← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

سبب اختلافهم شيئان (أ)، أحدهما، الاختلاف في الأيام المعلومات ما هي في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). فقيل: يوم النحر ويومان بعده. وهو المشهور، وقيل: العشر الأول من ذي الحجة. والسبب الثاني، معارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا أنَّه قال: "كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (٢). فمن قال في الأيام المعلومات أنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور قال: لا نحر إلا في هذه الأيام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية وقال: لا معارضة بينهما؛ إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود منها تحديد (ب) أيام النحر، والحديث المقصود منه ذلك. قال: يجوز الذبح في اليوم الرابع [إذ] (جـ) كان باتفاق من أيام التشريق. و [لا] (د) خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنَّه قال: يوم النحر من أيام التشريق، وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين. وأما من قال يوم النحر فقط؛ فبناء (هـ) على أن

стр. 3887

المعلومات العشر الأول. قالوا: وإذا كان الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر، وهي محل الذبح المنصوص عليها، فواجب أن يكون الذبح إنما هو يوم النحر فقط. و [قد] (أ) ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام النحر. وذهب غيره إلى جواز ذلك، وسبب الاختلاف هو أن اليوم يطلق على اليوم والليلة، مثل قوله تعالى ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وقد يطلق على النهار دون الليل، كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ (٢). فعطف الأيام على الليالي، والعطف للمغايرة. ولكن بقي النظر في أيهما هو أظهر، [والمحتج] (ب) بالمغايرة على أنَّه [لا] (جـ) يصح في الليل، يكون ذلك بناء على العمل بمفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، إلا أن يقال: دل الدليل على أنَّه يجوز بالنهار، والأصل في الذبح الحظر، فيبقى الليل على الحظر، وعلى مجوِّزه في الليل الدليل. انتهى مع اختصار. فائدة أخرى: يستحب أن يكون المتولي للذبح المضحي، والاتفاق على جواز التوكيل، كما تقدم في حديث على ﵁، واختلف العلماء إذا ذبحها غيره بغير إذنه؛ فقيل: لا يجوز. وقيل بالفرق بين أن يكون صديقا أو ولدًا فيجوز، وإن كان أجنبيا أنها لا تجوز.

стр. 3888

والمستحب للمضحي أن يأكل ويتصدق. واستحب له (أ) كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثا؛ ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للأكل؛ لقوله ﷺ : "كلوا وتصدقوا وادخروا" (١). ولعل الظاهرية يوجبون التجزئة. وقال عبد الوهاب المالكي (٢): أوجب قوم الأكل وليس بواجب في المذهب. وقال ابن المواز (٢): له أن يفعل أحد الأمرين؛ إما الأكل أو التصدق بالكل.

стр. 3889

باب العقيقة العقيقة الذبيحة التي تذبح للمولود، وأصل العق الشق والقطع، وقيل للذبيحة: عقيقة. لأنها يشق حلقها. وقد يقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة. لأنه يحلق، وجعل الزمخشري الشعر أصلًا والشاة المذبوحة مشتقة منه، قال امرؤ القيس (١): أيا هند لا تنكحي (أ) بوهة ... عليه [عقيقته] (ب) أحسبا البوهة: الأحمق. زيد أنه من حمقه لم يحلق شعره الذي ولد عليه، والأحسب: الشعر الأحمر الذي يضرب إلى البياض. وقد جاء في صفة شعر النبي ﷺ : إن انفرقت عقيقته فرق (٢)، أي شعره، يسمى عقيقة تشبيها بشعر المولود، وسميت الذبيحة عقيقة باسم سببها، وأما عقوق الأمهات الوارد في الحديث فهو مشتق من العق الذي هو الشق والقطع. ١١٣٦ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود

стр. 3890

وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله (١). وأخرج ابن حبان (٢) من حديث أنس نحوه، وأخرج البيهقي والحاكم وابن حبان (٣) من حديث عائشة (أ) نحوه بزيادة: يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رءوسهما الأذى. قال الحسن البصري (٤): إماطة الأذى حلق الرأس. وصححه ابن السكن (٥) بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. ورواه أحمد والنسائي (٦) من حديث بريدة وسنده صحيح. ورواه الحاكم (٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في "الصغير" (٨) من حديث قتادة عن أنس، والبيهقي (٩) من حديث فاطمة. ورواه الترمذي والحاكم والبيهقي (١٠) من حديث علي.

стр. 3891

الحديث فيه دلالة على شرعيتها في الجملة، وقد اختلف العلماء في حكمها؛ فذهب الجمهور إلى أنها سنة، وذهبت الظاهرية والحسن البصري إلى وجوبها، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل أنها عنده تطوع، ويحتج للجمهور بفعله ﷺ مع قوله وقد سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل" (١). فهذا يدل على عدم الوجوب، وهو يحتمل الإباحة، ولكن فعله ﷺ يدل على السنية، وأما القائل بوجوبها فلحديث عائشة الآتي، فإن الأمر حقيقة في الإيجاب، ولكنه يجاب عنه بأن ذلك إذا لم تقم قرينة تقضي (أ) بأن يحمل على غير الوجوب، والقرينة قوله: "فأحب أن ينسِك عن ولده". وهذا الحديث حجة لأبي حنيفة، ولكنه لا ينافي السنية فلا يتم احتجاجه، وذهب محمَّد بن الحسن الشيباني إلى أنها كانت في الجاهلية فنسخت في الإسلام، والجواب عنه بأن المنسوخ إنما هو التدمية للمولود كما تقدم في حديث عائشة. وفي زيادة: يوم سابعه. في حديث عائشة يدل على أنه لا يصح قبل السابع ولا بعده، وادعى في "البحر" الإجماع، ونظر عليه؛ وذلك لأن النووي (٢) ذكر عن أصحاب الشافعي قولا أنه يعق قبل السابع (ب كذلك عن الكبير ب)،

стр. 3892

وكذا ابن رشد (١)، قال: وأجاز بعضهم أن يعق عن الكبير؛ لما روى أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد البعثة. وأخرجه البيهقي (٢) وقال: منكر. وفيه عبد الله بن محرر (٣)، بالحاء المهملة وراءين مهملتين، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه أبو الشيخ (٤) من طريق أخرى عن أنس. قال النواوي (٥): حديث باطل. وأخرجه من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل (أ) عن عبد الله بن المثنى من حديث أنس، وفي ابن المثنى (٦) مقال. وأخرجه الطبراني (٧) أيضًا من هذه الطريق، وإن كان الترمذي والعجلي (٨) وثقاه فهو من الشيوخ الذين لا يقبل ما تفردوا به، وقد أخرجه الضياء (٩) بهذا الإسناد في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ويحتمل مع فرض صحته أن يكون ذلك من خصائصه، وقال السيوطي في كتاب "المقصد في عمل المولد" أنَّه فعل ذلك إظهارا للشكر على اتخاذ الله تعالى إياه رحمة للعالمين

стр. 3893

وتشريعا (أ) لأمته، فينبغي لنا أيضًا إظهار الشكر لمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات (١). انتهى. وقال مالك لا يعد في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارا. وكذا نقله البويطي (ب) عن الشافعي، ونقل الرافعي وجهين رجح الحسبان (جـ)، وقال عبد الملك بن الماجشون: يحتسب. وقال ابن القاسم: إن عق ليلا لم يجزه. واختلف أصحاب مالك في مبدأ وقت الإجزاء؛ فقيل: وقت الضحايا، أعني ضحى. وقيل: بعد الفجر قياسا على قول مالك في الهدايا. ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلا أجاز العقيقة ليلا، وقد قيل: يجوز في السابع الثاني والثالث، وكذا أخرج البيهقي (٢) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "العقيقة تذبح لسبع ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين". ١١٣٧ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة. رواه الترمذي (٣) وصححه، وأخرج أحمد والأربعة (٤) عن أم كرز الكعبية نحوه.

стр. 3894

حديث أم كرز أخرجه البيهقي (١) في طرق ست، وفي بعضها مقال، وحديث عائشة (١) من طريقين، وأخرج (١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن اليهود تعق عن الغلام شاة ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة". وأخرجه أبو داود والنسائي (٢) من حديث عمرو بن شعيب، وأخرجه أحمد (٣) من حديث أسماء بنت يزيد. ومكافئتان. قال النووي (٤): هو بكسر الفاء وبعدها همزة، هكذا صوابه عند أهل اللغة، والمحدثون يقولونه بفتح الفاء. قال أحمد وأبو داود (٥): ومعناه متساويتان أو متقاربتان. قال الخطابي (٦): والمراد التكافؤ في السن فلا تكون [إحداهما] (أ) مسنة والأخرى غير مسنة، بل تكون مما تجزئ في الأضحية، وقيل: معناه أنهما متساويتان. وقيل: معناه أن تذبح إحداهما مقابلة للأخرى. والحديث فيه دلالة على اختلاف العقيقة عن الذكر وعن الأنثى. وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، والإمام يحيى، ومذهب الهدوية ومالك إلى أنه يجزئ عن الذكر والأنثى شاة، لما تقدم من

стр. 3895

حديث ابن عباس. وأجيب عنه بأن حديث ابن عباس فعل وهذا (أقول، وهو أ) أقوى، وقد روي أيضًا من طرق كثيرة فهو أرجح، مع (ب) أن أبا الشيخ (١) أخرج حديث ابن عباس من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: كبشين كبشين. ومن حديث عمرو بن شعيب مثله (١). مع أنه قد يقال: إن في اقتصار النبي ﷺ دلالة على أنه يجوز أن يفعل مثل ذلك للذكر وأن التثنية ليست بمتعينة، وإن كانت هي المستحبة، والفرد جائز غير مستحب. ويحتمل أنه إنما فعل ذلك لكونه المتيسر، ولم يتسير الاثنان، مع مناسبة العلة لهذا الحكم، فإنه إذا كانت العقيقة مشروعة؛ لما فيها من التقرب لاستبقاء المولود فأشبهت الدية التي دية المرأة على النصف من دية الرجل، وفي إطلاق لفظ "شاتان" دلالة على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان للشافعية؛ أصحهما: يشترط. وهو بالقياس، وقد (جـ) ذكر شاتان على أنه يتعين الغنم للعقيقة، وبه ترجم أبو الشيخ الأصفهاني (٢)، ونقله ابن المنذر (٢) عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال البندنيجي من الشافعية (٢): لا نص للشافعي في ذلك، وعندي لا يجزئ غيرها. واختلف قول مالك في الإجزاء، وأما الأفضل عنده فالكبش مثل الأضحية، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضًا، وفيه حديث عند الطبراني وأبي الشيخ (٣) عن أنس رفعه: "يعق عنه من الإبل والبقر والغنم".

стр. 3896

ونص أحمد على اشتراط كاملة. وذكر الرافعي بحثا أنه يجوز اشتراك سبعة في الإبل والبقر، كما في الأضحية. ١١٣٨ - وعن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه ويُحلق ويُسمَّى". رواه أحمد والأربعة (١)، وصححه الترمذي. الحديث ذكره البخاري (٢) مجملا ولم يسق لفظه، وكأنه اكتفى عن إيراده لشهرته، وهو من رواية الحسن عن سمرة، وأخرج نحوه البزار (٣) وأبو الشيخ (٤) في كتاب "العقيقة" عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فالحديث يتقوى برواية التابعيين الجليلين عن الصحابيين، إلا أنه لم يقع في حديث أبي هريرة لفظ: "ويسمى". وقوله: "مرتهن". قال الخطابي (٥): اختلف الناس في هذا؛ فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه يريد أنه إذا مات وهو طفل ولم يُعقّ عنه لم يشفع لأبويه. وقيل: المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن للمرهون في يد المرتهن. وهذا يقوي قول الظاهرية بالوجوب، وقيل:

стр. 3897

المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء: "فأميطوا عنه الأذى" (١). ويقوي قول أحمد ما أخرجه البيهقي (٢) عن عطاء الخراساني، وأخرج ابن حزم (٣) عن بريدة الأسلمي قال: إن الناس يُعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس. وهذا لو ثبت لكان دليلا لمن قال بالوجوب. قال ابن حزم (٣): ومثله عن فاطمة بنت الحسين. وقوله: "يذبح عنه يوم سابعه". فيه دلالة على أن العقيقة موقتة بالسابع، وأنها تفوت بعده، وهذا قول مالك، وقال أيضًا: إن (أ) مات قبل السابع سقطت العقيقة. وفي رواية ابن وهب عن مالك أنه إن فات السابع الأول فالثاني. قال ابن وهب: ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث. ونقل الترمذي (٤) عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة في السابع، فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ فيوم أحد وعشرين. قال المصنف رحمه الله تعالى (٥): ولم أر هذا صريحا إلا عن أبي عبد الله البوشنجي، ونقله صالح بن أحمد عن أبيه (ب وورد فيه ب) حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه (٦)

стр. 3898

ولكن من رواية إسماعيل بن مسلم، قال الطبراني (١): تفرد به وهو ضعيف. وعند الحنابلة في اعتبار الأسابيع بعد ذلك [روايتان] (أ)، وعند الشافعية أن ذِكر السابع للاختيار لا للتعيين، فنقل الرافعي أنه يدخل وقتها بالولادة. قال: وذكر السابع في الخبر بمعنى أنه لا تؤخر عنه اختيارًا. ثم قال: والاختيار ألا يؤخر عن البلوغ، فإن تأخرت (ب) إلى البلوغ سقطت عمن كان يريد أن يعق عنه، لكن إن أراد هو أن يعق عن نفسه فعل. وأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن ابن سيرين قال: لو أعلم أني لم يُعق عني لعققت عن نفسي. واختاره القفال، ونقل عن نص الشافعي ألا يُعق عن كبير، وهو يحتمل أنه لا يعق عنه الغير إذا كبر، وأما هو عن نفسه فيصح. وأخرج عبد الرزاق (٣) عن قتادة أن من لم يُعق عنه أجزته أضحيته عن العقيقة. ولفظ: "تُذبح". بضم التاء مغيرًا للمجهول لم يدل على تعيين الذابح، وأنه يصح أن يتولى ذلك أجنبي، وعند الشافعي يتعين على من تلزمه النفقة للمولود، وعند الحنابلة يتعين الأب إلا أن يموت أو يمتنع، وفي كون النبي ﷺ عق عن الحسنين [ما] (جـ) يقوي الاحتمال الأول، ولعله يحتمل أن

стр. 3899

يكون مؤيدا لقول الحنابلة أنَّه يصح من غير الأب (أ) إذا تعذر منه الفعل، والتعذر يجوز أن يكون لإعسار الأبوين، أو أنَّه تبرع بإذنهما، أو أن قوله: عق. أي أمر الأب أن يعق عنهما، أو أن ذلك من خصائصه ﷺ ، أو لكونه للحسنين كالأب. وأخرج أحمد (١) من حديث أبي رافع: لما ولدت فاطمة حسنا قالت: يا رسول الله، ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: "لا ولكن احلقي رأسه ثم تصدقي بوزن شعره فضة". ففعلت، فلما ولدت حسينا فعلت مثل ذلك. وهذا يحتمل أنه ﷺ كان عق عنه ثم استأذنته فاطمة أن تعق هي عنه أيضًا فمنعها، وكأنه لكونه تبرع بالعقيقة، أو كان لضيق ما عندهم فأرشدها إلى نوع من الصدقة أخف، أو أنه لم يكن قد فعل لتعسره عليه وعليهم ثم فعل ذلك. ونص مالك على أنَّه يعق عن اليتيم من ماله، ومنعه الشافعية. "ويحلق رأسه". أي جميعه؛ لثبوت النهي عن القزع. وحكى المازري (ب) كراهة حلق رأس الجارية. وعن بعض الحنابلة: يحلق. وهو ظاهر إطلاق الحديث. وفي حديث علي عند الترمذي والحاكم (٢) في حديث

стр. 3900

العقيقة عن الحسن والحسين: "يا فاطمة، احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره". قال: فوزنّاه فكان درهما أو بعض درهم. وأخرج سعيد بن منصور (١) من مرسل [أبي جعفر] (أ) الباقر أن فاطمة كانت إذا ولدت [ولدا حلقت] (ب) شعره وتصدقت بزنته ورِقا. وقوله: "ويسمَّى". رواها أكثر أصحاب قتادة بالسين، وقال همام عن قتادة: "يدمى" بالدال. قال أبو داود (٢): خولف همام، وهو وهم منه ولا يؤخذ به. ورَوَى (٣) من غير طريق قتادة بلفظ: "يسمَّى". وقد استُشكل ما قاله أبو داود؛ فإن تمام رواية همام ما يدل على تحقيق ما رواه، وذلك أنهم سألوا قتادة عن الدم كيف نصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن هماما وهم عن قتادة في قوله: "ويدمى". إلا أن يقال: إن أصل الحديث: "ويسمَّى" ولكن قتادة بعد أن ذكر: "ويسمَّى" ذكر الدم حاكيا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه. وقال ابن عبد البر (٤): هذا الذي تفرد به همام إن كان حفظه فهو

стр. 3901

منسوخ. وحمل بعضهم التسمية على التسمية عند الذبح؛ لما أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق هشام عن قتادة قال: يسمي على العقيقة كما يسمي على الأضحية: باسم الله، عقيقة فلان. ومن طريق سعيد نحوه عن قتادة (١) وزاد: اللهم منك ولك، عقيقة فلان، باسم الله والله أكبر. ثم يذبح. وقد ورد ما يدل على النسخ في عدة أحاديث؛ منها ما أخرجه ابن حبَّان (٢) في "صحيحه" عن عائشة قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس المولود وضعوها على رأسه، فقال النبي ﷺ : "اجعلوا مكان الدم خلوقا". زاد أبو الشيخ (٣): ونهى أن يمس رأس المولود بدم. وأخرج ابن ماجه (٤) عن يزيد بن عبد المزني أن النبي ﷺ قال: "يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم". وهذا مرسل؛ فإن يزيد لا صحبة له، وقد وصله البزار (٥) من هذه الطريق وقال: عن يزيد بن عبدٍ المزني عن أبيه. ومع هذا فقد قالوا إنه مرسل. وأخرج أبو داود والحاكم (٦) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية -فذكر نحو حديث عائشة ولم يصرح برفعه - فلما جاء الله بالإِسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. وهو شاهد لحديث عائشة، ولهذا

стр. 3902

كره الجمهور التدمية. ونقل ابن حزم (١) عن ابن عمر وعطاء استحباب التدمية. قال في "نهاية المجتهد" (٢): وحكم لحمها وجلدها حكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة ومنع البيع.

стр. 3903

كتاب الأيمان والنذور الأيمان بفتح الهمزة، جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. وقيل: لأن اليد اليمين من شأنها حفظ الشيء، فسمي الحلف بذلك لحفظه المحلوف عليه، ويسمَّى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها. ويجمع اليمين أيضًا على أيمن كرغيف وأرغف. وعُرِّفت شرعًا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى. والنذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرَّفه الراغب (١) بأنّه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. ١١٣٩ - عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب ﵁ في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". متفق عليه (٢). وفي رواية لأبي داود والنسائي (٣) عن أبي هريرة: "لا تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون".

стр. 3904

الحديث فيه دلالة على أن الحلف بالآباء منهي عنه، وقد اختلف العلماء هل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ فللمالكية قولان، (أقال ابن دقيق العيد: المشهور عندهم الكراهة أ). والحنابلة اختلفوا في ذلك، والمشهور عن ابن حنبل التحريم، وبه جزم الظاهرية. وقال ابن عبد البر (١): لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع. ومراده بنفي الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه، فإنه قال في موضع آخر (٢): أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها. والخلاف عند الشافعية؛ لأن الإمام الشافعي قال (٣): أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية. فأشْعَر بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه، وقال إمام الحرمين (٤): المذهب القطع بالكراهة. وجزم غيره بالتفصيل، وقال الماوردي (٤): لا يجوز لأحد أن يُحلِّف أحدًا بغير الله تعالى؛ لا بطلاق ولا بعتاق ولا نذر، وإذا حلَّف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله. وذهب الإمام يحيى إلى أنه يكره الحلف بغير الله، وصرح الإمام المهدي في "الأزهار" (٥) أن الحلف بغير الله لا يقتضي الإثم ولا الكفارة ما لم يُسو في التعظيم أو يضمن كفرا أو فسقا. انتهى. والأوْلى أن يقول: أو إثما. بدل قوله: فسقا.

стр. 3905

وظاهر الحديث التحريم، والمناسبة (أ) للنهي أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله فلا يضاهى به غيره، وقد وردت أحاديث صريحة في التحريم، وهو ما أخرجه أبو داود والحاكم (١) واللفظ له من حديث ابن عمر أنَّه قال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر". وفي رواية للحاكم (٢) أيضًا: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك". ورواه أحمد (٣) بلفظ: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وحجة من قال بعدم التحريم ما جاء في حديث الأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق" (٤). وما وقع في القرآن من الإقسام بغير الله، فيكون النهي محمولا على الكراهة. وأما قوله: "فقد كفر". وقوله: "فقد أشرك". فقال الترمذي (٥): قد حمل بعض العلماء مثل هذا على التغليظ، كما حمل بعضهم قوله: "الرياء شرك" (٦). على ذلك، وفُسِّر قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧). أي: لا يرائي. وقال الماوردي: فيه تأويلان؛ أحدهما: فقد أشرك بين الله وبين غيره في التعظيم وإن لم يَصِر من الكافرين المشركين. وثانيهما: صار

стр. 3906

كافرا به بعد أن اعتقد لزوم يمينه بغير الله كاعتقاد لزومها بالله. وأجيب عن الحديث بأن قوله: "وأبيه". لم يقصد به القسم، وإنما قصد به مجرد التوكيد، أو قاله قبل أن يعلم كراهة ذلك. وقال ابن عبد البر (١): هذه اللفظ غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها بلفظ: "أفلح والله إن صدق". وزعم بعضهم أن راويها صحف: "والله" بـ: "أبيه". وأما تأويل الحديثين بالتغليظ فإنما يدفع القول بكفر من قال بذلك، وأما التحريم فلا يدفعه، فإن التغليظ إنما كان لأجل التحريم. وقول أبي بكر في الذي سرق حلي ابنته فقال: وأبيك ما ليلك بليل سارق. أخرجه "الموطأ" (٢) وغيره، فتأول بما ذكر من قصد التأكيد. وقوله: "ولا تحلفوا بالأنداد". الأنداد جمع ند، والند هو من (أ) يجعل شريكا في العبادة. وقد أخرج مسلم (٣) قوله ﷺ : "من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل: لا إله إلا الله". وأخرج النسائي (٤) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وانفث عن يسارك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان

стр. 3907

الرجيم، ثمَّ لا تعُد". وأخرج النسائي (١) عن قُتَيلة -امرأة من جهينة- أن النبي ﷺ أمر أن يقولوا: ورب الكعبة. بعد ذكر الإشراك بقولهم: والكعبة. والحديث فيه دلالة على تحريم الحلف بالأصنام. وأما أنه يكفر بذلك فظاهر قوله: "فليقل: لا إله إلا الله". أنه لا يكفر؛ لأنه لو كفر لوجب تمام الشهادتين بالإقرار بالنبي ﷺ . وقال ابن المنذر (٢): اختلف فيمن قال: أكفر بالله ونحو ذلك إن فعلت كذا. (أثم فعل أ)؛ فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه، ولا يكون كافرا إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفارة إذا حنث. وقال ابن المنذر: الأول أصح؛ لقوله: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله". ولم يذكر كفارة. وكذا قال: "من حلف بملة سوى الإسلام فهو كما قال" (٣). فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. ونقل أبو الحسين بن القصار (٤) من المالكية عن الحنفية أنهم احتجوا لإيجاب الكفارة بأنه إنما وجبت في اليمين لإيجابها الامتناع من الفعل،

стр. 3908

وهذا كذلك، وتضمن كلامه تعظيم الإسلام، وقياسا على الظهار، فإنه منكر من القول وزور، وهذا كذلك. ولكنه كان يلزم أن تجب فيه كفارة الظهار ولا يقولون به. ويرد عليهم أنهم قالوا: إذا قال: وحق الإسلام. لا تجب عليه الكفارة إذا حنث، (أوبه قالت أ) الحنفية، إلا إذا قال: أنا مبتدع أو بريء من النبي ﷺ . فلا كفارة، وكذا قوله: هو يهودي إن فعل كذا. وظاهر قوله: "فليقل: لا إله إلا الله". وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى أنه مستحب، وكأن القرينة على الحمل على الاستحباب أن وجوبه إنما يكون إذا قلنا بأنه يقتضي الكفر، ولو قلنا بذلك لوجب تمام الشهادتين، فدل الاقتصار على أن ذلك لا على سبيل الوجوب، وإنما هو كالأمر بازدياد الذكر. وقوله: "ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". يدل على تحريم الحلف على الشيء وهو يعتقد كذبه، وهذه اليمين هي الغموس المحرمة، والله أعلم. ١١٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك". وفي رواية: "اليمين على نية المستحلِف". أخرجهما مسلم (١). الحديث فيه دلالة على أن اليمين تكون على ما يقصده المحلِّف، ولا تنفع نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره. وظاهر الحديث الإطلاق، سواء كان

стр. 3909

المحلِّف له الحاكم أو المدعي للحق. وقد أفهم الحديث أنه حيث (أ) كان المحلِّف له التحليف؛ لأن قوله: "على ما يصدقك به صاحبك". إنما هو حيث كان المحلف له التحليف وهو حيث كان صادقا فيما ادعاه على الحالف، وأما لو كان على خلاف ذلك كانت النية نية الحالف، وقد اعتبر الشافعية والفقيه محمد بن يحيى من الهدوية أن يكون المحلف الحاكم وإلا كانت النية نية الحالف. قال النووي (١): وأما إذا حلف بغير استحلاف وورَّى فتنفعه التورية ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلَّفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلِف -بكسر اللام- غير القاضي، وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت (ب) عليه فتكون اليمين على نية المستحلِف، وهو مراد الحديث، أما إذا حلف بغير استحلاف القاضي في دعوى فالاعتبار بنية الحالف، وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق والعتاق تنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق وإنما يستحلف بالله تعالى. وقال (١): التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق المستحق، وهذا مجمع عليه. انتهى.

стр. 3910

ونقل القاضي عياض (١) عن مالك وأصحابه اختلافا وتفصيلا فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته ويُقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعا أو بقضاء عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعا باليمين أو باستحلاف. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل: اليمين على نية المحلوف له. وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلَفا فعلى نية المحلوف له وإن كان متبرعا باليمين فعلى نية الحالف، وهذا قول عبد الملك وسحنون، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم، وقيل عكسه، وهي رواية عن يحيى عن ابن القاسم أيضًا، وحُكي عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث، وما كان على وجه العذر فلا بأس به، وقال ابن حبيب عن مالك (٢): ما كان على المكر والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له. انتهى. ١١٤١ - وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأْت الذي هو خير". متفق عليه (٣)، وفي لفظ البخاري (٤):

стр. 3911

"فأْت الذي هو خير وكفر عن يمينك". وفي رواية لأبي داود (١): "فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير". وإسنادها (أ) صحيح. قوله: "على يمين". أي المحلوف منه، سماه يمينا مجازا، والضمير في: "غيرها" يعود إلى اليمين بمعناها المجازي، وأنَّث الضمير نظرا (ب) إلى لفظ: "يمين" فإنه مُؤنث. الحديث فيه دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استُحِب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه، والإجماع على أنه لا تجب الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها إلى بعد الحنث، وعلى أنه لا يصح تقديمها قبل اليمين. ودلَّ الحديث على أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث بعد وقوع اليمين لا سيما حديث: "ثم ائت". فإن "ثم" تدل على الترتيب مع المهلة، وأما الرواية التي العطف فيها بالواو فهي لا تدل على شيء؛ لجواز عطف المتأخر على المتقدم والعكس فيها. وقد ذهب إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابيا وجماعات من التابعين (٢)، وهو قول جماهير العلماء؛ لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث. وظاهره جميع

стр. 3912

أنواع الكفارة، واستثنى الشافعي (١) الكفارة بالصوم فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابه (٢) حنث المعصية فقال: لا يجوز تقديم كفارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وظاهر هذا أن الشافعي لم يحتج بالحديث، وذلك لاختلاف الرواية، ولذلك قال البيهقي رحمه الله تعالى (٣): واحتجاج الشافعي في هذه المسألة بما أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع قال: قال الشافعي: وإن كفَّر قبل الحنث بإطعام رجوت أن يُجزئ عنه، وذلك أنّا نزعم أن لله حقا على العباد في أنفسهم وأموالهم، فالحق الذي في أموالهم إذا قدموه قبل محله أجزأ، وأصل ذلك أن النبي ﷺ تسلَّف من العباس صدقة عام قبل أن يدخل، وأن المسلمين قد قدموا صدقة الفطر قبل أن يكون الفطر، فجعلنا الحقوق التي في الأموال قياسًا على هذا. انتهى. فظاهر الاحتجاج إنما هو بالقياس. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي وهو مذهب الهدوية ونسبه الإمام المهدي في "البحر" إلى العترة -إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث بكل حال، وذلك لأن سبب وجوب الكفارة عند الأئمة هو مجموع الحنث واليمين، فلا يصح التقديم قبل سبب الوجوب، وعند أبي حنيفة أن السبب هو الحنث فكذلك، والاحتمال حاصل في ذلك، فإنه يحتمل أن

стр. 3913

يكون السبب هو اليمين والحنثُ شرط، ويحتمل أن يكون المجموع هو السبب، أو أن كل واحد منهما سبب. فعلى التقدير الأول والثالث يجوز التقديم، وعلى التقدير الثاني لا يجوز. وأما الاحتجاج بالحديث فعلى صحة رواية "ثم" يتعين العمل به من جواز التقديم، ولا تعارض [بينها] (أ) وبين رواية الواو؛ لأن الترتيب يصدق مع الجمعية المطلقة التي تدل عليها الواو. ١١٤٢ - وعن ابن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه". رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان (١). الحديث قال الترمذي (٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السَّختياني، وقال ابن علية: كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه. قال: ورواه مالك وعبيد الله بن عمر وغير واحد موقوفًا. وهو في "الموطأ" (٣) موقوف. وقال

стр. 3914

البيهقي (١): لا يصح رفعه (أ) إلا عن أيوب مع أنه شك فيه، وتابعه على لفظه عبد الله العمري، وموسى بن عقبة، وكثير بن فَرقد، وأيوب بن موسى، وحسان بن عطية، كلهم عن نافع مرفوعًا. ورواية أيوب بن موسى أخرجها ابن حبَّان في "صحيحه" (٢)، ورواية كَثير أخرجها النسائي والحاكم في "مستدركه" (٣)، ورواية موسى أخرجها ابن عدي (٤) في ترجمة داود بن عطاء أحد الضعفاء (٥). الحديث فيه دلالة على أنه إذا حلف على شيء وقال: إن شاء الله تعالى. أنه لا يحنث إذا فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف على فعله، فيكون الاستثناء مانعًا لانعقاد اليمين، أو حالًّا لها بعد الانعقاد، وهما احتمالان، وللاحتمالين فائدة أنه على الأول يشترط إرادة الاستثناء قبل الفراغ واتصال الاستثناء، وعلى الثاني لا يشترط الاتصال وإن اختلفوا في مقدار الانفصال، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث الجمهور، وادعى القاضي أبو بكر بن العربي الإجماع على ذلك، وقال (٦): أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله. يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلًا. قال: ولو جاز

стр. 3915

منفصلًا كما روي عن (أ) بعض السلف، لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة. قال: واختلفوا في الاتصال؛ فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والجمهور: هو أن يكون قوله: إن شاء الله. متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا تضر سكتة التنفس. وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين، أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء: قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس: له الاستثناء أبدا متى تذكره. وتأول بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم أنَّه يستحب له (ب) قول: إن شاء الله. تبركا، أو يجب على ما ذهب إليه بعضهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١). فيكون الإتيان بالاستثناء المذكور رافعا للإثم الحاصل بتركه، أو لتحصيل ثواب الندب على القول باستحبابه، ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. وذهب الجمهور بأن الاستثناء مانع للحنث في الحلف بالله وفي غيره؛ كالطلاق والعتق وغير ذلك من الظهار والنذر والإقرار. وقال مالك والأوزاعي: لا ينفع الاستثناء إلا في الحلف بالله دون غيره. واستقواه ابن العربي قال (٢): لأن الاستثناء أخو الكفارة، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ

стр. 3916

كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١). فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف بالله تعالى. وذهب أحمد أنه لا يدخل العتق. واحتج بما ورد في حديث (أ) معاذ رفعه: "إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله تعالى. لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله. فإنه حر" (٢). قال البيهقي: تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول (٣)، واختلف عليه في إسناده. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع إلا الطلاق. قالوا: لأن الطلاق لا تحله الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلا يحله الأضعف وهو الاستثناء. وذهبت (ب) الهدوية إلى أن الاستثناء بقوله: إن شاء الله. يعتبر فيه أن يكون المحلوف عليه مما يشاؤه الله تعالى أو لا يشاؤه، فإن كان مما يشاؤه الله تعالى، بأن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، في المجلس؛ ذكره الفقيه يحيى من مفرعي الهدوية، أو حال التكلم، ذكره الفقيه علي الوشلي؛ لأن مشيئة الله حاصلة في الحال، فلا تبطل اليمين بل تتقيد به، وإن كان لا يشاؤه، بأن يكون محظورا أو مكروها، فلا تنعقد اليمين. فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد بالشروط، يقع المعلق عند وقوع المعلق به، وينتفي بانتفائه. وكذا قوله: إلا أن يشاء الله. فإن

стр. 3917

حكمه حكم: إن شاء الله تعالى. وذهب المؤيد بالله أنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى. أن الطلاق يقع بكل حال؛ لأن معناه: إن بَقّاني الله تعالى وقتًا أقدر على طلاقك. فلو مات قبل أن يمضي وقت يمكن أن تطلق فيه لم تطلق. ولا يخفى منابذة هذه الأقوال للحديث، وعدم مناسبة القول الأخير للمعنى اللغوي أيضًا، وظاهر قوله: "فقال: إن شاء الله". وقوله ﷺ في قصة سليمان ﵇: "لو قال: إن شاء الله. لم يحنث" (١). أن الاستثناء لا يكفي بالنية؛ لأنه رتبه على القول. وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والعلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ. كذا ذكر النووي (٢)، وأشار إلى هذا البخاري (٣) وبوب عليه بـ: باب النية في الأيمان. يعني بفتح الهمزة، وذلك لأن النية عمل، وقد صح: "الأعمال بالنيات" (٤). ومذهب الهدوية أنه يصح الاستثناء بالنية، وإن لم يلفظ بالعموم إلا من عدد منصوص، فلا بد من الاستثناء باللفظ، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا. ونوى: إلا واحدة. لزمه حكم الثلاث، ونحو ذلك، وهذا مقتضى ما ذكره نجم الدين في "لا" التي لنفي الجنس أنها نص في الاستغراق، فلا يخصصها إلا مقارن متصل. والله سبحانه أعلم. ١١٤٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: كانت يمين النبي ﷺ :

стр. 3918

"لا ومقلب القلوب". رواه البخاري (١). قوله: كانت يمين النبي ﷺ . هكذا في لفظ، وفي لفظ (٢): كثيرا ما كان. وفي لفظ (٣): أكثر أيمان النبي ﷺ : "لا ومصرف القلوب". زاد الإسماعيلي من رواية وكيع: التي يحلف عليها. وفي أخرى له (٤): التي يحلف بها. والمراد اليمين التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر. وقد ذكر البخاري في الباب أربعة ألفاظ أحدها: "والذي نفسي بيده" (٥) وكذا: "نفس محمَّد بيده" (٦). فبعضها مُصدَّر بلفظ "لا". [وبعضها بلفظ: "أما"] (أ). وبعضها بلفظ: "وايم". ثانيها: "لا ومقلب القلوب". وفي رواية الزهري: "مصرف القلوب" (٧). ثالثها: "والله" (٨). رابعها: "ورب الكعبة" (٩). ولابن أبي شيبة (١٠): كان إذا اجتهد في اليمين قال: "لا والذي نفس أبي القاسم بيده". ولابن ماجه (١١): [كانت] (ب) يمين رسول الله ﷺ

стр. 3919

التي يحلف بها: "أشهد عند الله، والذي نفسي بيده". ومنها: لاها الله (١). ولكنه لم يحلف بها ﷺ ، ولكنه قرر عليها أبا بكر. قوله: "لا" نفي للكلام السابق، و"مقلب القلوب"، هو المقسم به، والمراد بتقلب القلوب هو تقليب أعراضها وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. قال الراغب (٢): تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، والتقلب (أ) التصرف، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ (٣). قال: وسمي قلب الإنسان قلبا لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (٤). أي الأرواح. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٥). أي علم وفهم. وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ (٦). أي تثبت به شجاعتكم. وقال القاضي أبو بكر بن العربي (٧): القلب جزء من البدن، خلقه الله تعالى وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة (ب)، وجعل ظاهر البدن محلّ التصرفات الفعلية والقولية، ووكل به

стр. 3920

ملكا يأمر بالخير وشيطانا يأمر بالشر، والعقل بنوره يهديه، والهوى بظلمته يغويه، والقضاء مسيطر (أ) على الكل، والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة، واللمة من الملك تارة، ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه الله تعالى. انتهى. وفي الحديث دلالة على صحة القسم بصفة من صفات الله وإن لم تكن صفة ذات، وقد ذهب إلى هذا الهدوية، فإنهم قالوا: الحلف بالله أو بصفة (ب) لذاته أو لفعله لا تكون على ضدها، وصفة الذات كالعلم والقدرة، ولكنهم قالوا: لا بد من إضافتها إلى الله تعالى، كعلم الله وقدرته، وصفة الفعل؛ كالعهد والأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى، والمراد بعهد الله صدق الله فيما وعد وعقد، والأمانة، وكذا ذمة الله أي ضمانه والتزامه بإثابة المطيع، وقد جاء النهي عن الحلف بالأمانة، وهو حديث بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا". أخرجه أبو داود (١). وذلك لأن (جـ) الأمانة ليست من صفاته تعالى بل من فروضه. ذكره في "المعالم" (٢). وقولهم: لا تكون على ضدها. احتراز من الرضا والغضب والإرادة والمشيئة، فلا تنعقد بها اليمين. وذهب ابن حزم، وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية، بأن جميع الأسماء الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، وكذا الصفات، صريح في اليمين وتجب به الكفارة. وهو وجه غريب

стр. 3921

للشافعية، وعندهم وجه أغرب منه؛ أنه ليس في شيء من ذلك صريح إلا لفظ الجلالة. والأحاديث ترده، والمشهور (أعندهم وأ) عند الحنابلة أنها ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما يختص به تعالى؛ كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو صريح تنعقد به اليمين، سواء قصد الله تعالى أم أطلق. ثانيها، ما يطلق عليه تعالى وقد يقال على غيره لكن بقيد؛ كالرب، والخالق، فتنعقد به اليمين، إلا أن يقصد به غير الله تعالى. ثالثها، ما يطلق عليه وعلى غيره على السواء؛ كالحي، والموجود، والمؤمن، فإن نوى غير الله تعالى أو أطلق فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح، فمثل: والذي نفسي بيده. ينصرف عند الإطلاق إلى الله تعالى جزما، وإن نوى به غيره، كملك الموت مثلًا، لم يخرج عن الصراحة، وكذا: الذي فلق الحبة، ومقلب القلوب. صريح لا يشاركه غيره، وكذا: الذي أعبده، أو: أسجد له، أو: أصلي له، صريح. وفرقت (ب) الحنفية بين العلم والقدرة، فقالوا: إن حلف بقدرة الله انعقدت به اليمين، وإن حلف بعلم الله لم ينعقد به؛ لأن العلم يعبر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (١). ويجاب بأن ذلك مجاز، والكلام في المعنى الحقيقي. ١١٤٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: جاء أعرابي

стр. 3922

إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه: "اليمين الغموس". وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". أخرجه البخاري (١). قوله: جاء أعرابي. قال المصنف (٢) ﵀: لم أقف على اسم هذا الأعرابي. وقوله: ما الكبائر؟ هي جمع كبيرة، وقد اختلف العلماء في المعاصي، هل تنقسم إلى صغيرة وكبيرة أو جميعها كبيرة؟ فذهب جماعة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في "الإرشاد"، وابن القشيري في "المرشد"، وحكاه ابن فُورَك عن الأشاعرة، واختاره في "تفسيره"، واعتمد ذلك السبكي، إلى أنها كلها كبائر، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة. إلا على معنى أنها تصغُر باجتناب غيرها. وأخرج مثل هذا الطبراني (٣) عن ابن عباس بإسناد منقطع، أنه ذكر عنده الكبائر فقال: ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وفي رواية عنه (٤): كل شيء عصي الله فيه (أ) فهو كبيرة. وذهب الجماهير من العلماء إلى أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر؛

стр. 3923

لقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣). وفي الأحاديث الصحيحة ما هو صريح في ذلك؛ ولذلك قال الغزالي (٤): لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر، وقد عرفا من مدارك الشارع. وقال بعضهم: إنه لا خلاف في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق؛ لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح، وإنما فر الأولون من تسمية المعصية صغيرة نظرًا إلى عظمة الله وشدة عقابه وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة. ثم اختلف القائلون بالفرق في حدّ الكبيرة؛ فقال النووي في "الروضة" (٥): هي ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة. ولفظ: شديد. قيد واقع لا مخصص. وقال البغوي (٦): كل معصية أوجبت الحد. وهذا الحد منتقض بكبيرة وقع النص عليها بأنها كبيرة ولا حد؛ كأكل الربا، وعقوق الوالدين، وغير ذلك. وقال بعضهم: كل ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد، أو ترك فريضة تجب فورا، والكذب في الرواية واليمين وكل قول خالف الإجماع العام. وقال بعضهم: كل جريمة (أ) تؤذن بقلة اكتراث

стр. 3924

مرتكبها بالدين ورقة الديانة مبطلة للعدالة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها، لا تبطل العدالة. وذهب إلى هذا ابن القشيري في "المرشد"، واختاره الإمام السبكي وغيره، إلا أن هذا ما جعله ضابطًا إلا لما يخل العدالة، وقد شمل صغائر الخسة وليست بكبائر، إلا أنه قد شمل جميع ما عد من الكبائر. وقال الماوردي (١): الكبيرة ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد. وقال ابن عطية: كل ما وجب فيه حد، أو ورد فيه وعيد بالنار، أو جاءت فيه لعنة. وقال الحليمي (٢) فيما نقله عنه القاضي حسين: إنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم، كان فاحشة، فالزنى كبيرة، وبحليلة الجار فاحشة، والصغيرة تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه، أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة، فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة، فما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بما ينضم إليها، والكبيرة فاحشة كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه ليس من نوعه صغيرة. وقال بعضهم: إنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه. يعني بلفظ التحريم. وقال الواحدي (٣): إنه لا حصر لها على وجه تعرفه (أ) العباد، وإنما

стр. 3925

ذلك أخفاه الله سبحانه ليجتهد العباد في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، كما أخفى الصلاة الوسطى وليلة القدر. وقال الحسن، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك: كل ذنب وعد فاعله بالنار. وقال الغزالي (١): كل معصية يُقدم المرء عليها من غير إشعار خوف ووجدان (أ) ندم تهاونًا واستجراءً عليها، فهي كبيرة، وما كان من فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها ويُنغِّص التلذذ بها، فليس بكبيرة. وقال مرة أخرى (٢)؛ لا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر، إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع، ولم يرد. وقال ابن عبد السلام (٣): الكبيرة ما تشعر بتهاون مرتكبها بدينه (ب) إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قال: وإذا أردت الفرق لون الصغيرة والكبيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة، وإلا فكبيرة. ويرد عليه أن الإحاطة بمفاسدها كلها حتى يعلم أقلها مفسدة في غاية الندور بل التعذر والاستحالة، إذ لا يطلع على ذلك إلا الشار ﷺ . وقال الجلال البلقيني (٤) على ما لخصه البارزي في "تفسيره" الذي على "الحاوي": التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد
следующие страницы →