وجوابه ﷺ على السائل بقوله: "من قاتل ... " إلخ، باللفظ الجامع دون تعيين حد المسئول عنه؛ إحالة للسامع على الاجتهاد وإعمال الروية في تعيين ما هو في سبيل الله، فيكون ادعي في تحري إخلاص المقصد وتحرير النية الصالحة مع ما قد تقرر في الأذهان أن الأعمال بالنيات. وفي ترديد النظر في الأقسام المحتملة زيادة عمل؛ [لرجاء] (؟) إدراك الفضيلة، وقال المصنف (١) رحمه الله تعالى: إنما أجاب بذلك لأنه لو أجابه بأن جميع ما سأله عنه ليس في سبيل الله، احتمل أن يكون ما عدا ذلك في سبيل الله، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو". راجعًا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل"، أي: قتاله قتال في سبيل الله. وقال ابن بطال (٢): إنما عدل النبي ﷺ إلى لفظ جامع فأفاد دفع الالتباس، وزيادة الإفهام. انتهى.
وقد اشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، فكلها متلازمة، ويتلخص مما ذكر في الحديث أن القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا الأول، فإنه قد ذكر في الرواية الأولى القتال للذكر، وهو السمعة، والقتال للرياء، ومرجعهما إلى القوة الشهوانية، وقد جاء في رواية منصور (٣)
стр. 3677
والأعمش (١) زيادة: ويقاتل حمية. أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، وفي رواية منصور أيضًا زيادة: ويقاتل غضبًا. أي لأجل حظ نفسه، ومرجعهما إلى القوة الغضبية. والله أعلم.
١٠٥٥ - وعن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو". رواه النسائي وصححه ابن حبان (٢).
هو أبو محمَّد عبد الله بن السعدي، والسعدي مختلف في اسمه، فقيل: هو قدامة -بضم القاف وتخفيف الدال المهملة- وقيل: عمرو. وقيل: [عبد الله] (أ) بن وقدان -بفتح الواو وسكون القاف وبالدال المهملة والنون- المالكي. وإنما قيل له: السعدي. لأنه كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، وإنما قيل له: المالكي؛ لأنه نسب إلى جده مالك بن حسل -بكسر الحاء المهملة وسكون السين وباللام- له صحبة ورواية, وروى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه حويطب بن عبد العزي، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن محيريز، وقد اختلف عليه في ذكر حديثه، فأخرجه الحميدي في "الجمع بين الصحيحين": عبد الله بن السعدي، وفي رواية أخرى: عن ابن السعدي المالكي. وأخرجه أبو داود (٣): عن ابن الساعدي.
стр. 3678
وأخرجه النسائي (١) في موضع: عن ابن الساعدي المالكي، وفي موضع آخر (٢) مثل الحميدي، سكن عبد الله الأردن ومات بالشام سنة سبع وخمسين.
والحديث أخرجه أيضًا البغوي وابن السكن، وأخرج أبو داود (٣) عن معاوية مرفوعًا: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
وفي الحديث دلالة على أن حكم الهجرة بأن إلى يوم القيامة، فإن قتال العدو مستمر، ولكنه لا يدل على وجوبها، والظاهر أن فضيلة الهجرة وثوابها مجمع عليه، وأما الوجوب ففيه ما تقدم من الخلاف.
١٠٥٦ - وعن نافع قال: أغار رسول الله ﷺ علي بني المصطلق وهم غارُّون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، حدثني بذلك عبد الله بن عمر ﵁. متفق عليه (٤).
هو أبو عبد الله نافع بن سرجس -بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر [الجيم] (أ) - مولى عبد الله بن عمر، كان ديلميا، من كبار التابعين المدنيين، سمع ابن عمر وأبا سعيد الخدري، وروى عنه الزهريّ،
стр. 3679
وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وعاصم بن عمر بن الخطاب، ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد. مات سنة سبع عشرة [ومائة] (أ)، وقيل: سنة عشرين.
قوله: علي بن المصطلق. المصطلق -بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف- وهم بطن شهير من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة، يقال: إن المصطلق [لقب] (٥)، واسمه جَذِيمة بفتح الجيم بعدها ذال معجمة مكسورة.
وقوله: وهم غارون -بالغين المعجمة وتشديد الراء- جمع غار بالتشديد، أي: غافلون، أي: أخذهم على غرة.
والحديث فيه دلالة على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإِسلام في حق الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار. وفي المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي أبو بكر بن العربي (١)؛ أحدها: أنه يجب الإنذار مطلقًا. قاله مالك وغيره، والحديث هذا يرد عليه.
والثاني: لا يجب مطلقا. وورد عليه حديث بريدة الآتي بعد هذا، أخرجه مسلم، وفيه: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث
стр. 3680
خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم". فإن قوله: "ثم ادعهم إلى الإِسلام". يدل على وجوب الدعاء.
والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه يحصل التوفيق بين الأدلة، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف (١)، وقتل ابن أبي الحقيق (٢) وغير ذلك. وادعى الإِمام المهدي في "البحر" الإجماع على وجوب دعوة من لم تبلغه دعوة الإِسلام.
وقوله: سبى ذراريهم. دلالة على جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وقد ذهب إليه جمهور العلماء وقول الشافعي في الجديد، وقال به مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وذهب جماعة من العلماء، منهم سعيد بن المسيب والزهري والشعبي، ورواية عن عمر لحديث معاذ مرفوعًا يوم حنين: "لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم، إنما هو أسر أو فداء". وضعفه البيهقي بالواقدي (٣)، ورواه
стр. 3681
الطبراني (١) من طريق أخرى، وفيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي - إلى أنهم لا يسترقون، وهو قول الشافعي في القديم. وذهب الهدوية إلى جواز استرقاق العربي الكتابي، ولا يسترق غير الكتابي، وأما ذراري العرب فيسترقون مطلقا. واختلفوا هل يثبت بعد البلوغ استرقاقهم ولو كانوا غير كتابيين، أو ذلك لا يثبت إلا في الكتابيين؟ والله سبحانه أعلم.
١٠٥٧ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا, ولا تغدروا, ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك؛ فإنكم أن تخفروا ذمتكم أهون من [أن] (أ) تخفروا ذمة الله، وإن
стр. 3682
أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل، بل على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". أخرجه مسلم (١).
قوله: على جيش. الجيش الجند، أو السائرون إلى الحرب، أو غيره، والسرية قطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه. قال إبراهيم الحربي (٢): هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، قالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، يقال: سري وأسرى، إذا ذهب ليلًا. والغلول بضم الغين المعجمة: الخيانة مطلقًا، أو خاص بالمغنم، يقال: أغل وغل غلولًا، والغدر مصدر غدر، وهو ضد الوفاء، ومضارعه يغدر بالضم والكسر، والوليد الصبي.
وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان، وتحريم المثلة، وفيه استحباب وصية الإِمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله، والرفق بمن معه من المسلمين، وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يكره، وما يستحب.
وقوله: "ادعهم إلى الإِسلام". هو بيان لقوله "ثلاث خصال". وقد وقع في نسخ "مسلم" جميعها "ثم ادعهم" بزيادة "ثم" قال القاضي عياض (٣): الصواب إسقاط "ثم". وقد جاء إسقاطها في كتاب أبي عبيد وفي
стр. 3683
"سنن أبي داود" وغيرهما (١)، لأنه تفسير للخصال الثلاث، وقال المازري (٢): ليست ["ثم" هنا زائدة، بل] (أ) دخلت لاستفتاح الكلام. وفيه دلالة على وجوب الدعاء إلى الإسلام. وقد تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله.
وقوله: "ثم ادعهم إلى التحول ... " إلى آخره. فيه دلالة على أنه يندب الهجرة من البادية التي لا يكون فيها من يعلم شرائع الدين، ولا يجب ذلك، وفيه دلالة على أن الفيء والغنيمة لا يستحقها إلا المهاجرون، وأن الأعراب لا حق لهم فيها، وأن حقهم في سهم الفقراء والمساكين من الزكاة، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وقال: لا يعطى أهل الفيء من الزكاة، ولا أهل الزكاة من الفيء. وقال مالك وأبو حنيفة وهو مذهب الهدوية: إن المالين على سواء، ويجوز صرف كل واحد منهما في مصرف الآخر. وقال أبو عبيد (٣): هذا الحديث منسوخ، قال: وإنما كان هذا الحكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٤). وهذا الذي ادعاه من النسخ لا يسلم له.
وقوله ﷺ : "فسلهم الجزية ... " إلى آخره. والحديث فيه دلالة على أن الجزية تقبل من كل كافر سواء كان عربيًّا أو عجميًّا، كتابيًّا أو غير كتابي؛ لعموم قوله: "عدوك". وقد ذهب إلى هذا مالك والأوزاعي وغيرهما،
стр. 3684
وذهب الشافعي إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجمًا، وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). بعد ذكر أهل الكتاب، ولقوله ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٢). وما عداهم فداخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤). والحديث وارد قبل الفتح بدليل الأمر بالتحول والهجرة، والعموم في الآيات بعد الهجرة، فيكون الحديث عمومه منسوخًا، أو يتأول أن: "عدوك". يراد به من كان من أهل الكتاب، وهم يسمون مشركين، وذهب العترة وأبو حنيفة إلى أن الجزية لا تقبل من العربي غير الكتابي؛ لعموم قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وتقبل من الكتابي ومن العجمي وإن كان غير كتابي، قال في "البحر": لأنه أمر تعالى بالقتل ولم يذكر الجزية. ولا يخفى ضعف الاحتجاج.
وقوله: "ذمة الله و (أ) ذمة نبيه". الذمة هي عقد الصلح والمهادنة، وهذا نهي تنزيه لا تحريم، والظاهر أن ذلك إجماع، وإنما وقع النهي لأنه ينقض الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها بعض من لا يعرف التحريم وسواد الجيش، وإلا فنقض الذمة محرمة على كل حال، سواء كانت
стр. 3685
معقودة على ذمة الله أو على ذمة المسلمين.
وقوله: "أن تخفروا". بضم التاء، من أخفر، تقول: أخفرت الرجل. إذا نقضت عهده، وخفرته بمعنى أمنته وحميته، فالهمزة للسلب، كقولك: أعجمت الكتاب. أي: أزلت عجمته، وخفرته أي: أمنته.
وقوله: "فلا تنزلهم على حكم الله ... " إلى آخره. هذا النهي أيضًا محمول على التنزيه والاحتياط، وفيه حجة لمن يقول: الحق مع واحد، وليس كل مجتهد مصيبا؛ لأنه لو كان الحق ما أدى إليه الاجتهاد لكان ذلك حكم الله تعالى؛ لأنه لا مراد لله معين، بل مراد الله تعالى تابع لما أدى إليه نظر المجتهد. وقد يجاب عنه بأن الحديث [مبني] (أ) على الاحتياط، وذلك لأن المجتهد عند من يقول: إن الحق غير معين. قد لا يوفي الاجتهاد حقه، فلا يكون صوابًا على كل تقدير موافقًا لحكم الله، ولذلك حمل على التنزيه، أو يقال بأن ذلك إنما كان في زمن النبي ﷺ ؛ لأنه لا يأمن أن ينزل على النبي ﷺ وحي ناسخ لما قد كان عَلِمه قبل، فيكون منه الحكم بناء على بقاء حكم المنسوخ، وأما بعد النبي ﷺ فهذا المعنى قد انتفى. والأول أولى، والله أعلم.
١٠٥٨ - وعن كعب بن مالك رضي الله أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها. متفق عليه (١).
стр. 3686
وفي لفظٍ للبخاري (١): قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم. الحديث.
وقوله: ورَّى. أي سترها وأظهر غيرها، قال في "الضياء": ورَّى الأمر، أخفاه وأظهر غيره، ومنه الحديث. وكذا في "القاموس" (٢)، وقيل: هو في الحرب أخذ العدو على غرة. وقيَّده السيرافي (٣) في "شرح سيبويه" بالهمز، قال: وأصحاب الحديث لم يضبطوا فيه الهمز، فكأنهم سهلوها. وذكره في "القاموس" في باب الياء، وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للإنسان ألا يُظهر ما يريد أن يفعله في المستقبل. وهو مطابق لمعنى قوله ﷺ : "استعينوا على أموركم بالكتمان" (٤).
١٠٥٩ - وعن معقل أن النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس،
стр. 3687
وتهب الرياح، وينزل النصر. رواه أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم، وأصله في البخاري (١).
هو معقل بن مقرن (٢) المزني، أخو النعمان بن مقرن، يكنى أبا عمارة، وكانوا سبعة إخوة كلهم [هاجر وصحب] (أ) النبي ﷺ وليس [ذلك] (ب) لأحد من العرب سواهم، كذا قاله محمد بن عبد الله بن نمير، وذكر الواقدي أن الصحابة منهم خمسة والله أعلم (جـ) (٣).
الحديث أخرجه البخاري من حديث النعمان بن مقرن في باب الجزية بلفظ: إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات. والحكمة في التأخير أن أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد
стр. 3688
وقع به النصر في الأحزاب فصار مظنة لذلك، وقد جاء هذا المعنى مصرحًا في رواية للترمذي (١) لحديث النعمان، وفيها انقطاع، قال: غزوت مع النبي ﷺ فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتضف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت قاتل، فإذا دخل وقت العصر أمسك حتى يصليها، ثم يقاتل، وكان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم. وقد علل بأن الرياح تهب عاليًا بعد الزوال فيحصل [بها] (أ) تبريد حدة السلاح [والحرب] (ب)، والزيادة في النشاط، والريح جاء جمعها على أرواح؛ لأن الياء في ريح أصلها الواو، وإنما قلبت ياء لكسر ما قبلها، فجاء الجمع على الأصل لعدم المقتضي لقلبها ياء فيه، وقد حكى ابن جني جمعها على أرياح حملًا للجمع على المفرد، وجمعت على رياح، ومقتضى القلب باق، ولا يعارض هذا ما ثبت أنه ﷺ كان يغير صباحًا؛ لأن هذا في الإغارة، وذلك عند المصافة للقتال.
١٠٦٠ - وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الذراري من المشركين، يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم". متفق عليه (٢).
стр. 3689
قوله: سئل عن الدار. هكذا في مسلم، وفي بعض نسخ مسلم: عن الذراري. وفي لفظ البخاري: عن أهل الدار. وهو تصريح بالمضاف المحذوف في رواية مسلم، وأما رواية الذراري جمع ذرية، فقد حكم القاضي عياض بأنها تصحيف وباطلة (١)، ويجاب عليه بأن لها وجهًا، والمعنى: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون، فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: "هم من آبائهم". أي: لا بأس على من أصابهم؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم.
وقوله: يبيتون. بصيغة الفعل المضارع المستند إلى المفعول الذي لم يسم فاعله، والمراد به الإغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم، فيصاب النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء، والسائل هو الصعب، وقد وقع مصرحًا في "صحيح ابن حبان" (٢) عن الصعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: "نعم". وقد ذهب إلى جواز قتل النساء والصبيان في البيات الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور.
وقوله: "هم منهم". أي: في حكم الدنيا. وليس المراد إباحة قتلهم قصدًا، بل إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا به، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، وقد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة: ثم نهى عنهم يوم حنين. وهي مدرجة في حديث الصعب، وفي "سنن أبي داود"
стр. 3690
في آخره (١): قال سفيان: قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان. ويؤيد أن النهي في حنين ما في البخاري (٢): فقال النبي ﷺ لأحدهم: "الحق خالدًا فقل له: لا تقتل ذرية ولا عسيفًا". والعسيف بمهملتين وياء: الأجير، وأول مشاهد خالد مع النبي ﷺ كانت غزوة حنين، وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٣) من حديث ابن عمر، قال: لما دخل النبي ﷺ مكة أتي بامرأة مقتولة، فقال: " [ما] (أ) كانت هذه تقاتل". فنهى. وأخرج أبو داود في "المراسيل" (٤) عن عكرمة أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف، فقال: "ألم أنه عن قتل النساء؟! مَن صاحبها؟ ". فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ أردفتها، فأرادت أن تَصْرعَني فتقتلني فقتلتها. فأمر بها أن توارى. وقد ذهب إلى العمل بظاهر النهي وعمومه مالك والأوزاعي وقالا: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم [يجز] (ب) رميهم ولا تحريقهم. وقد ذهب إلى هذا الهدوية؛ إلا أنهم قالوا في قتل الترس: إنه يجوز قتل النساء والصبيان إذا كان يخشى قتل من صالوا عليه إذا لم يقتلوا، فإنه يجوز قتل النساء والصبيان،
стр. 3691
وأما إذا ترَّسوا بمسلم فلا يجوز قتله إلا إذا خشي استئصال المسلمين، وذهب الشافعي والكوفيون إلى جواز قتل المرأة إذا قاتلت، وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل أو قصدت إليه. قالوا: وكذلك الصبي المراهق. ويحتج لما ذهب إليه الشافعي وغيره بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان (١) من حديث رياح -بكسر الراء المهملة وياء تحتانية باثنتين- بن الربيع التميمي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل! ". فمفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، وءان كان يحتمل أن المرأة ليست مظنة للقتال، وليس ذلك صفة هذا النوع فيدافع بغير القتل ما أمكن مثل الصائل من الحيوانات، وقد اتفق الجميع كما نقل ابن بطال (٢) وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان؛ أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم من الانتفاع [بهم] (أ)، إما بالرق أو الفداء. وحكى الحازمي قولًا (٣) بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب.
وفي الحديث دلالة على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص؛ لأن الصحابة تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك، ثم نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان، فخصص ذلك العموم. وقد يستدل به على جواز
стр. 3692
تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. وقوله: "هم منهم". يعني أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب؛ الصحيح: أنهم في الجنة. والثاني: أنهم في النار. والثالث: الوقف.
١٠٦١ - وعن عائشة ﵂، أنَّ النبي ﷺ قال لرجل تبعه يوم بدر: "ارجع، فلن أستعين بمشرك". رواه مسلم (١).
الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بالمشرك في القتال، وقد ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابة إلى جواز ذلك؛ لأنه ﷺ استعان بصفوان بن أمية يوم [حنين] (أ)، واستعان يوم حنين بجماعة من المشركين وتألفهم بالغنائم، واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٢)، وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلًا (٣)، ومراسيل الزهري ضعيفة، قال الذهبي في "التذكرة" (٤): لأنه كان حافظًا، ففي إرساله شبهة تدليس. وصحح البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم (٥). قال المصنف رحمه الله تعالى (٦): ويجمع
стр. 3693
بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الإسلام، فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، وهذا أقرب، ولكنهم شرطوا أن يستقيموا على أوامره ونواهيه، واشترطت الهدوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام، وقال الشافعي وآخرون: إن كان للكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، وإلا فيكره، وحمل الحديث على هذين الحالين، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" (١)، ونسب الإمام المهدي في "البحر" (٢) إلى أحد قولي الشافعي أنه لا يستعان بمشرك على باغ، ورد عليه بأنه قد استعان النبي ﷺ بخزاعة، ولا فرق بين الفسق والشرك مع جواز القتل، قال: ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا؛ لاستعانته ﷺ بعبد الله بن أبي وأصحابه، ويجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعَا، وعلى البغاة عندنا؛ لاستعانة علي بالأشعث (٣). انتهى كلامه. فإذا حضر الكافر القتال رضخ (٤) له ولا سهم.
١٠٦٢ - وعن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر كعل النساء والصبيان. متفق عليه (٥).
стр. 3694
تقدم الكلام على الحديث (١).
١٠٦٣ - وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شَرْخهم". رواه أبو داود وصححه الترمذي (٢).
وأخرجه أحمد أيضًا (٣). وهو من رواية الحسن عن سمرة.
قوله: "شيوخ". جمع شيخ، والشيخ من استبانت فيه السن، أو من بلغ خمسين سنة أو إحدى وخمسين سنة كما في "القاموس" (٤)، والمراد هنا الرجال المسانّ أهل الجلد والقوة على القتال، ولم يرد الهَرْمَى، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا. كذا في "النهاية" (٥). والشرخ -بالشين والخاء المعجمتين بينهما راء مهملة- أيضًا: أول الشباب، قال حسان (٦):
[إن] (أ) شَرْخَ الشبابِ والشعَرَ الأسـ ... ـود ما لم [يُعَاصَ] (ب) كان جنونا
والحديث يحتمل أن يراد به أنه يقتل من كان بالغًا، فعبر عنه بالشيخ من
стр. 3695
باب التغليب، ويستبقى من كان صغيرًا، فيكون موافقًا لما تقدم من النهي عن قتل الصبي، ويحتمل أن يراد به استبقاء من كان في أول الشباب وإن كان بالغًا؛ رجاء أن يسلم، كما قال أحمد بن حنبل: الشيخ لا يكاد يسلم، والشاب أقرب إلى الإسلام. فيكون الحديث مخصوصًا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية، والله أعلم.
١٠٦٤ - وعن علي ﵁، أنهم تبارزوا يوم بدر. رواه البخاري وأخرجه أبو داود مطولًا (١).
لفظ البخاري في المغازي: عن علي ﵁ أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس (أ): وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٢). قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة، وعلي، وعبيدة -أو أبو عبيدة- بن الحارث، ﵃، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
وأخرج (٣) عن قيس بن عباد قال: قال علي ﵁: فينا نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. انتهى. لم يذكر في هذه
стр. 3696
الرواية تفصيل المبارزين، وذكر ابن إسحاق (١): أن عبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة كانا أسن القوم، فبرز [عبيد] (أ) لعتبة، وحمزة لشيبة، وعلي للوليد. وعند موسى بن عقبة (٢): أنه برز حمزة لعتبة، وعبيدة لشيبة، فقتل علي وحمزة من بارزهما، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا بالصَّفْراء (٣)، ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز عبيدة فأعاناه على قتله.
الحديث فيه جواز المبارزة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك للحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الأمير كما في هذه الرواية، فإن النبي ﷺ أذن للمذكورين بالمبارزة. وفي الحديث دلالة على جواز إعانة المبارز رفيقه، والله أعلم.
١٠٦٥ - وعن أبي أيوب ﵁ قال: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). قاله ردًّا على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم. رواه الثلاثة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٥).
стр. 3697
الحديث أخرجوه من طريق أسلم بن يزيد أبي عمران، قال: كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صَفِّ الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلًا، [فصاح] (أ) الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصره، قلنا بيننا سرًّا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردنا. وصحَّ عن ابن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية (١).
والحديث فيه دلالة على جواز دخول الواحد في صَفِّ القتال ولو ظن الهلاك، كما أنكر أبو أيوب على من تأول الآية. وذكر الإمام يحى وجهين إذا ظن الهلاك، أحدهما: يجب الهرب، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ و: لا (٢)؛ إذ قال له رجل: يا رسول الله، أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت، أإلى الجنة؟ قال: "نعم" (٣). ومن انغمس
стр. 3698
فيهم غلب في ظنه أنه يقتل، هكذا في "البحر"، وقال المصنف رحمه الله تعالى (١) في مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو: وصرح الجمهور بأنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يُرْهِبُ العدو بذلك، أو يُجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، لا سيما إن ترتب على ذلك وَهَنٌ في المسلمين. والله أعلم.
١٠٦٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: حَرّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع. متفق عليه (٢).
في الحديث دلالة على أنه يجوز إفساد مال أهل الحرب بالتحريق والقطع لمصلحة يراها الإمام في ذلك، بأن النبي ﷺ حَرَّق البويرة -بالباء الموحدة مُصَغَّر بؤرة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وتيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضًا [البويلة] (أ) باللام بدل الراء- ونزلت الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة﴾ الآية (٣). لما قال المشركون: إنك تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع
стр. 3699
الأشجار وتحريقها؟ وفيها قال حسان شعرًا:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
وقوله: سراة. بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري، وهو الرئيس، والنضير بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: قبيلة [كبيرة] (أ) من اليهود. وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام (١):
قسم وادعهم على ألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة؛ قريظة والنضير وقينقاع -ونون قينقاع مثلثة، والأشهر فيها الضم- وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف العرب؛ فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، والعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوه باطنًا كالمنافقين، فكان أول من نقض العهد بني قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، فأراد قتلهم فاستوهبهم [منه] (ب) عبد الله بن أبي، وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرِعات، ثم نقض العهد بنو النضير، وكان رئيسهم حيي بن أخطب. واختلف أهل السير في سبب نقض العهد، فأخرج ابن مردويه (٢) بإسناد صحيح إلى معمر
стр. 3700
عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم [بجميع] (أ) العرب، فهمّ ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: "ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش! يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم". فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر، كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون. [يتهددونهم] (ب)، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك. [ففعل] (ب)، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم، فرجع وصَبَّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا علي بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يُخْرِبون [بيوتهم بأيديهم] (جـ) فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام.
стр. 3701
وكذا أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" (١) عن عبد الرزاق، وذكر ابن إسحاق (٢) وغيره غير هذا السبب، وسيأتي قريبًا من آخر الباب في حديث ابن عمرو هذا أصح إسنادًا، قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر (٣)، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا. وجزم ابن إسحاق بأن قصتهم كانت بعد أحد وبعد قضية بئر معونة (٣)، ورجحه الداودي على ما حكاه عنه ابن التين، ولم [يسلم] (أ) منهم إلا يامين بن عمير، وأبو سعيد بن وهب، فأحرزا أموالهما. ثم نقضت قريظة العهد بعد وقعة الخندق.
وفي الآية الكريمة تصريح بأن المقطوع من النخل هو اللين، قال السهيلي (٤): في تخصيصها بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو هو ما لا يكون معدًا للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبَرْني (٥) دون اللينة، وكذلك ترجم البخاري في التفسير (٦): باب ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة﴾. نخلة ما لم تكن برنية أو عجوة. وقيل: اللينة الدقل، فعلى هذا لا
стр. 3702
يتم الاحتجاج بالآية ولا بالحديث على جواز إفساد النافع من المال، وفي "القاموس" و"الضياء" على كلام السهيلي، وفي "معالم التنزيل" (١): اللينة فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل: من اللين، ومعناه النخلة الكريمة، وجمعها ليان، فعلى هذا يتم الاحتجاج بالاية والحديث على ما ذكر، لأن الآية والحديث وردا في قصة واحدة، ويؤيده ما رواه ابن إسحاق والبيهقي وموسى بن عقبة (٢)، أن النبي ﷺ أمر مالك بن عوف بهدم أبنية الطائف وقطع الأعناب. وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا تفعلوا شيئًا من ذلك. وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال، وكما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو مما أجيب به في قتل النساء والصبيان، ولهذا قال أكثر أهل العلم: ونهي أبي بكر لأنه علم أن تلك البلاد تُفتح فأراد بقاءها على المسلمين. والله أعلم.
١٠٦٧ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تغلوا؛ فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة". رواه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان (٣).
стр. 3703
الغلول: بضم المعجمة واللام أي: الخيانة في المغنم، قال ابن قتيبة (١): سُمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه، أي يخفيه، ونقل النووي (٢) الإجماع على أنه من الكبائر.
وفي الحديث دلالة على تعظيم شأن الغل، وأن صاحبه يشتهر بذلك يوم القيامة، وقد نبه على ذلك قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). وفسره النبي ﷺ في رواية أبي هريرة أخرجها البخاري (٤)، قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول، فعظَّمه وعظَّم أمره، فقال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، وعلى رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". انتهى.
فدلَّ الحديث أنه يأتي الغالُّ بهذه الحالة الشنيعة يوم القيامة، وهو معنى قوله في حديث عبادة: "عار". ويدل على أن هذا الذنب لا يُغفر بالشفاعة، وإن كان ﷺ له الشفاعة العظمى يوم القيامة، إلا أنه يحتمل أنه ﷺ أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ (٥) بعد آية الحج، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر لا بد منه عقوبة
стр. 3704
ليفتضح على رءوس الأشهاد، وبعد ذلك أمره إلى الله . قال ابن المنذر (١): أجمعوا على أن الغال يعيد ما غل قبل القسمة. وأما بعدها؛ فقال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي. وكان الشافعي لايرى ذلك، ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره. قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.
١٠٦٨ - وعن عوف بن مالك ﵁، أنّ النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل. رواه أبو داود وأصله عند مسلم (٢)(٣).
الحديث رواه أبو داود وابن حبان والطبراني (٤) بزيادة: ولم يخمس السلب. وحديث مسلم فيه قصة لعوف بن مالك مع خالد بن الوليد.
الحديث فيه دلالة على أن السلب يستحقه القاتل؛ سواء كان بشرط
стр. 3705
الإمام أو لم يكن، وسواء كان القاتل مقبلًا أو منهزمًا، ممن يستحق السهم في المغنم أم لا، فإن قوله: قضى بالسلب للقاتل. يدل على أن هذا حكم مطلق غير مقيد. قال الشافعي: وقد حفظ عن النبي ﷺ هذا الحكم في مواطن؛ منها يوم بدر، كما في حديث قاتلي أبي جهل (١)، فإنه حكم [بسلبه] (أ) لمعاذ ابن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل، وكذا في قتل حاطب بن أبي بلتعة لرجل يوم أحد فأعطاه النبي ﷺ سلبه. أخرجه البيهقي (٢). ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة رجلًا فنفله النبي ﷺ سلبه (٣). وكان ذلك الحكم مقررًا في الصحابة، حتى قال عبد الله بن جحش يوم أحد: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا فأقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه. رواه الحاكم والبيهقي (٤) بإسناد صحيح، وكما في قتل صفية يوم الخندق لليهودي، وقولها لحسان: انزل واسلبه. فقال: ما لي بسلبه حاجة. أخرجه أحمد (٥) بإسناد قوي، وقول عمر لعلي (٢) في قتله [عمرو بن عبد ود] (ب) يوم الخندق: هلا استلبت درعه، فإنه ليس للعرب خير منها. فإن هذه القصص تدل على أن هذا الحكم كان
стр. 3706
متقررًا عند الصحابة، وقول النبي ﷺ يوم حنين (١): "من قتل قتيلًا فله سلبه". بعد القتال لا ينافي ذلك بل هو مؤيد للحكم السابق، وقد ذهب إلى أنه يستحق القاتل سلب القتيل سواء قال بذلك أمير الجيش أم لا، [الأوزاعي] (أ) والليث، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير، والشافعي، والإمام يحيى، وأن هذا قضاء من النبي ﷺ لا يتوقف على قول أحد، وقال أبو حنيفة ومالك والهدوية ومن [تابعهم] (ب): لا يستحق القاتل ذلك بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنائم، إلا إذا قال الأمير قبل القتال: من قتل قتيلًا فله سلبه. وحملوا الحديث على هذا، وهو يتوجَّه في قوله يوم حنين: "من قتل قتيلًا فله سلبه". وأما في حديث: قضى بالسلب للقاتل. فبعيد، فإن ظاهر قوله: قضى. أن ذلك حكم مطلق، إلا أن مالكا قال: يكره للإمام أن يقول ذلك، لأنه يضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبي ﷺ ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، حتى قال مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين. ويُجاب عنه بما تقدم من القصص، وعن الحنفية لا كراهة في ذلك، وسواء قاله قبل الحرب أو في أثنائها، وذهب بعض إلى أن السلب مُفَوَّضٌ إلى رأى الإمام، وقرره الطحاوي وغيره؛ قالوا: لأن النبي ﷺ أعطى سلب أبي جهل معاذ بن الجموح مع أنه قال له ولمشاركه في قتله: "كلاكما قتله". لما أرياه سيفيهما (٢). وأجيب عنه بأن
стр. 3707
النبي ﷺ إنما حكم لمعاذ لكونه الذي أثَّر في قتله لما رأى عمق الجناية في سيفه، وقال: "كلاكما قتله". تطييبًا لنفس صاحبه. وقال الشافعي: يستحق القاتل السلب بشرط أن يقتل كافرًا متمنعًا في حال القتال، والأصح أنه يستحقه من لا يسهم له بم كالمرأة والصبي والعبد كغيرهم. وعن مالك: لا يستحقه إلا من يسهم له. واشترط الأوزاعي والشاميون أن يكون قتله قبل التحام القتال، واشترط الجمهور أن يكون المقتول من المقاتلة، لا إذا كان امرأة أو صبيًّا يجوز قتلهما، وقال [أبو ثور] (أ) وابن المنذر: لا يشترط.
واختلفوا في تخميس السلب؛ وللشافعي قولان، الصحيح منهما عند أصحابه أنه لا يخمس، وهو ظاهر الأحاديث، وبه قال أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وآخرون، وقال مالك، ومكحول، والأوزاعي: يخمس. وهو قول ضعيف للشافعي، وقال عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه: يخمس إذا كثر. وعن مالك رواية أن الإمام بالخيار، واختارها إسماعيل القاضي. وجاء في حديث "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (١). فيه تصريح بأنه لا يقبل قوله من دون بينة، وقد ذهب إلى هذا الليث والشافعي ومن وافقهما من المالكية وغيرهم. وقال مالك والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة. قالا: لأن النبي ﷺ في هذه الرواية قبل قول واحد ولم يحلفه، فلو كان يحتاج إلى بينة لما كفى قول واحد. وقد يُجاب عنه بأن النبي ﷺ علم القاتل بطريق من الطرق مع تصريحه بذكر البينة، ولعله يقال: إن في هذه القصة
стр. 3708
قد أقرَّ من هو في يده، وإقراره شهادة مع الشاهد الذي شهد له، ولا يقال: إنه عمل بالإقرار. لأنه غير مستحق له، فإن المال يكون من الغنيمة لجميع الجيش، والله أعلم.
١٠٦٩ - وعن مكحول ﵁ أنّ النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (١)، ورجاله ثقات، ووصله العقيلي (٢) بإسناد ضعيف عن علي ﵁.
هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي من سبي كابل، كان مولى لامرأة من قيس، وكان سنديًّا لا يفصح، وقال الواقدي: كان مولى لامرأة من هذيل. وقيل: مولى لسعيد بن العاص. وقيل: مولى لبني ليث. وهو معلم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وهو عالم الشام، ولم يكن أبصر منه بالفتيا في زمانه، سمع من أنس بن مالك، وواثلة -بكسر الثاء المثلثة- بن الأسقع -بالسين المهملة والقاف- وأبي هند الداري، وغيرهم، وروى عنه الزهري، وحميد الطويل، والأوزاعي، ويحيى بن يحيى الغساني، وابن جريج، وربيعة الرأي، وعطاء الخراساني، مات سنة ثماني عشرة ومائة. وقيل: ثلاث عشرة. وقيل: ست عشرة.
الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٣) عن ثور [راويه] (أ) عن مكحول، ولم
стр. 3709
يذكر مكحولا، فهو معضل. وروى أبو داود (١) من مرسل يحيى بن أبي كثير، قال: حاصرهم رسول الله ﷺ شهرًا. قال الأوزاعي: فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم [بالمجانيق؟] (أ) فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف ما هذا. وروى أبو داود في "السنن" (٢) أنه حاصرهم بضع عشرة ليلة. وقال السهيلي: ذكره الواقدي كما ذكره مكحول، وزعم أن الذي أشار به سلمان الفارسي، وروى ابن أبي شيبة (٣)، عن عبد الله بن سنان، أنه ﷺ حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يومًا. ومن حديث عبد الرحمن بن عوف شيئًا من ذلك، وفي "الصحيحين" (٤) من حديث ابن عمر: حاصر أهل الطائف شهرًا. ولمسلم (٥) عن أنس، أن المدة كانت أربعين ليلة.
والحديث فيه دلالة على أنه يجوز قتل الكفار -إذا تحصنوا- بالمنجنيق، ويقاس عليه غيره، وإن هلك بالمنجنيق من لا يجوز قتله من الصبيان والنساء، وقد تقدم الكلام في ذلك (٦).
١٠٧٠ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار
стр. 3710
الكعبة. فقال: "اقتلوه". متفق عليه (١).
قوله: دخل مكة. يعني عام الفتح، دخل النبي ﷺ من أعلى مكة، وأمر خالدًا بالدخول من أسفلها، من غير إحرام، وكان ذلك خاصا به؛ أنه ﷺ ممنوع أن يقاس عليه غيره من الأمة، وكان ﷺ قد علم أن من عتاة الأمة من يترخص ويستند إلى فعله ﷺ كما فعله [عمرو] (أ) بن سعيد وأجاب على ابن شريح بالجواب الصادم للنص الصريح، فمنع الإلحاق، وقال لأصحابه: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم.
وقوله: وعلى رأسه المغفر. يعني بغير إحرام، وقد جاء في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام (٢) بزيادة: من حديد. وكذا رواه عشرة من أصحاب مالك خارج "الموطأ"، وهو عند ابن عدي أيضًا (٣).
وقوله: فقال: ابن خطل. ابن خطل اسمه عبد الله بن خطل، بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة، من بني [تيم] (١)، أحد التسعة الذين لم يؤمنهم النبي ﷺ بعد أن أمن الناس، وأمر بقتلهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة،
стр. 3711
ثم أسلم ستة منهم وقتل ابن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وإحدى القينتين لابن خطل، وكان قد أسلم فبعثه النبي ﷺ الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه مسلم، فنزل منزلًا وأمر مولاه أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، فأمر بقتلهما معًا، فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأمنها.
وقوله: فقال: "اقتلوه". وجاء في الرواية عن الوليد بن مسلم عن مالك زيادة: فقتل. أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان (١)، وقد اختلف في قاتله، فجزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى الواقدي فيه أقوالًا؛ منها: أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة، قال الخطابي: قتله النبي ﷺ بحق ما جناه في الإسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب، [ولا] (أ) يؤخره عن وقته. انتهى. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي، وأنه يستوفى الحدود في الحرم كما يستوفى في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، وقالوا: لعموم الأدلة الدالة على استيفاء الحدود والقصاص بكل مكان وزمان؛ ولهذه القصة وبما يروى
عن النبي ﷺ ، أن الحرم لا يُعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدم ولا خَرَبة (٢)، وبأنه لو
стр. 3712
ارتكبه في الحرم لا يعيذه، وكذلك إذا لجأ إلى الحرم. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى العمل بقوله ﷺ في خطبة ثاني [يوم الفتح] (أ) في تحريم الحرم فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا، وعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١). وكان ذلك متأصلًا في عهد إبراهيم ﷺ أن الحرم يعيذ العصاة، واستمر في الجاهلية، وقام الإسلام على ذلك، وكانت العرب في جاهليتها يرى أحدهم قاتل أبيه وابنه في الحرم فلا يهيجه، وأخرج الإمام أحمد (٢) عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وعن عبد الله بن عمر (٣) أنه قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته (٤). وعن ابن عباس (٥) قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه. وهذا قول جمهور التابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث، وهو مذهب العترة، وأجيب عما احتج به الأولون: أما عموم
стр. 3713
الأدلة لاستيفاء الحدود للمكان والزمان بالعموم غير مسلم لعدم التصريح بالزمان والمكان وإنما ذلك مطلق، والمطلق وإن كان حكمه حكم العام لكنه مقيد بحديت الحرم، وهو متأخر، فإف في حجة الوداع والحدود قد شرعت، وأما قوله: إن الحرم لا يعيذ. فليس بحديث، وإنما هو قول العاتي عمرو بن سعيد بن العاصي، تأبيًا من الإذعان للحق، فلا يُلْتفت إليه، وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه فإنما كان ذلك في الساعة التي أحل النبي ﷺ فيها القتال بمكة، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، ثم عادت حرمتها كما كانت، وكان قتل عبد الله بن خطل وقت الضحى، ما بين زمزم ومقام إبراهيم، ثم قال ﷺ (١): "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا". ورجاله ثقات، إلا أن في إسناده أبا معشر (٢)، وفيه مقال.
وأما إذا ارتكب في الحرم ما يوجب الحد، فالأصل هذا غير مسلَّم، فإن القائلين بالإعاذة اختلفوا؛ فذهب بعض العترة أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه فيه حتى يخرج، وروى أحمد (٣) عن طاوس عن ابن عباس قال: من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضًا: من أحدث حدثًا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء (٤). والله يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ
стр. 3714
فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١). والفرق بينه وبين الملتجئ إليه، أن الجاني فيه هاتك لحرمة الحرم، والملتجئ معظم لها؛ ولأنه لو لم يقم الحد على من جنى فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أنه من أراد الفساد قصد إلى الحرم ليسكنه ويفعل فيه ما يقضي شهوته. ووقع خلاف أيضًا في القصاص فيما دون النفس وفي الحد بغير القتل، وفي ذلك روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق قال: سفك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه؛ لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولأن الحد فيما دون النفس جار مجرى تأديب السيد لعبده فلم يمنع منه.
١٠٧٢ - وعن سعيد بن جبير ﵁ أن رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة صبرًا. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٢)، ورجاله ثقات.
هو أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي مولى بني والبة بطن من بني أسد بن خزيمة، كوفي، أحد أعلام التابعين، سمع ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأنسًا، وسمع منه عمرو بن دينار وأيوب وجعفر بن إياس، قتله الحجاج بن يوسف في شعبان سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة -ومات الحجاج في رمضان من السنة، ويقال مات بعده بستة أشهر، ولم يسلط بعده على قتل أحد- ودفن بظاهر واسط العراق، وقبره بها
стр. 3715
يزار (١)، وجبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة.
قوله: كمل يوم بدر ثلاثة صبرًا. هم: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: إن قوله: المطعم بن عدي. تحريف، والصواب طعيمة بن عدي، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، ووصله الطبراني في "الأوسط" (٤) بذكر ابن عباس.
١٠٧٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل مشرك. أخرجه الترمذي وصححه، وأصله عند مسلم (٥).
الحديث فيه دلالة على جواز مفاداة الأسير من المسلمين بأسير كافر، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقال أبو حنيفة (٦): لا يجوز المفاداة، ويتعين إما قتل الأسير، أو استرقاقه. وقال مالك: إنه لا يجوز في الأسير إلا القتل، أو الاسترقاق، أو مفاداته بأسير. وقال أبو يوسف ومحمد (٧): يجوز المفاداة بغيره، أو قتل الأسير، أو استرقاقه، أو مفاداته بالمال. وذهب الجمهور إلى جواز المن، والفداء بأسير، أو القتل، أو الاسترقاق، وقال