← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

المبارك عن مجاهد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر". وروي من أوجه عن ابن عمر مرفوعًا. قال البيهقي: ورفعه عنه ضعيف، والصحيح أنه موقوف. والقياس معارض بأن الجنين جزء من أمه فلا معنى لاشتراط الحياة فيه. وذهب العترة وأبو حنيفة والحسن بن زياد إلى أن الجنين إذا خرج ميتا من المذكاة، صيدًا كان أو غيره، فإنه يكون ميتة. قالوا: لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١). ولو خرج حيّا ثم مات. وإليه ذهب [أبو] (أ) محمد بن حزم (٢). قال الإمام المهدي في "البحر": والحديث متأول بأن المراد ذكاة الجنين كذكاة أمه إن خرج حيًّا. انتهى. وقد يجاب عنه بأن الحديث روي بالرفع على أن قوله: "ذكاة أمه". مبتدأ مؤخر، و: "ذكاة الجنين". خبر مقدم، كقوله (٣): * بنونا بنو أبنائنا ... * وهو يحتمل أن يكون المعنى: ذكاة أم الجنين هي ذكاة للجنين. وهذا

стр. 3852

الذي يدل عليه سياق الحديث، وحديث: "في ذكاة أمه". ورواية الباء، فتكون هذه الرواية مفسرة للمراد، وهذا الذي فهمه الشافعي ومن ذهب إلى قوله. ويحتمل أن يكون المعنى على التشبيه البليغ ويكون في الكلام قلب التشبيه، والمعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فيشترط له ذكاة إذا خرج حيًّا، وإن خرج ميتًا كان ميتة، فلا يتم الاحتجاج به، ولكن هذا الاحتمال مرجوح لما عرفت من سياق الحديث. وقد روي بالنصب، فيكون المعنى على التشبيه ونصبه على المصدرية بتقدير مضاف؛ أي مثل ذكاة أمه، والعامل فيه النصب المصدر المبتدأ وخبره محذوف، أي ذكاة الجنين كائنة أو حاصلة مثل ذكاة أمه. وأجيب بأنها غير صحيحة، وإن صحت فهو يحتمل النصب على الظرفية بتقدير ظرف محذوف، والتقدير: ذكاة الجنين حاصلة وقت ذكاة أمه. والله سبحانه أعلم. فائدة: قال ابن المنذر (١): ولم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، إلا ما روي عن أبي حنيفة. انتهى. قلت: وكذلك ما عرفت من مذهب العترة والحسن بن زياد. ١١٢٧ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل". أخرجه الدارقطني، [وفيه راو في حفظه ضعف] (أ)، وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان (٢) وهو صدوق ضعيف الحفظ. وأخرجه عبد الرزاق بإسناد

стр. 3853

صحيح إلي ابن عباس موقوفًا عليه (١). وله شاهد عند أبي داود في "مراسيله" (٢) بلفظ: "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر". ورجاله موثقون (أ). وأخرج البيهقي (٣) الحديث من طريق أخرى عن ابن عباس فيمن ذبح ونسي التسمية، قال: المسلم فيه اسم الله وإن لم يذكر التسمية. وأخرج أيضًا (٤) من طريق أخرى عن ابن عباس قال: إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله تعالى. تقدم الكلام في أول الباب على أحكام الحديث. وقوله في الحديث: "المسلم يكفيه اسمه". الضمير يعود إلى المسلم، يفسره الحديث الأخير، والمعنى أن المسلم في حكم المسمي لما كان اسمه مشتملا على اسم الله .

стр. 3854

بابُ الأضاحي الأضاحي جمع أُضحيّة، بضم الهمزة ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة وتفتح الضاد، والجمع ضحايا، ويجوز أضحاة بفتح الهمزة والجمع أُضحِي، وبه سمي يوم الأضحى، وهو يذكر ويؤنث، وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه، والضحو والضحوة والضحيَة -كعنبة (أ) - ارتفاع النهار، والضحى بضم الضاد مؤنثة وتذكر، وتصغر ضُحيا بلا هاء، والضحاء بفتح الضاد والمد (ب إذا كبَّرت انتصاف النهار ب)، وبالضم والقصر الشمس. كذا في "القاموس" (١)، وفي "الضياء": والضُّحَي بعد الضحوة، وهو مؤنث تصغير ضحى بغير هاء، فرقا بينه وبين تصغير ضحوة. والأضحيَّة من شرائع الدين بلا خلاف. واختلف العلماء في حكمها؛ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنها سنة مؤكدة. بل قال ابن حزم (٢): لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة. وهي عند الشافعية سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه

стр. 3855

للشافعية من فروض الكفاية. وذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أنها واجبة على المقيم والموسر. وعن مالك في رواية عنه مثله، لكنه لم يقيد بالمقيم. ونُقِل عن الأوزاعي وربيعة والليث مثله. وذهب أبو يوسف ومحمد وأشهب إلى مثل قول الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة (أ). وفي رواية عنه أنها واجبة. وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مرخص في تركها. قال الطحاوي: وبه نأخذ. احتج القائل بأنها سنة غير واجبة بما أخرجه مسلم والبيهقي (١) من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمَس من شعره ولا من بشره شيئًا". قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن قوله: "فأراد أحدكم". يدل على عدم الوجوب. وبما أخرجه البيهقي (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "أمرت بيوم الأضحى عيدًا جعله الله لهذه الأمة". فقال الرجل: فإن لم أجد إلّا مَنيحة [أبي] (ب) أو شاة [أبي] (ب) وأهلي ومنيحتهم، أذبحها؟ قال: "لا، ولكن قلِّم أظفارك، وقص شاربك، واحلق عانتك، فذلك تمام أُضحيتك عند الله ". وأخرج (٣) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث هن عليّ فرائض وهي

стр. 3856

لكم تطوع؛ النحر، والوتر، وركعتا الضحى". ومن طريق أخرى (١) عن ابن عباس رفعه قال: "كتب عليّ النحر ولم يكتب عليكم". وبزيادة من بعض رواته: "وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها". وأخرج (٢) من حديث [جابر] (أ)، أن رسول الله ﷺ صلَّى للناس يوم النحر، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: "باسم الله والله أكبر، اللهم عني وعمن لم يضحِّ من أمتي". وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ بمعناه (٢). فقوله: "وعمن لم يضحِّ من أمتي". ظاهره الإطلاق لمن كان يتمكن من الأضحية ومن كان لا يتمكن. وأخرج (٣) عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان خشية أن يُقتدى بهما. وكذا قال الشافعي (٤): بلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر ﵄ كانا لا يضحيان كراهة أن يُقتدى بهما، فيظن من رآهما أنها واجبة. وأخرج البيهقي (٣) عن عكرمة أن ابن عباس كان إذا حضر الأضحى أعطى مولَّى له درهمين فقال: اشتر بهما لحمًا، وأخبر الناس أنه

стр. 3857

[أضحى (أ)] ابن عباس. وروى أن بلالًا ضحى بديك (١)، وعن أبي مسعود عقبة بن [عمرو] (ب) الأنصاري (٢) قال: لقد هممت أن أدع الأضحية -وإني لمن أيسركم- مخافة أن تحسب النفس أنها عليها (جـ) حتم واجب. وعن ابن عمر بعد أن سأله رجلٌ عن شيء من أمر الأُضحية فبين له ابن عمر صفتها ثم قال له ابن عمر: لعلك تحسبه حتما؟ قلت: لا ولكنه أجر وخير وسنة. قال: نعم. قال الشافعي (٣): وأما أمر أبي بردة بإعادة الضحية فيحتمل أن يكون إنما أمره أن يعود لأن الضحية واجبة، ويحتمل أن يكون أمره أن يعود إن أراد أن يضحي؛ لأن الضحية قبل الوقت ليست بضحية تجزئه، فيكون من عداد من ضحى. واحتج القائل بوجوبها بقوله ﷺ في رواية مِخْنَف -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون- بن سُليم- بضم السين: "يأيها الناس على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعَتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ التي تسمونها الرَّجَبية". أخرجه أصحاب "السنن الأربعة" وأحمد (٤) من حديث عبد الله بن عوف عن أبي رملة عنه، وهذا لفظ الترمذي وقال: حسن غريب، لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا

стр. 3858

الوجه. قال الخطابي (١): أبو رملة مجهول (٢)، وهذا الحديث ضعيف المخرج. ولمحافظة النبي ﷺ عليها حتى لم يتركها في سفره، ولما سيأتي في حديث جندب بن سفيان (٣) بقوله: "فليذبح". والأمر للوجوب، وحديث أبي هريرة (٤) الآتي بقوله فيه: "فلا يقربن مصلانا". دلالة على الوجوب؛ لأنه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضحِّ دلَّ على أنه قد ترك واجبًا فكأنه قال: لا فائدة في التقرب بالصلاة مع ترك هذا الواجب. ولقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٥). فأخرج ابن جرير وابن المنذر (٦) عن ابن عباس في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: الصلاة المكتوبة والنحر يوم الأضحى. وأخرج ابن جرير (٧) عن قتادة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلاة الأضحى، والنحر نحر البُدن. وأخرج ابن أبي حاتم (٨) عن سعيد بن جبير: ﴿وَانْحَرْ﴾. قال: انحر البُدن. وأخرج ابن جرير (٩) عن أنس قال: كان النبي ﷺ ينحر قبل أن يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. فالأمر بالنحر ظاهر في الوجوب، وأجيب بأن هذه الأحاديث لم يكن فيها تصريح بالوجوب، مع ما عرفت من الضعف في بعضها، وبأنها معارضة بما تقدم الدال على عدم الوجوب فيكون قرينة على حمل ما فيه احتمال الوجوب

стр. 3859

على السنية المتأكدة المشابهة للواجب في أنه لا يحسن تركها، وأما الآية الكريمة، فهو يحتمل أن يكون المقصود بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. (أ [أي: انحر أ) له لا كما يفعله الجاهلية من النحر للأصنام. والمقصود خصّه بهذه القربة، وقد ذكر في تفسيرها (١) أن النحر رفع اليدين عند التكبير، أو وضعهما على الصدر في الصلاة. فلا احتجاج حينئذ. ١١٢٨ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما [متفق عليه] (ب) (٢). وفي لفظ (٣): ذبحهما بيده. وفي لفظ: سمينين. ولأبي عوانة (جـ) (٤) في

стр. 3860

صحيحه: ثمينين. بالمثلثة بدل السين، وفي لفظ لمسلم (١): ويقول: "باسم الله والله أكبر". وله (٢) من حديث عائشة ﵂: "أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، ليضحي به، فقال: "اشحذي المُدية". ثم أخذها فأضجعه ثم ذبحه وقال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد". الكبش الثَّنِيُّ من الحمل، أو إذا خرجت رَباعيته، والأملح قال ابن الأعرابي وغيره: هو الأبيض الخالص. وقال الأصمعي: هو الأبيض ويشوبه شيء من سواد. وقال أبو حاتم: هو الذي يخالط بياضه حمرة. وقال بعضهم: هو الأسود تعلوه حمرة. وقال الكسائي: هو الذي فيه بياض وسواد. والبياض أكثر. قال الخطابي (٣): هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات (أ) سود. وقال الداودي: هو المتغير الشعر ببياض وسواد. والأقرنين أي لكل واحد منهما قرنان حسنان. قال العلماء: يستحب الأقرن لهذا .. وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم الذي لم يخلق له قرنان، واختلفوا في مكسور القرن؛ فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور سواء كان يدمى أولًا. وذهب مالك إلى أنه يكره إذا كان يدمى، وجعله عيبًا، وذهب إلى مثله الإمام المهدي، ذكره في "البحر" وفي "الأزهار" وغيره من كتب الهدوية، أنه لا يجزئ إذا كان القرن الذاهب مما تحله الحياة. وأجمعوا على استحباب استحسانها واختيار أكملها، وأجمعوا على

стр. 3861

استحباب الأملح، قال النواوي (١): قال أصحابنا: أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود، ثم السوداء. وأما قوله في حديث عائشة: يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد. فمعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. وقوله: ويسمي ويكبر. فيه دلالة على شرعية التسمية، وقد تقدم الخلاف هل ذلك على جهة الوجوب أو غيره. وقوله: ويكبر. يدل على شرعية التكبير على الأضحية والهدي. وقوله: "يضع رجله على صفاحهما". أي صفحة العنق، وهي جانبه، وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه، وهذا أصح من الحديث الذي جاء بالنهي عن هذا. وقوله: ذبحهما بيده. يدل على أنه يستحب للمضحي أن يتولى الذبح بنفسه، ولا يوكل إلا لعذر، وحينئذ يستحب له الحضور، والوكيل لا بد أن يكون مسلما عند من يشترط إسلام الذابح، وعند من لا يشترط جاز أن يستنيب كتابيا وكره كراهة تنزيه، إلا مالكا في إحدي الروايتين عنه فإنه لم يجوز ذلك، ويجوز أن يستنيب صبيًّا وامرأة حائضًا، لكن يكره توكيل الصبي، وفي كراهة توكيل الحائض وجهان عند الشافعية، قالوا: والحائض أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي. والأفضل لمن وكل أن يوكل مسلما فقيها بباب الذبائح والضحايا؛ لأنه أعرف بشروطها وسُننِها. وقوله ثمينين. بالثاء أي أعلى ثمنًا. والمدية: يجوز في الميم الثلاث حركات، وهي السكين، بالدال المهملة. والشحذ: بالشين المعجمة والحاء المهملة والذال المعجمة، وهو في الحديث بصيغة الأمر، بفتح الحاء المهملة، أي: حدديها، وهو موافق

стр. 3862

للحديث السابق: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (١). وقوله: فأضجعه. فيه دلالة على استحباب الإضجاع للغنم وأنها لا تذبح قائمة ولا باركة بل مضجعة؛ لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع عليه المسلمون، واتفق العلماء -والمسلمون عملوا به- على أن إِضجاعها يكون على جانبها الأيسر؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار. وقوله: "اللهم تقبل من محمد". يدل على أنه يستحب الدعاء بقبول التضحية. قال أصحاب الشافعي: ويستحب أن يقول: اللهم منك وإليك تقبل مني. وكذا في "البحر"، وكرهه أبو حنيفة، وكره مالك: اللهم منك وإليك. وقال: هي بدعة. وذكره الإمام المهدي في "البحر" أنه يقول عند توجيهها القبلة: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ إِلى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وقد أخرج ابن ماجه (٣) من حديث جابر أنه ﷺ ضحى بكبشين وقال حين وجههما: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ الآية. إلى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤). اللهم منك ولك، عن محمد وأمته". وقوله: "وآل محمد". فيه دلالة على جواز التضحية من الرجل عنه،

стр. 3863

وعن أهل بيته وإشراكهم معه في الثواب، وقد ذهب إليه الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وزعم الطحاوي (١) أن هذا الحديث منسوخ أو مخصوص، وغلّطه العلماء، فإن النسخ والتخصيص لا يصح: لمجرد الدعوى، ويدل على أنه يصح أن ينوب المكلف عن غيره في فعل الطاعات وإن لم يكن من الغير أمر أو وصية. وقد تقدم بيان ذلك في آخر كتاب الجنائز (٢)، ويدل على أن الآل هم القرابة لعطف الآمة، وقد تقدم في خطبة الكتاب (٣). ١١٢٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا". رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم (٤)، لكن رجح الأئمة (٥) غيره وقفه. قد تقدم الكلام في الاحتجاج به على وجوب الأضحية، والجواب عن هذا بأن نهيه عن قربان المسجد للمبالغة في أنه ترك سنة مؤكدة بقرينة ما تقدم (٦). ١١٣٠ - وعن جندب بن سفيان ﵁ قال: شهدت

стр. 3864

الأضحى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله". متفق عليه (١). هو أبو عبد الله جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العَلَقي الأحمسي، ويقال له: جندب البجلي، وجندب العلقي، وجندب الأحمسي، وجندب [الخير] (أ)، وابن أم جندب. كان بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة، ثم خرج منها، ومات في فتنة ابن الزبير بعد أربع سنين، روى عنه سَلمة بن كُهيل، والأسود بن قيس، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وبكر بن عبد الله المزني. البَجَلي بفتح الباء الموحدة وفتح الجيم، والعَلَقي بفتح العين وفتح اللام وبالقاف. الحديث فيه دلالة على أن وقت ذبح الأضحية إنما يكون بعد الصلاة للعيد، وأنه لا يجزئ قبل ذلك، وظاهر هذا اللفظ أن المعتبر صلاة المضحي، وإن كان يحتمل أن اللام في قوله: "الصلاة". للعهد الخارجي، وأنه مشار به إلى قوله: فلما قضى صلاته. فيكون المعتبر صلاة الإمام لا صلاة المضحي، فإذا ضحى بعد صلاته مع الإمام فقد أخذ بالإجماع. قال ابن المنذر (٢): وأجمعوا على أنها لا تجوز قبل طلوع فجر يوم النحر، واختلفوا

стр. 3865

فيما بعده، فقال الشافعي وداود وآخرون: يدخل وقتها (أ) إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإذا ذبح بعد هذا الوقت أجزأه، سواء صلى الإمام أو لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي أو المسافرين. وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه (ب). وقال مالك: لا يجوز ذبحها قبل صلاة الإمام وخطبته وذبحه. وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام. وسواء عنده أهل القرى والأمصار. ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق بن راهويه. وقال الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها. وقال ربيعة فيمن (جـ) لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزئه، وبعد طلوعها يجزئه. وذهبت (د) الهدوية إلى أنه إن كان المضحي ممن لا تلزمه الصلاة كان أول وقتها من طلوع الفجر، وإن كان ممن تلزمه الصلاة فمن بعد أن يصلي، وهذا الحديث لا يوافق ظاهره شيئًا من هذه الأقوال. قال القرطبي (١): ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن مَن لا صلاة عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها.

стр. 3866

وقال ابن دقيق العيد (١): هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة، وهو قوله في رواية: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى". قال: لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنه لا تجزئ الأضحية في حق من لم يصلِّ العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث، وقد جاء في رواية مسلم: "قبل أن يصلي أو نصلي". الأولى بالياء والثانية بالنون، وهو شك من الراوي، فلفظ: "أن يصلي" بالياء موافق للرواية، ورواية النون تكون متمسّكا لمن يقول: المعتبر صلاة الإمام. ويؤيده ما أخرجه الطحاوي (٢) من حديث جابر؛ أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ ، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة. وصححه ابن حبان (٣)، ويتأيد ذلك بقوله في حديث البراء (٤): "إن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر". وقد جاء في رواية الطحاوي (٥) [عن مسلم] (أ) عن جابر، أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمرهم أن يعيدوا. فهذا متمسَّك لمن يعتبر نحر الإمام، ولكنه

стр. 3867

يلزم أنه إذا لم ينحر الإمام أن يسقط عن الناس مشروعية النحر. والظاهر أنه لم يقل به أحد. وقد تقدم (١) قريبًا أن أبا بكر وعمر كانا يتركان التضحية، ولم يعلم أن أحدًا أمر الناس بترك الذبح، أو قال في ذلك العصر: إن المذبوح ليس بضحية. والجمهور يتأولون الحديث على أن المراد زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت. ولهذا جاء في باقي الأحاديث التقييد بالصلاة، وأن من ضحى بعدها أجزأه. إلا أنه يجوز أن يقال: إن المعتبر ذبح المصلي. وما أفادته الأحاديث من صلاة النبي ﷺ لا يخالف ذلك؛ لأنه من المعلوم في ذلك الوقت أنه لم يكن أحد قد صلى قبل النبي ﷺ ، فإنهم في ابتداء تقرير الشريعة وتعريف الأحكام، ولم يكن قد تقرر تعريف صلاة العيد ولا حكم الأضحية. وقوله: "على اسم الله". جاء في رواية لمسلم (٢): "باسم الله". والمعنى متحد؛ فإن الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: قائلا باسم الله. و"على" تفيد هذا المعنى، وإن كانت للاستعلاء؛ لأن العامل للفظ في حكم المستعلى عليه. وقال القاضي عياض (٣): يحتمل أن تكون الباء أو "على" بمعنى اللام؛ أي لله. أو تكون بمعنى: بسنة الله. قال: وأما كراهة بعضهم أن يقال: أفعل كذا على اسم الله؛ لأن اسمه على كل شيء. فضعيف. قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): ويحتمل وجها خامسًا وهو أن يكون معنى "باسم الله" مطلق الإذن في الذبيحة، لأن مقتضى السياق المنع قبل ذلك والإذن بعده،

стр. 3868

كما يقال للمستأذن: باسم الله. أي ادخل. ١١٣١ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أربع لا تجوز في الضحايا، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين [ظلعها]، والكسراء (أ) التي لا تُنْقِي". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان (١). والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهم، عن عبيد بن فيروز، وادعى الحاكم (٢) أن مسلما أخرجه، وأنه مما أُخذ عليه؛ لأنه من رواية سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز، وقد اختلف الناقلون عنه فيه. ذكَر هذا في كتاب الضحايا، وذكره (٣) في كتاب الحج من هذه الطريق وصححه، وقال: لم يخرجاه. قال المصنف ﵀ (٤): وهو مصيب هنا. يعني قوله: ولم يخرجاه -مخطئ هناك. في قوله: أن مسلما أخرجه.

стр. 3869

وقال النووي في "شرح مسلم" (١): لم يخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، ولكنه صحيح، أخرجه أصحاب "السنن" بأسانيد صحيحة وحسنة. قال أحمد بن حنبل: ما أحسنه من حديث! وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. الحديث فيه دلالة على أن المانع من إجزاء التضحية هو هذه الأربعة العيوب لا غيرها، وإن كان أشد منها، وقد ذهب إلى هذا الظاهرية، وقوفًا على النص، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها ما كان أشد منها من العيوب، أو مساويًا بالقياس؛ وذلك كالعمياء ومقطوعة الساق، وأما ما كان عورها غير تام وكان بعض النظر باقيا، فذكر الإمام المهدي في "البحر" أنه يعفى عما كان الذاهب الثلث فما دون، وكذا في العرج قال: ألا يصل إلى المنحر على الأربع. والحديث يحتمل ذلك بقوله: "البين عورها". و: "البين ظلعها". ومن المرض والعجف ما يعافه المترفون. وقال الشافعي في العرجاء: إذا تأخرت عن الغنم لأجله فهو بين. وقوله: "ظلعها". أي اعوجاجها. وقوله: "التي لا تُنْقِي". بضم التاء المثناة فوق وإسكان النون وكسر القاف، أي التي لا نِقْي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ؛ يقال: هذه ناقة منقية. أي فيها نقي وهو المخ. وفي رواية النسائي (٢): "والعجفاء". بدل "الكسراء".

стр. 3870

١١٣٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلّا مسنة، إلّا أن يَعْسُر عليكم فتذبحوا جَذَعَة من الضأن". رواه مسلم (١). المسنة هي الثنيَّة من كل شيء؛ من الإبل والبقر والغنم فما فوقها. والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حالٍ من الأحوال، وقد نقل القاضي عياض (٢) الإجماع عليه. ونقل العبدري (٢) وغيره من الشافعية عن الأوزاعي أنه قال: يجزئ الجذع من الإبل والبقر والغنم. وحكي هذا عن عطاء. والثني من الإبل ما قد تم له خمس سنين، ومن البقر والغنم والمعز ما تم له سنتان. والجذع من الإبل ما كان له أربع سنين، ومن غيرها ما كان له سنة، وقد قيل في البقر: إن المسنة ما دخلت في السنة الرابعة، أو التي دخلت في الثالثة. وظاهر الاستثناء بقوله: "إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن". أنه لا يجزئ الجذع من الضأن مع إمكان الثني. وقد حكى عن ابن عمر والزهري (٢) العمل بهذا، إلا أن قولهما أنه لا يجزئ ولو مع تعسر الثني. وقالا: لا يجزئ الجذع. والجمهور ذهبوا إلى خلافه، وأن الحديث محمول على الاستحباب. والقرينة ما جاء في الأحاديث من التضحية بالجذع، وهو حديث أم بلال قالت: قال رسول الله ﷺ : "ضحوا بالجذع من الضأن". أخرجه أحمد وابن جرير الطبري والبيهقي (٣). ورواه ابن ماجه (٤) من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها

стр. 3871

بلفظ: "يجوز الجذع من الضأن أضحية". وأشار الترمذي (١) إلى هذه الرواية. ومن حديث أبي هريرة: "نعمت الأضحية الجذع من الضأن أضحية" (٢). وقد روي موقوفًا (٣). وروى ابن وهب (٤) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن. ١١٣٣ - وعن علي ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا شرقاء. أخرجه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٥). الحديث أعلَّه الدارقطني (٦)، وأخرجه البيهقي (٧) وفسر الحديث قال: المقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة الأذنين. وأخرج (٧) عن علي: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة: وسألت سعيد بن المسيب

стр. 3872

عن العضب، فقال: النصف فما زاد. إلا أنه أخرج (١) من حديث حُجَيَّةَ بن عدي قال: كنا عند علي، فأتاه رجل فقال: البقرة؟ فقال: عن سبعة. قال: القرن؟ قال: لا يضرك. قال: العرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. فهذا يدل على أن المراد بالأول -إن صح- نهي التنزيه في القرن. قال الشافعي (٢) ﵀: وليس في القرن نقص. يعني ليس في نقصه أو فقده نقص في اللحم. قوله: أن نستشرف العين والأذن. أي يُشرف (أ) عليهما ويتأملان؛ كي لا يقع نقص وعيب فيهما. وقيل: إن ذلك مأخوذ من الشُّرف بضم الشين، وهو خيار المال. أي أمرنا أن نتخيرهما. وروي عن الشافعي أن معناه أن نضحي بواسع العينين طويل الأذنين. الحديث فيه دلالة على أنه لا تجزئ التضحية (أ) بما ذكر، وهو ظاهر مذهب الهدوية. وقال الإمام يحيى أنه يكره التضحية بها وتجزئ. قال الإمام المهدي: وهو قوي؛ إذ لا ينقص لحمها بذلك، بخلاف العوراء والعرجاء؛ فإن رعيهما ينقص بذلك فينقص بذلك اللحم. ويتأيد هذا التأويل بما تقدم من حديث البراء (٣)، وجاء النهي عن التضحية بالمصفرة، بضم الميم وإسكان الصاد المهملة وفتح الفاء في حديث عتبة بن

стр. 3873

عبد السلمي: أخرجه أبو داود والحاكم (١)، قال في "النهاية" (٢): قيل: هي المهزولة؛ لخلوها عن السمن، وفي رواية: المصفورة. قيل: هي المستأصلة الأذن، سميت بذلك لأن صماخها صفر من الأذن أي: خلو. وإن رويت المصفّرة بالتشديد فللتكثير. وأما مقطوع الألية والذنب فجاء في الحديث (أ) أنه يجزئ، كما في حديث أبي سعيد: اشتريت كبشًا لأضحي به، فعدى الذئب فأخذ منه الألية، فسألت النبي ﷺ ، فقال: "ضح به". أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي (٣) من حديثه، ومداره على جابر الجعفي. وشيخه محمد بن قرظة غير معروف، ويقال: إنه لم يسمع من أبي سعيد. قال البيهقي (٤): ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عطية عن أبي سعيد أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن شاة قطع ذنبها يضحي بها؟ قال: "ضحِّ بها". وظاهر الحديث أن ذلك لا يضر، واستدل به في "المنتقى" (٥) على أن العيب الحادث بعد تعيين الأضحية لا يضر، فلا يتم دليلًا على إجزاء ما كان ذاهبًا من قبل. وذهبت الهدوية والإمام يحيى إلى أن مسلوبة الألية والذنب لا تجزئ. وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٦): سبب الخلاف بين العلماء أنه ورد في هذا

стр. 3874

الباب من الأحاديث الحسان حديثان متعارضان، فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله، أكره النقص يكون في القرن والأذن. فقال النبي ﷺ : "ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك". وذكر (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء. والشرقاء المثقوبة الأذن، والمدابرة التي قطع من جنبتي أذنها من خلف. فمن رجح حديث أبي بزدة قال: لا يتقى إلا العيوب الأربعة وما هو أشد منها. ومن جمع بين الحديثين، بأن حمل حديث أبي بردة على اليسير الذي هو غير بَيِّن، وحديث علي ﵁ على الكثير الذي هو بيِّن -ألحق بحكم المنصوص عليها ما هو مساوٍ لها، ولذلك [جرى] (أ) أصحاب هذا المذهب إلى التحديد فيما يمنع الإجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء، فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث من الأذن والذنب، وبعضهم اعتبر الأكثر. وكذلك الأمر في ذهاب الأسنان وأطباء الثدي (٢)، وأما القرن، فإن مالكا قال: ليس ذهاب جزء منه عيبًا، إلا أن يكون يدمى. فإنه عنده من باب المرض، ولا خلاف في أن المرض [البين] (ب) يمنع الإجزاء. وخرّج أبو داود (٣)، أن النبي ﷺ نهى عن أعضب الأذن والقرن (٤). واختلفوا في الصكاء، وهي التي خلقت بغير أذنين؛ فذهب

стр. 3875

مالك والشافعي إلى أنها لا تجوز. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان خِلْقَةً جاز كالأجمِّ (١). ولم يختلف الجمهور أن قطع الأذن كله أو أكثره عيب، وكل هذا الاختلاف راجع إلى ما قلنا. واختلفوا في الأبتر، فقوم أجازوه؛ لحديث (أ) جابر الجعفي عن أبي سعيد، وجابر عند أكثر المحدثين لا يحتج به. وقوم منعوه؛ لحديث علي ﵁. انتهى كلامه. والحديث أخرجه أبو داود (٢) عن يزيد ذو مصر قال: أتيت [عتبة] (ب) بن عبد السلمي فقلت: يا أبا الوليد، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثرماء، فكرهتها، فما تقول؟ قال: أفلا جئتني بها. قلت: سبحان الله! تجوز عنك ولا تجوز عني. قال: نعم، إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء، والمصفرة التي تستأصل أذنها حتى تبدو أصماخها، والمستأصلة التي استؤصل قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفًا و (جـ) ضعفًا، والكسراء الكسيرة. هذا لفظ أبي داود. وقوله: غير ثرماء. أي غير ساقطة السن، يقال: ثرمت الشاة. إذا سقطت ثنيتها. والبخق، بالباء الموحدة والخاء المعجمة، هو ذهاب العين التي لم يكن

стр. 3876

فيها بصر، أو ذهاب بصر العين وهي باقية. كذا في "النهاية" (١)، والمشيعة إن كانت بصيغة اسم الفاعل بكسر الياء فهي التي لا تزال تتبع الغنم عجفًا، أي لا تلحقها، فهي أبدًا تشيعها، أي تمشي وراءها. وإن فتحت الياء بصيغة اسم المفعول فلأنها تحتاج إلى من يشيعها، أي يسوقها؛ لتأخرها عن الغنم. وقال في "البحر" في المشيعة: إن كان لهزال لم تجز، وإن كان للكسل كرهت. وفي ذاهب الأسنان وجهان، الإمام يحيى: أصحهما يجزئ إن لم تهزل لأجلها. ١١٣٤ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها (٢) على الفقراء والمساكين، ولا أعطي في جزارتها منها شيئًا. متفق عليه (٣). والحديث فيه قصة النحر، وكان ذلك يوم النحر في حجة الوداع، وكانت البدن مائة بدنة، فنحر ﷺ سبعا بيده. كذا في رواية أنس في "الصحيحين" (٤): ثم أخذ الحربة هو وعلي فنحرا ثلاثا وستين كما في حديث [غَرَفة] (أ) بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي ﷺ يومئذ وقد أخذ أعلى

стр. 3877

الحزبة، وأمر عليًّا أن يأخذ أسفلها ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة. كما جاء في حديث جابر (١)، وما أخرجه أحمد وأبو داود (٢) من حديث علي أنه نحر ﷺ ييده ثلاثين، وأمرني فنحرت سائرها. فقد انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين علي. وحديث أنه قرب لرسول الله ﷺ خمس بدن فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ (٣). لا ينافي ما تقدم؛ فإن الإبل لم تقرب دفعة واحدة، وإنما كانت تقرب أرسالًا، فقرب أولًا خمسًا ثم قرب بعد ذلك غيرها، فذبح ائنتين حتى كانت سبعًا بيده، ثم شاركه علي كما ذكر، وأما حديث أبي بكرة الذي في "الصحيحين" (٤): ثم انكفأ إلى كبشين أملحين [فذبحهما] (أ) بعد أن خطب يوم النحر. فهو لا يخالف ما تقدم؛ فذبح النبي ﷺ الغنم ثم نحر البدن في ذلك. وروى أبو بكرة ما رأى وأنس ما رأى، واقتصر أحد الراويين على بعض ما رآه في ذلك اليوم. وقد أشار إلى هذا الجمع [أبو] (ب) محمد بن حزم، و [هو] (جـ) أولى مما قال غيره: إن أبا بكرة ذكر ما كان من النبي ﷺ في المدينة. ويؤيد ما قال ابن حزم ما ثبت في "الصحيحين" (٥) عن عائشة، أنه ضحى ﷺ يؤمئذ عن أزواجه بالبقر. فهو يدل أنه جمع بين الثلاثة الأنواع. وأطلقت

стр. 3878

اسم الأضحية على الهدي؛ لأن ما كان في منى يسمى هديًا، وما كان في غير منى يسمى أضحية. وقد جاءت ألفاظ [أنه] (أ) ذبح عن أزواجه بقرة، و: البقر (١). وفي لفظ: دخل علينا وفي يده لحم بقر، فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه (٢). فإذا كان لفظ بقرة مقدرًا مفعولًا لـ: ذبح. فهو حجة لإسحاق أن البقرة عن عشرة، خلاف الشافعي وأحمد وغيرهما أن البقرة عن سبعة، وبهذا الجمع الذي ذكرنا يندفع توهم اختلاف الروايات. وقد دل الحديث على فوائد؛ منها استحباب سوق البدن، والبدن تطلق على الإبل والبقر والغنم (ب). هذا قول أكثر أهل اللغة (٣)، إلّا أن استعمالها في الأحاديث وفي كتب الفقه في الإبل خاصة. وجواز النيابة في النحر والتصدق، وأنه يتصدق باللحم والجِلال والجلود، وأنها تجلل، وأن يكون الجلال حسنًا. وأنه لا يعطى الجزار منها شيئًا؛ لأن ذلك يكون في حكم البيع من الجزار لاستحقاقه الأجرة. وهذا الذي دل عليه الحديث من تحريم البيع ذهب إليه الجمهور من الأئمة؛ أهل البيت والشافعية، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق، وحكى ابن المنذر (٣) عن ابن عمر وأحمد

стр. 3879

وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد الهدي والتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور. وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والفأس والميزان ونحوها. وقال الحسن البصري: يجوز أن يعطي الجزار جلدها. وهذا منابذ للسنة. والتجليل سنة، وهو مختص بالإبل، وهو مشهور العمل عن السلف، وممن [رآه] (أ) مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وغيرهم قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، ويستحب أن تكون قيمتها ونَفَاستها بحسب حال المهدِي. وكان بعض السلف يستحب أن يجلل بالوشي، وبعضهم بالحيرَة (١) وبعضهم بالقُباطي (٢) والملاحف والأزر، قال مالك: ويُشَقُّ على الأسنمة إن كان الجِلال قليل الثمن. قال: وتركه ابن عمر استبقاء للثياب، لأنه كان يجلل بالجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحير. قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات. قال: وقد روي أنه كان يجلل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على [أذيالها] (ب) فإذا مشى ليله نزعها، فإذا كان يوم عرفة جللها، وإذا كان [عند] (جـ) النحر نزعها؛ لئلا يصيبها الدم. وكان ابن عمر يكسوها الكعبة، فلما كسيت الكعبة (د) تصدق بها.

стр. 3880

وحكم الأضحية حكم الهدي فيما تقدم من أنه لا يبيع لحم الأضحية ولا جلدها ولا يعطه الجازر. ذكره الإمام يحيى، وحكاه في "البحر" عن مذهب الهدوية وأبي حنيفة. وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (١): والعلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها، واختلفوا في جلدها وشعرها مما ينتفع به؛ فقال الجمهور: لا يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدنانير والدراهم. يعني بالعروض. وقال عطاء: يجوز بكل شيء، دراهم وغير ذلك. وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها؛ لأنه رأى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع؛ لإجماعهم على أنه يجوز أن ينتفع به. انتهى. وفي "الأزهار" (٢): ويكره البيع. وهو مخالف لما حكاه في "البحر"، والصحيح ما في "البحر"، للقياس على الهدي، لتعلق القربة بذلك، وإن كانت الأضحية سنة فذلك قبل تعيينها، والله أعلم. ١١٣٥ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (٣). الحديث فيه دلالة على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة، وأنهما سواء عن سبعة، وهذا في الهدى. وحكم الأضحية حكم الهدي، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وأحمد بن عيسى - في رواية صاحب "الكافي "، والشافعية والحنفية.

стр. 3881

قال النووي (١): سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين، وسواء كانوا مفترضين أو متطوعين، وسواء كانوا متقربين أو بعضهم متقربا وبعضهم طالب لحم. وروي هذا عن ابن عمر وأنس، وبه قال أحمد بن حنبل. ومالك ذهب إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي، وإنما يكون الاشتراك في هدي التطوع، وعنده هدي الإحصار غير واجب، وروى ابن القاسم (٢) عنه أنَّه لا يصح الاشتراك لا في هدي التطوع ولا في الواجب. وهذا رد للحديث. وعند أبي حنيفة أن الاشتراك يجوز في الهدي [المتقرب] (أ) وإن لم يكن واجبا عند أحدهم، ولا يشارك من لم يكن متقربا. والهدوية اشترطوا في الاشتراك اتفاق [الفرض] (ب) ولا يصح مع الاختلاف. قالوا: لأن الذبح شيء واحد فلا يتبعض بأن يكون بعضه واجبا وبعضه غير واجب. وذهب الهدوية إلى أن البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة؛ لما رواه ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى واشتركنا، في البقرة سبعة وفي البعير عشرة. أخرجه الترمذي والنسائي (٣). وفي "أصول الأحكام" و "الشفا" عن الحسن بن علي مثل ذلك في الأضحية مرفوعًا، وقاسوا الهدي على الأضحية، ويجاب عنه بأنه لا يقاس مع وجود النص في الهدي. وقال ابن رشد (٤). وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك

стр. 3882

أكثر من سبعة، وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ عدل البعير بعشر شياه. أخرجه (أ) في "الصحيحين" (١). ومن طريق ابن عباس وغيره: البدنة عن عشرة. قال الطحاوي: وإجماعهم دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة. انتهى. ويجاب عنه بأن الإجماع غير مسلم، ولعله تجوز فيه؛ لأنه قول الأكثر. وهذا في الإبل والبقر، وأما الغنم فذهب الهدوية إلى أن الشاة تجزئ عن ثلاثة في الأضحية؛ وذلك لما تقدم من تضحية النبي ﷺ بالكبش عن محمَّد وآل محمَّد. قالوا: وظاهر الحديث يقضي أن يجزئ عن أكثر (أ)، ولكن الإجماع قصَر الإجزاء (ب) على الثلاثة. وذهب الأكثر إلى أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، وادعى ابن رشد (٢) الإجماع على ذلك. وذهب مالك أنَّه يجوز أن يذبح الشاة عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الاشتراك بل إذا كان ملكه للمضحى منفردًا؛ لما تقدم من حديث علي ﵁، وكذا ما أخرجه في "الموطأ" (٣) عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا نضحى بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعدُ. وكره أبو حنيفة والثوري الاشتراك.

стр. 3883

فائدة (أ): السنة لمن أراد أن يضحي ألا يأخذ من شعره ولا من ظفره إذا أهل هلال ذي الحجة حتى يضحي. أخرجه مسلم (١) من أربع طرق من حديث أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بَشَره شيئًا". قال الشافعي (٢) رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: ما دلّ على أنه اختيار لا واجب؟ يعني عدم الأخذ من الشعر والظفر، قيل له: روى مالك (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن [عمرة] (ب)، عن عائشة قالت: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يَحرُم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وفي هذا دلالة على ما وصفتُ، وعلى أن المرء لا يُحرِم بالبعثة بهديه يقول: البعثة بالهدي أكبر (جـ) من إرادة الضحية. أخرج الحديث في "الصحيحين" (٤) من طريقين. وقد ذهب إلى هذا الشافعي والإمام يحيى وغيرهم، وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق إلى أنه يحرم ذلك؛ نظرا إلى ظاهر النهي، ومقتضاه التحريم حقيقة. ويجاب عنه بحديث عائشة. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يسن ذلك. والحديث يرد عليهما. كذا

стр. 3884

روى الخلاف في "البحر". قال أصحاب الشافعي: والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء؛ ليعتق من [النار] (أ). وقيل: للتشبه بالمحرم. ولا يصح هذا؛ لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم. فائدة أخرى: أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام، واختلفوا في الأفضل من ذلك؛ فذهب مالك إلى أن الأفضل من الضحايا الكباش ثم البقر ثم الإبل، وفي الهدي الإبل أفضل ثم الكباش. وقد قيل عنه: الإبل ثم البقر. وذهب الشافعي إلى أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الكباش. وبه قال أشهب وابن شعبان. وحجة مالك أن النبي ﷺ لم يرو عنه أنَّه ضحى إلا بكبش، ولكن في "البخاري" (١) من حديث ابن عمر ما يدل على أنه نحر الإبل، وهو قوله أنه كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى. والنحر في الإبل، ويدل على ذلك عطفه على: يذبح. وأما الهدي فالإبل؛ لأنَّ النبي ﷺ أهدى الإبل كما قد مر. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٢). إذا فسر ذلك بالأضحية. وقد فدى إبراهيم بالكبش، فيدل على أن الكبش أفضل في الأضحية. وحجة الشافعي قوله ﷺ : "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة

стр. 3885

الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا" (١). فحمل هذا على جميع التقرب بالحيوان، وأما فعل النبي ﷺ فقد ضحى بالأمرين، ولكنه يتأيد بالقياس على الهدي، والإجماع على أنه لا يجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام، إلا ما حكِي عن الحسن بن صالح، أنه يجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة والظبي عن واحد. وما روي عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ضحينا مع رسول الله ﷺ بالخيل (٢). وعن أبي هريرة أنه ضحى بذلك (٣). ومدة النحر اليوم العاشر ويومان بعده عند العترة ومالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، قال في "البحر": إذ روي عن علي ﵁، وهو توقيف. وذهب الشافعي وأصحابه والأوزاعي، أن أيام الأضحى أربعة؛ يوم النحر وثلاثة أيام بعده. وروي عن جماعة أن الأضحى يختص باليوم العاشر. وذهب إلى هذا حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري. وعن سعيد بن جبير وأبي الشعثاء مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام، ويتمسك لهذا بحديث عبد الله بن عمرو رفعه: "أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة". الحديث صححه ابن حبان (٤)، وعن جماعة أن الذبح إلى آخر يوم من ذي الحجة. وهي أقوال للسلف، قال ابن رشد (٥):

стр. 3886

سبب اختلافهم شيئان (أ)، أحدهما، الاختلاف في الأيام المعلومات ما هي في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). فقيل: يوم النحر ويومان بعده. وهو المشهور، وقيل: العشر الأول من ذي الحجة. والسبب الثاني، معارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا أنَّه قال: "كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (٢). فمن قال في الأيام المعلومات أنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور قال: لا نحر إلا في هذه الأيام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية وقال: لا معارضة بينهما؛ إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود منها تحديد (ب) أيام النحر، والحديث المقصود منه ذلك. قال: يجوز الذبح في اليوم الرابع [إذ] (جـ) كان باتفاق من أيام التشريق. و [لا] (د) خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنَّه قال: يوم النحر من أيام التشريق، وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين. وأما من قال يوم النحر فقط؛ فبناء (هـ) على أن

стр. 3887

المعلومات العشر الأول. قالوا: وإذا كان الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر، وهي محل الذبح المنصوص عليها، فواجب أن يكون الذبح إنما هو يوم النحر فقط. و [قد] (أ) ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام النحر. وذهب غيره إلى جواز ذلك، وسبب الاختلاف هو أن اليوم يطلق على اليوم والليلة، مثل قوله تعالى ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وقد يطلق على النهار دون الليل، كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ (٢). فعطف الأيام على الليالي، والعطف للمغايرة. ولكن بقي النظر في أيهما هو أظهر، [والمحتج] (ب) بالمغايرة على أنَّه [لا] (جـ) يصح في الليل، يكون ذلك بناء على العمل بمفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، إلا أن يقال: دل الدليل على أنَّه يجوز بالنهار، والأصل في الذبح الحظر، فيبقى الليل على الحظر، وعلى مجوِّزه في الليل الدليل. انتهى مع اختصار. فائدة أخرى: يستحب أن يكون المتولي للذبح المضحي، والاتفاق على جواز التوكيل، كما تقدم في حديث على ﵁، واختلف العلماء إذا ذبحها غيره بغير إذنه؛ فقيل: لا يجوز. وقيل بالفرق بين أن يكون صديقا أو ولدًا فيجوز، وإن كان أجنبيا أنها لا تجوز.

стр. 3888

والمستحب للمضحي أن يأكل ويتصدق. واستحب له (أ) كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثا؛ ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للأكل؛ لقوله ﷺ : "كلوا وتصدقوا وادخروا" (١). ولعل الظاهرية يوجبون التجزئة. وقال عبد الوهاب المالكي (٢): أوجب قوم الأكل وليس بواجب في المذهب. وقال ابن المواز (٢): له أن يفعل أحد الأمرين؛ إما الأكل أو التصدق بالكل.

стр. 3889

باب العقيقة العقيقة الذبيحة التي تذبح للمولود، وأصل العق الشق والقطع، وقيل للذبيحة: عقيقة. لأنها يشق حلقها. وقد يقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة. لأنه يحلق، وجعل الزمخشري الشعر أصلًا والشاة المذبوحة مشتقة منه، قال امرؤ القيس (١): أيا هند لا تنكحي (أ) بوهة ... عليه [عقيقته] (ب) أحسبا البوهة: الأحمق. زيد أنه من حمقه لم يحلق شعره الذي ولد عليه، والأحسب: الشعر الأحمر الذي يضرب إلى البياض. وقد جاء في صفة شعر النبي ﷺ : إن انفرقت عقيقته فرق (٢)، أي شعره، يسمى عقيقة تشبيها بشعر المولود، وسميت الذبيحة عقيقة باسم سببها، وأما عقوق الأمهات الوارد في الحديث فهو مشتق من العق الذي هو الشق والقطع. ١١٣٦ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود

стр. 3890

وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله (١). وأخرج ابن حبان (٢) من حديث أنس نحوه، وأخرج البيهقي والحاكم وابن حبان (٣) من حديث عائشة (أ) نحوه بزيادة: يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رءوسهما الأذى. قال الحسن البصري (٤): إماطة الأذى حلق الرأس. وصححه ابن السكن (٥) بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. ورواه أحمد والنسائي (٦) من حديث بريدة وسنده صحيح. ورواه الحاكم (٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في "الصغير" (٨) من حديث قتادة عن أنس، والبيهقي (٩) من حديث فاطمة. ورواه الترمذي والحاكم والبيهقي (١٠) من حديث علي.
следующие страницы →