وجه [آخر] (أ) أصح منه عن ابن عمر موقوفًا. وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة في "الأوسط" للطبراني (٢)، وقال: "فقد ضاد الله في ملكه". وأخرجه أبو يعلى (٣) عن علي، فذكر قصة ثم قال: قالوا: يا رسول الله -وقد أتي بسارق- أفلا عفوت؟ قال: "ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم". وأخرج الطبراني (٤) عن عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقًا فشفع فيه، فقيل له: حتى يبلغ الإمام. قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافعي والمشفع. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) بسند حسن أن الزبير وعمارًا وابن عباس أخذوا سارقًا فخلوا سبيله، قال عكرمة: فقلت: بئس ما صنعتم حين خليتم سبيله. فقالوا: لا أم لك، أما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك. وأخرجه الدارقطني (٦) مرفوعًا من حديث الزبير موصولَا بلفظ: "اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه". والموقوف هو المعتمد، وفي حديث صفوان عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم (٧) في قصة الذي
стр. 3568
سرق رداءه، وأراد ألا يقطعه النبي ﷺ ، فقال: "هلا قبل أن تأتيني به؟ ". وحديث ابن مسعود في قصة الذي سرق، فأمر النبي ﷺ بقطعه، وقال: "إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه، والله عفو يحب العفو" (١). وادعى ابن عبد البر الإجماع (٢)، وكذا في "البحر" أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحد. وذكر الخطابي وغيره (٣) عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره، فقال: لا يشفع في الأول مطلقا قبل الرفع وبعده، وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع لا بعده. وفي حديث عائشة مرفوعًا: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم إلا في الحدود" (٤). ويستفاد منه جواز الشفاعة فيمن يقتضي منه التعزير، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (٥)، وتحمل الأحاديث الواردة في الستر على المسلم أن ذلك قبل الرفع إلى الإمام.
وقوله: "إنما أهلك". كذا في رواية قتيبة، وجاء في رواية أبي الوليد: "إنما ضل". وفي رواية سفيان عن النسائي (٦): "إنما هلك بنو إسرائيل". وظاهر الحصر أنه كان سبب هلاك من تقدم على جهة العموم، و (أ) بني إسرائيل كما في رواية سفيان؛ بسبب تضييع حد السرقة. ولعل المراد من
стр. 3569
"أهلك" بسبب تضييع الحدود، فيكون عاما مخصوصا، وذكر حد السرقة في هذا الحديث؛ لأنه من جملة تضييع الحدود لأجل المحاباة، وقد أخرج أبو الشيخ في كتاب "السرقة" (١) عن عائشهّ مرفوعًا، أنهم عطلوا الحدود عن الأغنياء، وأقاموها على الضعفاء. وقد ذكر عن بني إسرائيل في قصة اليهوديين اللذين زنيا، وفي حديث ابن عباس أنهم كانوا يأخذون الدية من الشريف إذا قتل عمدًا، والقصاص من الضعيف (٢)، وغير ذلك.
وقوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه". جاء في رواية سفيان عند النسائي: "إذا أصاب فيهم الشريف الحد تركوه ولم يقيموه عليه".
وفي رواية إسماعيل بن أمية: "وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه".
وقوله: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده. تقدم الكلام في المرأة، وهذه الرواية أخرجها مسلم، وأبو داود (٣)، وأخرجه النسائي (٤) من حديث الزهريّ بلفظ: استعارت [امرأة] (أ) على ألسنة ناس -يُعرفون وهي لا تعرف-[حليًّا] (ب) فباعته وأخذت ثمنه. الحديث. وأخرجه عبد الرزاق (٥) بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن أن امرأة جاءت، فقالت: إن
стр. 3570
فلانة، [تستعيرك] (أ) حليًّا. فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها تسألها، فقالت: ما استعرتك شيئًا. فرجعت إلى الأخرى فأنكرت، فجاءت إلى النبي ﷺ فدعاها فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئًا. فقال: "اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها". فأتوه فأخذوه، وأمر بها فقطعت. الحديث.
وأخرج النسائي (١) أيضًا عن إسحاق بن راهويه [عن سفيان] (ب) عن الزهريّ عن عروة بلفظ: كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. الحديث. وأخرج أبو داود والنسائي وأبو عوانة في "صحيحه" (٢) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر، أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. وأخرجه النسائي وأبو عوانة (٣) أيضًا من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: استعارت حليا. فهذه الروايات تصحح رواية الاستعارة، وبهذا يرد على من قدح في الرواية بأن معمرا تفرد (جـ) عن الزهريّ بقوله: استعارت وجحدت. فإنه قد تابعه عن الزهريّ شعيب ويونس، وتأيدت بما عرفت من الطرق الدالة على ثبوت الرواية.
والحديث فيه دلالة على أن جاحد العارية يجحب عليه القطع، وقد ذهب
стр. 3571
إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق وأهل الظاهر، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية، وفيه دلالة واضحة، فإنه رتب القطع على جحد العارية في القصة المذكورة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يوجب القطع، قالوا: لأن الآية الكريمة ذكر فيها السارق، والجاحد لا يسمى سارقًا. ورد هذا ابن القيم (١)، وقال: إن الجحد داخل في اسم السرقة. قال: ولا يلزم القطع في جحد الغاصب والمختلس؛ للفرق في ذلك، وهو أن السارق وجاحد العارية لا يمكن الاحتراز منهما، بخلاف المختلس والمنتهب. قال: ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شيء عليه [لجر] (أ) ذلك إلى سد باب العارية، وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشرع، بخلاف ما إذا علم أنه يقطع، فإن ذلك يكون أدعى لاستمرار العارية. انتهى.
وقد [فرَّ من] (ب) هذا بعض من قال بذلك، فخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعًا للمستعار منه، ثم تصرف في العارية، وأنكرها لما طولب بها، فإن هذا لا يقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركة السارق في أخذ المال خفية. [غير] (جـ) أن ابن المنذر نقل عن إياس بن معاوية أنه قال: المختلس يقطع. وكأنه ألحقه بالسارق؛ لاشتراكهما في الأخذ خفية، ولعله يسميه
стр. 3572
سارقًا كما قال ابن الجوزي. وأخرج (أ) البيهقي (١) عن الفقهاء من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: على الطَّرَّار (٢) القطع. وكانوا يقولون: لا [قطع] (ب) إلا فيما بلغت قيمته ربع دينار فصاعدًا. وقال الجمهور: إنه ورد حديث المخزومية من طريق عائشة وجابر وعروة بن الزبير ومسعود بن الأسود، أخرجها البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم مصرحًا فيه بذكر السرقة، بل في رواية مسعود أنها سرقت قطفة رسول الله ﷺ . وحديث مسعود صححه الحاكم، وأخرجه ابن ماجه، وعلقه أبو داود والترمذي (٣). وأخرجه أبو الشيخ في "كتاب السرقة"، ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليًّا (٤). والجمع ممكن بأن يكون الحلي في القطيفة، فسرقت الظرف والمظروف، وأفرد الرواة ذكر أحدهما عن الآخر. وأخرج عبد الرزاق (٥) من حديث عمرو بن دينار، أن الحسن أخبره قال: سرقت امرأة -قال عمرو: وحسبت أنه قال: من ثياب الكعبة. الحديث. وسنده إلى الحسن صحيح.
стр. 3573
وقد يمكن الجمع مع بُعده أن ذلك الثوب هو قطيفة، وأنه من ثياب الكعبة، ولعله كان في بيت النبي ﷺ قبل أن يوضع على الكعبة، وهو مهدى لها، والأرجح الأول، فتقرر أن المذكورة قد وقع منها السرقة، فرواية أنها جحدت العارية لا تدل على أن القطع كان لها؛ أما أولًا: فلأنها مخالفة لمفهوم الآية الكريمة، فإن مفهوم الصفة يدل على أنه لا قطع بغير السرقة. وثانيًا: إمكان أن يقال: إن ذكر العارية إنما هو لمجرد التعريف بما اشتهر من وصف المرأة المذكورة، فالعارية وجحدها قد صار لها خلقًا معروفًا، فعرفت المرأة به، والقطع كان للسرقة. وهذا معنى ما أجاب به الخطابي (١)، وتلقاه عنه غيره من الأئمة كالبيهقي والنووي (أ) (٢). ويؤيد هذا ما قيل في ذكر فاطمة ﵂، وقد نزهها الله تعالى وطهرها عن نسبة مثل هذا النقص إليها. ويؤيد هذا حديث (٣): "ليس على خائن، ولا مختلس، ولا منتهب، قطع". وهو حديث قوي، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة والترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه. وصرح ابن جريج في رواية النسائي بقوله: أخبرني أبو الزبير. وقال النسائي: رراه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبي الزبير، ولم يصرح أحد منهم بالتحديث عن أبي الزبير، في لا أحسبه سمعه منه. وصرح ابن القطان بأنه من معنعن أبي الزبير، إلا أنه يخدش فيه أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعنه عن جابر. لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير،
стр. 3574
وأخرجه عبد الرزاق (١) بتصريح سماع أبي الزبير من جابر، فقوي الحديث، وأجمعوا على العمل [به] (أ) إلا من شذ، كما نقل عن إياس بن معاوية.
١٠٢٥ - وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : "ليس على خائن، ولا منتهبٍ، ولا مختلس، قطع". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان (٢).
الحديث أخرجوه، والحاكم والبيهقي (٣) من حديث أبي الزبير عن جابر. وفي رواية عند ابن حبان (٤) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير عن جابر. وليس فيه ذكر "الخائن". ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٥) من طريق مكي بن إبراهيم عن ابن جريج، وقال: لم يذكر فيه "الخائن". غير مكي.
قال المصنف (٦) رحمه الله تعالى: قد رواه ابن حبان (٧) أيضًا من حديث سفيان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "ليس على المختلس ولا على الخائن
стр. 3575
قطع". وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١) عن أبيه: لم يسمعه ابن جريج من أبي الزبير، إنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات، وهو ضعيف (٢). وكذا قال أبو داود، [وزاد] (أ): وقد رواه المغيرة بن أسلم عن أبي الزبير عن جابر. وأسنده النسائي (٣) من حديث المغيرة. ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن [جريج] (٥): أخبرني أبو الزبير (٤). وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، رواه ابن ماجه (٥) بإسناد صحيح، وآخر من رواية الزهريّ عن أنس، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦) في ترجمة أحمد بن القاسم، ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٧) من حديث ابن عباس وضعفه.
قوله: "ليس على خائن". والمراد بالخائن الذي يظهر ما لا يضمره في نفسه، والخائن هنا هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه مع إرائه له النصيحة والحفظ، والخائن أعم، فإنه قد تكون الخيانة في غير المال، ومنه ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ (٨). أي: ما يخون النظر من مسارقة النظر إلى ما لا يحل.