← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رءوسهم المعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير". وأخرج (١) عن عمر ﵁ أنه قال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه يشرب الطلاء و [أنا] (أ) سائل عما يشرب، فإن كان [يسكر] (ب) جلدته، فجلده عمر الحد تاما. وأخرج (١) عن أبي عبيد (٢) أنه قال: جاءت في الأشربة [آثار] (جـ) كثيرة مختلفة عن النبي ﷺ وأصحابه وكل له تفسير، [فأولها] (د) الخمر، وهي ما غلا من عصير العنب، فهذا مما لا اختلاف في تحريمه بين المسلمين، إنما الاختلاف في غيره، ومنها: السكر، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر. ومنها: البتع -بكسر الباء الموحدة، والتاء الثناة أي الساكنة، والمهملة- وهو نبيذ العسل، ومنها: الجعة -بكسر الجيم- وهي نبيذ الشعير، ومنها: المزر، وهو من الذرة. جاء تفسير هذه الأربعة عن ابن عمر، وزاد ابن المنذر في الرواية عنه قال: والخمر من العنب، والسكر من التمر، ومنها: السكركة، جاء عن أبي موسى أنها من الذرة، ومنها: الفضيخ، وهو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه نار، وسماه ابن عمر

стр. 3642

الفَضوخ، قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمر، فهو الذي يسمى الخليطين. قال أبو عبيد: وبعض العرب تسمي الخمر بعينها الطلاء، قال عبيد بن الأبرص (١): هي الخمر [بالهزل] (أ) تكنى ... الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعده قال: وكذلك الخمر يسمى الباذق. وهذه آثار تؤيد العمل بالعموم، ومع التعارض فالترجيح للمحرم على المبيح كما ذهب إليه المحققون. ١٠٣٩ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان (٢). الحديث حسنه الترمذي ورجاله ثقات، ورواه النسائي والبزار والدارقطني وابن حبان (٣) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن قليل ما أسكر كثيره. وفي الباب عن علي أخرجه الدارقطني (٤)، وعن عائشة أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي،

стр. 3643

وابن حبان، وأعله الدارقطني (١) بالوقف. وعن خوات أخرجه في "المستدرك" (٢). وعن [سعد] (١) أخرجه النسائي (٣). وعن ابن عمرو أخرجه ابن ماجه والنسائي أيضًا (٤). وعن ابن عمر وزيد بن ثابت أخرجه الطبراني (٥). وقد تقدم الكلام فيه وفي ما يؤيده (٦). والله أعلم. ١٠٤٠ - وعن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه، والغد، وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه. أخرجه مسلم (٧). هذه الرواية إحدى روايات مسلم، وقد جاء في لفظ مسلم في اليوم الثالث بلفظ: والغد إلى العصر. فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب (٨). وقد جاء في لفظ: ينبذ له في سقاء من ليلة الاثنين، فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر. فإن فضل منه شيء سقاه الخادم، أو صبه (٩).

стр. 3644

وفي لفظ له: إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق (١). وفي لفظ: فلما أصبح -يعني في اليوم الثالث- أمر بما بقي منه فأهريق (٢). وجاء في حديث عائشة: نبذ غدوة وشربه عشية، وينبذه عشيا ويشربه غدوة (٣)، وهذا لا يخالف حديث ابن عباس، فإن الشرب في يوم لا يمنع الشرب فيما زاد وحديث ابن عباس مصرح بالزيادة، أو محمول حديث عائشة بما إذا كان في زمن الحر يخشى عليه الشدة إذا زاد على اليوم، وحديث ابن عباس في أيام البرد، أو كان ذلك في القليل، وحديث ابن عباس في الكثير. وقد احتج من جوز شرب النبيذ برواية: سقاه الخادم أو أمر به فصب. فإن سقى الخادم دليل على جواز شربه، وإنما تركه النبي ﷺ تنزها منه على عن مقاربة ما لا يحل. وأجيب عنه بأنه لم يبلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو نحوها، فسقاه الخادم مبادرة لخشية الفساد، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع؛ لأنه قال: سقاه الخادم، أو أمر به فأهريق. أي إن كان بدا في طعمه بعض التغير فلم يشتد، سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه. وبهذا جزم النووي (٤). وقوله: فإن فضل منه شيء. بفتح الضاد وكسرها. والله أعلم.

стр. 3645

١٠٤١ - وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان (١). الحديث أخرجاه من حديث أم سلمة قالت: نبذت نبيذا في كوز، فدخل النبي ﷺ وهو يغلي، فقال: "مما هذا؟ ". قلت: اشتكت ابنة لي فنعت لها هذا. فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". وفي لفظ أحمد (٢) وابن حبان: "إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام". وذكره البخاري (٣) تعليقا، عن ابن مسعود. والحديث فيه دلالة على أنه يحرم التداوي بالخمر؛ لأنها إذا لم يكن فيها شفاء فتحريم شربها بأن، لا يرفعه تجويز أن يدفع به الضرر عن النفس. وقد ذهب إلى هذا الشافعي والعترة، قالوا: إلا إذا غص بلقمة، ولم يجد ما يسوغها به إلا الخمر، فإنه يجوز ذلك. وادعى في "البحر" الإجماع على ذلك؛ قال الإِمام المهدي في "البحر" (٤): وكذا لو خشي التلف بالعطش، أو من قادر توعده. قال: وكذا إذا خشي من علته التلف وقطع بزوالها بها، حل التداوي بها كمن غص بلقمة، ويقاس عليه غير الخمر من النجاسات. وقال أبو حنيفة: يجوز التداوي بالخمر مطلقا كالترياق المتخذ من لحوم الأفاعي، وهو نجس. هكذا ذكره في "البحر" (٤)، وفي "ملتقى الأبحر" في

стр. 3646

فقه الحنفية ما لفظه: ولا يجوز الانتفاع بالخمر ولا أن يداوى بها جرح (أ)، ولا يسقي آدميا ولو صبيا للتداوي، ولا تسقى الدواب. هذا كلامه، ولم يحك خلافًا بينهم، ثم قال الإِمام المهدي ردا على أبي حنيفة: قلنا: لا نسلم للخبر، إلا حيث استحال النجس سلمنا, ففي الخمر من التغليظ ما ليس في غيرها. انتهى كلامه. وأراد بالخبر هو حديث أم سلمة، وأقول: لا نسلم حل الترياق فالقياس عليه غير صحيح، وأنه قد جاء عن النبي ﷺ قال: "لا أبالي ماذا أتيت إن أنا أكلت ترياقا، أو علقت تميمة، أو قلت شعرا" (١). أو كما قال، فهذا يقتضي تحريم الترياق. وكذلك التداوي بالنجس المجمع عليه؛ كالبول والغائط والدم فإنه محرم إجماعا، والمختلف في نجاسته كبول الإبل، فيه خلاف. ذهب الهادي والناصر وأبو طالب والشافعي وأبو حنيفة أنه يحرم التداوي به، وذهب الباقر والقاسم وأبو يوسف إلى أنه يجوز. قال الإِمام المهدي: والأولى أن المختلف فيه في حق من مذهبه التحريم، حكمه حكم المجمع عليه، فإذا قيس على الخمر في حق من غص بلقمة، فإذا خشي التلف، وقطع بالبرء جاز ذلك وإلا لم يجز. ثم قال: وإن لم يخش التلف، وقطع بارتفاع الضرر به ففيه تردد، الأقرب الجواز، كما يجوز ترك الواجب خشية الضرر، وإن لم يقطع لم يجز لما مر. انتهى. ومثله للإمام شرف الدين. والقياس على ترك الواجب غير صحيح؛ لأن هذا فعل محصور، وهو أغلظ

стр. 3647

من ترك الواجب. ١٠٤٢ - وعن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء، فقال: "إنها ليست بدواء، ولكنها داء". أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما (١). الحديث فيه دلالة على تحريم التداوي بالخمر كالحديث الأول؛ لأنها إذا لم تكن دواء قد سلب عنها صلاحيتها للدواء، لم يكن شيء مقتضيا لتناولها فهي باقية على أصل التحريم. والله أعلم.

стр. 3648

باب التعزير وحكم الصائل التعزير مصدر عزر، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع، ويستعمل في معنى الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه، ومنعهم من إضراره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ (١). وهو هنا عبارة عن فعل ما (أ) يؤلم بمن وقع منه معصية لا توجب الحد، سمى بذلك لدفعه عن إتيان القبيح، ويكون بالقول وبالفعل بحسب ما يليق به، والصائل اسم فاعل من صال على قرنه إذا سطا عليه واستطال. ١٠٤٣ - عن أبي بردة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله". متفق عليه (٢). الحديث روي: "لا يجلد". بوجهين؛ أحدهما: فتح الياء وكسر اللام. والثاني: بضم الياء وفتح اللام بصيغة النهي مجزوما، وبصيغة النفي مرفوعًا، ويؤيد الجزم رواية: "لا تجلدوا" (٣). وقوله: "فوق عشرة أسواط". وفي رواية: "عشر جلدات" (٤). وفي

стр. 3649

رواية: "لا عقوبة فوق عشر ضربات" (١). وقوله: "إلا في حد من حدود الله تعالى". المراد به ما ورد عن الشارع فيه عدد من الضرب أو عقوبة مخصوصة؛ كالقطع والرجم، ونحوه، والمتفق عليه من ذلك الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وحد المحارب، والقذف بالزنى، والقتل في الردة، والقصاص في النفس والأطراف على الخلاف في كونه حدا، واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة هل تسمى حدا أو لا؟ وهي جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق، وأكل الدم والميتة ولحم الخنزير في حال الاختيار، والسحر، والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلا، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنى. وذهب بعض العلماء إلى أن الحد هنا مراد به عقوبة المعصية مطلقا، قال: وتخصيصهم الحد بالعقوبة في الأشياء المخصوصة، إنما هو أمر اصطلاحي من الفقهاء بعد أن كان عرف الشرع إطلاق الحد في عقوبة كل معصية كبرت أو صغرت. ونسب هذا ابن دقيق العيد إلى بعض المعاصرين له. والتزم هذه المقالة ابن قيم الجوزية وقال: المراد بالحدود هنا هي أوامر الله ونواهيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٢). وغير ذلك، وأن المراد بالنهي في الحديث إنما هو في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير, ولعل المعاصر لابن دقيق العيد هو ابن تيمية، ولذلك

стр. 3650

انتصر تلميذه ابن القيم [لقوله] (أ)، واعترض عليه بأنه قد ظهر أن اصطلاح الشارع للحدود المذكورة قد وقع، ويدل عليه ما تقدم في قياس الخمر على القذف، فإن في لفظة عبد الرحمن: "أخف الحدود ثمانون" (١). فهو مصرح بأن الحد متعارف للشارع في المعينات، فاعترضه ابن دقيق العيد (٢) بأنا إذا حملناه على ما ذكره، لم يبق لنا شيء تمتنع فيه الزيادة، إذ ما عدا المحرم لا يجوز فيه التعزير، والتأديب ليس بتعزير. قلت: ويؤيد أن الأدب ليس بتعزير، أن البخاري (٣): بوب باب التعزير والأدب. فعطفه عليه، والأصل في العطف المغايرة. وقال المصنف رحمه الله تعالى (٤): ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا [يزاد] (ب) عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير، فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، وقد ذهب إلى العمل بظاهر هذا الحديث الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي و [صاحبا] (جـ)

стр. 3651

أبي حنيفة وزيد بن علي والمؤيد والإمام يحيى (أ): إنه تجوز الزيادة على العشرة، ولكن لا يبلغ أدنى الحدود. وفي كونه هل يعتبر حد الحر أو حد العبد؟ قولان. وذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو طالب أنه يكون في كل دون حد جنسه؛ لأن عليا جلد من وجده مع امرأة من غير زنى مائة سوط إلا سوطين، وأفتى بذلك. وذهب الشافعي إلى أن تعزير الحر دون أدنى حده، وتعزير العبد دون أدنى حد العبد. وهو مقتضى قول الأوزاعي. وقال الباقون: هو إلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ. وهو اختيار أبي ثور وأبي يوسف ومحمد. وهو مذهب مالك وأصحابه، كما رواه النووي (١). وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى، ألا تجلد في التعزير أكثر من عشرين. وعن عثمان: ثلاثين. وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة في ضربه مَن نقش على خاتمه، وضرب صبيا أكثر من الحد. وكذا عن ابن مسعود، وعن مالك وعطاء وأبي ثور: [لا يعزر] (ب) إلا من تكرر بغيه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر، وعن أبي حنيفة: لا يبلغ أربعين. وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك وأبي يوسف: لا يبلغ ثمانين. وأجاب هؤلاء عن الحديث بما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأن ذلك مختص بالجلد بالسوط، وأما الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود. وهذا رأي الإصطخري من الشافعية، وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، أو أنه

стр. 3652

منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، أو أنه قد قام الإجماع بأن التعزير يخالف الحد، فإذا أخذنا بالعشر وافق الحد في أن له قدرا معلوما، والإجماع خلاف ما دل عليه الحديث، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الركة، ونقل القرطبي أن الجمهور قالوا بما دل عليه الحديث، وعكسه النووي، وهذا المعتمد، فإنه لا يعرف القول به في أحد من الصحابة، واعتذر الداودي عن مالك فقال: لم يبلغ [مالكا] (أ) هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقدر الذنب، وهذا يقتضي أنه لو بلغه ما عدل عنه. فيجب على من بلغه أن يأخذ به. والله أعلم. ١٠٤٤ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). الحديث أخرجه أيضًا ابن عدي والعسكري والعقيلي (٢) من حديث عمرة عن عائشة مرفوعًا، وقال العقيلي: له طرق لا يثبت منها شيء. وهو عند الشافعي وابن حبان (٣) في "صحيحه"، إلا أن في إسناد ابن حبان والعسكري أبا بكر بن نافع (٤)، ضعفه أبو زرعة، وفي الباب عن ابن عمر،

стр. 3653

رواه أبو الشيخ في كتاب الحدود بسند ضعيف، وعن ابن مسعود رفعه بلفظ: "تجاوزوا عن ذنب السخي، فإن الله يأخذ بيده عند عثراته". رواه الطبراني في "الأوسط" (١). وقوله: "أقيلوا". مأخوذ من إقالة البائع وهو موافقته على نقض البيع، والمراد هنا موافقته على ترك المؤاخذة له على الذنب، وذوو الهيئات هم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة. كذا فسره الشافعي، والهيئة سورة الشيء وشكله وحالته. يريد به ذوي الهيئات الحسنة الذين يلزمون هيئة واحدة وسمتا واحدا, ولا تختلف حالتهم بالتنقل من هيئة إلى هيئة. وعثراتهم جمع عشرة، وهي واحدة، عثرا مصدر من عشر كضرب، والمراد هنا الزلة. قال الماوردي: المراد هنا الصغائر أول معصية تقع من الإنسان. وقوله: "إلا الحدود". قد تقدم الكلام في أن الحد إذا [رفع] (أ) لم يجز تأخيره، وأما قبل المرافعة فقد تقدم التفصيل فيمن يترك ولا يرافع (٢). ١٠٤٥ - وعن علي ﵁ قال: ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت فأجد في نفسي، إلا شارب الخمر، فإنه لو مات وديته. أخرجه البخاري (٣). قوله: لأقيم. اللام هي لام الجحود، لتأكيد النفي.

стр. 3654

وقوله: فيموت فأجد. بالنصب فيهما بالعطف على أقيم. ومعنى أجد من الوجد، وهو الحزن. وقوله: يموت. مسبب عن أقيم، وأجد مسبب عنهما جميعًا. وقوله: إلا شارب الخمر. يحتمل الاستثناء أن يكون متصلًا منصوبا على تقدير: ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئًا إلا موت شارب الخمر، ويحتمل أن يكون منقطعا منصوبا أو مرفوعًا على أنه جملة تامة، أي لكن شارب الخمر إذا مات. الحديث فيه دلالة على أن من مات بالتعزير -وهو ما لم ينص الشارع على مقداره- أنه يضمنه الإِمام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور لهذا, ولقول علي لعمر -لما قال له عبد الرحمن بن عوف في حق المرأة التي أسقطت ولدها: إنك مؤدب فلا شيء عليك- إن اجتهد فقد أخطأ، وإن لم يجتهد فقد غشك (١). وذهبت الهدوية إلى أنه لا شيء فيمن مات بحد أو تعزير، فاستوى التعزير على الحد بجامع أن الشارع قد أذن فيهما، والجواب ما تقدم من أن التعزير إذا أعنت فيه ينكشف أن ذلك غير مأذون فيه، وأما الحد فهو مأذون فيه، ولا يقال: إن الحد مع الإعنات غير مأذون فيه لأنه مأذون في أصله، والخطأ إنما هو في صفته، وأما التعزير فيكشف أنه غير مأذون من أصله، قالوا: وقول علي في حق الشارب إنما هو للاحتياط، ولا يخفى عليك أنه مصرح بأن ذلك واجب، وقد تقدم تمامه، بأن رسول الله ﷺ لم يسنه. وقال الطبري: إن كان على مُغلَّظ كوطء أجنبية في غير الفرج فلا

стр. 3655

ضمان، وإن كان على مخفف كإساءة أدب في مجلس الحكم ضمن. قال الإِمام المهدي: قلت: وهو قريب، إذ المخفف أشبه بضرب الزوجة. انتهى. وظاهر كلامه أن ضرب الزوجة إذا أعنت مضمون بلا خلاف، وقال الإِمام في "البحر": والتعزير إلى الإِمام والسيد والزوج للولاية، وليس للأب تعزير ولده الكبير إذ لا ولاية عليه، وضرب ولده الصغير ليس بتعزير إذ لا معصية له، وكذا المعلم، فإن أتلف ضمن لقوله ﷺ : "لا توى (١) على مال المسلم" (٢). فكذا الزوج. انتهى. ثم قال: مسألة الإِمام يحيى: وليس للزوج التعزير في غير النشوز وترتيبه ترتيب الآية؛ الوعظ ثم الهجر ثم الضرب، وهذا يقتضي سقوطه بالتوبة، ويكون ضربا غير مبرح إذ المجحف مهلك، واليسير لا يجدي، وللسيد تعزير عبده فيما يتعلق بحق الله والخلق أو بنفسه؛ كالتمرد عن الخدمة وسوء الأدب إجماعا، وسقط التعزير بالتوبة، واحتج على ذلك البخاري بقضية المجامع في نهار رمضان (٣). وقوله: وديته. بتخفيف الدال المهملة وسكون الياء، أي: غرمت ديته. وقال النووي في شرح مسلم (٤): قال بعض العلماء: الوجه أن يقال: فديته بالفاء. وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه حد فجلده الإِمام أو جلاده الحد الشرعي فمات، فلا دية فيه ولا كفارة، لا على الإِمام ولا على جلاده ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب

стр. 3656

الضمان للدية والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعي، أصحهما: تجب ديته على عاقلة الإِمام، والكفارة في مال الإِمام. والثاني: تجب الدية في بيت المال. وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا؛ أحدهما: في بيت المال أيضًا. والثاني: في مال الإِمام. هذا مذهبنا. وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه على الإِمام. ولا على عاقلته، ولا في بيت المال. والله أعلم. انتهى. وظاهر قول الهدوية أن الدية تكون في بيت المال؛ لأن خطأ الإِمام في بيت المال، والكفارة تكون في ماله، وهذا في خطأ الإِمام، وأما في التعزير فكلامهم مثل قول الجمهور، وقد تقدم النقل عن الجمهور خلاف ما نقله النووي. ١٠٤٦ - وعن عبد الله بن خباب ﵁ قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". أخرجه ابن أبي خيثمة والدراقطني (١). وأخرج أحمد (٢) نحوه عن خالد بن عرفطة. حديث خباب رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى وأحمد بن حنبل (٣)، ومدار أسانيدهم على راولم يسم، فإن في طريقه أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ

стр. 3657

ذعرا يجر رداءه، فقال: والله لقد رعبتموني. قالوا: ألم تر؟! قال: والله لقد رعبتموني. قالوا: أنت عبد الله بن خباب؟ قال: نعم. قال: هل سمعت من أبيك شيئًا تحدثنا به؟ قال: سمعته يحدث عن النبي ﷺ ، أنه ذكر فتنة "القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركك ذلك، فكن عبد الله المقتول". قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن عبد الله القاتل". قال: أنت سمعت هذا من أبيك يحدث به عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم. فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسأل دمه امذقر. قال في "النهاية" (١) ما لفظه: في حديث ابن خباب: فقتله الخوارج على شاطئ نهر، فسال دمه في الماء فما امذقر، قال الراوي: فأتبعه بصري، كأنه شراك أحمر. قال أبو عبيد: أي ما امتزج بالماء. وقال شمر: الامذقرار: أن يجتمع الدم ثم يتقطع قطعا ولا يختلط بالماء، يقول: لم يكن كذلك، ولكنه سال وامتزج. وهذا يخالف الأول، وسياق الحديث يشهد للأول، أي أنه مر فيه كالطريقة الواحدة لم يختلط به، ولذلك شبهه بالشراك الأحمر، وهو سير من سيور النعل، وذكر المبرد هذا الحديث في "الكامل"، قال: فأخذوه وقربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه فامذقر دمه، أي جرى مستطيلا متفرقا. هكذا رواه بغير حرف النفي، ورواه بعضهم بالباء، وهو معناه. انتهى. وبقروا أم ولده عما في بطنها. وحديث خالد بن عرفطة، أخرجه أحمد والحاكم والطبراني أيضًا وابن قانع (٢) من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن خالد بن عرفطة بلفظ:

стр. 3658

"ستكون فتنة بعدي وأحداث واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل". وعلي بن زيد (١) ضعيف، وأخرج أحمد والترمذي (٢) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: فإن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني؟ قال: "كن كابن آدم". وأخرج أحمد (٣) من حديث ابن عمر بلفظ: "ما يمنع أحدكم إذا جاء أحد يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم، القاتل في النار، والمقتول في الجنة". وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان (٤) من حديث أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال في الفتنة: "كسّروا فيها قسيكم وأوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخل على أحدكم بيته، فليكن كخير ابني آدم". وصححه القشيري في "الاقتراح" على شرط الشيخين. قوله: "تكون فتن". مضارع كان التامة، لا تحتاج إلى خبر. الحديث فيه دلالة على ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها. قال القرطبي: اختلف السلف في ذلك، فذهب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم (٥) إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة، فمنهم من قال: يجب عليه أن يلزم بيته. وقالت طائفة: يجب عليه التحول عن بلد الفتنة أصلًا. ومنهم من قال: يترك المقاتلة حتى لو أراد أحدهم قتله

стр. 3659

لم يدفعه عن نفسه. ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو معذور إن قتل أو قتل. وذهب جمهور العلماء والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحملت هذه الأحاديث الواردة على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق. وبعضهم قال بالتفصيل: وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث على هذا، وهو قول الأوزاعي. وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه، فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل عليه الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها. وذهب البعض إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك: وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث يحصل التحقيق، والمقاتلة إنما هي طلب الملك، وقد أتى هذا في حديث ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "أيام الهرج". قلت: ومتى؟ قال: "حين لا يأمن الرجل جليسه" (١). وفي قوله: "فكن عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". فيه دلالة على أنه لا يجب المدافعة عن النفس بل ظاهر النهي التحريم، إلا أن قوله في حديث خالد: "فإن استطعت". يدل على أنها لا تحرم المدافعة، وكذلك قوله: "كخير ابني آدم". فيحمل النهي على الكراهة دون التحريم. والله أعلم. ١٠٤٧ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد". رواه الأربعة وصححه الترمذي (٢).

стр. 3660

وأخرجه ابن حبان والحاكم (١) وفيه: "من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد". وأخرج البخاري (٢): "من قتل دون ماله فهو شهيد". من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. الحديث فيه دلالة على جواز الدفع عن المال. وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، وأنه إذا قتل كان شهيدا، وكذا إذا قتل لا ضمان عليه لعدم التعدي منه، والظاهر أن ذلك مجمع عليه إلا أن بعض المالكية قالوا: لا يجوز إذا كان المال قليلًا، قال القرطبي: سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ إلا أنه لا يحسن إن كفى الدفع باللين، فإن فعل ما فيه زيادة على قدر الدفع كان متعديا ولزمه الضمان. وكذلك عن الأهل، وإذا كان يخشى انتهاك محرم في حق الأهل وجب عليه دفعا لوقوع المنكر، وكذلك في حق غير الأهل، إذا كان لا يندفع الفاعل عن فعل المنكر إلا [بالقتل] (أ) فهو من باب دفع المنكر، وقد ورد من حديث سعد بن عبادة

стр. 3661

قوله: لو رأتيت رجلًا مع امرأتي لضربته غير مصفح (١). بكسر الفاء وفتحها، وقرر قوله النبي ﷺ بقوله: "أتعجبون من غيرة سعد؟ ". وهو يدل على أن له أن يعاجله بالقتل وإن كان يندفع بغير القتل، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال الجمهور: عليه القود. وقال أحمد، وإسحاق (٢)، وهو قول الهدوية: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه. وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتل الرجل، إن كان ثيبا وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم. وحكى ابن المنذر عن الشافعي (٣) قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار، أن يكلمه أو يستغيث، فإن امتنع لم يكن له قتاله وإلا فله أن يدافعه ولو أتى على نفسه، وليس عليه قتل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله. وقد أخرج عبد الرزاق (٤) بسند صحيح إلى هانئ بن حزام، أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتلهما، فكتب عمر كتاب العلانية أن يقيدوه به، وكتابا في السر أن يعطوه الدية. وقال ابن المنذر: جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفة وعامة أسانيدها منقطعة. وقد ثبت عن علي ﵁، أنه سئل عن رجل قتل رجلًا وجده مع امرأته فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته (٥). قال الشافعي: وبهذا نأخذ عن علي، ولم نعلم لعلي مخالفا في ذلك. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر، إذا أريد ظلما

стр. 3662

بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا، ويرد عليه ما وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم (١) بلفظ: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار". كذا أورده المصنف (٢). ولكنه يرد عليه بأن هذا حديث أبي هريرة مطلق غير مقيد بحال الفتنة وغيرها، وأحاديث ترك المقاتلة في الفتنة مقيدة بحال الفتنة، ومع التعارض فالعمل بالمقيد كما هو المختار عند جماعة من المحققين ومنهم الشافعي، فيندفع إيراده على هذا الوجه، وعلى قول من يقول بالتعارض مع جهل التاريح يتعارضان. والله سبحانه أعلم.

стр. 3663

كتاب الجهاد الجهاد بكسر الجيم مصدر جهدت جهادًا أي: بلغت المشقة، وهذا معناه لغة، وهو في الشرع: بذل (أ) الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق؛ فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين [ثم] (ب) على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب. وأما الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب. قيل: كان فرض عين على المهاجرين. وقال السهيلي (١): كان فرضا على الأنصار دون غيرهم. والمراد في حق الأنصار إذا طرق المدينة عدو، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال عدو ابتداء، وبعد النبي ﷺ فرض كفاية على الأشهر، ويكفي عند الجمهور فعله في السنة مرة؛ إذ الجزية بدل عنه، وهي في السنة مرة، وأول شرعيته بعد الهجرة على الصحيح. ١٠٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق". رواه مسلم (٢). الحديث فيه دلالة على أنه يجب العزم على فعل الواجب، فإن كان الواجب من الواجبات المطلقة كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكان

стр. 3664

الفعل، فإن كان من الواجبات المؤقتة وجب العزم على الفعل عند دخول الوقت، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل الأصول. وقد اختلف العلماء في [المتمكن] (أ) من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله، هل يأثم أو لا؟ والأصح عند الشافعية أنه يأثم في الحج دون الصلاة؛ لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج. وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ . وقوله: نُرَى. بضم النون، أي: نظن. وهذا الذي قاله محتمل. وقال غيره: إنه عام. والمراد أن من فعل ذلك فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شُعَب النفاق. وفي الحديث دلالة على أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، والله أعلم. ١٠٤٩ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم (١).

стр. 3665

الحديث فيه دلالة على الأمر بالجهاد بما ذكر، وقد أمر بالجهاد بالنفس والمال في كتاب الله تعالى في مواضع، وهذا فرض كفاية كما عرفت، إلا أن فيما أخرج البخاري (١) عن أبي هريرة أنه قال، قال النبي ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة؛ جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها". ما يدل على أن الأمر أمر ندب، والله تعالى أعلم. ١٠٥٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: "نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة". رواه ابن ماجه وأصله في البخاري (٢). لفظ البخاري: قالت عائشة ﵂: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: "جهادكن الحج". وفي لفظ آخر للبخاري (٣): فسأله نساؤه عن الجهاد، فقال: "نِعمَ الجهاد الحج". وروى النسائي (٤) عن أبي هريرة بلفظ: "جهاد الكبير -أي العاجز- والضعيف والمرأة الحج والعمرة". والحديث فيه دلالة على أن المرأة لا يجب عليها الجهاد، وأنه يحصل لهن الثواب الذي يقوم مقام ثواب الرجال في الجهاد؛ الحج والعمرة، وذلك لأن المطلوب منهن التستر والبعد عن الرجال الأجانب، وذلك ينافي ما

стр. 3666

يحتاج إليه في الجهاد من البروز والقرب من [القرن] (أ) ورفع الصوت والاشتهار، ولذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد، وليس فيه منع لهن عن التطوع بالجهاد؛ ولذلك أردف البخاري (١) هذا بأبواب خروج النساء للغزو وقتالهن وغير ذلك. وقد أخرج مسلم (٢) من حديث أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فقالت للنبي ﷺ : اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه. فهو يدل على جواز القتال، وإن كان فيه مأخذ بأنها لا تقاتل إلا مدافعة، وليس ذلك من باب الجهاد المشروع للرجال من قصد العدو إلى مصفه، وفي البخاري إيماء إلى أن جهادهن بسقي المقاتلين ومداواة الجرحى ومناولة السهام، ولم يصرح بمقاتلتهن في الأبواب، والله سبحانه أعلم. ١٠٥١ - وعن [عبد الله بن عمرو] (جـ) ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: "أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد". متفق عليه (٣). ولأحمد وأبي داود (٤) من حديث أبي سعيد نحوه، وزاد: "ارجع

стр. 3667

فاستأذنهما، فإن أذنا لك، وإلا فبرهما". قوله: جاء رجل. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون هذا الرجل هو جاهمة بن العباس بن مرداس فقد روى النسائي وأحمد (٢) من طريق معاوية بن جاهمة أن أباه جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أردت الغزو، وجئت لأستشيرك. فقال: "هل لك من أم؟ ". قال: نعم. قال: "الزمها". الحديث. وقوله: "ففيهما فجاهد". استعمل لفظ الجهاد هنا مشاكلة لما استأذن فيه، والمراد بالمعنى المستعمل فيه هو إتعاب النفس في القيام بمصالحهما وإرغامها في طلب ما يرضيهما، وبذل المال في قضاء حوائجهما بجامع وهو يحمل الكلفة والمشقة فيكون لفظ: "فجاهد" استعارة تبعية، وحسَّن موقعَه المشاكلةُ، ويحتمل أن تكون العلاقة الضدية؛ لأن الجهاد فيه إنزال الضرر بالمجاهد، فاستعمل في إنزال النفع بالوالدين؛ للمشاكلة المذكورة. والحديث فيه دلالة على أن فرض الجهاد ساقط مع عدم رضا الوالدين، وقد ذكر هذا في "مهذب الشافعي" (أ) (٣)، وكذا ذكره النووي في "المنهاج" (٤) وذهب إليه الإِمام يحيى والأمير الحسين صاحب "الشفا"،

стр. 3668

وظاهر الحديث: وإن لم يتضررا بفقده. وظاهره سواء كان الجهاد فرض عين في حقه أو فرض كفاية، ونسبه المصنف (١) رحمه الله تعالى إلى جمهور العلماء، وقال: إنه يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. وذهب بعض الهدوية أنه لا يسقط عنه إلا إذا تضرر الوالدان، وكان كفاية، لا إذا تعين عليه فهو فرض عين، وبر الوالدين كذلك فيتعارضان، ولعلهم يتفقون على تقديم الجهاد؛ لأن مصلحته لحفظ الدين، وهو مقدم على حفظ مصلحة البدن، ولعله يكون هذا من باب التخصيص بالمعنى المعتبر المناسب. وقد أخرج ابن حبان (٢) من طريق أخرى عن عبد الله بن [عمرو] (أ): جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن أفضل الأعمال، قال: "الصلاة"، ثم قال: مه؟ قال: "الجهاد". فقال: إن لي والدين. فقال: "آمرك بوالديك خيرًا". فقال: والذي بعثك نبيًّا لأجاهدن ولأتركنهما. قال: "فأنت أعلم". وهذا متمسك لما ذهب إليه بعض الهدوية، ويحتمل أن يكون هذا في الجهاد المتعين على المذكور جمعًا بين الدليلين، ولا فرق لين أن يكون الولد حرًّا أو رقيقا؛ لوجوب البر في حق الجميع، ولو أذن السيد للعبد لم يكف، ويقاس على الجهاد خروج الولد لتعلم العلم أو نحوه من الواجبات، ويفترق الحال بين كونه فرض عين أو فرض كفاية على الخلاف الذي مر.

стр. 3669

والحديث فيه دلالة أيضًا على فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما، وأن برهما قد يكون أفضل من الجهاد، والمستشار يشير بالنصيحة المحضة، وأنه ينبغي للمكلف أن يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ لأنه لما سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى يستأذن فيه، فدُل على ما هو أفضل منه في حقه، [ولولا] (أ) السؤال ما حصل له العلم بذلك. وحديث أبي سعيد صححه ابن حبان (١). ١٠٥٢ - وعن جرير البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين". رواه الثلاثة، وإسناده صحيح (٢)، ورجح البخاري إرساله (٣). الحديث رجح أيضًا أبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم (٤)، ورواه الطبراني موصولًا (٥).

стр. 3670

الحديث فيه دلالة على وجوب الهجرة من دار المشركين. ١٠٥٣ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". متفق عليه (١). قوله: "لا هجرة". أي من مكة، "بعد الفتح". أي فتح مكة. والحديث يدل بمفهومه على أن الهجرة قبل الفتح كانت ثابتة مشروعة، وأنه لم يبق لها ذلك الحكم لمن هاجر بعد الفتح، والهجرة من مكة إلى المدينة في زمن النبي ﷺ أجمعت الأمة على وجوبها، حتى قال البغوي والواحدي: إنها شرط في الإِسلام. وذلك لقلة المسلمين بالمدينة واحتياجهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله سبحانه مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقى فرض الجهاد والنية. واختلف العلماء في الهجرة من غير مكة؛ فقال أبو عبيد (٢): لا تجب الهجرة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه ﷺ كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال -أو: ثلاث خلال- فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم الله الذي

стр. 3671

يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين". وسيأتي الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ (٢). الآية، فلم يسلب عنهم الإيمان بعدم المهاجرة. وذهب الجمهور إلى وجوبها لحديث جرير المذكور آنفا، وأخرج النسائي (٣) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين". وعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). وقد أرسل بها النبي ﷺ إلى مكة. وأجاب من لم يوجب الهجرة بأن حديث: "لا هجرة بعد الفتح". عام ناسخ لما سبقه وإن كان فيه احتمال أنه لا هجرة من مكة، وبأن هذه الأحاديث في حق من لم يأمن على دينه، وأما من أمن على دينه وأمكنه استكمال الواجبات، فهو خارج من ذلك، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ويكون الحكم بعد النبي ﷺ هكذا؛ وهو أن من لم يمكنه استكمال ما يجب عليه من دينه تجب عليه المهاجرة إلى دار يمكنه الاستكمال فيها، ومن أمكنه الاستكمال لا تجب عليه الهجرة، وقد ذهب إلى هذا أيضًا الهادي والقاسم والإمام يحيى. وقال الجمهور: إن الهجرة من دار الفسق التي تظهر فيها المعاصي

стр. 3672

تستحب ولا تجب، إلا أن يغلب على رزقها الحرام، وجب الخروج لطلب الحلال؛ فإن طلب الحلال فريضة. واختار الإِمام المهدي واستقر به لمذهب الهدوية (١) أنها تجب الهجرة عن دار الكفر وعن دار الفسق إلى خلي عما هاجر لأجله، أو ما فيه دونه، بنفسه وأهله إلا لمصلحة أو عذر. واحتج بما تقدم من الحديث، وقد حكي وجوب الهجرة عن دار الفسق للقاسم وأسباطه، وذكره المؤيد بالله، قال: وهو الظاهر من مذهب أهل البيت. وقال أكثر المعتزلة وأكثر الفقهاء وحكاه في "الكافي" عن السادة أنها لا تجب الهجرة عن دار الفسق. ودليل من أوجب من دار الفسق القياس على دار الكفر بجامع ظهور المعاصي فيهما, ولقوله ﷺ : "لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل". أخرجه (أ). ويجاب بمعارضة الأحاديث التي مرت، والله أعلم. وقوله: "ولكن جهاد ونية". قال الطيبي وغيره (٢): هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة [على] (ب) الأعيان إلى المدينة أنقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في

стр. 3673

جميع ذلك. وقال النووي (١): المعنى: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. و"جهاد" معطوف بالرفع على محل اسم لا. وقال ابن العربي (٢): الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإِسلام، وكانت فرضًا في عهد رسول الله ﷺ واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان. فائدة: قال ابن أبي جمرة (٢): إن الحديث يمكن تنزيله على مراتب أحوال المسالك، فإنه أولًا يؤمر بأن يهجر مألوفاته حتى يحصل له الفتح، فإذا حصل أمر بالجهاد، وهو مجاهدة النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك. ١٠٥٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". متفق عليه (٣). الحديث أخرجه البخاري (٤) في باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره

стр. 3674

من حديث أبي موسى: قال أعرابي للنبي ﷺ : الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وأخرجه أيضًا في باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. وهذا الأعرابي السائل، يمكن أن يفسر بلاحق بن [ضميرة] (أ) الباهلي، فإنه ذكر حديثه أبو موسى [المديني] في "الصحابة" من طريق عفير بن معدان: سمعت لاحق بن [ضميرة] (أ) الباهلي، قال: وفدت على النبي كيم فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر؟ فقال: "لا شيء له". الحديث، وفي إسناده ضعف، وقد أخرجه الطبراني (١) من وجه آخر عن أبي موسى، أنه قال: يا رسول الله. فذكره. ويبعد أن أبا موسى أبهم نفسه وعبر عنها بلفظ: أعرابي. فلعل ما وقع في "الطبراني" وهم. والحديث فيه دلالة على أن حصول الأجر لا يكون إلا لمن قاتل لهذه الفضيلة، يدل عليه الجواب بالشرط والجزاء، ومفهوم الشرط أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل الله كما هو المعتبر من مفهوم المخالفة، ولكن يبقى الكلام إذا ضم إليها قصد غيرها، وهو المغنم مثلًا، هل هو في سبيل الله أو لا؟ والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سببل الله مع التشريك، لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويتأيد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ

стр. 3675

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج فكذلك غيره، وكذلك ما أخرجه أبو داود (٢) بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: بعثنا رسول الله ﷺ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئًا، فقال: "اللهم لا تكلهم إلى ... " الحديث. وقال [الطبري] (أ): إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل من غيره ضمنا. وبذلك قال الجمهور، فالحاصل أنه ينظر إلى أصل الباعث، فإن كان الباعث هو إعلاء لكلمة الله كان في سبيل الله وإن انضم إليه غيره، وإن كان الباعث غيره لم يكن في سبيل الله وإن حصل، وبقي الكلام إذا استوى قصدهما، وظاهر الحديث والآية أن ذلك لا يضر، ولكن يعارضه ما رواه أبو داود والنسائي (٣) من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ قال: "لا شيء له". فأعادها ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا شيء له". ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه". وقال ابن أبي جمرة (٤): ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه. انتهى.

стр. 3676

وجوابه ﷺ على السائل بقوله: "من قاتل ... " إلخ، باللفظ الجامع دون تعيين حد المسئول عنه؛ إحالة للسامع على الاجتهاد وإعمال الروية في تعيين ما هو في سبيل الله، فيكون ادعي في تحري إخلاص المقصد وتحرير النية الصالحة مع ما قد تقرر في الأذهان أن الأعمال بالنيات. وفي ترديد النظر في الأقسام المحتملة زيادة عمل؛ [لرجاء] (؟) إدراك الفضيلة، وقال المصنف (١) رحمه الله تعالى: إنما أجاب بذلك لأنه لو أجابه بأن جميع ما سأله عنه ليس في سبيل الله، احتمل أن يكون ما عدا ذلك في سبيل الله، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو". راجعًا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل"، أي: قتاله قتال في سبيل الله. وقال ابن بطال (٢): إنما عدل النبي ﷺ إلى لفظ جامع فأفاد دفع الالتباس، وزيادة الإفهام. انتهى. وقد اشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، فكلها متلازمة، ويتلخص مما ذكر في الحديث أن القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا الأول، فإنه قد ذكر في الرواية الأولى القتال للذكر، وهو السمعة، والقتال للرياء، ومرجعهما إلى القوة الشهوانية، وقد جاء في رواية منصور (٣)

стр. 3677

والأعمش (١) زيادة: ويقاتل حمية. أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، وفي رواية منصور أيضًا زيادة: ويقاتل غضبًا. أي لأجل حظ نفسه، ومرجعهما إلى القوة الغضبية. والله أعلم. ١٠٥٥ - وعن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو". رواه النسائي وصححه ابن حبان (٢). هو أبو محمَّد عبد الله بن السعدي، والسعدي مختلف في اسمه، فقيل: هو قدامة -بضم القاف وتخفيف الدال المهملة- وقيل: عمرو. وقيل: [عبد الله] (أ) بن وقدان -بفتح الواو وسكون القاف وبالدال المهملة والنون- المالكي. وإنما قيل له: السعدي. لأنه كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، وإنما قيل له: المالكي؛ لأنه نسب إلى جده مالك بن حسل -بكسر الحاء المهملة وسكون السين وباللام- له صحبة ورواية, وروى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه حويطب بن عبد العزي، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن محيريز، وقد اختلف عليه في ذكر حديثه، فأخرجه الحميدي في "الجمع بين الصحيحين": عبد الله بن السعدي، وفي رواية أخرى: عن ابن السعدي المالكي. وأخرجه أبو داود (٣): عن ابن الساعدي.

стр. 3678

وأخرجه النسائي (١) في موضع: عن ابن الساعدي المالكي، وفي موضع آخر (٢) مثل الحميدي، سكن عبد الله الأردن ومات بالشام سنة سبع وخمسين. والحديث أخرجه أيضًا البغوي وابن السكن، وأخرج أبو داود (٣) عن معاوية مرفوعًا: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". وفي الحديث دلالة على أن حكم الهجرة بأن إلى يوم القيامة، فإن قتال العدو مستمر، ولكنه لا يدل على وجوبها، والظاهر أن فضيلة الهجرة وثوابها مجمع عليه، وأما الوجوب ففيه ما تقدم من الخلاف. ١٠٥٦ - وعن نافع قال: أغار رسول الله ﷺ علي بني المصطلق وهم غارُّون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، حدثني بذلك عبد الله بن عمر ﵁. متفق عليه (٤). هو أبو عبد الله نافع بن سرجس -بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر [الجيم] (أ) - مولى عبد الله بن عمر، كان ديلميا، من كبار التابعين المدنيين، سمع ابن عمر وأبا سعيد الخدري، وروى عنه الزهريّ،

стр. 3679

وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وعاصم بن عمر بن الخطاب، ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد. مات سنة سبع عشرة [ومائة] (أ)، وقيل: سنة عشرين. قوله: علي بن المصطلق. المصطلق -بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف- وهم بطن شهير من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة، يقال: إن المصطلق [لقب] (٥)، واسمه جَذِيمة بفتح الجيم بعدها ذال معجمة مكسورة. وقوله: وهم غارون -بالغين المعجمة وتشديد الراء- جمع غار بالتشديد، أي: غافلون، أي: أخذهم على غرة. والحديث فيه دلالة على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإِسلام في حق الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار. وفي المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي أبو بكر بن العربي (١)؛ أحدها: أنه يجب الإنذار مطلقًا. قاله مالك وغيره، والحديث هذا يرد عليه. والثاني: لا يجب مطلقا. وورد عليه حديث بريدة الآتي بعد هذا، أخرجه مسلم، وفيه: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث

стр. 3680

خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم". فإن قوله: "ثم ادعهم إلى الإِسلام". يدل على وجوب الدعاء. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه يحصل التوفيق بين الأدلة، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف (١)، وقتل ابن أبي الحقيق (٢) وغير ذلك. وادعى الإِمام المهدي في "البحر" الإجماع على وجوب دعوة من لم تبلغه دعوة الإِسلام. وقوله: سبى ذراريهم. دلالة على جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وقد ذهب إليه جمهور العلماء وقول الشافعي في الجديد، وقال به مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وذهب جماعة من العلماء، منهم سعيد بن المسيب والزهري والشعبي، ورواية عن عمر لحديث معاذ مرفوعًا يوم حنين: "لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم، إنما هو أسر أو فداء". وضعفه البيهقي بالواقدي (٣)، ورواه
следующие страницы →