← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

آخر ورقة من كتاب الجنائز

стр. 37

صورة من نسخة هـ

стр. 38

صورة من نسخة هـ.

стр. 39

آخر ورقة من نسخة ب

стр. 40

صورة من نسخة جـ

стр. 41

صورة من النسخة المحفوظة بجامعة الإمام

стр. 42

صورة من النسخة المحفوظة بالرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض

стр. 43

البدر التمام شرح بلوغ المرام للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي (١٠٤٨ هـ - ١١١٩ هـ)

стр. 44

بسم الله الحمن الرحيم وبه نستعين (أ) الحمد لله الذي أوضح المَحَجَّة إلى معالم الاسلام، وأنارَ لعباده طُرُق الحلالِ والحرامِ، وهداهم بسنة نبيه محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- إِلى ما أوصلهم به من بلوغ غاية المرام، وَعرفَهُم به من العلم بكيفية استنباط الأحكام، واصطفى لتحمل شرعه الأغر صفوةً من عترة (١) نبيه الكرام، وصحابته ذَوِي

стр. 45

الإِجلال والاحترام، ومَنْ تبعهم بإحسان، المقتفِينَ الأعلام فذادوا عن موارد سنته (أ) ما كاد يغشاها من ظلم (ب) حشو الكلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً [لأجلها أرسل اللهُ رُسُلَه فأوضح بها معالم الإِسلام، وأنزل كتبه وشرع شريعته فهدى بها طرائقَ الحل والحرام] (جـ)، أنجو بها من هوْلِ اليوم الجامع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمي المختص بالكلم الجوامع والألفاظ النيرة الدوامغ اللوامع، المؤيَّد بالدلائل القواطع، والبراهين السواطع، الذي تشنفت بحديثه المسامع، وتزينت بإملائه المجامع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الساطعة أنوارهم في أشرف المطالع، المقتفين لأثره فلا يحوم حول ذلك قاطع، الذين جعلهم نجومًا يُهْتَدَى بهم في معالم الهدى، ومصابيح يكشف بهم ظُلَم الشك عن من اقتدى، فَهُم وسائل النجاة في المشتبهات، المشار إلى رَفْع قدرهم يقول الله عز مِنْ قائل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١) صلاةً دائمةً متصلة البركات.

стр. 46

وبعد: فإنه لما كان العلم أشرف (أ) ما تحلي في الوجود، وأعز ما أنعم الله به على عباده من الجُود نَوَّه سبحانه بفضل مَنْ تحمله بأن جعلهم شاهدين على وحدانيته مذعنين بجلاله وفردانيته وأفردهم بحصر خشيته عليهم وكفى لهم فخرا بتخصيصهم بحميد ذكره وأورثهم المقام العالي لأنبيائه وأفضل نذره، وكان أفضل (ب) ذلك وأولاه بهذا المقام هو العلم المقتبس من مشكاة النبوة التي لا يطفأ نورها ولا يأفل بدورها وشموسها، وكان ذلك العلم الشريف يحتاج المنتفع به إلى تمييز الصحيح من السقيم وسلوك طريق الاعتبار ليكون العمل به جاريا على السَّنَن المستقيم وهذه طريقة عَزُبَ نَيْلُها، وَبَعُدَ تحصيلها، وتقاعدت الهِمَمُ العوالي عن أنْ تشتري مِنْ سوقِها لانتشار طريقها وتفرد بذلك أفراد من نحارير العلماء، وفرسان الحفاظ اللآثار النبوية النبلاء الفهماء، واختلفت طرائقهم في تدوين ذلك فبين مطول ومقتصر ومخلص ومختصر على اختلاف المقاصد وتباين المطالب واعتبار كل قاصد وطالب، وكان من أعظم المؤلفات في ذلك "التلخيص الحَبير" (١) المعلَّق على شرح الرافعي الكبير للحافظ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حَجَر فهو نَسِيْج وحده، وفريد عصره، ثم أتبع على ذلك المنوال مختصره "بلوغ المرام في أدلة الأحكام" (٢) صغير الحجم عظيم القَدْر، فلقد أجاد فيه وأفاد، ووقف (جـ) الآخذ منه على كمال (د)

стр. 47

المراد من استكماله (أ) أدلة الأحكام في جميع أبواب الفقه وأصول المسائل التي يمكن اللبيب أنْ يَرُدَّ إليها أكثر الفروع في كل باب ويجتنى كل ثمرة تستطاب، ولكنه التزم في الإشارة إلى نقد الحديث الإِجمال دون التوضيح، واكتفى بإطلاق لفظِ صحيح وحَسن وضعيف أو نحو ذلك عن إفادة التصريح من بيان الوجه ولو بطريق التلويح وكان ذلك غير كامل بما يطلب من الإِفادة ولا واف بما قصد من الإِجادة. قصدت إكمال الانتفاع به وبيان أسباب (ب) ما أشار إلى تعليله وتحسينه وتضعيفه وانقطاعه وإرساله على الطريقة المعتبرة عند أهل الحديث والأصول (جـ بوضع شرح يتضمن جميع ذلك جـ)، ولم آلُ جهدًا في استيفاء هذا المطلب ليكون الناظر فيه على بصيرة لا يحتاج معه إِلى غَيره ثم تبيين ما يفهم من الحديث من الأحكام منطوقا ومفهوما ومَنْ ذهب إلى ذلك من أحبار الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين من جميع المذاهب، والسلوك معهم طريق الإنصاف غير محام على مذهب ولا متحامل أحد من الأمة، سلامة عن العدول إلى سيء المذهب، وأضفتُ إلى ذلك بيان حال من روى الحديث وما يتعلق بذلك من المولد والوفاة وتوجيه ما يحتاج إليه إعراب اللفظ المشكل وشرح الغريب، وانجرَّ الكلام إلى فوائد كثيرة لا يعرف قدرها إلا المطلع على شروح كتب الحديث، ومن الله أستمد التوفيق وأن ينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... وأذكر (د) إسنادي لهذا المختصر إلى مؤلفه -أعاد الله من بركته- فأخبرني به شيخي المحدث العلامة الغرة في وجه العلماء الأعلام العلامة عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن تقي الدين التغري الحبيشيّ (١) -نسبة إلى "حبيشة" (٢)

стр. 48

قريب من رداع من بلاد مذحج-[حفظه الله تعالى ووسع في مدته ونفع بعلومه] (أ) مناولة قال: أخبرني به شيخي الفقيه العلامة الورع الزاهد إبراهيم بن عبد الله بن جعمان (١) -رحمه الله تعالى- قراءة مني له بجميعه في مدينة "زَبِيْد" (٢)، قال أخبرني الفقيه العلامة مفتي الأنام محمد بن إبراهيم بن جعمان (٣)، قال: أخبرني به شيخ الإِسلام إبراهيم بن محمد بن جعمان (٤)، قال: أخبرنا به السيد الطاهر بن حسين (ب) الأهدل (٥)، قال: أخبرنا به الشيخ العلامة عبد الرحمن بن علي الديبع (٦)، قال: أخبرنا به شيخنا الحافظ السخاوي (٧) عن مؤلفه شيخ الإِسلام أحمد بن (جـ) حجر العسقلاني ﵀.

стр. 49

قال المصنف ﵀ ورضي عنه-: (الحمد لله)، افتتح هذا المختصر بالحمد بعد التسمية اقتداء بالكلام (أ) المجيد، وابتداء بخير الكلام، وامتثالا لما ندب إليه الشارع ﷺ في حديثي الابتداء بالبسملة والتحميد (١). والحمد في اللغة: هو الوصف بالجميل الاختيارى. وفي الاصطلاح: هو الفعل الدال على تعظيم المنعم من حيث أنه منعم، واصلة كانت النعمة أو غير واصلة، وبين المعنيين عموم وخصوص (ب من وجهه ب) (٢). والمدح في اللغة والاصطلاح: هو الوصف بالجميل اختياريا كان أو غيره، فالنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق (٣) (جـ) بالنسبة إلى (د) الحد الأول (٣)، وعلى (هـ) الثاني من وجه) (و). وقد قيل: إنَّ المَدحَ يخصُّ الاختيارى، فيساوي الحمد.

стр. 50

والشكر في اللغة: بمعنى الحمد الاصطلاحِيّ، وفي الاصطلاح: هو صرف العبد جميع ما أعطي في الجهة التي أُعطِي لأجلها، كصرف النظر في مطالعة المصنوعات للاستدلال على وجود الصانع، ومعرفة آثار صنعته، وتصرفات حكمته، ونحو ذلك في السمع وغيره من الحواس الباطنة والظاهرة (أ)، والتقرب إليه بإفاضة ما أفيض عليه من النعم الدنيوية في جهات مرضاته، فحينئذ الحمد والشكر ليستا (ب) عبارة عن قول القائل: "الحمد لله"، "الشكر لله"، وإنما ذلك (جـ) اللفظان فردان من أفرادهما إذ قد حصل بهما استعمال اللسان في النطق بما خلقت له من الذكر لله تعالى. والحمد مصدر حذف فعله لسده مسده وكان أصله النصب، ولكنه عدل إلى الرفع للدلالة على الدوام والثبات، والمصدر دال على الماهية والحقيقة دون الأفراد، وعَرَّفَ باللام لتعيينها، وأفاد حصر المبتدأ في الخبر أن هذه الماهية مختصة بالكون لله تعالى، فلا يشذ فَردٌ من أفرادها عن ذلك، إذ الماهية موجودة بوجود الفرد. واللام في "لله": للاختصاص، ففي هذا التركيب دلالتان (د) على اختصاص الحمد بالله، إحداهما: تقديم المبتدأ المُعَرَّف، وهو يدل على الاختصاص الثبوتي بمعونة (١) المقام، والثاني: هو لام الجرّ، وهو يدل على الاختصاص الإثباتي (٢)، وبينهما فرقٌ واضح، فإنه لا يلزم من الثاني القَصر بخلاف الأول.

стр. 51

ويَرِدُ على اختصاص الحمد هنا بالله تعالى الحمدُ المتعلقُ بغير الله فإنَّ ذلك شائع لغة وشرعا. ويجابُ عنه بأنه راجع إلى الله تعالى باعتبار أنه المقدر على الصفات التي تَعلَّقَ الحمدُ لأجلها بالمحمود والممكن منها، وهذا صحيح الاعتبار (لا) (١) على مذهب الاعتزال وغيره، أو أنّ المحصور هو الحمد الكامل الذي لا يتطرق إليه نقصان، ولا خفي في أن ذلك لا يكون لغير الله. و"الله" عَلَمٌ (٢) لذات (أ) الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وخصه من بين الأسماء الحسنى للدلالة على أنَّ استحقاقه للحمد لوجهيْن، ذاتيّ وإنعاميّ بخلاف غيره من الأسماء الحسنى، فإنه يوهم أن تعلق الحمد إنما هو لأجل معنى ذلك. (على نِعَمِهِ الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا)، "النِّعَم" جمع نِعْمَة، والمقصود هو الاستغراق إذ الإِضافة في معنى اللام، وجعل الحمد متعلقا بالمنعم به، لأن الحمد على الإِنعام إنما يكون من حيث وقوعه عليها (وكان (ب) تعلقه بها أولى، وإضافة النِّعَم لِيُستفاد منه الاستغراق، فحَصُل الحمد على كل فرد من أفرادها، فلا (جـ) يلزم منه إحصاء النعم، فيكون في الظاهر مخالفا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣) لأنه لا يلزم مِنْ ذكرها لصيغة الاستغراق العَدّ، فتأمل) (د).

стр. 52

و "الظاهرة": المدرَكَة بالحواسّ، و "الباطنة": المعقولة، أو "الظاهرة": ما تعرَف، و "الباطنة": ما لا تُعرَف. و"القديم": ما تقدم زمانُهُ على الزمان الحاضر، و "الحديث" ما حضُر زمانه. ويحتمل أن يريد بالقديم من النعمة: ما تقدم على الأسلَاف فهي نعمة على الأخلاف، كما قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ....﴾ (١) الآية مع أن النعمةَ بالإِنجاء على السلف ولكنها نعمةٌ على الخَلَفِ، إذ الخَلَف هم أثَر تلك النعمة. و"الحديث": ما كان على الحامد في نفسه. (والصلاةُ والسلامُ على نبيه ورسوله محمد)، عَطَفَ الصلاة على الحمد، وذلك لأنه لما كان الكمالات العلمية والعملية وصلت إلى العبد مِن اللهِ تعالى -بواسطةِ صاحبِ الشرعِ فوجب المقابلة لهذه النعمة بالثناء عليه ﷺ ، وكان العَلَم في باب الثناء الذي أمرنا به هو الصلاة والسلام، فأتى بهما جميعًا امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، ولقوله ﷺ : "كلُّ كلام لا يُذْكَرُ اللهُ فيه، ولا يُصَلَّى عليَّ فيه فهو أقطعُ أكتعُ ممحوقٌ من كلِّ بركةٍ" (٣). والصلاةُ مِن اللهِ بمعنى الرحمة كذا في "الصِّحَاح" (٤)، والسلام: الأمان، أي السلامة من النار والأمان منها. وقال القشيرىّ: "الصلاة" مِن الله تعالى لمن دون النبي ﷺ رحمة وللنبي- ﷺ تشريف وزيادة تكرمة، وفي معنى "السلام عليه" ثلاثة وجوه:

стр. 53

أحدها: السلامة لك ومعك، الثاني: السلام على حفظك ورعايتك متول له كفيل به، فيكون اسما لله تعالى (١)، الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة والانقياد. وفي شرح المشارق (٢): إن الصلاة على النبي عبارة عن طلب الوسيلة له التي أمرنا بها، وأما الرحمة والمغفرة فهر تحصيل الحاصل، وطلب الوسيلة وإنْ كان موعودا به، ولكنه يجوز أن يكون ذلك مشروطًا بشروطٍ من جملتها الدعاء، فلذلك حَرَّضَ عليه وخص من بين صفاته المادحة النبيَّ والرسول، لأنهما أفضل الصفات له، وبسببهما فُضِّلَ على سائرِ الخَلْق. و"النبي" مشتق من الإنباء الذي هو الإخبار (٣)، فيكون أصله الهمز، ويجوز التخفيف، وإنما كره النبي ﷺ قول الأعرابي "يا نبيء الله" بالهمز (٤)، لأنه لما كان في ذلك ما يوهم أنه من "نَبَأ" يعني خرج مِنْ أرض إلى أرض، فيكون في ذلك ظَنْزٌ للمنافقين الذين كانوا يحبون إطلاق اللفظ المحتمل مثل "رَاعِنَا" في نحوه فنهاه النبي ﷺ عنه لذلك. ويجوز أن يكون النبي ﷺ مأخوذًا من النبوة بمعنى الرفعة (٥)، وكلا المعنيين قويمان. والنبي في لسان الشرع عبارة عن: إنسانٌ أنزل عليه شريعة من عند الله تعالى بطريق الوحي، فإذا أُمِر بتبليغها إلى الغيْر سُمِّيَ رصولا، كذا في "شواهد النبوة".

стр. 54

وفي "شرح العقائد العضدية" (١) للشيخ جلال الدين الدواني: "النبي إنسانٌ بعثه الله إلى الخَلْق لتبليغ ما أوحاه الله إليه، و "الرسولُ" قد يُسْتَعمل مرادفا له، وقد يختص بمن هو صاحب كتاب فيكون أخص من النبي. وفي "أنوار التنزيل": "الرسول" مَنْ بعثه اللهُ تعالى بشريعة محددة يدعو الناس إليها والنبي يعمه ومَنْ بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بنى إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى، فالنبي على الحدود هذه (أ) أعمّ من الرسول. وعَطْفُ الرسول على النبي من عَطْفِ بعض الصفات على بعض وهو جائز. و "محمد" هو العَلَم له ﷺ عطف بيان من النبي، وهو عَلَم ملحوظ فيه أصله، وهو اتصاف المذكور (ب) بالمحامد الكثيرة، ويجوز ملاحظة المعنى الوصفيّ مع العَلَم كما قال: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد (٢) (وآله وصحبه الذين ساروا في نصرَةِ دينه سيرًا حثيثًا) "الآل": أصله أهل بدليل تصغيره بأهيل، ولا يستعمل إلا فيما شَرُفَ غالبًا. وفي معنى "الآل" أقوال: جميع الأمة، أو بنو هاشم وبنو (جـ) المطلب، أو أهل بيته وذريته، رجح النووي في "شرح مسلم" (٣) الأول لقوله ﷺ لما سئل عنه فقال:

стр. 55

"آلي كُلُّ تقي" (١)، وفي رواية الطبراني: "آل محمد كل تقيّ"، [وروي هذا من حديث عليّ، ومن حديث أنس، وفي أسانيدها ضعف. قال الحليميّ: المراد كل تقيّ من قرابته (٢). قال البيهقي: ومن الأدلة على أنَّ الآل هم القرابة حديث الأضْحِية: "اللهمَّ تقبل مِن محمد، وآلِ محمد، ومن أمةِ محمد" أخرجه مسلم (٣)، وكذلك (أ) ما سيأتي (ب).

стр. 56

في الزكاة: "لا يحلُّ لآلِ محمد منها شيءٌ" (أ)] (١) وفي معنى أنهم جميع الأمة قول أبي طالب (٢): وانصر على آلِ الصليبِ ... وعابِدِيه اليوم آلك فـ "آل الصَّلِيب" المراد به: أتباع الصليب، وهذا هو اختيار الأزهريّ (٣) وغيره مِن المحققين، ورجح الأكثرون الثاني. وذهب جماعةٌ مِن أئمة أهل البيت إلى أن المراد بهم ذرية النبي ﷺ (٤). و"الصَّحب" اسمُ جمع لصاحب، وقد اختُلف (ب) في تحقيق معنى الصحابي فقيل: مَنْ طالت مجالسته للنبي ﷺ مُتَّبعا لشرعه، والاتباع على أحد وجهيْن: إما في حياته -وهو رأي أكثر أهل هذا القول- أو في حياته وبعد وفاته، وهو رأي أقلهم، لأنَّ هذا الاسم يفيد التعظيم ولا يستحقه مَنْ بَدل بعده. والظاهر هو الأول، ويدل على هذا القول ما أخرجه ابنُ الصلاح عن موسى السبلانيّ قال: أتيتُ أنس بن مالك فقلتُ: هل بقَي مِن أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرُك؟ قال: "بقيَ ناسٌ من الأعراب قد رأوه، أما مَن صَحِبه فلا" (٥).

стр. 57

وقيل: مَنْ طالت مجالسته متبعا له مع الرواية، ذهب إلى هذا القاضي عبدُ الله بن زيد. وذهب ابنُ المسيب إلى أنه مَنْ أقام معه سنة، أو غزا غزوة أو غزوتَيْن (١). وقال بعضُ أهل الحديث وبعض الفقهاء: هو مَنْ رأى النبي ﷺ مع إسلامه (٢)، وهذا القولُ يتأيد بقوله: ﷺ : "طُوبى لمن راني، أو رأى من رآني" (٣)، فلا يبعد أن يكون رؤية النبي ﷺ محصلة من الفوائد وجميل العوائد الكثير الطيب الذي يستحق صاحبها الشرف الكبير والفضل العميم. [واختار المصنفُ -رحمه اللهُ تعالى- لفظ: "مَنْ لقى" دون "من رآني"، لعموم اللقاء للأعمى. قال: "وكان مؤمنًا ومات على الإِسلام، ولو تخلّلت ردّة" لإِطباق المحدثين على عَدِّ الأشعث بن قيس (٤) ونحوه ممن وقع منه ذلك، وأما مَنْ لقيه غير مؤمن

стр. 58

وأسلم بعد موته فخارج عن العدِّ أخذًا من مفهوم: "وكان مؤمنا" (١)، وعلى الأرجح دخول الجن للقطع بِبَعثِهِ إليهم، وهم مكلفون، فمن عُرف اسمُه منهم لم يُتَرَدد في عده من الصحابة، ولم يرتضه ابنُ الأثير (٢) بِلا استناد منه إلى حُجة. وأما الملانكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، وفيه خلاف، وقد نقل بعضُهم الإجماع على ثبوته (٣)، وعكس (أ) بعضُهم. وأما من رآه بعد موته قبل دفنه فالراجح أنه غير صحابي، وكذلك من كُشِف له (٤) عنه من الأولياء ورآه يقظةً كرامة لانقطاع أحكام الحياة وإنْ كان ﷺ حيًّا في قبره (٥)، وكذا مَنْ رآه مناما] (ب). والسير مجازٌ عن الجد في أعلى معالم الدين، وإضافة النصرة إلى الدِّين مَجَاز، والحقيقة إضافتها إلى صاحب الدين، والظاهر أنَّ (لفظ) (جـ) الصُّحبة تسمية تدل على النصرة، وأما الجمع بينهما فلا يظهر له توجيه إِلا بتكلف. و"سَيْرًا" منتصب على أنه مفعول مطلق ذُكِر لبيان النوع بالصفة له "بحثيث".

стр. 59

(وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم، والعلماء ورثة الأنبياء وأكْرِم بهم وارثا وموروثا) الأتباع: جمع تابع، وفاعل تُجمع على أفعال كما صرّح بذلك الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (١) قال: "جمع بَرّ أو بَارّ" (٢)، وكذا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣)، والجوهري (٤) أنكر أن يُجمع فاعل على أفعال، وقال: "إن الأصحاب جع صِحب بالكسر تخفيف صاحب، كنِمر وأنمار"، ولكنه لا يكون حُجة على الزمخشري، فإن الزمخشري صرَّح بأن "الصِّحاح" مشحونٌ بالخطأ. ووراثة الأتباع لعلم الآل والأصحاب لأنهم الذين نقلوه عنهم وتلقوه حتى صار كأنه ميراث. وقوله: "والعلماء ورثة الأنبياء"، اقتباسٌ من الحديث وهو قوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" (٥) رواه أبو الدرداء، أخرجه عنه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان، وضعفه الدارقطني في "العلل"، وهو مضطرب الإِسناد قاله المنذري (٦)، وقد ذكره البخاري في صحيحه بغير إسناد (٧). و"أكرِم" فعل تعجب، و "بهم" إما فاعل والباء زائدة عند سيبويه أو مفعول به عند الأخفش (٨)، وفي "أكْرِم" ضمير الفاعل، "ووارثا" (أ) "وموروثا" من باب اللف والنشر، "وارثا" عائد إلى العلماء و "الموروث" إلى الأنبياء.

стр. 60

(أما بَعْدُ)، "أما مِن أدوات الشرط بمعنى مهما،، و "بَعد" ظرف زمان مقطوع عن الإِضافة مبني على الضم، نائب مناب شرط "أما"، وهو جزء من الجزاء قُدِّمَ لما حذف الشرط كراهة أن يلي الفاء الداخلة على الجزاء إمَّا بعد حذف شرطها والعامل فيها ما بعد الفاء أو (أ) الشرط المقدر، أو إما لنيابتها عن الفِعل أقوال (١). (فهذا مُختصَرٌ)، "هذا" إشارة إلى الألفاظ المرتبة في الذهن أو المعاني كذلك، والمشار (ب) إليه ذهني على كل من التقديرَين مطلقا سواء كان وضع هذه الديباجة قبل التأليف أو بعده إذ لا وجود للألفاظ ولا للمعاني في الخارج. (يَشْتَملُ عَلَى أصُولِ الأدِلَّةِ الحَدِيثيَّةِ لِلأحكَام الشَّرعِيَّةِ)، الاشتمال: الاحتواء والتضَمُّن والانطواء بمعنى واحد، والأصول: جمع أصل، وهو ما ينبني عليه غيره، وإضافة الأصول إلى الأدلة بيانية لأن الأصول هي الأدلة، و"الحديثيَّة" منسوبة إلى الحديث لأن الأصول عامًّ فالصفة للتخصيص، و "للأحكام" متعلق بالأدلة، "والشرعية" منسوبة إلى الشَّرع، ووصف الأحكام بها لتتميز عن العقلية. (حَرّرته تحريرًا بالغا)، التحرير: تهذيب الكلام وتنقيحه. (ليصيرَ مَنْ يحفظه مِن بين أقرانِهِ نابِغًا) الأقران: جمع قرن وهو نظير الشخص (٢)، والنابغ: الخارج عن نظرائه لزيادته عليهم. (ويستعين به الطالبُ المبتديء، ولا يستغني عنه الراغبُ المنتهي، وقد بينتُ عقيب كل حديث مَنْ خرَّجه من الأئمة -لإرادة نصحِ الأمة- فالمراد

стр. 61

بالسَّبعة: أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائي والتَّرمذِيّ وابن مَاجَه، وبالستة: من عدا أحمد، وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلما. وقد أقول: "الأربعة وأحمد"، وبالأربعة: من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة: من عداهم والأخير، وبالمتفق: البخاري ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مبيَّن. وسميته "بلوغُ المَرام من أدلة الأحكام". والله أسأل أنْ لا يجعل ما عَلَّمنَاهُ علينا وَبَالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه . ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- اصطلاحه في ذِكر أئمة الحديث، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح، فلكلٍّ (أ) أن يبتدئ له اصطلاحا فيما أراد وضعه مما يقرب معه الكلام ويتيسر له فيه النظام. ويحسُنُ ذكر تراجم الأئمة المذكورين، وإن كانت أحوالهم مشهورة، وقد أُودِعَتْ تراجمهم الكتب المطولة والمختصرة. فأحمد هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (١)، الإِمام، البارع، المُجْمَع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته ووفور علمه وسيادته، رحل إلى الحجاز والشام واليمن وغيرها، وعمن سفيان بن عُيَيْنَة وأقرانه، وروى عنه جماعةٌ من شيوخه وخلائق آخرون لا يُخصَون، منهم البخاري ومسلم (٢)، وكثر ثناء الأئمة عليه: قال أبو زُرعَة (٣): كان كتبه اثني عشر حِمْلا وكان

стр. 62

يحفظها على ظهر قلبه، وكان يحفظ ألف ألف حديث، فقيل لأبي زرعة: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب (١). وقال إبراهيم الحَرْبِيّ (٢): كأنّ الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويترك ما شاء (٣). قال الشافعي: خرجتُ من بغداد (أ)، وما خلفتُ بها أتقى ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه. وامتُحن المحنة المشهورة على يَدَي القاضي أحمد بن أبي (٤) دُؤاد في أيام المأمون، كتب المأمون إلى نائبه ببغداد -وهو إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ب) (٥) - في سنة ثمان عشرة ومائتين، وحمل أحمد إلى "طُوْس" ومحمد بن نوح، ومات المأمون وأحمد محبوس، ومات محمد بن نوح، ودفنه أحمد، ثم بويع المعتصم، وأُحضر أحمد إلى بغداد مقيدا، وحُبس في حبس العامة نحوا من ثلاثين شهرا، والناس يقرأون عليه، وبلغت القيود أربعة عشر قيدا، وكان له تكة يرفع بها القيود إذا مشى، ودُعِيَ في بعض الأيام إلى حضرة المعتصم، وألانَ المعتصمُ معه القول، فأغلظ أحمد القول، فأمر بضربه وحبسه، فضرب

стр. 63

بالسياط حتى ذهب عقله، ثم أفاق وقد زالت القيود عنه، وكان مدة امتحانه وحبسه ثمانية وعشرين شهرا (١)، ومن كراماته الباهرة أن تكة لباسه انقطعت فتحرك لباسه إلى النزول إلى عانته، فحرك شفتَيْه (أ) فارتفع وثبت، ولم يظهر شيءٌ من عورته. وروى أنه دعا وقال: "اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأ العرش، إنْ كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترا". وأصاب بعضَ من ضربه البَرَصُ. وروي أن جملة ضاربيه مائة وخمسون رجلا، وفضائله كثيرة، وأنواره مشهورة. ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين -على الأصح المشهور- في خلافة المتوكل بمدينة السلام، ودُفِن بباب حرب في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلقٌ كثير لم يُرَ مثل ذلك اليوم ولا في جنازة أحد ممن سلف. واختلفوا في عدد المصلين، ومِنْ جملة ما قيل: إنّ الأرض التي وقعت الصلاة فيها مُسِحَتْ فوسعت ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والسفن (٢)، وقيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف. قال أبو زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أنْ تُمسَح الأرض التي وقف عليها الناس، للصلاة على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف (٣).

стр. 64

وعن بعض جيران أحمد أنه أسلم يوم موته من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفا، وقد استبعد الذهبي (١) هذه الحكاية من حيث تفرد الراوي والقضية من حقها أن تشتهر، والله أعلم. وكان قبره ظاهرا ببغداد (أ) يتبرك به فطمسته الروافض (٢) لما استولوا عليها، ثم أعاد ذلك السلطان سليمان، وروي أنه كشف القبر فرئي وهو (ب) على كيفيته حتى كفنه لم يتغير، وهو الآن مزور رحمة الله تعالى عليه (جـ). وله ﵀ المسند الكبير أعظم المسانيد وأحسنها وضعا وانتقاءً (د)، فإنه لم يدُخِل فيه إلا ما يحتج به مع كونه انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وقال: "ما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجِعوا فيه إلى المسند، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة". وبالغ بعضُهم فأطلق الصِّحَّة على كل ما فيه، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيرا منها في "موضوعاته"، وتعقبه بعضهم في بعْضِها وفي سائرها شيخ الإسلام ابن حجر (٣) وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربع، وليست الأحاديث

стр. 65

الزائدة على الصحيحَيْن بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي، وبالجملة فمن (أ) أزاد الاحتجاج بحديث من غير الصِّحَاح لا سيما سنن ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، فإن كان أهلًا للنقد والتصحيح وجب عليه ذلك، كان لم يكن كذلك فإن كان قد صحيح أو حسن أمن هو أهل له فله أن يقلده، وإلا فلا يحل له أن يقدم على الاحتجاج به، إذ لم يأمن أن يحتج بما لا يحل الاحتجاج به، وبهذا السبب أحال جماعة من المتأخرين الاجتهاد المطلق لتعسر التصحيح، والتقليد في التصحيح يخرجه عن المقصد وهو الاجتهاد ولم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح بعض المذاهب على بعض بالنظر إلى قوة الدلالة أو إلى كثرة من صحيح أو جلالته، والواجب الرجوع إلى الظن القوي بحسب الإِمكان. البخاري (١) هو الإِمام المجتهد أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن (ب) الأحنف بن بَرْدِزْبَه-[بموحدة مفتوحة فراء مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فزاي معجمة ساكنة (جـ) فموحدة مفتوحة] (د) الجُعفِيّ مولاهم، الحافظ الكبير، حبر الاسلام. كان جده المغيرة مجوسيًّا فأسلم على يد اليَمَان الجُعْفي، وهذا هو سبب الولاء على قول مَنْ يُثبت ولاء الموالاة بالإِسلام. و"الجُعفي" نِسْبة إلى جُعف بن سعد العُشَيرة إلى قبيلة من اليمن من مَذْحج، ووَهِم مَنْ قال إنه اسم بلد ولعله توهم ذلك من قول ياقوت (٢) في "معجمه": "إنه مخلاف باليمن نسبة لقبيلة من مَذْحِج بينه وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخا" انتهى.

стр. 66

وأما جده المغيرة فقال المصنف (١) -رحمه الله تعالى:- لم أقف على شيء من أخباره. وأما أبوه إسماعيل فكان من العلماء العاملين، وَرَوى عن حماد بن زيد، ومالك، وصَحب ابنَ المبارك، وروى عنه العراقيون (٢)، قال: لا أعلم في جميع مالي درهما من شُبهة (٣)، توفي وولده صغير، فنشأ في حجر والدته، ثم عمي، فرأتْ إبراهيمَ الخليل -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- قائلًا لها: "قد رَدَّ اللهُ على ابنك بصره بكثرة دعائك له" فأصبح وقد رد الله عليه بصره (٤)، وله نحو عشر سنين بعد خروجه من المكتب. ورَدَّ على بعض مشايخه غلطًا وهو في أحد عشرة سنة فأصلح كتابه مِنْ حِفْظ البخاري (٥). وبلغ ست عشرة سنة وقد حفظ كثيرا من كتب الحديث فصنف "التاريخ الكبير" وغيره وهو في ثمان عشرة سنة عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة، وكتبوا عنه الحديث، ثم رحل، واتسع في الرحلة فاجتمع بأكثر مشايخ الحديث بعد أن سمع الكثير ببلده "بُخَارَى" أعظم مدن ما وراء النهر، وسمع من أصحاب الشافعي كالزعفرانيّ وأبي ثور، ولم يرو في "صحيحه" عن الشافعي (أ)، وذكره في موضعَيْن في "صحيحه" (٦).

стр. 67

وألَّف الصحيح بعد أن رأى أنه واقف بين يَدَي النبي ﷺ وبيده مروحة يذب عنه، فعَبَّر له مُعَبِّر بأنه يذب الكذب، قال: وما وضع فيه حديثًا إلا بعد الغُسْل وصلاة ركعتَيْن استخارة، وأخرجه من زهاء ستمائة ألف حديث، وألفه بمكة، قال: "وما أدخلتُ فيه إلا صحيحا، وأحفظُ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح" أي (أ): باعتبار طرقها الكثيرة مع عده المكرر والموقوف وآثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يطلقون عليه حديثًا، وهذا التأويل متعين، إذ مجموع الموجود بأيدي الناس اليوم لا يساوى ثلث هذا العدد. وكان أئمة الحديث يصححون كتبهم من حفظه وهو شاب، وسأله أهلُ "بَلْخ" الإملاء عليهم، فأملى (ب) ألف حديث عن ألف شيخ (١)، والامتحان له في "سمرقند" بخلط الأسانيد بعضها في بعض، وكذا في "بغداد" (جـ) بمائة حديث قلبوا متونها وأسانيدها مشهور (٢). وامتُحن أيضًا عند مَقْدِمِهِ من "نيسابور" إلى "بُخَارى"، وذلك أنه لما علم أهلُ "بخارى" بمقدمه قال لهم رئيسهم محمد بن يحيى الذهليّ: "إني مستقبله فمن أراد فليستقبله" فاستقبله هو وعامة علمائها، وقد كان قال لهم: "لا تسألوه عن شيء من الكلام فلعله يجيب بما نخالفه فيه فتقع الفتنة بيننا وبينه، فيشمت بنا كُلُّ مبتدع"، فلم يكن بأسرع من أنْ سُئِلَ عن اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق؟ فقال: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا"، وهذا كلامه -رحمه الله تعالى- متفقٌ عليه بين الأشعرية والمعتزلة، وإنما الخلاف فيه للكرَّامِية وبعض

стр. 68

الحنابلة القائلين بقِدَم الألفاظ والعبارات، فقال الذهلي: "القرآن كلامُ الله غير مخلوق، ومَنْ زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نُكلم أحدا بعد هذا ممن يذهب إلى محمد بن إسماعيل"، فانقطع الناس عنه إلا مسلما، ورَدَّ إلى الذهلي ما كان كَتَبَه عنه لأنه ظهر له أنَّ الحق مع البخاري وأن الذهلي حاسدٌ متعصب. ثم قال الذهلي: "لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد"، فخرج خائفا على نفسه منها (١). وتوفي -رحمه الله تعالى- بخَرنتك -بخاء معجمة مفتوحة على الأشهر أو مكسورة، بعدها راء ساكنة مهملة (٢)، بعدها نون ساكنة- وهي على فرسخين من "سمرقند"، وقيل ثلاثة أيام، وسبب قدومه إليها أن أهل سمرقند طلبوا وصوله إلى بلدهم، فوصل إلى هذه البلدة فبلغه وقوع فتنة فيما بينهم وأنَّ بعضهم يريد وصوله وبعضُهم كره ذلك، فبقي في هذا المحل حتى يتجلى له الأمر وكان له أقرباء فيه، فأقام أياما، فمرض ثم وصل إليه رسول أهل سمرقند يطلبون وصوله، فتهيأ للركوب، ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قَدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني قد ضَعُفْت، فأرسلوه، فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضي، فسال منه عَرَقٌ كثير لا يُوصَفُ وما سكن منه العرق حتى أُدرج في أكفانه. وقيل: ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل فقال: "اللهم قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت فاقبضني إليك"، فمات في ذلك الشهر وقت العشاء ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما، لأنهُ ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة.

стр. 69

وفاح من قبره عقيب دفنه رائحة عظيمة جدا (أ) كالمِسك أو أقوى، ودامت أياما، وانثال الناسُ على قبره يأخذون من ترابه لشدة رائحته التي لا يجدون مثلها عندهم، وتسمى البلد بخرنتك -وكان اسمه غير ذلك- لضيقه بالزائرين، لأن معنى "خرنتك" بالفارسية: الضيق. ولم يعقب البخاري أحدًا من الأولاد، وقد رزقه الله ما هو أعظم وأجلّ من تخليف الولد الصالح من شهرة "صحيحه" وانتفاع الأمة به في جميع أقطار الإسلام. مسلم (١): هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم بن كوشاذ، القُشَيْرِيّ من بني (٢) قُشَيْر قبيلة من العرب معروفة، أحد أئمة أعلام هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار، المُجْمَع على تقدمه فيه على أهل عصره كما شَهِد له بذلك إماما وقهما حِفْظًا وورعا وحديثا أبو زُرعة وأبو حاتم. سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد، وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحُفاظه، ومنهم مساويه درجة كأبي حاتم الرازي والترمذي وابن خزيمة، وله المؤلفات الجليلة الكبيرة لا سيما "صحيحه" الذي امتن الله به على المسلمين وأبقى له به الثناء الحَسَن الجميل إلى يوم الدين، فإنَّ مَنْ اطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحُسْن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وأنواع الورع التام والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها متفرقة وكثرة اطلاعه، عَلِمَ أنه إمام لا يُلْحَق، وفارس لا يُسْبَق.

стр. 70

قال: صنفت "المُسْنَد الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، ولما قدِم البخاري نيسابور آخِر مرة لازمه مسلم وأكثر التردد إليه، ومن ثَمَّ حذا حَذوه في "صحيحه" (١)، وكان هذا مراد الدارقطني بقوله: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء". ولد سنة أربع ومائتين، وتوفي ﵀ عشِية يوم الأحد لأربع بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ودُفن يوم الاثنين بنيسابور وقبره بها مشهور، يُزار يُتبرك به. ويُذكر في سبب موته: أنه عُقد له المجلس للإملاء فذُكر له حديث فلم (أ) يَعرِفه فانصرف إلى منزله، فَقُدِّمَت له سلة تمر فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فنيَ التمُر ووَجد الحديث، وكان ذلك سبب موته (٢)، ولذا قال ابن الصلاح (ب): "كانت وفاته بسبب غريب نشأ من غمرة فكرية علمية". أبو داود (٣): هو سليمان بن الأشعث بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، السجستاني -بفتح [السين] (جـ) وبكسر الجيم (د) - و "سِجِسْتَان" (٤) اسم للولاية التي قصبتها زَرَنْج التي أبو داود منها وهي قُرب "كِرمان" إلى ناحية الهند.

стр. 71

وهو أحد أئمة المسلمين والحفاظ والجهابذة المكْثِرين الذين يُعتمد عليهم، ويُرجع إليهم (أ). قال بعضهم: هو تالي الشيخَيْن في علمهما وفضلهما، سكن البصرة، وروى سننه ببغداد فأخذها أهلُها عنه، وعَرَضه على أحمد فاستجاده واستحسنه (١). وقال الخلال: لم يسبقه أحدٌ في زمنه إلى معرفته بتخرج العلم (٢) وقيل في حقة: أُلِيْنَ له الحديث كما أُلِيْنَ الحديدُ لداود ﵇ (٣) -، سَمِع من أحمد والقعنَبِيّ وسليمان بن حرب وقُتَيْبَة وغيرهم (٤). وروى عنه خلائق كالترمِذِيّ والنَّسَائي (٥). قال: كتبتُ عن النبي ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته كتاب "السنن"، وأحاديثه أربعة آلاف حديث وثمان مائة (ب) ليس فيها حديث أجمع الناس على تَركِهِ (٦). قال القاضي: كتابُ الله أصلُ الإسلام، وكتاب أبي داود (٧). قال الخطابي: هو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين (٨).

стр. 72

وقال ابن الأعرابيّ (١): مَنْ عنده كتاب الله وسُنَن أبي داود لم يَحتَج إلى شيءٍ معهما مِن العلم". ومِن ثَمَّ صرح حُجة الإسلام الغزالي (٢) باكتفاء المجتهد به في أحاديث الأحكام، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك، وبمثله صرح الإِمام المهدي -رحمه الله تعالى- في "الغيث" (٣). وقال النووي: "ينبغي للمشتغل بالفقه وبغيره الاعتناء به وبمعرفته المعرفة التامة، فإنّ معظم أحاديث الأحكام التي يُحْتَجُّ بها فيه مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه". انتهى. وبلغ من شدة الوَرَعِ أنه كان له كُمُّ واسع وكم ضيق، فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب، والضيق لا أحتاج إليه. وُلْد سنة اثنتين ومائتين (أوتوفي (ب) سنة خمس وسبعين ومائتين أ). وذكر جماعة أنه شافعي، وكان سبب ذلك أخذه عن أصحاب الشافعي، والظاهر أنه حنبلي (٤). والله أعلم. الترمذي (٥): هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَورة بن موسى بن

стр. 73

الضحاك، السلميّ، الترمذي -بتثليث الفوقية، وكسر الميم أو ضمها كلها، مع إعجام الذال نسبة إلى مدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ. وهو الإمام الحجة الثقة الحافظ المتقن، أخذ عن البخاري وغيره، وروى عن شيوخ البخاري، وتخرج بالبخاريّ، في روى عنه في "جامعه" حديثًا واحدًا، وهو: "يا علي لا يحل لأحد يجنب (أ) في هذا المسجد غيري وغيرك" (١). وحسنه واستغربه. قال -رحمه الله تعالى-: "عرضتُ كتابي هذا -أي كتاب السنن المسمى بالجامع- على علماء الحجاز والعراق وخُرَاسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم" (٢). مات الترمذي بترمذ أواخر رجب سنة سبع وستين ومائتين (٣). النسائي (٤): هو أحمد بن شعيب بن علي بن سِنَان بن بَحر بن دينار، الخراساني، أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، بل أحد أئمة الدنيا في الحديث، سمع كثير من مشايخ الشيخين البخاري ومسلم، ومن أبي داود وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم مختلفة، واتسع أَخْذُهُ ورحلته (ب) حتى قال الذهبي والتاج السبكي: إنه كان أحفظ من مسلم صاحب "الصحيح" (٥)، وسننه أقل السنن بعد الصحيح حديثًا

стр. 74

ضعيفا ولذا قال ابن رُشَيْد (١): إنه أَبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا، وهو جامعٌ بين طريقتي (أ) البخاري ومسلم، مع حفظِ كثيرٍ من بيان العلل حتى ذهب جماعة من الحفاظ إلى أن كل ما فيه صحيح. قلتُ: ولعل هذا في "المُجْتَبَى من السنن الكبرى"، كما يُفْهِمُهُ اقتراح أصحابه عليه أن يختار لهم الصحيح منها، والله أعلم. مات -رحمه الله تعالى- بالرملة، ودُفن ببيت المقدس، وقيل: أوصى أن يحمَلَ إلى مكة فحُمِل إليها، ودُفن بين الصفا والمروة عن ثمانية وثمانين سنة كما قاله (ب) الذهبي وغيره (٢)، وكأنه بناه على قول النسائي عن نفسه: "يشبه أن يكونَ مولدى سنة خمس عشرة ومائتين"، كان موته (يوم الإِثنين لثلاث عشرة خلت) (جـ) من شهر ضفر سنة ثلاث وثلاثمائة. وحُكي في سبب موته أنه لما قدم إلى دمشق سُئل عن معاوية فَفَضَّلَ عليًّا ﵁ عليه (د) فذَكَرَ له مَنْ يريد تفضيل معاوية على عليّ شيئًا من فضائل معاوية، قال لهم منكِرًا عليهم: "ألا يرضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتى يفضل"! وقوله: "رأسا برأس" من باب التنزل مع الخَصم، وإلا فإجماع (٥) أهل السنة أنَّ عليا هو الأفضل.

стр. 75

فأخرجوه من المسجد وداسوه بالأرجل حتى أشرف على الموت، فحُمل إلى "الرملة" ومات بها (١). و "نَسَا" بفتح النون والسين المهملة مِن كُوَر "نيسابور"، وقيل: مِنْ أرض فارس (٢)، والنسبة (أ) إليها نسائي بهمزة الألف، ويقال: نسوي، وهو القياس، (وفي القاموس: نَسَا: مقصور -بلد بفارس وقرية بسَرَخس وبكرمان وبهمذان) (٣) (ب). ابن ماجه (٤): هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه، القزويني، مولى ربيعة بن عبد الله، الإِمام، الحافظ، أحد الأعلام، صاحب "السنن" التي يكفيها شَرَفًا أنها جُعِلت من الكتب الستة والسُّنَنَ الأربع بعد الصحيحَيْن بعد أن كان المكمِّل لذلك هو موطأ الإِمام (جـ) مالك، مع كونها شارحة عما حرص عليها أصحاب (د) الكتب الخمسة من المقاصد التي يعتبرها المحدث، وفيها أحاديث ضعيفة كثيرة بل فيها أحاديث منكرة، ونُقِل عن الحافظ المِزِّيّ أنَّ الغالب فيما انفرد به الضَّغف (٥)، ولذا جرى كثيرٌ من القدماء على إضافة "الموطأ" إلى الخمسة، قال الحفاظ (هـ):
следующие страницы →