والنصارى من جزيرة العرب، لا يقتضي التخصيص عند الأكثر، وإن كان يقتضيه عند أبي ثور من أصحاب الشَّافعي، فهو دليل عند أبي ثور وشبه دليل عند غيره، إلَّا أن التخصيص متأيد بحديث معاذ لما بعثه النَّبيُّ ﷺ إلى اليمن وأمره بتقرير الجزية على كل حاتم دينارًا أو عدله معافريًّا (١). وهذا خاص باليمن، وورد بعده حديث الوصيَّة. فعلى مقتضى ما ذهب إليه الشَّافعي، ورجحه كثير من المتأخرين، أن الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر، فهو مخصص لليمن، وهو دليل واضح. ويترجح أيضًا بعمل الخلفاء الراشدين على تقريرهم في اليمن. وأما أهل نجران فإنهم سألوا الجلاء، أو لما قد ورد فيهم بخصوصهم، كما في حديث أبي عبيدة، ولذلك لما أجلاهم عمر ﵁ وأتوا إلى علي ﵁ في خلافته يسألونه العود إلى أرضهم، قال: إن عمر كان رشيد الأمر. أخرجه ابن أبي شيبة (٢). ولا يبعد أن يكون ترك التعرض لهم في أيَّام الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إجماعًا سكوتيًّا متكررًا، ومثله قد يفيد القطع، كما حققه جماعة من أهل الأصول، مع أن حديث الأمر بالإخراج يحتمل أن يكون في حال سكونهم بغير جزية، كما كان عليه أهل خيبر الذين أجلاهم عمر، ولذلك قال عمر لليهود: من كان منكم عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأت به، وإلا فإني مجليكم. أخرجه عبد الرَّزاق (٣). وأمَّا حال إعطاء الجزية فمخالف ذلك كما كان عليه من في اليمن.
стр. 3747
قال النووي (١): قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز، ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيَّام، قال الشَّافعي وموافقوه: إلَّا مكّة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخل في خفية وجب إخراجه منها، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير. هذا مذهب الشَّافعي وجماهير الفقهاء. وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم. وحجة الجماهير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢). انتهى.
١٠٨٧ - وعنه ﵁ قال: كانت أموال بني النضير ممَّا أفاء الله على رسوله ممَّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع (٣) والسلاح عدة في سبيل الله . متَّفقٌ عليه (٤).
قوله: أموال بني النضير. بفتح النون وكسر الضَّاد المعجمة، هم قبيلة كثيرة من اليهود، وادعهم النَّبيُّ ﷺ بعد قدومه إلى المدينة على ألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، ووادع قريظة وقينقاع. وكان بنو النضير منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فنكثوا العهد، وسار منهم كعب بن الأشرف في
стр. 3748
الأربعين راكبًا إلى قريش، فحالفهم على رأس ستة أشهر من وقعة بدر كما ذكره الزُّهريّ. وذكر ابن إسحاق في "المغازي" (١) أن ذلك بعد قصة أحد وبئر معونة، وخرج النبي ﷺ إليهم يستعينهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أميَّة الضمري من بني عامر قد أمنهما النَّبيُّ ﷺ ولم يشعر بذلك، فجلس النَّبيُّ ﷺ إلى جنب جدار لهم، فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار، وقام لذلك عمرو بن جِحَاش بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنَّه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: "لا تبرحوا". ورجع مسرعًا إلى المدينة، فاستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنَّه توجه إلى المدينة فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق، وحاصرهم ست ليال -في رواية ابن إسحاق- وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم. فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم [ينصروهم] (أ)، فسألوا أن يجلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل، فصولحوا على ذلك إلَّا الحَلَقة -بفتح الحاء وفتح اللام، وهو السلاح- فخرجوا إلى أذْرِعاتٍ وأريحا من الشام، وآخرون إلى الحيرة، ولحق آلُ أبي الحُقَيق وآل حيي بن أخطب بخيبر، وكانوا أول من أُجلي من اليهود، كما قال الله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٢). وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء، والحشر (ب) الثَّاني من خيبر في أيَّام عمر
стр. 3749
رضي الله عنه، وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله ﷺ ، فقسمها بين المهاجرين لحاجتهم وفقرهم، ولم يعط الأنصار شيئًا إلَّا ثلاثة نفر كانت لهم حاجة، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.
وقوله: مما أفاء الله على رسول. الفيء: ما أخذ بغير قتال، والظاهر أنَّه لا خمس فيه. قال في "نهاية المجتهد" (١): وعند الجمهور، لا خمس فيه، وعن الشَّافعي في أحد أقواله، أنَّه يجب فيه الخمس، ولم يقل به غيره. انتهى.
وقوله: ممَّا لم يوجف عليه المسلمون. الإيجاف: هو الإسراع في المشي، وذلك لأنَّ أرض بني النضير كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالًا غير رسول الله ﷺ ، فإنه ركب جملًا أو حمارًا، ولم تنل أصحابه مشقة في ذلك. والمعنى أن المسلمين لم يجروا الخيل والإبل في استفتاح بني النضير.
وقوله: وكان ينفق على أهله. أي ممَّا استبقاه لنفسه، والمراد أنَّه يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، ولا يتم عليه السنة، ولهذا توفى ﷺ ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيَّام متوالية. وقد تظاهرت الأحاديث بكثرة جوعه وجوع أهل بيته. وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة، [وجواز] (أ) الادخار للعيال، ولا يقدح في التوكل.
стр. 3750
وأجمع العلماء على جواز الادخار ممَّا يستغله الإنسان من أرضه، وأمَّا إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره، فإن كان في وقت ضيق الطَّعام لم يجز، بل يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين، كقوت أيَّام أو شهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر. وهذا التفصيل نقله القاضي عياض (١) عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقًا.
١٠٨٨ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة، وجعل بقيتها من المغنم. رواه أبو داود (٢)، ورجاله لا بأس بهم.
الحديث فيه دلالة على التنفيل، وأنه من أصل الغنيمة، وقد مر الكلام فيه.
١٠٨٩ - وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لا أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل". رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وصححه ابن حبان (٣).
قوله: "لا أخيس بالعهد". معناه: لا أنقض العهد ولا أُفسده، من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد، ويدل على أن العهد يرعى مع الكفار رعايته
стр. 3751
مع المسلم. ومعنى: "ولا أحبس الرسل". أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المرسل إلَّا على لسان الرسول بعد انصرافه، فكأنه به عقد له العهد مدة غيبته ورجوعه. وفي رواية: "البُرُد". جمع بريد، وهو المستعجل في مشيه.
١٠٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ [قال] (أ): "أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم". رواه مسلم (١).
قال القاضي عياض (٢): يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، بل أجلي عنها أهلها أو صالحوا، فيكون سهمهم فيها -أي حقهم- من العطاء كما يصرف الفيء، ويكون المراد بالثانية ما أخذت عَنوة، فتكون غنيمة، يخرج منها الخمس والباقي للغانمين، وهو معنى قوله: "ثم هي لكم". أي باقيها. وقد احتج به من لم يوجب الخمس في الفيء. قال ابن المنذر (٢): لا يعلم أحد قبل الشَّافعي قال بالخمس في الفيء. والله أعلم.
стр. 3752
باب الجزية والهدنة
مأخوذ من جزأت الشيء إذا قسمته، ثم سهلت الهمزة. وقيل: من الجزاء؛ أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام. أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه، وهي تكون مع أهل الذمة، والهدنة هي متاركة أهل الحرب مدة معلومة لمصلحة، واختلف في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة ثمان. وقيل: في سنة تسع. وقد دل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١) الآية. على أنها لا تؤخذ إلَّا من أهل الكتاب، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى بالاتفاق.
١٠٩١ - عن عبد الرحمن بن عوف أن النَّبيَّ ﷺ أخذها -يعني الجزية- من مجوس هجر. رواه البُخاريّ، وله طريق في "الموطأ" فيها انقطاع (٢).
الانقطاع: هو ما يذكر قريبًا عن ابن شهاب، أنَّه بلغه ... إلخ. وقد رواه الشَّافعي (٣) عن مالك.
الحديث فيه دلالة على أخذ الجزية من مجوس هجر نصًّا، ويلحق بهم غيرهم من المجوس، وقد ورد فيهم عمومًا، وهو ما أخرجه الشَّافعي (٣) من
стр. 3753
حديث عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس، فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وأخرج الشَّافعي (١) أيضًا، عن ابن شهاب، أنَّه بلغه أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عثمان بن عفَّان ﵁ أخذها من البربر. زاد ابن وهب في روايته أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذها من مجوس فارس. قال البيهقي (٢): وابن شهاب إنما أخذ حديثه هذا عن ابن المسيب، وابن المسيب حسن المرسل، كيف وقد انضم إليه ما تقدم.
وأخرجه البيهقي (٢) عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس [هجر] (أ). وقد أخرج أبو داود والبيهقيّ (٣)، عن ابن عباس ﵁ قال: جاء رجل من مجوس هجر إلى النَّبيّ ﷺ ، فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شرا. قلت: مه. قال: الإسلام أو القتل. قال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: وأخذ النَّاس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا. وأخرج الطّبرانيّ (٤) عن مسلم ابن العلاء الحضرمي في آخر حديثه بلفظ: "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب". وأخرج البيهقي (٥)، عن المغيرة في حديثه الطَّويل مع فارس، وقال فيه: فأمرنا
стр. 3754
نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتَّى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية. وكان أهل فارس مجوسًا.
فهذه الأحاديث تدل على أخذ الجزية من المجوس عربًا كانوا أو عجمًا، وقد ذهب إلى هذا جمهور السلف والخلف، وروي عن الحنفية أنَّه تؤخذ من مجوس المعجم، ولا تؤخذ من مجوس العرب، والحديث دليل عليهم.
واختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية، فذهب أبو حنيفة والعترة إلى أنها تؤخذ من أهل الكتاب عجمًا كانوا أو عربًا، ومن غير الكتابي العجمي، ولا تقبل من العربي الذي ليس بكتابي، وروى في "البحر" قولًا للشافعي أنَّه تقبل من العربي الذي ليس بكتابي إلَّا القرشي، ولعل حجتهم ما تقدم في حديث بريدة: "فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك وإلا فسلهم الجزية" (١). وتخصيص قريش لما ظهر من النَّبيِّ ﷺ ، لم يأخذها من أحد من قريش ولا دعاهم إليها، والمشهور عن الشَّافعي أنها تقبل من أهل الكتاب عجمًا كانوا أو عربًا ومن المجوس، ولا تقبل من غيرهم، وحديث بريدة وارد على من ذهب إلى التّقييد، وقد يجاب عنه بأن حديث بريدة متقدم، وآية "براءة" في قتال المشركين عامة متأخرة في عام الفتح فتكون ناسخة، إلَّا ما ذكر فيها من آية الجزية من أهل الكتاب وحديث المجوس. ولكنه لا يتم الجواب على قول من بنى العام على الخاص مطلقًا، أو يجعل الخاص المتقدم مخصصًا للعام المتأخر، فيلزم الشَّافعي العمل به دون أبي حنيفة، وفي حديث: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، وقد روى الشَّافعي وعبد الرَّزاق (٢) وغيرهما
стр. 3755
بإسناد حسن عن علي ﵁: كان المجوس أهل كتاب يقرءونه وعلم يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر، فوقع على أخته أو علي بنته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم، وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته. فأطاعوه وقتل من خالفه، فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يبق عندهم منه شيء. وروى عبد بن حميد (١) في تفسير سورة "البروج" عن علي نحوه، وقال في آخره: فوضع الأخدود لمن خالفه. إلَّا أنَّه يقال بعد أن أسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم من الكتاب: لم يبقوا حينئذ أهل كتاب؛ لأنَّ الظاهر من إطلاق إضافة الأهل إلى الكتاب أن يكون الكتاب معروفًا عندهم معلومة ألفاظه، فلا يدخلوا في عموم الآية؛ ولذلك احتيج إلى الاحتجاج بحديث عبد الرحمن. وقال الإمام يَحْيَى: وأمَّا المتمسكون بصحف إبراهيم وإدريس وزبور داود فلهم حكم الكتابيين في الجزية والمناكحة والذبائح. وقيل: يكونون كالوثني؛ لأنَّ كتبهم لم يكن فيها أحكام بل مواعظ وقصص، فلا حكم لها، وأمَّا الصابئة من النصارى والسامرية من اليهود فلهم حكمهم. وقيل: لا؛ لمخالفتهم كتابهم، وأمَّا عابدو الأفلاك، يعني الأفلاك السبعة فكالوثني. قال الإمام يَحْيَى: ولذراري أهل الكتاب حكمهم في أخذ الجزية وتقريرهم، سواء بدلوا كتبهم أم لا؛ لعموم: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٢).
انتهى ما رواه في "البحر" عن الإمام يَحْيَى وغيره.
стр. 3756
أخذ الجزية من المشركين
١٠٩٢ - وعن عاصم بن عمر عن أنس، وعن عثمان بن أبي سليمان ﵃ أن النَّبيَّ ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، فأخذوه، فحقن دمه، وصالحه على الجزية. رواه أبو داود (١).
هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أمه جميلة بنت أخت عاصم بن ثابت. وقيل: ابن بنت عاصم. والأول أكثر، ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين، وكان وسيمًا جسيمًا، خيرًا فاضلًا، شاعرًا، مات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بأربع سنين، وهو جد عمر بن عبد العزيز لأمه، روى عنه أبو أمامة بن سهل بن خيف وعروة بن الزُّبير (٢).
وعثمان هو عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكيِّ، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، وعامر بن عبد الله بن الزُّبير، وابن أبي مليكة، وروى عنه ابن عيينة وإسماعيل بن أميَّة وابن جريج (٣).
وقوله: بعث خالدا .. إلخ. بعثه النَّبيُّ ﷺ وهو بتبوك إلى أكيدر -مصغرًا- ابن عبد الملك الكندي، قال الشَّافعي رحمه الله تعالى (٤): الكندي
стр. 3757
والغساني صاحب دومة الجندل، بضم الدال، ويقال: دوماء الجندل بالضم أيضًا. وقال (١): "إنك تجده يصيد البقر". فمضى خالد حتَّى إذا كان من حصنه بمبصر العين في ليلة مقمرة أقام، وجاءت بقر الوحش حتَّى حكت قرونها بباب القصر، فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذوا أكيدر، وقتلوا أخاه حسَّان، فحقن رسول الله ﷺ دمه، وكان نصرانيًّا، واستلب خالد حسَّان قباء من ديباج مخوصًا بالذهب وبعث به إلى رسول الله ﷺ وأجار خالد أكيدر من القتل حتَّى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل ففعل، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، فعزل لرسول الله ﷺ صفيه خالصًا، ثم قسم الغنيمة وأخرج الخمس، فكان للنبي ﷺ ، ثم قسم ما بقي في أصحابه، فصار لكل واحد منهم خمس فرائض، وكان مع خالد أربعمائة فارس ثم قدم به خالد إلى رسول الله ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأبى وأقر بالجزية (٢). وفيه دلالة على أن الجزية تؤخذ من عربي كتابي، والخلاف فيه لأبي يوسف فقال (٣): لا يقر العربي على الجزية ولو كان كتابيًّا. قال الشَّافعي (٤): ولولا أنا نأثم بتمني باطل وددنا أن الذي قاله أبو يوسف كما قال، وألا يجرى صغار على عربي ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به. انتهى.
стр. 3758
مقدار الجزية
١٠٩٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله معافريا. أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان والحاكم (١).
الحديث أعله ابن حزم (٢) بالانقطاع، وأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وفيه نظر. وقال التِّرمذيُّ: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلًا، وأنه أصح. وقال أبو داود (٣): إنه منكر، قال: وبلغني عن أحمد أنَّه كان ينكر هذا الحديث إنكارًا شديدًا. قال البيهقي (٤): إنَّما المنكر رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن معاذ، فأمَّا رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق فإنَّها محفوظة، قورواها عن الأعمش جماعة؛ منهم سفيان الثوري (٥)، وشعبة (٦)، ومعمر (٧)، وجرير (٨)، وأبو عوانة (٨)، ويحيى بن
стр. 3759
سعيد"؛ وحفص بن غياث، وقال بعضهم: عن معاذ، وقال بعضهم: إن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن. أو ما في معناه.
والحديث فيه دلالة على تقدير الجزية بالدينار من الذَّهب على كل حالم؛ أي محتلم، والمراد البالغ، سمى البالغ حالًا باعتبار الأغلب، وقد جاء في بعض رواياته بلفظ محتلم، فظاهره: سواء كان غنيًّا أو فقيرًا. وقد ذهب إلى هذا الشَّافعي، قال (١): أقل ما يؤخذ من الجزية دينار، ويجوز الصلح بأكثر من ذلك. وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن الجزية تكون من الغني ثمانية وأربعين درهمًا، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، ومن الفقير اثني عشر درهمًا، وذلك كما وضعه عمر على أهل السواد لما بعث عثمان بن خيف (٢).
قال الإمام المهدي: ولم ينكر فكان إجماعًا. وذهب مالك إلى أن القدر الواجب في ذلك إن كانوا من أهل الذَّهب فأربعة دنانير، وإن كانوا من أهل الفضة فأربعون درهمًا، كما فعل عمر (٣)، وضيافة ثلاثة أيَّام، ومع ذلك أرزاق المسلمين لا يزاد على ذلك ولا ينقص. وقال أحمد بن حنبل: الجزية دينار أو عدله من المعافري لا يزاد عليه ولا ينقص؛ عملًا منه بحديث معاذ، وأن ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص. والشّافعيّ جعل ذلك حدا في جانب القلة، وأمَّا الزيادة فتجوز كما فعله عمر، وكما أخرجه أبو داود (٤) من
стр. 3760
حديث ابن عباس، أن النَّبيَّ ﷺ صالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يعيرونها المسلمين ضامنين لها حتَّى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد. قال الشَّافعي، رحمه الله تعالى (١): وقد سمعت أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران، يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار، وروى عن عمر أنَّه قال: دينار الجزية اثنا عشر درهمًا. وفي رواية: عشرة دراهم (٢). فجعل ذلك من باب التقويم، ولعل الذَّهب كان الدينار منه يساوي ما ذكر من الفضة، وحديث معاذ متأيد بأحاديث أخرجها البيهقي (٣). وقد ذهب البعض أنه لا توقيف في الجزية على حد في القلة ولا في الكثرة، وأن ذلك موكول إلى نظر الإمام، ويجعل هذه الأحاديث محمولة على التخيير والنظر في المصلحة.
وقوله: على كل حالم. فيه دلالة على أن الجزية تجب على الذكر دون الأنثى، قال ابن رشد (٤): اتفقوا على أنها تجب بثلاثة أوصاف؛ الذكورية والبلوغ والحرية. قال: لأنها عوض عن القتل، وهو لا يقتل النساء والصبيان والعبيد، واختلفوا في المجنون والمقعد والشيخ وأهل الصوامع والفقير. قال: وكل هذه مسائل اجتهادية، ليس فيها توقيف شرعي، وسبب اختلافهم هل
стр. 3761
يقتلون أم لا؟ ومثل هذا ما ذكره الإمام المهدي حيث قال: وإنَّما تؤخذ ممن جوز قتله، ولم يحك فيه في "البحر" خلافًا في هذا. وقد أخرج البيهقي (١)، عن الحكم بن عتيبة أن النَّبيَّ ﷺ كتب إلى معاذ باليمن: "على كل حالم أو حالمة دينار أو قيمته". وهو منقطع، وقد وصله أبو شيبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم عن ابن عباس ﵁ بلفظ: "فعلى كل حالم دينار أو عدله من المعافر، ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو مملوكًا". قال البيهقي (٢): وأبو شيبة ضعيف. وأخرج من كتاب عمرو بن حزم: "وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب" (٢). وفي إسناده انقطاع. وأخرج من حديث عروة نحوه، وفيه انقطاع أيضًا (٢). قال الشَّافعي رحمه الله تعالى (٣): سألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددًا من علماء أهل اليمن، وكلهم حكوا لي عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا، كلهم ثقة أن صلح النَّبيّ ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن يؤخذ منه الجزية، وقال عامتهم: ولم يؤخذ من زروعهم، وقد كان لهم زروع، ولا من مواشيهم شيئًا علمنا. وقال لي بعضهم؛ قد جاءنا بعض الولاة فخمس زروعهم، فأنكر ذلك عليه، فكل من وصف أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير. قال: وسألت عددًا كثيرًا من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن، كلهم أثبت
стр. 3762
لي لا يختلف قولهم أن معاذًا أخذ منهم دينارًا عن كل بالغ منهم، وسموا البالغ حالمًا، قالوا: وكان في كتاب النَّبيِّ ﷺ مع معاذ أن على كل حالم دينارًا. وكذلك روى الشَّافعي (١)، عن مطرف بن مازن قال: ليس أن النَّبيَّ ﷺ أخذ من النساء ثابتًا عندنا. وأمَّا ما رواه عبد الرَّزاق (٢)، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ أن على كل حالم أو حالمة دينارًا، فمعمر إذا روى عن غير الزُّهريّ يغلط كثيرًا. والله أعلم. وقد حمله ابن خزيمة إن كان محفوظًا على أخذها منها إذا طابت بها نفسًا.
وقوله: معافريًّا. بفتح الميم؛ أي ثيابًا منسوبة إلى معافر، وهي بلد باليمن واسم أبي حي بن هَمدان تنسب إليها الثياب، وأعلم أن ظاهر سياق حديث معاذ وحديث بريدة مر أنَّه يجب قبول الجزية ممن بذلها ويحرم قتله، ويفهم من قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣). أن غاية وجوب قتال أهل الكتاب إلى إعطاء الجزية، وينقطع وجوب القتال بذلك، وأمَّا جوازه وعدم قبول الجزية فلا تدل عليهما الآية، إلَّا أنَّه إذا كان الأمر بالقتال مغيًّى بهذه الغاية، فينتفي الأمر عند حصول الغاية، وإذا انتفى الأمر كان محصورًا؛ لأنَّه يرجع إلى التحريم العقلي لإيلام الحيوان، فلا يكون ذلك مباحًا؛ لعدم دليل الإباحة. والله أعلم (٤).
стр. 3763
١٠٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". رواه مسلم (١).
الحديث فيه دلالة على أنَّه لا يبتدئ المسلمُ اليهوديَّ والنصرانيَّ بالسلام إذا كان منفردًا عن مسلم، وأن النَّهي على ظاهره من اقتضائه التحريم، وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب طائفة إلى جواز الابتداء لهم بالسلام، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز (٢). وهو وجه لبعض الشَّافعية، حكاه الماوردي، قال: لكنَّه يقول: السَّلام عليك، ولا يقال: السَّلام عليكم. بالجمع. ويحتج لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٣). وعموم الأحاديث الواردة في (أ) إفشاء السَّلام، ويجاب عن ذلك بأنه عموم مخصوص. وذهب بعض الشَّافعية إلى أنَّه يكره ولا يحرم. ويجاب عنه بأن النَّهي حقيقة في التحريم، وحكى القاضي عياض (٤) أنَّه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة والسبب. وهو قول علقمة والنخعي. وعن الأوزاعي أنَّه قال: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن
стр. 3764
تركت فقد ترك الصالحون. وأمَّا إذا كان مع المسلم كافر فيجوز الابتداء بالسلام ويقصد بذلك المسلم، وقد سلم النَّبيُّ ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، وظاهر مفهوم "لا تبدءوا". أنَّه يجوز الجواب عليهم بل يجب، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ (١). الآية، وقد جاء الأمر بذلك في عدة أحاديث، قوله ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" (٢). وفي رواية: إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا: وعليكم" (٣). وفي رواية: "إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم. فقل (أ): عليك" (٤). وفي رواية: "فقل: وعليك" (٥). أخرجها مسلم وغير ذلك. وقد اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السَّلام، بل يقتصر على: وعليكم. أو بدون الواو فيقول: عليكم. وقد جاء ذلك في روايات (ب) مسلم، وأكثرها بإثبات الواو. وقال الخطابي (٦): عامة المحدثين يروون هذا الحرف: "وعليكم"، بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو. قال الخطابي: وهذا هو الصواب؛ لأنَّه إذا حذف الواو صار كلامه بعينه مردودًا عليهم، خاصة وإذ أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. قال
стр. 3765
النووي (١): إثبات الواو وحذفها جائز إن صحت به الروايات، وإن الواو وإن اقتضت المشاركة، فالموت هو علينا وعليهم فلا امتناع. قال القاضي عياض: وقال بعضهم: يقول: عليكم السِّلام. بكسر السِّين؛ أي الحجارة. وهذا ضعيف. فإن النَّبيَّ ﷺ لم يقر (أ) عائشة لمَّا قالت في الجواب عليهم: بل عليكم السام واللعنة. قال: "يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله". فالوقوف على الأدب النبوي والخلق المرضي هو الواجب.
وقوله "فاضطروه". فيه دلالة على أنَّه لا يترك للذمي صدر الطريق، بل يُدفع إلى أضيقه إذا كان في الوقت الذي يطرقه المسلمون، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج، ويكون دفعه إلى أضيق الطريق بحيث لا يقع في [وهدة] (ب)، ولا يصدمه جدار ونحوه. والله أعلم.
١٠٩٦ - وعن المسور بن مخرمة ومروان، أن النَّبيَّ ﷺ خرج عام الحديبية. فذكر الحديث بطوله، وفيه: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض". أخرجه أبو داود، وأصله في البُخاريّ (٢). وأخرج مسلم (٣) بعضه من حديث أنس وفيه: أن من جاء
стр. 3766
منكم لم نردَّه عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: نكتب هذا يا رسول الله؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
الحديث فيه دلالة على جواز مهادنة المسلمين مدة معلومة من غير جزية لمصلحة للمسلمين يراها الإمام، كما وقع في صلح الحديبية، فإنَّه كان على عشر سنين.
وفي قوله: "هذا ما صالح" إلى آخره. دليل على أنَّه يجوز أن يكتب في أول الوثائق وكتب الأملاك والصداق والعتاق ونحوها: هذا ما اشترى فلان. أو نحوه. وهذا الذي عليه جمهور العلماء، وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان والبلدان من غير إنكار، وأنه يكتفى (أ) بذكر الاسم المشهور من غير زيادة عليه، خلافًا لمن قال: لا بد من أربعة أسماء، المذكور وأبيه (ب) وجده ونسبه، وأنه يجوز مثل هذا الشرط، وهو أن نرد من جاءنا من الرجال مسلمًا ويكون الرد تخلية (جـ) لا مباشرة كما وقع في القصة المذكورة (د)، وعدم رد النساء لنزول قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١). فكانت ناسخة لعموم (هـ رد الجميع هـ)، وقيل: مُخصص. وقيل: إن الصلح إنَّما وقع
стр. 3767
في حق الرجال دون النساء. وطلب قريش رجوع أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، إنَّما هو إرادة منهم أن يعمموا ذلك في حق الجميع، فأبى الله ذلك وأنزل فيه، وذكر النَّبيُّ ﷺ الحكمة في ذلك بقوله: "إنه من ذهب منا" إلى آخره.
فائدة: جاء في هذا الحديث أنَّه كتب الكاتب (أ): "هذا ما قاضى عليه". وفي رواية: "كاتب" (١). وفي رواية: "صالح عليه محمد رسول الله" (٢). فقال سهيل بن عمرو: لو نعلم أنك رسول الله ما كذبناك ولا صددناك عن البيت، اكتب: محمد بن عبد الله. ثم قال النَّبيُّ ﷺ : "أرني مكانها". (ب فأراه مكانها ب) فمحاها وكتب: بن عبد الله. فظاهر هذا اللفظ أن النَّبيَّ ﷺ كتب ذلك بيده على ظاهر هذا اللفظ، وهذا لفظ مسلم (٣). وقد ذكر البُخاريّ (٤) نحوه، وقال فيه: أخذ رسول الله ﷺ الكتاب وكتب. وزاد في طريق أخرى (٥): ولا يحسن أن يكتب فكتب. فقيل: إن الله تعالى أجرى ذلك على يده، إما بأن كتب ذلك (جـ) بيده وهو غير عالم بما يكتب، أو
стр. 3768
أن الله تعالى علمه ذلك حينئذ حتَّى كتب، وجعل هذا زيادة في معجزته، فإنَّه كان أميًّا، فكما علمه ما لم يكن يعلم من العلم وجعله يقرأ ما لم يقرأ ويتلو ما لم يكن يتلو (أ)، كذلك علمه أن يكتب ما لم يكن يكتب وخط ما لم يخط بعد النبوة، أو أجرى ذلك على يده (ب). قالوا: وهذا لا يقدح في وصفه بالأمية وقد جاء (ب مؤيدًا لهذا ب) آثار عن الشعبي (١) وبعض السلف، وأنه ﷺ لم يمت حتَّى كتب، وقد روي مثل هذا عن أبي ذر وغيره، وذهب الأكثرون إلى منع هذا، وأنه يبطله (جـ) وصف الله تعالى له بالأمية وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢). وقوله ﷺ : "إنا أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب" (٣). وهذا اللفظ الواقع في الرّواية أنَّه كتب، أي أمر بالكتابة كما جاء في رجم ماعز وقطع السارق وجلد الشارب ونحو ذلك؛ أي أمر بذلك، والقرينة على هذا ما جاء (د) في الرّواية الأخرى أنَّه قال لعلي: "اكتب: محمد بن عبد الله". وأجاب الأولون عن قوله: [وَلَا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ﴾. أي من قبل تعليمه، كما قال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ
стр. 3769
كِتَابٍ﴾. أي من قبل التعليم، فإن المعجزة أنَّه كان أولًا أميًّا، ثم جاء بالقرآن وبعلوم (أ) لا يعلمها الأمي. ورواية البُخاريّ: ولا يحسن أن يكتب فكتب. نص صريح في أنَّه الكاتب بنفسه، فالعدول إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه، وأما أمره لعلي فيمكن الجمع بأنه أمر أولًا، ثم لما لم يكتب علي ويمح الاسم الشريف قال له ﷺ : "أرني مكانها". فأراه مكانها، فمحاها وكتب، وكأن عليًّا ﵁ لم يستحسن مَحْيَ (ب) ذكر رسول الله ﷺ ، فلم يبادر إلى ذلك رجاء إعفائه عن ذلك. والله سبحانه أعلم.
١٠٩٧ - وعن عبد الله بن عمرو (جـ) ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا". أخرجه البُخاريّ (١).
الحديث أخرجه البُخاريّ في الجزية في باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم. وذكره في الديات (٢) في باب: من قتل ذميًّا بغير جرم. وذكر في
стр. 3770
الحديث: "معاهدًا"، والمراد بالمعاهد من له عهد مع (أ) المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو بأمان من مسلم، أو عقد هدنة من سلطان، وقد جاء في رواية للبخاري (١) بلفظ: "من قتل نفسًا معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله" الحديث. ولم يكن في هذه الرّواية تقييد: "بغير جرم". وقد جاء في بعض روايات البُخاريّ (٢) تقييد بلفظ: "بغير حق". وأخرج النَّسائيّ وأبو داود (٣) بلفظ: "بغير حلها". والتقييد مستفاد أيضًا من قواعد الشرع.
وقوله: "لم يرح". بفتح الياء والراء المهملة وأصله يراح؛ أي لم يجد الريح. وحكى ابن التين ضم أوله وكسر الراء. قال: والأول أجود وعليه الأكئر. وحكى ابن الجوزي فتح أوله وكسر ثانيه؛ من راح يريح.
وقوله: "من مسيرة أربعين". كذا وقع لجميع الطرق التي في البُخاريّ، وجاء عند الإسماعيلي "سبعين عامًا". وكذا عند التِّرمذيِّ (٤) من حديث أبي هريرة: "سبعين خريفًا". وكذا عند البيهقي (٥) من رواية صفوان بن سليم عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ . وكذا عند أحمد (٦)
стр. 3771
عن رجل عن النَّبيِّ ﷺ . وعند الطّبرانيّ (١) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من مسيرة مائة عام". وفي الطّبرانيّ (٢) عن أبي بكرة: "خمسمائة عام". وفي "الموطأ" (٣) من حديث آخر كذلك. وفي "مسند الفردوس" (٤) عن جابر: "إن ريح الجنة ليدرك من مسيرة ألف عام". وقد جمع العلماء بين هذه الروايات المختلفة؛ فقال ابن بطال (٥): الأربعين والسبعين هي باعتبار المدة التي تكون عمرًا للإنسان، فمن بلغ عمره أربعين سنة، وهي زمان الأشد، زاد عمله ويقينه وندمه (أ)، فكأنه قد وجد ريح الجنة الذي يبعثه على الطاعة، والسبعون هي آخر المعترك، ويعرض [عندها] (ب) الندم وخشية هجوم الأجل فتزداد الطاعة، فكأنه قد وجد ريح الجنة، وقال في الخمسمائة: إنَّها مدة الفترة بين الأنبياء، فمن جاء في آخرها وآمن بالنبيين يكون أفضل من غيره. وقال الكرماني (٦): إن العدد ليس مقصودًا في نفسه، والمقصود المبالغة في التكثير؛ لأنَّ الأربعين اشتملت على الآحاد؛ آحاده عشرة، والمائة عشرات، والألف مئات، والسبعين (٧) عدد فوق العدد الكامل؛ وهو ستة، إذ أجزاؤه
стр. 3772
مقدرة وهي النصف والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان، والخمسمائة هي بُعْدُ ما بين السماء والأرض. وقال المصنف (١) رحمه الله تعالى ما حاصله أن ذلك الإدراك في موقف القيامة، وأنه يتفاوت بتفاوت مراتب الأشخاص، فالذي يدركه من مسيرة خمسمائة أفضل من صاحب السبعين، إلى آخر ذلك. قال: وقد أشار إلى ذلك شيخنا في "شرح التِّرمذيِّ". ثم قال: ورأيت نحوه في كلام ابن العربي. قال ابن بطال (٢): وقد احتج المهلب بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل المعاهد أو الذمي لا يقتص منه. قال: لأنَّه اقتصر فيه على الوعيد الأخروي دون الدنيوي. وقد تقدم الكلام في ذلك.
стр. 3773
باب السبق والرمي
السبق بفتح السِّين وإسكان الباء الموحدة مصدر، وهو المراد هنا، وبالتحريك الرهن الذي يوضع لذلك. والرمي مصدر رمى يرمي رميًا، والمراد المناضلة بالسهام.
١٠٩٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: سابق النَّبيُّ ﷺ بالخيل التي قد ضُمِّرت من الحَفْياء، وكان أمَدُها ثَنِية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تُضَمَّر من الثَّنية إلى مسجد بني زُرَيقٍ، وكان ابن عمر فيمن سابق. متَّفقٌ عليه (١). زاد البُخاريّ: قال سفيان: من الحَفْياء إلى ثَنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن الثنية إلى مسجد بني زُرَيق مِيل (أ).
١٠٩٩ - وعنه أن النَّبيَّ ﷺ سابق بين الخيل وفَضَّل القُرَّح في الغاية. رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان (٢).
قوله: سابق. فاعل؛ واقع من فاعلين على معناه الحقيقي.
وقوله: التي ضمرت. والتضمير هو أن تعلف الخيل حتَّى تسمن
стр. 3774
وتقوى، ثم يُقلَّل علفُها بقدر القوت وتدخل بيتًا وتُغْشَى بالجِلال حتَّى تَحْمَى فتعرق، فإذا جَفَّ عرقها خفَّ (أ) لحمها وقويت على [الجري] (ب).
والحَفْياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومَدٌّ، مكان خارج المدينة، يمد ويقصر، وحكى الحازمي (١) تقديم الياء التحتانية على الفاء.
وحكى عياض (١) ضم أوله وخطَّأه.
وقوله: أمَدُها. أي غايتها، قال النابغة (٢):
* سَبق الجوادِ إذا اسْتَولَى على الأمَدِ *
وثنية الوداع (جـ) قريبٌ من المدينة، سُميت بذلك؛ لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودِّعون إليها. وبني زُريق بتقديم الزَّاي.
والحديث فيه دلالة على مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصِّلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة بحسَب الباعث على ذلك. قال القرطبي (٣): لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب
стр. 3775
وعلى الأقدام، وكذا التَّرامي بالسهام واستعمال الأسلحة، لما في ذلك من التدريب على الحرب. ويدل الحديث على جواز إضمار الخيل، ولا خفاء في استحباب ذلك في الخيل المعدة للغزو. ويدل عى أنه يُشْرَع بيان الابتداء والانتهاء، وعلى أنَّه لا يساوى بين الخيل القوية وغيرها، ويدل عليه أيضًا قوله: وفضَّل القُرَّح. وهي جمع قارح، والقارح ما كملت سِنُّه؛ كالبازل (١) في حق الإبل.
١١٠٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا سَبَق إلَّا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافرٍ". رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان (٢).
١١٠١ - وعنه ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يُسبَقَ فلا بأس به، فإن أمِن فهو قِمارٌ". رواه أحمد وأبو داود (٣) وإسناده ضعيف.
وروى حديث أبي هريرة الشافعي والحاكم (٤) من طرق، وصححه ابن القطان وابن دقيق ألعيد، وأعَلَّ الدارقطني (٥) بعضها، ورواه
стр. 3776
[الطّبرانيّ] (أ) وأبو الشَّيخ من حديث ابن عباس (١).
وحديث: "من أدْخَل" إلخ. قال الطّبرانيّ في "الصَّغير" (٢): تفرد به سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وتفرد به عن سعيد الوليد، وتفرد به عنه هشام بن (ب) خالد. قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: ورواه أبو داود عن محمود بن خالد عن الوليد، لكنَّه أبدل قتادة بالزهري، ورواه أبو داود وباقي من ذكر قبل من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهريّ، وسفيان هذا ضعيفٌ في الزُّهريّ ومختلف فيه فيما يروي عن غيره (٤)، وقد رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزُّهريّ عن رجال من أهل العلم من غير رَفْعٍ. قاله أبو داود، قال: وهذا أصح عندنا. وقال أبو حاتم: أحسن أحواله أن يكون موقوفًا على سعيد بن المسيب؛ فقد رواه يَحْيَى بن سعيد عن سعيد من قوله. انتهى. وكذا هو في "الموطأ" عن الزُّهريّ عن سعيد. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عنه فقال: هذا باطلٌ. وضرب على أبي هريرة، وقد غَلَّط الشَّافعي سفيانَ بن حُسَين في روايته عن الزُّهريّ عن سعيد عن أبي هريرة.
стр. 3777
قوله: "لا سَبَق". وهو بفتح السِّين والباء الموحدة مفتوحة، ما يُجعل للسابق على سبقه من جُعْلٍ. قاله الخطابي (١) وابن الصلاح، وحكى ابن دريد فيه الوجهين.
وقوله: "إلَّا في خُفٍّ" إلخ. الخف كناية عن الإبل، والحافر عن الخيل، والنصل عن السهم، وذلك بتقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي ذي خف أو ذي حافر أو ذي نصل، ونصل السهم حديدته، وسُمِّي السباق بالخيل رِهانًا، وبالسِّهام نضالًا؛ بالضاد المعجمة.
والحديث فيه دلالة على أنَّه يجوز السباق على جُعْلٍ، فإن كان السَّبَق من غير المتسابقين كالإمام يجعله حل ذلك بلا خلاف، وإن كان من المتسابقين ولم يدخل معهما محلل وهو ثالث لا يكون منه شيء لم يحل؛ لأنَّ ذلك قمار، وضابط القمار أن يكون كل منهما غانمًا أو غارمًا، وإن كان من (أ) أحدهما حل؛ لأنَّه ليس بقمار، إذ ليس كل منهما غانمًا غارمًا، وهذا عند الجمهور.
وفي قوله: "وهو لا يأمن أن يُسْبَق". دلالة على ما ذهب البعض أنَّه يشترط في المحلل ألا يكون متحقق السبق وإلا كان قِمارًا، ولكنه خارج عن حقيقة القمار، ولعل الوجه أن المقصود إنما هو الاختبار (ب) للخيل، فإذا كان معلوم السبق فات الغرض الذي شرع لأجله. وأمَّا المسابقة من غير جُعلٍ
стр. 3778
فمباحة إجماعًا.
وقد قصَر السِّباق على ما في الحديث مالكٌ والشافعيُّ، واقتصر بعض العلماء على الخيل، وأجازه عطاء في كل شيء. قال الإمام الهدي في "البحر": وفي الفيلة وجهان؛ أصحهما يصح، إذ هو ذو خُفٍّ. وذهب أحمد إلى أنَّه لا يصح، إذ لا يصح منه الكَرُّ والفرُّ، كالبقر. وهذان الوجهان في البغال والحمير. قال الإمام المهدي: هي ذات حافر يعمها الحديث، وتصح على الأقدام مجانًا؛ لمسابقته ﷺ عائشة، ومع العوض وجهان؛ قال الإمام يَحْيَى وأصحاب الشَّافعي: الأصح الجواز، إذ يحتاج إلى ذلك في الجهاد. وقال الشَّافعي (١): لا يصح للحديث، ويصح في الطير بلا عِوَضٍ لاختصاصها بمنافع. وبالعوض وجهان؛ أصحهما الجواز إذ تُعِين في الجهاد بحمل كتب الأسرار. وقيل: لا. وتصح في السفن مجانًا. وفي العوض وجهان، تصح، إذ قد يُقاتل عليها كالخيل. وقيل: لا، إذ ليست بآلةِ حرب. ويصح بين الهَجين (٢) والعَتيق (٣)، وبين البخاتي (أ) والعِراب (٤). وفي الجنسين وجهان، المنع، إذ القصد الاختبار، واختلاف الجنسين ظاهر. وقيل: يصح إن تقارب جريهما، كالبغل والحمار، والبخاتي والفرس، لا مع معرفة
стр. 3779
الفضل لأيِّهما، لقوله ﷺ : "وقد أمن أن يَسْبِقهما".
وعلى قول من جوَّز السِّباق على عِوَضٍ فشروط عَقْده خمسة:
الأول: كون العوض معلومًا عينًا أو في الذمة حالًّا أو مؤجلًا كالأجرة.
الثَّاني: أن يكون المكان معلوم الابتداء والانتهاء.
الثالث: أن يكون قدر ما يقع به السَّبق معلومًا بأقدامٍ، وإن كان مطلقًا فأقله ما يُعد به سابقًا، ولو بعض العنق إن كان العنقان مستويين، وإلا بالكَتَد (١) من الفرس وهو المِسَحُّ (أ) (٢)، ومن الإبل الكاهِل، ومن الإنسان الكاهِل وهو مجتمع المنَكِبَين. وقال سفيان الثوري: يكفي السَّبق بالأُذن.
الرابع: تعيين المركوبين بالإشارة. وفي الاستغناء بوصف الغائب وجهان؛ قال الإمام يَحْيَى: الأصح ألا يكفي.
الخامس: إمكان سبق كل منهما، فلو علم عجز أحدهما لم يصح، إذِ القصد الخبرة، وعقد السِّباق غير لازم، إذ هو تمليك عين بغير عِوضٍ كالوصية، أو بذل عوض فيما لم يُتيقن حصوله كالقِراض عند العراقيين من الشَّافعية وقول للشافعي، وللشافعي قول أنَّه لازم كالإجارة، وإن شرط أن
стр. 3780
يصير إلى غير السابق شيء من السبق فسد العقد؛ إذ موجبه ألا يفوت على السابق شيء.
وخيلُ الحلَبةِ عشرة مرتبة، وقد جمعها على التَّرتيب الإمام المهدي رحمه الله تعالى:
مُجَلٍّ مُصَلٍّ مُسَلٍّ لها ... ومرتاح عاطفها والحَظِي
ومُسْحَنفرٌ ومؤمّلها ... وبعد اللَّطِيم السُّكَيت النظِي (أ)
وقال الجوهري: ترتيبها المجلِّى ثم المصلِّى ثم المسَلِّى ثم [التالي] (ب) ثم العاطف ثم المرتاح ثم المؤمل ثم الحظي ثم اللَّطِيم ثم السكيت.
وقد جمعها بعضهم في قوله:
سبق المجلِّي والمصلِّي بعدَه ... ثم المسَلِّي بعدُ والمرتاح
ولعاطف وحَظِيُّها ومؤمل ... ولَطِيمها وسكيتها إيضاح
والعاشر المنعوت منها فُشكلٌ ... فافهم هُديت فما عليك جناح
قال في "النهاية" (١): وسمى المصلِّي لأنَّ رأسه عند [صلا] (جـ) السابق، وهو ما عن يمين الذَّنَب وشماله. قال القتيبي: والسكيت مخفف ومشدد وهو بضم السِّين. قال في "الكفاية": والمحفوظ عن العرب المجلِّى والمصَلِّى
стр. 3781
والسكيت، وباقي الأسماء مُحْدثة.
وشروط السَّبق بالنِّضال (١): ذكر عدد الرميات، وتبيين جنس السِّهام، وقدر الإصابة مرةً أو مرتين، وتقدير المسافة بين الرامي والغرض، فإن كان لا يصاب في مثلها في أغلب الأحوال لم يصح. وقد قدر مسافة الإصابة بخمسين ومائتي ذراع، وما زاد إلى ثلائمائة وجهان؛ يصح العقد عليه إذ تعتاد الإصابة فيه. وقيل: لا يصح؛ لقلة (أ) الإصابة، وقد روي عن عقبة بن عامر أنَّه رمى على أربعمائة ذراع (٢). ويكون الغرض قدر شبر أو أكثر، ولابد من ذكر من يبدأ بالرمي؛ لئلا يتشاجرا. وفي "البيان": وإذا تشاجروا في البداية قرع بينهم، وفيمن يقف عن يمين الغرض كان ذلك لمن له البداية، وإذا شرطوا استقبال الشَّمس أو استدبارها صح، وإن لم يذكر ذلك ثم اختلفوا أجيب من طلب استدبارها؛ لأنَّه أقوم للإصابة في العادة، ولا بُدَّ من بيان صِفة الإصابة، من قَرعٍ -وهو إصابة الغرض من غير تأئير فيه -أو خَسْقٍ -وهو إصابته مع الخدش فيه -أو مرقٍ -وهو إصابتُه مع النفوذ (أ) فيه- أو خرمٍ -وهو إصابته مع قطعه من جانبٍ.
١١٠٢ - وعن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: سمِعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقرأ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
стр. 3782
قُوَّةٍ﴾ (١)، ألَا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، [ألَا إن القوة الرمي] " (أ). رواه مسلم (٢).
الحديث فيه تفسير المراد بالقوة في الآية الكريمة، ويدل على فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنيَّة الجهاد في سبيل الله، وكذلك المثاقفة (٣) وسائر أنواع السلاح، والمراد بهذا التَّمرن (ب) على القتال والتدرب و [التحذق فيه] (جـ) ورياضة الأعضاء بذلك.
стр. 3783
كتاب الأطعمة
١١٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام". رواه مسلم (١). وأخرجه من حديث ابن عباس ﵁ بلفظ: نهى. وزاد: "وكل ذي مخلب من الطير" (٢).
الحديث فيه دلالة على تحريم ما له ناب يتقوى به ويصطاد من السباع، وقد ذهب إلى هذا العترة والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود، والخلاف في ذلك لمالك في رواية ابن القاسم عنه، أنه يكره من السباع ما كان له ناب. وعلى هذه الرواية عول جمهور أصحابه، وهو المنصور عندهم.
وذكر مالك في "الموطأ" (٣) حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام". ثم قال: وعلى ذلك الأمر هو المعول عندنا. وذهب إلى هذا أشهب. هكذا حكى ابن رشد (٤) عن مالك، وفي "البحر": وعن مالك: بل يجوز أكل كل حيوان إلّا الأسد والنمر والفهد والذئب. وعنه تحريم لحوم السباع من الوحوش. والقائلون بتحريم السباع اختلفوا في جنس السباع المحرمة؛ فقال أبو حنيفة (٥): كل ما أكل اللحم فهو
стр. 3784
سبع حتى الفيل [والضبع] (أ) واليربوع والسنَّور. وقال الشافعي (١): يحرم من السباع ما يعدو على الناس؛ كالأسد والنمر والذئب. وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان. وقد ورد الحديث بحل الضبع كما سيأتي (٢)، وأما الثعلب فقد ورد في تحريمه حديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف (٣).
وحجة من أباح لحوم السباع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية (٤). فالآية تدل على أن المحرم إنما هو ما ذكر في الآية، فيحل ما عداها. وقد قال بهذا من السلف -فيما حكاه ابن عبد البر- ابن عباس على اختلاف عليه، وكذا عائشة، وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف، وقال به الشعبي وسعيد بن جبير.
وأجاب الجمهور بأن الآية مكية، وحديث أبي هريرة بعد الهجرة، فيكون ناسخًا، على قول من يجوِّز نسخ القرآن بالسنة.
وقد يجاب بأن الآية خاصة ببهيمة الأنعام ردًّا على من حرم بعضها كما ذكر الله سبحانه قبلها من قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ (٥) إلى آخر الآيات. فقيل في الرد عليهم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا
стр. 3785
أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية. إن الذي أحللتموه هو المحرم والذي حرمتموه هو الحلال، وإن ذلك افتراء على الله سبحانه. وقرن بها لحم الخنزير؛ لكونه شاركها في علة التحريم وهو كونه رجسًا، وقد نقل إمام الحرمين (١) عن الشافعي أنه يقول بقصر العام على سببه إذا ورد في مثل هذه القصة؛ لأنها وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم والخنزير وما أهل لغير الله به، ويحرمون كثيرًا مما أباحه الشرع، فكان الغرض من الآية بيان حالهم وأنهم يضادون الحق، فكأنه قيل: لا حرام إلّا ما أحللتموه. مبالغة في الرد عليهم. وأما ما حكاه القرطبي (٢) عن قوم أن الآية الكريمة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة للأحاديث المعارضة لها، فهو مردود بأن الكثير من العلماء صرحوا بأنها مكية، وهو متأيد بأن ما قبل الآية رد على المشركين فيما اختلقوه من التحريم والتحليل، وذلك قبل الهجرة قطعًا.
وقوله: "وكل ذي مخلب من الطير". المخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة، هو للطير كالظفر لغيره، لكنه أشد منه وأغلظ وأحدُّ، فهو له كالناب للسبع، وقد أخرج الترمذي (٣) من حديث جابر تحريم كل ذي مخلب من الطير، ومن حديث العرباض بن سارية (٤)، وزاد: يوم خيبر.
فيه دلالة على تحريم أكل ما له مخلب من الطير. قال النووي (٥) في