ثم أسلم ستة منهم وقتل ابن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وإحدى القينتين لابن خطل، وكان قد أسلم فبعثه النبي ﷺ الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه مسلم، فنزل منزلًا وأمر مولاه أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، فأمر بقتلهما معًا، فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأمنها.
وقوله: فقال: "اقتلوه". وجاء في الرواية عن الوليد بن مسلم عن مالك زيادة: فقتل. أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان (١)، وقد اختلف في قاتله، فجزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى الواقدي فيه أقوالًا؛ منها: أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة، قال الخطابي: قتله النبي ﷺ بحق ما جناه في الإسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب، [ولا] (أ) يؤخره عن وقته. انتهى. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي، وأنه يستوفى الحدود في الحرم كما يستوفى في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، وقالوا: لعموم الأدلة الدالة على استيفاء الحدود والقصاص بكل مكان وزمان؛ ولهذه القصة وبما يروى
عن النبي ﷺ ، أن الحرم لا يُعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدم ولا خَرَبة (٢)، وبأنه لو
стр. 3712
ارتكبه في الحرم لا يعيذه، وكذلك إذا لجأ إلى الحرم. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى العمل بقوله ﷺ في خطبة ثاني [يوم الفتح] (أ) في تحريم الحرم فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا، وعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١). وكان ذلك متأصلًا في عهد إبراهيم ﷺ أن الحرم يعيذ العصاة، واستمر في الجاهلية، وقام الإسلام على ذلك، وكانت العرب في جاهليتها يرى أحدهم قاتل أبيه وابنه في الحرم فلا يهيجه، وأخرج الإمام أحمد (٢) عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وعن عبد الله بن عمر (٣) أنه قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته (٤). وعن ابن عباس (٥) قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه. وهذا قول جمهور التابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث، وهو مذهب العترة، وأجيب عما احتج به الأولون: أما عموم
стр. 3713
الأدلة لاستيفاء الحدود للمكان والزمان بالعموم غير مسلم لعدم التصريح بالزمان والمكان وإنما ذلك مطلق، والمطلق وإن كان حكمه حكم العام لكنه مقيد بحديت الحرم، وهو متأخر، فإف في حجة الوداع والحدود قد شرعت، وأما قوله: إن الحرم لا يعيذ. فليس بحديث، وإنما هو قول العاتي عمرو بن سعيد بن العاصي، تأبيًا من الإذعان للحق، فلا يُلْتفت إليه، وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه فإنما كان ذلك في الساعة التي أحل النبي ﷺ فيها القتال بمكة، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، ثم عادت حرمتها كما كانت، وكان قتل عبد الله بن خطل وقت الضحى، ما بين زمزم ومقام إبراهيم، ثم قال ﷺ (١): "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا". ورجاله ثقات، إلا أن في إسناده أبا معشر (٢)، وفيه مقال.
وأما إذا ارتكب في الحرم ما يوجب الحد، فالأصل هذا غير مسلَّم، فإن القائلين بالإعاذة اختلفوا؛ فذهب بعض العترة أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه فيه حتى يخرج، وروى أحمد (٣) عن طاوس عن ابن عباس قال: من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضًا: من أحدث حدثًا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء (٤). والله يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ
стр. 3714
فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١). والفرق بينه وبين الملتجئ إليه، أن الجاني فيه هاتك لحرمة الحرم، والملتجئ معظم لها؛ ولأنه لو لم يقم الحد على من جنى فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أنه من أراد الفساد قصد إلى الحرم ليسكنه ويفعل فيه ما يقضي شهوته. ووقع خلاف أيضًا في القصاص فيما دون النفس وفي الحد بغير القتل، وفي ذلك روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق قال: سفك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه؛ لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولأن الحد فيما دون النفس جار مجرى تأديب السيد لعبده فلم يمنع منه.
١٠٧٢ - وعن سعيد بن جبير ﵁ أن رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة صبرًا. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٢)، ورجاله ثقات.
هو أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي مولى بني والبة بطن من بني أسد بن خزيمة، كوفي، أحد أعلام التابعين، سمع ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأنسًا، وسمع منه عمرو بن دينار وأيوب وجعفر بن إياس، قتله الحجاج بن يوسف في شعبان سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة -ومات الحجاج في رمضان من السنة، ويقال مات بعده بستة أشهر، ولم يسلط بعده على قتل أحد- ودفن بظاهر واسط العراق، وقبره بها
стр. 3715
يزار (١)، وجبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة.
قوله: كمل يوم بدر ثلاثة صبرًا. هم: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: إن قوله: المطعم بن عدي. تحريف، والصواب طعيمة بن عدي، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، ووصله الطبراني في "الأوسط" (٤) بذكر ابن عباس.
١٠٧٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل مشرك. أخرجه الترمذي وصححه، وأصله عند مسلم (٥).
الحديث فيه دلالة على جواز مفاداة الأسير من المسلمين بأسير كافر، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقال أبو حنيفة (٦): لا يجوز المفاداة، ويتعين إما قتل الأسير، أو استرقاقه. وقال مالك: إنه لا يجوز في الأسير إلا القتل، أو الاسترقاق، أو مفاداته بأسير. وقال أبو يوسف ومحمد (٧): يجوز المفاداة بغيره، أو قتل الأسير، أو استرقاقه، أو مفاداته بالمال. وذهب الجمهور إلى جواز المن، والفداء بأسير، أو القتل، أو الاسترقاق، وقال
стр. 3716
الإمام يحيى (أ) بجوازها وبجواز الفداء بالمال، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١) جواز الأمرين، وأخذ الفداء كما وقع في قصة بدر، ونزل العتاب على ذلك، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. ووقع من النبي ﷺ قتل الأسير كما في النضر وعقبة بن أبي معيط، والمن كما في قضية أبي عزة، فإنه من عليه في يوم بدر على ألا يقاتل، فعاد إلى القتال يوم أحد، فأسره وقتله، وقال في حقه: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" (٢).
١٠٧٤ - وعن صخر بن [العيلة] (ب) ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم". أخرجه أبو داود (٣)، ورجاله موثقون.
هو أبو حازم صخر -بفتح المهملة وسكون المعجمة فراء- ابن [العيلة] (٥) -بفتح العين المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وباللام، ويقال: العيِّلة، بتشديد الياء المكسورة، ويقال: ابن أبي العيلة- الأحمسي البجلي، عداده في أهل الكوفة وحديثه عندهم، ويقال: إن العيلة أمه. روى عنه عثمان بن أبي حازم وهو ابن أبيه (٤).
стр. 3717
وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أسلم على شيء فهو له".
أخرجه أبو يعلى (١)، وضعفه ابن عدي بياسين الزيات (٢) راويه عن الزهري، قال البيهقي (٣): إنما يروي عن ابن أبي مليكة، وعن عروة مرسلًا. ومرسل عروة أخرجه سعيد بن منصور (٤) برجال ثقات.
الحديث فيه دلالة على أن الكفار إذا أسلموا حرم قتلهم وملكوا أموالهم، إلا أن في ذلك تفصيلًا وهو أنه إذا كان الإسلام طوعًا من دون قتال فأرضهم باقية على ملكهم، وذلك كأرض اليمن، والواجب عليهم في أموالهم الزكاة التي فرض الله ، وإن أسلموا بعد القتال فالإسلام قد حقن دماءهم، وأما أموالهم؛ فالمنقول غنيمة، وغير المنقول فيء، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالك (٥): لا تقسم الأرض وتكون وقفًا يقسم خراجها في مصالح المسلمين؛ من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض.
وأيد هذا القول ابن القيم (٦) في "الهدي النبوي"، وقال: إن الأرض
стр. 3718
ليست داخلة في الغنيمة التي تقسم. قال: فإن الله لم يحل لأحد من الأنبياء قسمة المغنم، وكان ذلك مما اختص به النبي ﷺ ، وقد قال الله في حل الأرض التي بأيدي الكفار لقوم موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). وكان غير الأرض تنزل له نار من السماء تأكله. قال: وقال به جمهور الصحابة، وكان عليه سيرة الخلفاء الراشدين، ونازع في ذلك بلالٌ وأصحابُه عمرَ وطلبوا أن يقسم بينهم الأرض وهي في الشام التي فتحوها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها. فقال عمر ﵁: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئًا يجري عليكم وعلى المسلمين. فقال بلال. وأصحابه: اقسمها بيننا. فقال عمر ﵁: اللهم اكفني بلالًا وذويه. فما حال الحول ومنهم عين تطرف (٢)، ثم وافق سائر الصحابة عمر ﵁، وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحت عنوة، لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة، ولا يصح أن يقال أنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه فيها، وهو [يأبى] (أ) عليهم. ثم قال: ووافقه جمهور الأئمة، وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله، فإن
стр. 3719
رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين.
وعن أحمد رواية ثانية، أنها تصير وقفًا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن [ينشئ] (أ) الإمام وقفها، وهو مذهب مالك، وعن أحمد رواية ثالثة أنه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلا أن يتركوا حقهم منها، وهو مذهب الشافعي بناء من الشافعي أن آية "الأنفال" وآية "الحشر" متواردتان، وأن الجميع يسمى فيئًا وغنيمة، ولكنه يرد عليه أن ظاهر سوق آيات "الحشر" أن الفيء غير الغنيمة، وأن له مصرفًا [عاما] (ب)، ولذلك قال عمر ﵁ (١): إنها عمت الناس بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢) ولا [يبقى حق] (جـ) لمن جاء من بعدهم إلا إذا بقيت محتبسة للمسلمين، إذ لو استحقها المباشرون للقتال وقسمت بينهم توارثها ورثة أولئك، وكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبي صغير.
وأجاب البيهقي (٣) بأن عمر ﵁ قسم أرض خيبر لما أجلاهم، وقال: من كان له سهم من خيبر فليحضر حتى [نقسمها] (د) بينهم. ثم
стр. 3720
قسمها عمر ﵁ بين من شهد خيبر من أهل الحديبية. وما فعله عمر ﵁ في قصة بلال، فإنما فعل ذلك لما رآه من المصلحة، ودعا عليهم حيث خالفوه. ثم قال: وقد روينا في كتاب القسم في فتح مصر أنه رأى ذلك ورأى الزبير بن العوام قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر. وأخرج البيهقي (١) عن أسلم، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: لولا أني أترك الناس ببَّانا -بموحدتين الثانية ثقيلة وبعد الألف نون- أي فقراء معدمين لا شيء لهم- ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر. ويجاب عنه بأن العمل بالآية الكريمة أولى لاحتمال ما عداها، وهو لا يمكن العمل بها إلا مع وقف الأرض للانتفاع بغلتها.
وقال أبو حنيفة (٢): الإمام مخير بين القسمة بين الغانمين، أو يقرها لأربابها على خراج، أو ينتزعها منهم ويقرها مع آخرين بالخراج. وذهبت الهدوية إلى أنه يفعل فيها الأصلح من وجوه أربعة؛ إما القسمة بين الغانمين، أو أن يتركها لأهلها على خراج، أو يتركها على مقاتلة من عليها، أو يمن بها عليهم. وقالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي ﷺ . والله سبحانه أعلم.
١٠٧٥ - وعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له". رواه البخاري (٣).
стр. 3721
المطعم بن عدي والد جبير، و"النتنى" جمع نتن بالنون والتاء المثناة من فوق، والمراد به أسارى بدر، وصفهم بالنتن لما هم عليه من الشرك، كما وصفوا بالنجس.
وقوله: "لتركتهم له". يعني بغير فداء، وبين السبب في ذلك ابن شاهين (١)، وأنه كان له يد، وذلك ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق (٢) القصة في ذلك مبسوطة وكذلك الفاكهي (١) بإسناد حسن مرسل، وأن المطعم أمر أولاده الأربعة فلبسوا السلاح وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشًا، فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك. وقيل: إن اليد التي له هي أنه كان من أشد من سعى في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم من المسلمين حتى حصروهم في الشعب. وروى الطبراني (١) عن جبير قال: مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة. وذكر الفاكهي (١) بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات؛ مجازاة له على ما صنع للنبي ﷺ .
١٠٧٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فتحرجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ
стр. 3722
إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) الآية. أخرجه مسلم (٢).
قوله: يوم أوطاس. أوطاس، قال القاضي عياض (٣): هو وادٍ في ديار هوازن، وهو موضع قرب حنين. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: والراجح أن وادي أوطاس هو وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بَجيلة، وطائفة إلى أوطاس. وقال أبو عبيد البكري (٥): أوطاس واد في ديار هوازن. والحديث فيه دلالة على أنه ينفسخ نكاح المسبية بالسبي، فيكون الاستثناء في الآية متصلًا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وهو مذهب الهدوية، وظاهره سواء سبي معها زوجها أو لا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن سبي معها زوجها لم ينفسخ النكاح، وإن سبيت وحدها انفسخ النكاح، نظرًا من أبي حنيفة أن الموجب للفسخ اختلاف الدار لا طروء الملك، وعن مالك قولان؛ أحدهما: أن السبي يوجب الفسخ مطلقًا كمذهب الشافعي. والثاني: لا يوجب الفسخ مطلقًا.
والحديث وظاهر الآية المفسرة بالحديث المبين لسبب نزولها حجة للشافعي، وفيه دلالة على جواز الوطء ولو قبل الإسلام، سواء كانت كتابية أو وثنية، فالآية الكريمة عامة، وقصة [سبايا] (أ) أوطاس لم يذكر النبي ﷺ
стр. 3723
عرض الإسلام عليهن، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، وهم حديثو عهد بالإسلام، يبعد عن جميع الغانمين معرفة اشتراط إسلامهن؛ والسبايا عدة ألوف أصابهن السبي على كره بعد قتال الرجال وتشريدهم والإخراج من ديارهم، بيعد منهن المسارعة إلى الإسلام غاية البعد، وكذلك ما رواه الترمذي (١) عن عرباض بن سارية أن [النبي] (أ) ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن. فجعل للتحريم غاية واحدة، وهي وضع الحمل، ولو كان متوقفًا على الإسلام لبينه. وما أخرجه أبو داود في "السنن" وأحمد في "المسند" (٢) مرفوعًا: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها". ولم يذكر الإسلام، وما أخرجه أحمد (٣): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئًا من السبايا حتى تحيض حيضة". ولم يذكر الإسلام، ولم يعرف ذكر اشتراط الإسلام في المسبية في موضع واحد البتة. وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره، واسترجحه صاحب "المغني" (٤) من الحنابلة ورجح أدلته، وذهب الشافعي وغيره من الأئمة إلى أنه لا يجوز وطء المسبية بالملك حتى تسلم إذا لم تكن كتابية، وسبايا أوطاس هن وثنيات، فلا بد من التأويل بأن حلهن بعد الإسلام. ويرد عليه ما عرفت، والله أعلم.
стр. 3724
١٠٧٧ - وعن ابن عمر ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية وأنا فيهم قبل نجد، فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. متفق عليه (١).
قوله. سرية. هي بفتح السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية، وهي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها مأخوذة من الستر، وليس كذلك لاختلاف المادة، والسرية قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما زاد على خمسمائة يقال له: منسر. بالنون ثم المهملة، فإن زاد على ثمانمائة سمي جيشًا، وما بينهما يسمى هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلًا، فإن زاد فجيش جرار، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثًا، والعشرة فما دونها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة تسمى مقنبًا بقاف ونون ثم باء موحدة، فإن زاد سمى جمرة بالجيم، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر.
وهذه السرية ذكرها البخاري بعد غزوة الطائف، والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد (٢): أنها كانت في شعبان سنة ثمان. وذكر غيره أنها كانت قبل مؤتة، ومؤتة كانت في جمادى سنة ثمان، وقيل كانت في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة أميرها، وكانوا
стр. 3725
خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير وألفي شاة،
ولكنه لا يستقيم قسمة السهمان المذكورة على هذا القدر فتنبه.
وقوله: قبل نجد. بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها.
وقوله: إبلًا كثيرة. في رواية مسلم (١): فأصبنا إبلًا وغنمًا.
وقوله: وكانت سهمانهم. أي أنصباؤهم، والمراد به: بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر.
وقوله: اثني عشر بعيرًا. جاء في رواية "الموطأ" عند أكثر رواته (٢): اثني عشر أو أحد عشر. بالشك، ولم يروه بغير شك إلا الوليد بن مسلم، فإنه رواه عن شعيب ومالك (٣) بغير شك، وكأنه حمل [رواية] (أ) مالك على رواية شعيب، وأبو داود (٤) رواه عن مالك والليث بغير شك، وأما عن نافع فرواه أصحابه من غير شك إلا مالكًا (٥).
قوله: ونفلوا. بصيغة الماضي المجهول، والنفل زيادة يزادها الغازي على نصيبه من المغنم، وفي رواية ابن إسحاق (٦) أن التنفيل كان من الأمير، قبل أن
стр. 3726
يصلوا إلى النبي ﷺ ، والقسم كان بعد الوصول إلى النبي ﷺ ، قسم ذلك بينهم وبين الجيش؛ لأن الجيش إذا انفرد منه قطعة فغنمت كانت الغنيمة للجميع، وذلك حيث كانت الغنيمة بقوة رد الجيش مع قرب الجيش إذا كانوا بحيث يلحقهم غوثه لو احتاجوا، وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم (١): أن ذلك كان من أمير الجيش؛ التنفيل والقسم، والنبي ﷺ مقرر لذلك؛ لأنه قال: ولم يغيره النبي ﷺ . وعند مسلم (٢) في رواية عبيد (أ) الله بن عمر: ونفلنا رسول الله بعيرًا بعيرًا.
قال النووي (٣): نسب إلى النبي ﷺ لما كان مقررًا لذلك، وفي رواية أبي داود (٤) عن ابن إسحاق بلفظ: فأصبنا نعمًا كثيرًا، وأعطانا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا إلى النبي ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل اثني عشر بعيرًا بعد الخمس. وأخرجه أبو داود (٥) من طريق أخرى ولفظه: بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قبل نجد، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشر بعيرًا اثني عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرًا ثلاثة عشر بعيرًا. وأخرجه ابن عبد البر (٦) من هذا الوجه، وقال في روايته: إن ذلك الجيش أربعة آلاف. ويمكن
стр. 3727
الجمع بين هذه الروايات بأن التنفيل كان من الأمير قبل الوصول إلى النبي ﷺ ، ثم بعد الوصول إلى النبي ﷺ قسم النبي ﷺ على الجيش، وأن قسم السرية تولى قبضه وحمله الأمير، وقسم ذلك على أصحابه، فمن نسب ذلك إلى النبي ﷺ فلكونه الذي قسم أولًا، ومن نسب ذلك إلى الأمير فباعتبار أنه تولى ذلك لأصحابه آخرًا، وفي هذا دلالة على شرعية التنفيل، إلا أن عمرو بن شعيب (١) قال: إن هذا يختص بالنبي ﷺ دون من بعده. وكره مالك أن يكون التنفيل بشرط من الأمير بأن يقول: من فعل كذا فله نفل كذا. قال: لأنه يكون القتال للدنيا. قال: فلا يجوز.
واختلف العلماء في النفل، هل يكون من أصل الغنيمة أم من غيرها من الخمس أو من خمس الخمس، أو مما عدا الخمس؟ والأصح عند الشافعية أن ذلك من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك، وهو شاذ عندهم، وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة. وقال مالك وطائفة: لا نفل إلا من الخمس. وقال الخطابي (٢): أكثر ما روي من الأخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة. والذي يقرب من حديث الباب أنه من الخمس، وروى مالك (٣) أيضًا عن أبي الزناد، أنه سمع سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك. وقال ابن عبد البر (٥): إن أراد الإمام
стр. 3728
تفضيل بعض الجيش لمصلحة فيه، فذلك من الخمس، وإن انفردت قطعة وأراد أن ينفلها، فذلك من غير الخصر بشرط ألا يزيد على الثلث. انتهى. وهذا الشرط قاله الجمهور، وقال الشافعي: هو راجع إلى ما يراه الإمام من الصلاح، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، ففوض إليه أمرها، وظاهر الحديث إذا كان النفل من أصل الغنيمة أنه لا خمس فيه.
١٠٧٨ - وعنه ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. متفق عليه (٢) واللفظ للبخاري. ولأبي داود (٣): أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم؛ سهمين لفرسه وسهما له.
تمام حديث البخاري، قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم. وقد رواه البخاري (٤) بطريق أخرى: أنه جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. وهذه الرواية موافقة لتفسير نافع.
والحديث فيه دلالة على أن سهم الفرس اثنان من غير سهم صاحبها،
стр. 3729
و [رواية أبي] (أ) داود موافقة لذلك، وكلها عن عبيد الله العمري، وقد ذهب إلى هذا الناصر والقاسم ومالك والشافعي، وذهب أبو حنيفة والهادي إلى أن الفرس لها سهم ولصاحبها سهم، محتجين بما أخرجه أبو داود (١) من حديث مجمع بن جارية -بالجيم والياء التحتانية- في قصة خيبر في حديث طويل، قال: فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما. وأجيب بأن ما رواه البخاري مقدم، لا سيما مع ضعف حديث أبي داود، وقد يؤيد بما أخرجه الدارقطني (٢) من حديث أبي بكر بن أبي شيبة بلفظ: أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري: إنه وهم فيه الرمادي أو شيخه مع أن ابن أبي شيبة رواه في "مصنفه" (٣) بهذا الإسناد بلفظ: للفرس. وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم (٤) في كتاب "الجهاد" له بلفظ: أسهم للفرس. فيحمل قوله: أسهم للفارس سهمين. أي: أسهم للفارس سهمين بسبب فرسه غير سهمه المختص به، والجمع بين [الروايات] (ب) ما أمكن هو الواجب، لا سيما مع كون الرواية الأولى أثبت، وهي متضمنة لزيادة علم، وقد أخرج أبو داود (٥) من حديث أبي
стр. 3730
عمرة، أن النبي ﷺ أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهمًا، فكان للفارس ثلاثة أسهم. وأخرج النسائي (١) من حديث الزبير، أن النبي ﷺ ضرب له أربعة أسهم؛ سهمين لفرسه، وسهما له، وسهما لقرابته. وقد نقل عن أبي حنيفة أنه كره أن تفضل بهيمة على مسلم، وهذه شبهة ضعيفة لا تعارض النصوص، مع [أن] (أ) السهام في الحقيقة كلها للرجل، مع أن المعنى المقتضي لتضعيف سهم الفرس واضح، وهو أن الفرس يحتاج إلى مؤنة [لخدمتها] (ب) وعلفها، وبأنه يحصل [بها] (جـ) من الإرهاب في الحرب ما لا يخفى، وقد روي عن علي وعمر وأبي موسى مثل قول أبي حنيفة (٢)، لكن الثابت عن علي وعمر مثل القول الأول (٣). وإن حضر بفرسين، فقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق (٤): يسهم لهما أربعة أسهم. وقد أخرج الدارقطني (٥) بإسناد ضعيف عن أبي [عمرة] (د) قال: أسهم لي رسول الله ﷺ لفرسيّ أربعة أسهم، ولي سهمًا، فأخذت خمسة أسهم. وذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم إلا لفرس واحدة، وهو قول مالك، وأما لأكثر من
стр. 3731
فرسين فإجماع، وإذا مات الفرس قبل حضور القتال، فقال مالك: يسهم لها. وقال الجمهور: لا يسهم لها إلا إذا حضر بها القتال. وإذا مات الفرس في الحرب استحق صاحبه، وإن مات صاحبه استحق الورثة. وعن الأوزاعي فيمن وصل إلى موضع القتال فباع فرسه: يسهم له، لكن يستحق البائع مما غنموا قبل البيع، والمشتري مما بعده، وما اشتبه قسم. وقال غيره: يوقف حتى يصطلحا. ولو اشترى فرسًا في دار العدو قد دخل إليها راجلًا؛ فقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا سهم. ومن غزا في البحر ومعه فرس، فقال الأوزاعي والشافعي: يسهم للفرس. والفرس يشمل العربي والهجين، والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيًّا والآخر غير عربي. وقيل: الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأما الذي أمه عربية فقط فيسمى المقرِف. وعن أحمد: الهجين البرذون. وفي "المراسيل" (١) لأبي [داود] (ب) عن مكحول، أن النبي ﷺ هجن الهجين يوم [خيبر] (جـ)، وعرب العراب، فجعل للعربي سهمين والهجين سهمًا. وهو منقطع، وقد أخرجه الشافعي (٢) عن عمر في قصة مشورة المنذر الوادعي، ولكنه منقطع، وقد أخذ بهذا أحمد، وعنه رواية كغيره من العلماء، وعنه: إن فعلت البراذين ما تفعله الخيل سوّى بينهما وإلا فضلت العربية. وعن الليث: يسهم للبراذين والهجين دون سهم الفرس.
١٠٧٩ - وعن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 3732
"لا نفل إلا بعد الخمس". رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي (١).
هو أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس (٢) -بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة- من بني بهثة -بضم الباء الموحدة وبالثاء المثلثة- بن سليم -بضم السين وفتح اللام- السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة، شهدوا بدرًا فيما قيل، ولا يعلم أنه اتفق من شهد هو وأبوه وجده بدرًا غيرهم، وقيل: لا يصح شهوده بدرا. يعد في الكوفيين، روى عنه أبو جوصرية الجَرْمى ووائل بن كليب.
وقوله: "لا نفل". النفل: بفتح النون والفاء: الغنيمة، والمراد به هنا ما يزيده الإمام لمن شاء من الغانمين على نصيبه، وقد اتفق العلماء على جواز ذلك، واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره، وهل يجوز الوعد به قبل الحرب؟ وظاهر الحديث أن النفل إنما يكون بعد تخميس الغنيمة، ولك (٣) فيه احتمال أن يكون النفل من الخمس أو يكون من أصل الغنيمة قبل أن تقسم، فقال مالك وغيره: إن النفل إنما يكون من الخمس. وقد روى هذا الشافعي (٤) عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب، قال: ما كانوا ينفلون إلا من الخمس. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه يكون من خمس الخمس الذي هو حظ الإمام، وذهب أحمد وأبو عبيد وغيرهم إلى أن
стр. 3733
التنفيل يكون من جملة الغنيمة، والسبب في الاختلاف أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) يدل على أن الغنيمة قد صارت ملكًا للغانمين، فلا يجوز التنفيل منها، وإنَّما يكون من الخمس، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٢) الآية. أن للنبي ﷺ التصرف في الغنيمة، فمن قال: إن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾. ناسخ لقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢). قال: لا يكون النفل إلَّا من الخمس. ومن قال: إن الآية الأولى غير منسوخة. قال: إن التنفيل إلى رأي الرسول، له أن ينفل وله ألا ينفل، وكذلك ما تقدم من حديث ابن عمر (٣)، أنَّه كان كل سهم اثني عشر بعيرًا، و [نفلوا] (أ) بعيرًا بعيرًا، فيه دلالة على أن النفل كان من الخمس، إذ لا فائدة في التنفيل إذا كان التنفيل لجميع العسكر، إلَّا أن يقال: إن التنفيل اختص ببعضهم وهم السرية، وحديث حبيب بن مسلمة الآتي، أن رسول الله ﷺ كان ينقُل الربع للسرايا بعد الخمس في البدأة، وينفلهم الثُّلث بعد الخمس في الرجعة. يعني في بدأة غزوه وفي انصرافه، فظاهره أن التنفيل من غير الخمس، وأنه لبعض العسكر؛ [لأنه] (ب) جعل ذلك للسرايا، وأمَّا المقدار فالذين أجازوا التنفيل من رأس الغنيمة قال بعضهم: لا يجوز أن ينفل أكثر من الثُّلث أو الربع، كما دل عليه حديث حبيب بن مسلمة. وقال بعضهم:
стр. 3734
للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمت نظرًا إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾. وقد روى [الحكم] (أ) (١) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس من المغنم. الحديث. وهو مرسل. والله أعلم.
١٠٨٠ - وعن حبيب بن مسلمة ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة. رواه أبو داود وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم (٢).
هو أبو عبد الرحمن حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري (٣)، و (ب) يقال له: حبيب الروم. لكثرة مجاهدته إياهم، ولاه عمر بن الخطاب أعمال الجزيرة إذ عزل عنها عياض بن غنم، وضم [إلى] (جـ) حبيب أرمينية وأذربيجان، وكان فاضلًا مجاب الدعوة، مات بالشام، ويقال: بأرمينية، سنة اثنتين وأربعين، وروى عنه عبد الرحمن بن أميَّة الضمري وابن أبي مليكة. وحبيب بالحاء المهملة المفتوحة وباءين موحدتين بينهما ياء تحتية،
стр. 3735
ومسلمة بفتح الميم واللام.
الحديث أخرج نحوه التِّرمذيُّ وابن ماجه وابن حبان (١) في "صحيحه" عن عبادة بن الصَّامت. وقد فسر الخطابي (٢) الحديث بما حاصله أن السرية إذا ابتدأت السَّفر نفلها الربع، فإذا أقفلوا ثم رجعوا إلى العدو ثانية كان لهم الثُّلث؛ لأنَّ نهوضهم بعد القفول أشق عليهم وأخطر، وفيه دلالة على أن التنفيل من الغنيمة، وأن التنفيل يكون إلى نظر الإمام يفعله لمصلحة.
١٠٨١ - وعن ابن عمر ﵄ ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسمة عامة الجيش. متفَّق عليه (٣).
١٠٨٢ - وعنه قال: كُنَّا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. رواه البُخاريّ (٤). ولأبي داود (٥): فلم يؤخذ منهم الخمس. وصححه ابن حبان (٦).
قوله: ينفل بعض من يبعث ... إلخ. فيه دلالة على أن التنفيل ليس واجبًا بل ذلك جائز واقف أيضًا على حسب ما يراه من الصلاح.
стр. 3736
وقوله: كنا نصيب في مغازينا. الحديث، قد جاء في رواية الإسماعيلي (١) بلفظ: كُنَّا نصيب السمن والعسل. وجاء من طريق جرير بن حازم (٢) في أيوب بلفظ: أصبنا طعامًا وأغنامًا يوم اليرموك فلم يقسم. وللأول حكم المرفوع للتصريح بكونه في زمن النَّبيِّ ﷺ بخلاف الأخير؛ فإن يوم اليرموك بعد النَّبيِّ ﷺ .
وقوله: لا نرفعه. أي: ولا نحمله على سبيل الإدخال له، ويحتمل: ولا نرفعه إلى متولي أمر الغنيمة ونستأذنه في أكله اكتفاء منه بما سبق من الإذن. وقد ذهب الجمهور إلى أنَّه (أ) يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا، وكذلك علف الدواب قبل القسمة سواء كان بإذن الإمام أو بغير إذنه، وذهب قوم إلى أن ذلك غلول لا يجوز.
ودليل الجمهور هذا الحديث، وحديث ابن مُغفّل أخرجه البُخاريّ ومسلم (٣)، قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر، فقلت: لا أعطي منه أحدًا. فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم. وهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث الغلول، ودليل المانع عموم أحاديث الغلول، ويجاب عنه بالتخصيص. واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال
стр. 3737
سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب، وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام، وعليه أن يرده كما فرغت حاجته ولا يستعمله في غير الحرب ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك، لحديث رويفع بن ثابت الآتي (١) مرفوعًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها، حتَّى إذا عجفها ردها إلى المغانم". وذكر في الثوب كذلك، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والطحاوي (٢). ونقل عن أبي يوسف أنَّه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج، وقال الزُّهريّ (٣): لا يأخذ شيئًا من الطَّعام ولا غيره إلا بإذن الإمام. وقال سليمان بن موسى (٤): له أن يأخذ إلَّا إذا نهى الإمام. وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل، كما يجوز أخذ الطَّعام. وقيده الشَّافعي بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام.
وقوله: فلم يؤخذ منهم الخمس. فيه دلالة على أنَّه لا يجب تخميس المأكول، والله أعلم.
١٠٨٣ - وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. أخرجه أبو داود وصححه ابن الجارود والحاكم (٥).
стр. 3738
الحديث فيه دلالة على جواز أخذ الطَّعام من المغنم قبل القسمة كما تقدم، وفيه دلالة أيضًا على أن ذلك قبل التخميس. وقد تقدم الكلام عليه قريبًا.
١٠٨٤ - وعن رويفع بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتَّى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتَّى إذا أخلقه رده فيه". أخرجه أبو داود، والدارمي (١)، ورجاله ثقات لا بأس بهم.
الحديث فيه دلالة على أنَّه لا يجوز ركوب الدابة ولا لبس الثوب من المغنم قبل أن يقسم، وظاهره ولو كان محتاجًا إلى ذلك، وإن كان النَّهي محتملًا تقييده بحالة الإعجاف والإخلاق، وأمَّا الركوب الذي لا يضعف الدابة، واللبس الذي لا يخلق الثوب فجائز، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه.
١٠٨٥ - وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجير على المسلمين بعضهم". أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد (٢)، وفي إسناده ضعف. وللطيالسي (٣) من حديث عمرو بن العاص: "يجير على المسلمين أدناهم". وفي
стр. 3739
"الصحيحين" (١) عن علي ﵁: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم". زاد ابن ماجه (٢) من وجه آخر: "ويجير عليهم أقصاهم". وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أم هانئ: "قد أجرنا من أجرت".
حديث أبي عبيدة (أ) في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وهو مدلس، وقد رواه معنعنا (ب) عن الوليد بن أبي مالك.
وحديث عمرو رواه الطَّيالسيُّ في "مسنده" مرفوعًا، ورواه أحمد (٤) من حديث أبي هريرة: "يجير على المسلمين أدناهم". ورواه أيضًا من حديث أبي عبيدةَ بلفظ: "يجير على المسلمين بعضهم".
وحديث علي متَّفقٌ عليه أنَّه قال: ما عندي إلَّا كتاب الله، وهذه
стр. 3740
الصحيفة عن رسول الله ﷺ ؛ أن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين. وقد تقدم في كتاب الجنايات بأتم من هذا (١).
وزيادة ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "يد المسلمين على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم".
وحديث أم هانئ رواه التِّرمذيُّ (٢) بلفظ: "أمنا من أمنت". وقد أجارت الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة. كذا رواه الحاكم، والأزرقي (٣)، عن الواقدي.
الحديث فيه دلالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم، سواء كان ذكرًا أم أنثى، حرًّا أم عبدًا، سواء كان ذلك بإذن من الإمام أو بغيره، فإن قوله في رواية: "بعضهم". شامل لذلك، وكذلك في رواية: "أدناهم". فإن الأدنى نص صريح في الوضيع، والشريف مدلول بمفهوم الفحوى، وقد وقع خلاف في بعض الأطراف، قال ابن المنذر (٤): أجمع أهل العلم على جواز أمانها إلَّا عبد الملك بن الماجشون وسحنون، فإنهما يقولان: إن ذلك موقوف على إذن الإمام. قالا: وقال على: "أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
стр. 3741
إنَّما هو إجازة منه لأمانها، فلو لم يؤمن لم يصح أمانها. والجمهور حملوه على النَّبيِّ ﷺ إنَّما أمضى ما قد وقع منها وأنه قد انعقد أمانها، ويؤيّد هذا عموم: "المسلمين". للنساء، كما هو المختار عند بعض أئمة الأصول، أو من باب التغليب لقرينة. والعبد اشترط أبو حنيفة أن يكون قد قاتل، وإلا لم يصح أمانه. وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال صح أمانه، وإلا فلا. قالا: لأنَّ الأمان من شرطه الكمال، والعبد ناقص بالعبودية، فوجب أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه، قياسًا على تأثيرها في إسقاط كثير من الأحكام الشرعيّة، فيخصص العموم بهذا القياس. وأمَّا الصبي، فقال ابن المنذر (١): أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأمَّا المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف. وأمَّا الكافر الذهبي، فقال الأوزاعي: إذا غزا مع المسلمين وأمَّن، فإن شاء الإمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه. وأمَّا الأسير في أرض الحرب، فكلام الهدوية أنَّه لا يصح تأمينه، لأنهم قالوا: لا بد أن يكون المؤمن متمنعًا من الكفار. وكذا حكى ابن المنذر (٣) هذا عن الثوري، فقال: لا يصح تأمين الأسير.
فائدة: أم هانئ اختلف في اسمها، فقيل: فاختة. كذا رواه الطّبرانيّ (٣)
стр. 3742
أنَّه ﷺ قال لها: "مرحبًا بفاختة أم هانئ". وادعى الحاكم (١) تواتره. وقال الشَّافعي: اسمها هند. وقيل: فاطمة. حكاه ابن الأثير. وقيل: عاتكة. حكاه ابن حبان وأبو موسى. وقيل: جُمَانة. حكث الزُّبير بن بكار. وقيل: رَمْلة. حكاه ابن البرقي. وقيل: جمانة أختها. وقيل: ابنتها (٢).
١٠٨٦ - وعن عمر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتَّى لا أدع إلَّا مسلمًا" رواه مسلم (٣).
الحديث فيه دلالة على عزمه ﷺ على إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأخرجه أحمد والبيهقيّ (٤) بزيادة: "لئن عشت إلى قابل". ومن المتفق عليه (٥) عن ابن عباس، أن النَّبيَّ ﷺ أوصى عند موته: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" الحديث. وأخرج البيهقي (٦) من حديث مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنَّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: بلغني أنَّه كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنْ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب". وأخرج (٦) من حديث مالك، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا
стр. 3743
يجتمع دينان في جزيرة العرب". قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك حتَّى أتاه الثَّلج (١) واليقين عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". فأجلى يهود خيبر. قال مالك: وقد أجلى يهود نجران وفدك. وأخرج (٢) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكن قبلتان في بلد واحد".
وجزيرة العرب؛ أخرج البيهقي (٢) عن سعيد بن عبد العزيز: هي ما بين الوادي -يعني وادي القرى- إلى أقصى اليمن إلى تُخوم العراق إلى البحر. وأخرج (٣) عن [أبي عبيد، عن] (أ) أبي عبيدة، قال: جزيرة العرب ما بين حَفَر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول -وحَفَر أبي موسى بفتح الحاء المهملة وفتح الفاء أيضًا، وهو قريب من البصرة- وأمَّا العرض فيما بين رمل يَبرين إلى منقطع السماوة. قال: وقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عَدنِ أبْيَنَ إلى ريف العراق في الطول، وأمَّا في العرض فمن جُدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. وأخرج (٤) عن [أبي] (ب) عبد الرحمن المقري، أن جزيرة العرب من لدن القادسية إلى لدن قعر عدن إلى البحرين.
стр. 3744
وحكي عن مالك أن جزيرة العرب هي المدينة. والصحيح المعروف عن مالك أنها مكّة والمدينة واليمامة واليمن. وقال عبد العزيز بن يَحْيَى المدني (١): سمعت مالكًا يقول: جزيرة العرب (أ) المدينة ومكة واليمن، فأمَّا مصر فمن بلاد المغرب، والشام من بلاد الروم، والعراق من بلاد فارس. وفي "القاموس" (٢): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند والشام ثم دجلة [والفرات، أو] (ب) ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جُدة إلى ريف العراق عرضًا. انتهى.
وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها -يعني بحر الهند، وبحر القلزم، وبحر فارس، والحبشة- وانقطاعها عن المياه العظيمة. وأصل الجزر في اللغة القطع. وأضيفت إلى العرب، لأنها التي كانت بأيديهم قبل الإسلام، وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم.
وظاهر هذه الأحاديث يدل على وجوب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وقد قال بهذا مالك، والشّافعيّ وغيره، إلَّا أن الشَّافعي وغيره كالهدوية خصوا ذلك بالحجاز، وقال الشَّافعي (٣): وإن سأل من يؤخذ منه الجزية أن يعطيها، ويجرى عليه الحكم، على أن يسكن الحجاز، لم يكن له ذلك، والحجاز مكّة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها. وفي "القاموس" (٤):
стр. 3745
الحجاز حجاز مكّة والمدينة والطائف ومخاليفها؛ [لأنها] (أ) حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نَجْد والسَّرَاة، أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس، حرة بني سُلَيم وواقم وليلى وشَوران والنار. وقال الشَّافعي (١): لم أعلم أحدًا أجلى أحدًا من أهل الذمة من اليمن، وقد كانت [بها] (ب) ذمة، وليست اليمن بحجاز، فلا يجليهم أحد من اليمن، ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن. قال البيهقي (٢): قد جعلوا اليمن من أرض العرب، والجلاء وقع على أهل نجران، وذمة أهل الحجاز دون ذمة أهل اليمن؛ لأنها ليست بحجاز، لا لأنهم لم يروها من أرض العرب، [والجلاء] (جـ) في الحديث تخصيص، وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح دليل أو شبه دليل على موضع الخصوص. والله أعلم. انتهى.
وقول البيهقي: دليل أو شبه دليل. يعني أن حديث أبي عبيدة أخرجه أحمد والبيهقيّ (٣) أنَّه قال: آخر ما تكلم به النَّبيُّ ﷺ قال: "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". فيه ذكر بعض أفراد العام، وهو يهود الحجاز محكومًا عليه بما حكم به على العام، وهو [إخراج] (د) اليهود
стр. 3746
والنصارى من جزيرة العرب، لا يقتضي التخصيص عند الأكثر، وإن كان يقتضيه عند أبي ثور من أصحاب الشَّافعي، فهو دليل عند أبي ثور وشبه دليل عند غيره، إلَّا أن التخصيص متأيد بحديث معاذ لما بعثه النَّبيُّ ﷺ إلى اليمن وأمره بتقرير الجزية على كل حاتم دينارًا أو عدله معافريًّا (١). وهذا خاص باليمن، وورد بعده حديث الوصيَّة. فعلى مقتضى ما ذهب إليه الشَّافعي، ورجحه كثير من المتأخرين، أن الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر، فهو مخصص لليمن، وهو دليل واضح. ويترجح أيضًا بعمل الخلفاء الراشدين على تقريرهم في اليمن. وأما أهل نجران فإنهم سألوا الجلاء، أو لما قد ورد فيهم بخصوصهم، كما في حديث أبي عبيدة، ولذلك لما أجلاهم عمر ﵁ وأتوا إلى علي ﵁ في خلافته يسألونه العود إلى أرضهم، قال: إن عمر كان رشيد الأمر. أخرجه ابن أبي شيبة (٢). ولا يبعد أن يكون ترك التعرض لهم في أيَّام الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إجماعًا سكوتيًّا متكررًا، ومثله قد يفيد القطع، كما حققه جماعة من أهل الأصول، مع أن حديث الأمر بالإخراج يحتمل أن يكون في حال سكونهم بغير جزية، كما كان عليه أهل خيبر الذين أجلاهم عمر، ولذلك قال عمر لليهود: من كان منكم عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأت به، وإلا فإني مجليكم. أخرجه عبد الرَّزاق (٣). وأمَّا حال إعطاء الجزية فمخالف ذلك كما كان عليه من في اليمن.
стр. 3747
قال النووي (١): قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز، ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيَّام، قال الشَّافعي وموافقوه: إلَّا مكّة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخل في خفية وجب إخراجه منها، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير. هذا مذهب الشَّافعي وجماهير الفقهاء. وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم. وحجة الجماهير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢). انتهى.
١٠٨٧ - وعنه ﵁ قال: كانت أموال بني النضير ممَّا أفاء الله على رسوله ممَّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع (٣) والسلاح عدة في سبيل الله . متَّفقٌ عليه (٤).
قوله: أموال بني النضير. بفتح النون وكسر الضَّاد المعجمة، هم قبيلة كثيرة من اليهود، وادعهم النَّبيُّ ﷺ بعد قدومه إلى المدينة على ألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، ووادع قريظة وقينقاع. وكان بنو النضير منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فنكثوا العهد، وسار منهم كعب بن الأشرف في
стр. 3748
الأربعين راكبًا إلى قريش، فحالفهم على رأس ستة أشهر من وقعة بدر كما ذكره الزُّهريّ. وذكر ابن إسحاق في "المغازي" (١) أن ذلك بعد قصة أحد وبئر معونة، وخرج النبي ﷺ إليهم يستعينهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أميَّة الضمري من بني عامر قد أمنهما النَّبيُّ ﷺ ولم يشعر بذلك، فجلس النَّبيُّ ﷺ إلى جنب جدار لهم، فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار، وقام لذلك عمرو بن جِحَاش بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنَّه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: "لا تبرحوا". ورجع مسرعًا إلى المدينة، فاستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنَّه توجه إلى المدينة فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق، وحاصرهم ست ليال -في رواية ابن إسحاق- وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم. فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم [ينصروهم] (أ)، فسألوا أن يجلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل، فصولحوا على ذلك إلَّا الحَلَقة -بفتح الحاء وفتح اللام، وهو السلاح- فخرجوا إلى أذْرِعاتٍ وأريحا من الشام، وآخرون إلى الحيرة، ولحق آلُ أبي الحُقَيق وآل حيي بن أخطب بخيبر، وكانوا أول من أُجلي من اليهود، كما قال الله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٢). وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء، والحشر (ب) الثَّاني من خيبر في أيَّام عمر
стр. 3749
رضي الله عنه، وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله ﷺ ، فقسمها بين المهاجرين لحاجتهم وفقرهم، ولم يعط الأنصار شيئًا إلَّا ثلاثة نفر كانت لهم حاجة، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.
وقوله: مما أفاء الله على رسول. الفيء: ما أخذ بغير قتال، والظاهر أنَّه لا خمس فيه. قال في "نهاية المجتهد" (١): وعند الجمهور، لا خمس فيه، وعن الشَّافعي في أحد أقواله، أنَّه يجب فيه الخمس، ولم يقل به غيره. انتهى.
وقوله: ممَّا لم يوجف عليه المسلمون. الإيجاف: هو الإسراع في المشي، وذلك لأنَّ أرض بني النضير كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالًا غير رسول الله ﷺ ، فإنه ركب جملًا أو حمارًا، ولم تنل أصحابه مشقة في ذلك. والمعنى أن المسلمين لم يجروا الخيل والإبل في استفتاح بني النضير.
وقوله: وكان ينفق على أهله. أي ممَّا استبقاه لنفسه، والمراد أنَّه يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، ولا يتم عليه السنة، ولهذا توفى ﷺ ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيَّام متوالية. وقد تظاهرت الأحاديث بكثرة جوعه وجوع أهل بيته. وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة، [وجواز] (أ) الادخار للعيال، ولا يقدح في التوكل.
стр. 3750
وأجمع العلماء على جواز الادخار ممَّا يستغله الإنسان من أرضه، وأمَّا إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره، فإن كان في وقت ضيق الطَّعام لم يجز، بل يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين، كقوت أيَّام أو شهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر. وهذا التفصيل نقله القاضي عياض (١) عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقًا.
١٠٨٨ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة، وجعل بقيتها من المغنم. رواه أبو داود (٢)، ورجاله لا بأس بهم.
الحديث فيه دلالة على التنفيل، وأنه من أصل الغنيمة، وقد مر الكلام فيه.
١٠٨٩ - وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لا أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل". رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وصححه ابن حبان (٣).
قوله: "لا أخيس بالعهد". معناه: لا أنقض العهد ولا أُفسده، من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد، ويدل على أن العهد يرعى مع الكفار رعايته