← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

الخلائق إلا الثقلين؛ الإنس والجن، ولولا تمرُّغ (أ) في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" (ب). قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، وما ذنبهما؟ قال: "أما فلان، فكان (جـ) لا يستبرئ من البول، وأما فلان -أو قال: فلانة- فإنه كان يأكل لحوم الناس". ورواه من طريق ابن جرير أحمد (١) لكن بلفظ: "بالنميمة". وزاد فيه قال: يا رسول الله، حتى متى هما يعذبان؟ قال: "غيب لا يعلمه إلا الله تعالى". وقد يؤخذ من إيراد هذا الحديث في الغيبة، أن الغيبة نوع من النميمة، إذا قيل باتحاد القصة؛ وذلك لأن النميمة هي إسماع المقول فيه ما قاله القائل، ولو سمعه القائل لكره أن ينقل عنه ذلك، فقد صدق: "ذكرك أخاك بما يكره". قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: إن الغيبة قد توجد في بعض صور النميمة؛ وهو أن يذكره في غيبته ممَّا يسوءه قاصدًا بذلك الإفساد بينه وبين السامع، فيحتمل أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كانت كذلك، ويحتمل أن تكون القصة متعددة، وأن عذاب القبر تكون من أسبابه الغيبة والنميمة، فبزيادة قيد الإفساد تكون الغيبة أعم مطلقًا، إذ لا يشترط فيها قصد الإفساد، وإذا قلنا: إن الغيبة لا تكون إلا في الغيب يكون

стр. 4272

بينهما عموم وخصوص من وجه. واعلم أنها قد تجب الغيبة أو تباح لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها، وذلك لستة أسباب: الأول، التظلم، فيجوز لمن ظُلِمَ أن يشكو ظلامته على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها. الثاني، الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته، فيقول له: فلان فعل كذا. في حق من لم يكن مجاهرًا بالمعصية. الثالث، الاستفتاء بأن يقول لمفت: فلان ظلمني بكذا، فما طريقي إلى الخلاص؟ الرابع، التحذير للمسلمين من الاغترار بالمذكور؛ كجرح الرواة، والشهود، والمتصدرين لإفتاءٍ أو إقراءٍ مع عدم الأهلية (أ). الخامس، ذكر من يجاهر بفسقه أو بدعته؛ كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، فيجوز ذكرهم بما يجاهروا به دون غيره، وقد تقدم. السادس، التعريف بالشخص بما فيه من العيب؛ كالأعور والأعرج والأعمش وغير ذلك، ولا يراد به نقصه وغيبته. وهذه الأسباب الستة مجمع عليها، وقد نظمها ابن أبي شريف، فقال: الذم ليس بغيبة في ستة ... مُتَظَلِّم ومُعرِّف ومحذرِ ولمُظهر فسقًا ومستفت ومَن ... طلَب الإعانة في إزالة منكرِ ودلت عليها الأحاديث، كالذي استأذن عليه ﷺ ، فقال: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة". متفق عليه (١). وروى البخاري (٢) حديث: "ما أظن

стр. 4273

فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا". قال الليث: كانا منافقين، هما مخرمة بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وعُيَيْنة بن حصن الفزاري. وقوله: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه" (١). وقصة زيد بن أرقم يرفعه ما قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة (٢). وشكاية هند من أبي سفيان بأنه رجل شحيح (٣). لطيفة: ذكر بعضهم مناسبة كون النميمة والبول سببين في عذاب القبر؛ وذلك أن البرزخ مقدمة للآخرة، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله تعالى الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء. ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث، ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة، بنشر الفتن التي تسفك الدماء بسببها. ١٢٥٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقِر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". أخرجه مسلم (٤).

стр. 4274

الحديث أخرجه مسلم من طرق (أ) بزيادة ونقصان، وهذه الطريق هي أتم الطرق، إلا أن في بعض رواياته: "ولا تنافسوا" (١). عوض: "ولا تناجشوا". وكذا في جميع الروايات عن مالك بلفظ: "ولا تنافسوا". بالفاء والسين المهملة. وكذا أخرجه الدارقطني (٢) في "الموطآت"، وكذا ذكره ابن عبد البر (٣) من رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن مالك. وفي جميع نسخ "البخاري" (٤) بلفظ: "ولا تناجشوا". والحاصل أنه وقع الاختلاف في هذه اللفظة من الرواة عن أبي هريرة، وكذلك وقع الاختلاف من الرواة عن مالك، ولعل اللفظين واقعان، إلا أن الراوي قد يختصر الرواية، وقد يذكر أحد اللفظين ويترك الآخر. فقوله: "لا تحاسدوا". المحاسدة لا تكون إلا بين اثنين فصاعدًا، ويكون النهي عن وقوع الحسد من جانبين، وكذلك الحسد من جانب واحد بالأولى؛ لأنه إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة المتضمنة جزاء سيئة سيئة مثلها، فمع الانفراد بطريق الأولى. وقد مر الكلام على الحسد قريبًا (٥). وققوله: "ولا تناجشوا". بالجيم والشين المعجمة، من النجش، وقد مر

стр. 4275

الكلام عليه في البيع (١). وأما رواية: "ولا تنافسوا". من المنافسة، والتنافس الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به (أ)، تقول: نافست في الشيء منافسة ونفاسًا. إذا رغبتَ فيه. والمعنى النهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها. وقوله: "ولا تباغضوا". أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يكتسب (ب) ابتداءً. وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلة المفضية للتباغض. والأَوْلَى أنه لأعم من هذا، فقد يكون للهوى، وقد يكون لظن السوء، وقد يكون للحسد وغير ذلك. والتباغض: تفاعل، وفيه ما في قوله: "لا تحاسدوا". والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فأما ما كان لله تعالى فهو واجب يثاب فاعله عليه؛ لأن في ذلك حقيقة الإيمان، أن تبغض في الله وأن تحب في الله. وقوله: "ولا تدابروا". قال الخطابي (٢): أي: لا تهاجروا، فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن عبد البر (٣): قيل للإعراض: مدابَرة. لأن من أبغض أعرض، (جـ ومن أعرض جـ) ولى دبره، والمحب بالعكس. وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم على

стр. 4276

الآخر. وقيل للمستأثر: مستدبر. لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر. وقال [المازري] (أ) (١): معنى التدابر المعاداة؛ تقول: دابرته. أي: عاديتُه. وحكى القاضي عياض (٢) أن معناه: لا تخاذلوا -بالخاء (جـ) المعجمة والذال المعجمة- ولكن تعاونوا. والأول أولى. وقد فسره مالك في "الموطأ" (٣) بأخص منه، فقال إذ ساق الحديث عن الزهري: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، يدبر عنه بوجهه. وكأنه أخذه من بقية الحديث: "يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٤). فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض, ويؤيده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزي (٥) في "زيادات البر والصلة" لابن المبارك بسند صحيح، عن أنس، قال: التدابر التصارم. وقوله: "ولا بيع بعضكم". تقدم الكلام عليه في البيع (٦). وقوله: "وكونوا عباد الله إخوانًا". "عبادَ اللهِ" منصوب على أنه منادًى محذوف حرف النداء، أو على الاختصاص، بتقدير: أخص أو

стр. 4277

أعني. والمعنى: أنكم إذا تركتم هذه الخصال المتقدمة المنهي عنها صرتم إخوانًا، وإذا اتصفتم بهاكنتم أعداءً. والمراد بقوله: "كونوا" بمعنى: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما سبق ذكره وغيره من الأمور المقتضية للتآخي إثباتًا ونفيًا. وجملة: "كونوا". تشبه التعليل لما تقدم في قوة: اتركوا (أ) هذه المنهيات لتكونوا إخوانًا. وقوله: "عباد الله". إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم أن تتواخوا بذلك. وقال القرطبي (١): المعنى: كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والعاونة والنصيحة. وفي رواية لمسلم (٢) زيادة: "كما أمركم اللهُ". أي: كما أمركم الله بهذه الأوامر المقدم ذكرها، فإنها جامعة لعاني الأخوة. ونسبتها إلى الله؛ لأن الرسول بلغ عن الله. ويحتمل أن يكون أراد بقوله: "كما أمركم الله". الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣). فإنه خبرٌ عن الحالة التي شرعت للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر. قال ابن عبد البر (٤): تضمن الحديث تحريم بغض المسلم، والإعراض عنه، وقطيعته بعد صحبته، بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم الله به

стр. 4278

عليه، وأن تعامله معاملة الأخ النسيب (أ) ولا تبحث عن معايبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب، والميت والحي. وقوله: "المسلم أخو المسلم". أي أنهما كالأخوين بجامع الإسلام. ولؤله: "لا يظلمه". قد مر تفسير الظلم (١)، والظلم حرم (ب) في حق المسلم والكافر، وإنما خص المسلم بالذكر لمزيد شرف الإسلام. وقوله: "ولا يخذله". قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر. ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي. وقوله: "ولا يَحْقِره". هو بفتح الياء وسكون الحاء المهملة والقاف، أي: لا يحتقره ولا يتكبر عليه ولا يستصغره ويستقله. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (٢): ورواه بعضهم: "لا يُخْفِره". بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء، أي: لا يغدِر بعهده، ولا ينقض أمانه. قال: والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود في "كتاب مسلم" بلا خلاف، وروي: "ولا يحتقره". وهذا يرد الرواية الثانية. وقوله: "التقوى ها هنا". إلخ. يعني أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها

стр. 4279

التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته، وأما مجرد العمل الظاهر، فإنه قد يحصل مع النفاق والرياء والعجب، ويكون زيادة في عقاب صاحبه. وجاء في رواية لمسلم (١): "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". يعني أن مجازاته ومحاسبته إنما تكون على ما في القلب دون الصور الظاهرة، ونظر الله تعالى ورؤيته محيطة بكل شيء. ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب، وهو من نحو قوله ﷺ "ألا إن في الجسد مضعة". الحديث (٢). واحتج البعض بهذا على أن العقل في القلب لا في الرأس، وقد سبق ذلك (٣). وقوله: "بحسب امرئ" إلخ. أي: يكفىِ. ولفظ "حسب" مبتدأ، والباء زائدة، و: "أن يحقر أخاه". الخبر، أي أن هذه الخصلة الواحدة تكفي في أن يكون المتصف بها من أهل الشر الذي يستحق به العقاب والنكال. وقوله: "كل المسلم على المسلم" إلخ. أي أن هذه (أ) الثلاثة الأنواع (ب) مستوية في التحريم، والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع متضافرة على تحريمها، بل والعقل أيضًا. والله سبحانه أعلم.

стр. 4280

١٢٦٠ - وعن قُطْبة بن مالك قال: كان (أ) رسول الله ﷺ يقول: "اللهم جنبني منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء". أخرجه الترمذي، وصححه الحاكم واللفظ له (١). هو قُطْبة -بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة- بن مالك الثعلبي، ويقال: التغلبي. ويقال: الذبياني. يعني أنه اختلف في نسبه هل هو إلى ثعلبة بالثاء المثلثة والعين المهملة، أو إلى تغلب بالتاء المثناة من فوق والغين المعجمة، كوفي (٢)، روى عنه يزيد بن عِلاقة، بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالقاف. وقوله: "اللهم جنبني". أي: باعدني. وقوله: "منكرات الأخلاق". الأخلاق جمع خُلُق، بضم الخاء المعجمة وضم اللام ويجوز سكونها. قال الراغب (٣): الخلق والخلق -يعني بالضم والفتح- في الأصل بمعنًى، كالشُّرْب والشَّرْب، لكن خص المفتوح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص المضموم بالقُوى والسجايا المدركة

стр. 4281

بالبصيرة. نتهى. وفي دعائه ﷺ : "اللهم كما حسَّنت خَلقي فحسن خُلُقي". أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (١). وفي حديث علي (٢) ﵁ في دعاء الافتتاح: "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي (أ) لأحسنها إلا أنت". وقال القرطبي في "الفهم" (٣): الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة؛ فالمحمودة على الإجمال، أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنتصف لها، وعلى التفصيل؛ العفو، والحلم، والجود، والصبر، وتحمل الأذى، والرحمة، والشفقة، وقضاء الحوائج، والتودد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك، فقوله: "منكرات الأخلاق". المراد بها ضد محاسن الأخلاق، وهو ضد الأشياء المذكورة؛ لأن المنكر ضد الحسن، والحسن هو المرغوب فيه؛ إما من جهة العقل، وإما من جهة الفرض (ب)، وأكثر (جـ) ما يقال في عرف العامة فيما يدرك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يدرك بالبصيرة، والمراد هنا طلب البعد عن كل ما ينكر من الأخلاق شرعًا أو عادة. وقوله: "والأعمال". كذلك يراد به ما كان ينكر من العمل شرعًا أو

стр. 4282

عادة. وقوله: "والأهواء". جمع هوى، والهوى ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمل (أ) عليه شرعًا. و: "الأدواء". جمع داء، وهي الأسقام المنفرة التي كان النبي (ب) ﷺ يتعوذ منها؛ كالجذام والبَرَص، أو المُهلِكة، كذات الجنْبِ (١)، وكان النبي ﷺ يستعيذ من سيئ الأسقام (٢). ١٢٦١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده (جـ) موعدًا فتخلفه". أخرجه الترمذي بسند فيه ضعف (٣). قوله: "لا تمار". من: مَرِي، أي جحده، والمراد هنا الجدال، أي لا تجادل أخاك. وقيل: المراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه. والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والخصومة لجاج في الكلام ليُستوفى به مال أو غيره، ويكون تارة

стр. 4283

ابتداء، وتارة اعتراضًا. والراء لا يكون إلا اعتراضًا، وقد جاءت أحاديث كثيرة في النهي عن الجدال في القرآن، وأنه كفر (١)، وروى الطبراني (٢) أن جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا فقال: "مهلًا" (أ) يا أمة محمد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا الراء لقلة خيره، ذروا الراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء فكفى (ب) إثمًا ألا تزال مُمَاريًا، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم (جـ بثلاثة أبيات جـ) في الجنة؛ في رباضها -أي أسفلها- ووسطها وأعلاها، لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإنه أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان". وروي الشيخان (٣): "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". أي الشديد الخصومة الذي يحج مخاصمه، مأخوذ من لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كُلَّما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر. و: "الخَصِم". بفتح الخاء وكسر الصاد المهملة، هو الحاذق في الخصومة. وهو محمول على المراء إذا لم يكن مقصودًا به

стр. 4284

إظهار الحق، وكان القصد إنما هو إظهار الغلبة على الغير، أو كان الجدال في نفس آيات القرآن، أو في معنى لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو في أمير يوقع في شك، أو شبهة، أو فتنة، أو خصومة، أو شحناء، أو نحو ذلك، وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق وجدالهم في ذلك، فليس منهيًّا عنه بل مأمورًا به، وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة ﵃ إلى الآن. وقوله: "ولا تمازحه". من المزح، وهو المداعبة، والمراد المنهي عنه ما كان باطلًا، وأما ما كان حقًّا ولا يتسبب به شحناء، فهو جائز، كما قد وقع من النبي ﷺ (١). وروي أبو هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، إنك لتداعبنا. قال: "إني لا أقول إلا حقًّا". أخرجه الترمذي (٢). فنبه أن المزاح الحق لا حرج فيه. وقوله: "ولا تعده موعدًا فتخلفه". يدل على أنه لا يجوز إخلاف الوعد. وقد تقدم قريبًا أن ذلك من علامة النفاق (٣)، ولعل المحرم منه ما كان فيه ترك واجب، وما لم (أ) يكن كذلك فهو مكروه. والله أعلم.

стр. 4285

١٢٦٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن؛ البخل وسوء الحلق". أخرجه الترمذي (١) وفي إسناده ضعف. الحديث فيه دلالة على قبح هاتين الخصلتين، وأنهما منافيتان للإيمان، وقد ذم الله البخيل في كتابه، والأحاديث المتضافرة على ذمه المتوعدة للبخيل بالعذاب والنكال. واختلف العلماء في حد البخل المذموم؛ فحده بعضهم بأنه في الشرع منع الزكاة، وألحق بها كل واجب، فمن منع ذلك كان بخيلًا يناله العقاب الوارد في الكتاب والسنة. قال الغزالي (٢): وهذا الحد غير كاف، إذ من يَرُد اللحم أو الخبز إلى قصاب أو خباز لنقص وزن حبَّة يعد بخيلًا اتفاقًا، وكذا من يُضايق عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد أن سلم لهم ما فرضه لهم القاضي، وكذا من بين يديه رغيف، فحضر من يظن أنه يشاركه، فأخفاه عنه يعد بخيلًا. انتهى. وهذا الكلام في البخيل عرفًا لا من يستحق (أ) العقاب، فلا يرد نقضًا. وقال آخرون: البخيل الذي يستصعب العطية. وهذا الحد قاصر، فإنه إن أريد أنه الذي يستصعب كل عطية، وَرَد عليه أن كثيرًا من البخلاء لا

стр. 4286

يستصعب إعطاء الحبة، وإن أريد الكثير من العطية، فهذا لا يوجب الحكم بالبخل. وبعضهم بأنه منع ما يطلب مما يقتنى. واعلم أن البخاري بوب باب حسن الخلق وإلسخاء وما يكره من البخل، وذكر في الباب (١) حديث البردة التي لبسها النبي ﷺ وهو محتاج إليها، ثم سأله رجل من أصحابه البردة فأعطاه إياها، ثم لامه أصحابه. وقال في آخره: وقد علمت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه؟ وكان من (أ) عادته أنه إذا لم يكن مسوغًا للإعطاء سكت (ب) في جواب السائل، ولا يصرح بقوله (جـ): لا أعطي. وأشار إلى أن بعض البخل مكروه كما أن منه ما يحرم، ومنه ما يباح، بل ويستحب، بل ويجب. كذا ذكره (د) المصنف (٢) ﵀. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (٤). وأما قول النبي ﷺ (٥): ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. وقوله

стр. 4287

للأشعريين: "والله لا أحملكم" (١). فلا إشكال فيه؛ فإن قوله: ﴿لَا أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ﴾. لمن (أ) لا يغني في حقه السكوت، ولم يكن متماديًا في الطلب، وفي جواب الأشعريين لما تحققوا أنه لم يكن عنده شيء وتمادوا في السؤال، ويكون القسم قطعًا لطمع السائل، فلا ينافي قول الفرزدق (٢). * ما قال لَا قطُّ إلا في تشهده * لأنه إذا لم يكن الإعطاء سائغًا سكت. وحده الإمام المهدي في "تكملة الأحكام" بأنه منع المال عما يجب صرفه فيه، من تحصيل نفع، أو دفع ضرر أو ذم، وأراد بالنفع النفع في العاجل؛ من نفقته على نفسه وأولاده ومن يجب عليه إنفاقه، وفي الآجل؛ كإخراج الزكاة وغيرها من الواجبات المالية. وأراد بقوله: أو ذم. يعني: يدفع الذم عن نفسه بالإنفاق فيما يحفظ به مروءته الذي يصون به عرضه عن الذم. وقد تكلم الهادي على هذا في كتابه "الأحكام"، واحتج عليه بقوله ﷺ : "اجعل مالك دون عرضك، وعرضك دون روحك، وروحك دون دينك" (ب) (٣).

стр. 4288

وقوله "وسوء الخلق". المراد به الوصف المضاد لحسن الخلق. وقد تقدم الكلام في حسن الخلق. وما خالف تلك الصفات فهو سوء الخلق، وقد تضافرت الأحاديث في أنه ينافي الإيمان. أخرج الحاكم والحارث (١) "سوء لخلق ويفسد العمل كما يفسد الخل العسل". وابن منده (٢): "سوء الخلق شؤم , وطاعة النساء ندامة , وحسن الملكة نماء". والخطيب (٣): "إن لكل شيء توبة إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه". والصابوني (٤): "ما من ذنب إلا وله عند الله توبة إلا سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا رجع إلى ما هو شر منه". والترمذي وابن ماجه (٥): "لا يدخل الجنة سيئ الخلق". وقوله ﷺ "ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة" (٦). وأنه يدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم (٧)، ودرجات الآخرة وشرف المنازل (٨)، وإن سوء الخلق ذنب لا يغفر (٩)، وإن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم (١٠).

стр. 4289

وغير ذلك. ولعله يحمل الحديث بأن الخصلتين لا تجتمعان في مؤمن كامل الإيمان، أو أنه إذا اتصف بهما مستحلًّا لترك واجب قطعي، كالزكاة، فيكون كافرًا، أو أن ذلك خارج مَخرج التحذير والتنفير عنهما. والله سبحانه أعلم. ١٢٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المستبّان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم". أخرجه مسلم (١). تقدم الكلام عليه في حديث: "سباب المسلم فسوق (أ) " (٢). ١٢٦٤ - وعن أبي صِرْمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضارّ مسلمًا ضارّه الله تعالى، ومن شاقَّ مسلمًا شقَّ الله عليه". أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه (٣). هو أبو صِرْمة الأنصاريُّ -بكسر الصاد المهملة وسكون الراء- واسمه مختلف فيه؛ فقيل: اسمه مالك بن قيس. وقيل: لُبابة (ب بن قيس. وقيل: قيس ب) بن مالك بن أبي أنس. وقيل: هانئ بن سعد. وهو مازني من بني مازن بن النجار، وهو مشهور بكنيته، شهد بدرًا وما بعدها من الشاهد،

стр. 4290

روى عنه محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وابن (أ) مُحَيريز (١). قوله: "من ضار مسلمًا". أي: أدخل عليه المضرة في نفسه أو عرضه أو ماله بغير حق. "ضاره الله تعالى". أي: جازاه من جنس فعله جزاءً وفاقًا. "ومن شاق". أي: أدخل عليه المشقة، وهي المضرة أيضًا (ب)، أو المشاقة المنازعة، أي: نازعه ظلمًا وتعديًا. ١٢٦٥ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبغض الفاحش البذيء". أخرجه الترمذي وصححه (٢)، وله من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "ليس المؤمن بالطّعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء". وحسنه، وصححه الحاكم، ورجح الدارقطني وقفه (٣). قوله: "إن الله يبغَض". مضارع بغض، كفرح. البُغض، بضم الباء وسكون الغين, مصدر بغض، وهو ضد المحبة. والمراد به إنزال العقوبة (٤).

стр. 4291

و: "الفاحش". اسم فاعل من الفحش، وهو كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، فيشمل القول والفعل والصفة، تقول: طويل فاحش الطول. وأكثر استعماله في القوال. و: "البذيء". فعيل من البذاءِ، وهو الكلام القبيح، وهو هنا في معنى فاحش، فيكون مرادفًا أتي به للتأكيد. وقوله: "ليس المؤمن بالطعان". المراد (أبه الطعن أ)، وهو السب. يقال: طعن في عرضه. أي: سبه. و"اللعان". فعَّال، مبالغة فاعل، أي كثير اللعن، واللعنة في الدعاء يراد بها (ب) الإبعاد من رحمة الله. يعني أن هذه (جـ) ليست من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة -وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يدعو به المسلم على الكافر، وقد جاء في الحديث أن: "لعن المؤمن كقتله" (١). لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة. أو أن معنى:

стр. 4292

"لعن المؤمن كقتله". يعني في الإثم. وهذا في حق من يكثر اللعن لا المرة الواحدة , ويخرج منه من يجوز لعنه من الكفار، ومثل لعن الواصلة، والواشمة، وآكل الربا، وشارب الخمر، وغير ذلك ممن ورد في الحديث لعنه، والمعنى أن هذه الخصال ليست من أخلاق المؤمن، فمن تحلى بها فهو غير كامل الإيمان. والله أعلم. ١٢٦٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". أخرجه البخاري. مر الحديث بلفظه في آخر كتاب الجنائز (١). ١٢٦٧ - وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنَّة قتَّات". متفق عليه (٢). قوله: "قتات". هو بقاف ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى، وهو النمام، وقد جاء عند مسلم في رواية أبي أوائل عن حذيفة بلفظ: "نمام". وقيل: الفرق بين القتات والنمام, أن النمام (أ) الذي يحضر القصة فيبلغها (ب) , والقتات الذي يسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل (جـ ما سمِعه جـ).

стр. 4293

قال الغزالي (١) ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إليه النميمة ألا يصدق من نم له، ولا يظن بمن نُم عنه ما نقال عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكره له (أ)، وأن ينهاه ويقبح فعله، وأن يُبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فينم على النمام فيصير نمامًا، وقد تكون النميمة واجبة، كما إذا اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فيحذره منه. قال العلماء: والنميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. قال الإمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء" (٢): اعلم أن النميمة إنما تطلق على الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلم فيك بكذا. قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا، بل حد النميمة كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المقول عنه أو المقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالكناية أو بالرمز أو بالإيماء، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، ولو رآه يخفي مالًا لنفسه فذكره فهو نميمة. والحديث يدل على أن النميمة محرمة وأنها من الكبائر (ب). قال الحافظ المنذري (٣): أجمعت الأمة على أن النميمة محرمة، وأنها من أعظم الذنوب

стр. 4294

عند لله تعالى وحديث: "وما يعذبان في كبير (أ) " (١). يراد (ب) به كبير تركه والاحتراز عنه، أو ليس كبيرًا في اعتقادكم، كما قال الله تعالى ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٢). أو (جـ) المراد به ليس أكبر الكبائر. كما دل عليه قوله في الحديث: "بلى إنه كبير". إلا أنه إذا سلم للغزالي أن النميمة مطلقة عن قيد قصد الإفساد، فهي نميمة محرمة، ولا تكون كبير إلا مع قصد الإفساد، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة، أخرج الطبراني (٣): "ليس مني (د) ذو حسدٍ ولا نميمة ولا كهانة، ولا أنا منه". ثم " رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٤). وأحمد (٥): "خيار عباد الله الذين إذا رُءوا ذكر الله , وشر عباد الله المشاءون بالنميمة , المفرقون بين الأحبة , الباغون للبرآء العيب". وأبو الشيخ (٦): "الهمازون واللمازون , والمشاءون بالنميمة , الباغون للبرآء العيب , يحشرهم الله

стр. 4295

تعالى في وجوه الكلاب". وروى كعب أنه أصاب بني إسرائيل قحط، فاستسقى موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم مرَّات فما أجيب، فأوحى الله إليه: إني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة. فقال موسى: من هو يا رب حتى نخرجه من بيننا؟ فقال: يا موسى، أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا! فتابوا بأجمعهم فسُقوا. وغير ذلك من الأحاديث المنبئة على أن النمام ممن يستحق العقاب بالنار، نسأل الله السلامة من أخلاق السوء بمنه وإحسانه. ١٢٦٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كف غضبه كف اللهُ عنه عذابه". أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١)، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا (٢). تقدم الكلام قريبًا في الغضب (٣). ١٢٦٩ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة خِبّ ولا بخيل ولا سيئ الملكة". أخرجه الترمذي (٤)، وفرقه حديثين، (أوفي سنده ضعف أ).

стр. 4296

قوله: "خِب". الخِب: الماكر الخدَّاع. والبخيل؛ تقدم الكلام عليه (أ) (١) وسيء الملكة، هو من يترك ما يجب عليه من حق من كان مملوكًا له، إما بالتقصير في المؤنة أو غيرها، كالأذى والتأديب الخارج عن الحد الذي يجوز. والله أعلم. ١٢٧٠ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع حديث قوم وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة". يعني الرصاص. أخرجه البخاري (٢). قوله: "من سمع". هذا اللفظ في "بلوغ المرام"، والذي في روايات "البخاري": "من استمع إلى حديث قوم". وقوله: "وهم له كارهون". في "البخاري": "أو يفرون منه". بالشك، وقد جاء في رواية عباد: "وهم يفرون منه". من غير شك. وقوم "صب في أذنيه الآنك". وقع في رواية: "ومن استمع إلى حديث قوم ولا يعجبهم (ب أن يسمع ب) حديثهم، أذيب في أذنه الآنك". والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف: الرصاص المذاب. وقول المصنف: يعني الرصاص. ليس في الحديث، وإنما هو تفسير من المصنف

стр. 4297

رحمه الله تعالى. وقيل: هو خالص الرصاص. وقال الداودي (١): هو القصطير. والحديث يدل على أن استماع حديث من يكره محرم، وقد عد من الكبائر؛ لوعيده بالعذاب؛ فإن الرصاص المذاب عذاب وأي عذاب، ولا يعارضه حديث: "لا يتناجى اثنان دون الآخر" (٢). لأن هذا فيما إذا أتى وهم يتناجون، فإنه يحرم على الثالث الاستماع إذا عرف الكراهة. وقد أخرج البخاري في "الأدب الفرد" (٣) من رواية سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. زاد أحمد (٤) في روايته من وجه آخر عن سعيد (أ): وقال: أما سمعت النبي ﷺ قال: "إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما حتى يستأذنهما". قال ابن عبد البر (٥): لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. وقال المصنف (٦) ﵀: ولا ينبغي للداخل القعود عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما؛ لأن افتتاحهما الكلام سرًّا وليس عندهما أحد دل (ب) على أنهما لا يريدان

стр. 4298

الاطلاع عليه (أ)، وقد يكون لبعض الناس قوة فهم، إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه، فلا بدَّ له من معرفة الرضى؛ فإنه قد يكون الإذن حياء، وفي الباطن الكراهة. ويلحق باستماع الحديث استنشاق الرائحة، ومس الثوب، أو استخبار صغار أهل الدار ما يقول الأهل أو (ب) الجيران من الكلام، أو ما يعملون من الأعمال، وأما لو أخبره عدل باجتماع أهل الدار على منكر، جاز له أن يهجم يستمع الحديث لإزالة المنكر. والله سبحانه أعلم. ١٢٧١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس". أخرجه البزار بإسناد حسن (١). قوله: "طوبى". على وزن فُعْلى , مصدر من الطيب , أو اسم شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. وقوله: "لمن شغله عيبه" أي: النظر في عيوبه وطلب إزالتها والستر عليها. وقوله: "عن عيوب الناس". أي: عن ذكرها والتعرف لما يصدر منهم من العيوب. ١٢٧٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من

стр. 4299

تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان". أخرجه الحاكم ورجاله ثقات (١). قوله: "تعاظم في نفسه". صيغة تفاعل تأتي لمعان؛ ومن معانيه أنه يأتي بمعنى فعل، نحو: توانيت، بمعنى: وَنَيْت، مع البالغة، وهو المقصود هنا فـ "تعاظم" بمعنى: عظم في نفسه؛ إما بمعنى أنه اعتقد أنه يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، أو يكون "تعاظم" بمعنى تعظم، وهو وإن لم يكن قياسيًّا، فقد جاء تفاعل بمعنى يفعل. ذكره نجم الدين في شرحه على "مقدمة التصريف"، و "يفعل" إما أن يكون بمعنى استفعل؛ أي: طلب أن يكون عظيمًا. أو بمعنى: اعتقد في نفسه أنه عظيم كـ "تكبر"، أي: اعتقد أنه كبير. و"تعاظم" هنا بمعنى "تكبَّر" على أحد هذين المعنيين، والتكبر والكبر والكِبْرة -بكسر الكاف وسكون الباء- والكبرياء , بمعنى واحد، وهو اعتقاد أنه يستحق من التعظم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، على ما حده به الإمام المهدي في "تكملة الأحكام". وفي "بداية الهداية" للغزالي أن العجب والكبر والفخر نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام، وإلى غيره بعين الاحتقار، وعلامته الترفع في المجالس والتقدم، والاستنكار من أن يرد عليه كلامه، وعلى الجملة فكل من رأى نفسه خيرًا من عباد الله فهو متكبر. انتهى. وفي "الكشاف" (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ (٣). أي: إلا إرادة التقدم

стр. 4300

والرياسة، وألا يكون أحد فوقهم. وفي "تفسير أبي السعود" (١) في تفسير الآية: أي: إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم. أو: إرادة الرياسة والتقدم على الإطلاق. أو: إرادة أن تكون النبوة فيهم دونك، حسدًا أو بغيًا , ما هم ببالغي (أ) مقتضى ذلك التكبر. انتهى. ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أن الكبر يحصل وإن لم يكن صاحبه معتقدًا للمعنى , بل يكفي إظهار الترفع على الغير وإرادته , وقد يصحبه الاعتقاد , وقد يخلو عند فلا يكون معناه الاعتقاد , وصريح في هذا المعنى ما أخرجه مسلم، والحاكم، والترمذي (٢)، من حديث ابن مسعود أنه قال ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من تكبر". قال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا. قال ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال، التكبر بطر الحق وغمط الناس". و "غمط" بالطاء المهملة وبالظاء المعجمة , ومعناهما متقارب؛ قال في "النهاية" (٣): هو أن يجعل ما جعله الله (ب حياة توحيد - أي ثمرة ب) توحيده ومعبادته - باطلا، وقيل: هو أن [يتجبر] (جـ) عند الحق فلا يراه حقًّا. وقيل: هو أن يتكبر

стр. 4301

عن الحق فلا يقبله. وقال النووي (١): معناه الارتفاع عن الناس واحتقارهم، ودفع الحق وإنكاره، ترفعًا وتجبرًا. وجاء في رواية الحاكم: "ولكن الكبر مِن بطر الحق وازدراء الناس". "بطر الحق": دفعه ورده. و "غمط الناس". بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة، هو احتقارهم وازدراؤهم. هكذا جاء مفسرا عند الحاكم، قاله عبد العظيم المنذري (٢). ولفظة: "من" رُويت بكسر الميم على أنها حرف جر، وبفتحها على أنها موصولة. فهذا التفسير النبوي يؤيد (أ) أن التكبر ليس من قبيل الاعتقاد، وليس بمعنى إرادة التقدم، وإنما هو بمعنى عدم الامتثال ترفعًا وتعززًا، واحتقار الناس، ويكون مانعًا للخلق (ب) دون الجمع، فكبر إبليس جامع للأمرين، وكذلك كفار قريش، وبعض الكفرة؛ للترفع والحسد، وقد يكون مع بعض المخالفين ترك الامتثال لاحتقار الآمر له. والرجوع إلى التفسير الأثري أولى، ويحمل تفسيره بإرادة التقدم على المجاز، لما كان ذلك حاملًا على دفع الحق وإظهار حقارة الآمر، فبالغ في السبب، (جـ فأخبر به جـ) عن المسبب، وجعل كأنه عينه، مثل: زيدٌ صوم. وقال الإمام المحقق أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (د) في كتابه "الزواجر": إن الكبر؛ إما باطن، وهو خلق في النفس، واسم الكبر بهذا

стр. 4302

أحق. وإما ظاهر، وهو أعمال تصدر من الجوارح، وهي ثمرات ذلك الخلق، وعند ظهورها يقال: تكبّر (أ). وعند عدمها يقال: كِبْر. والأصل هو خلق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبَّر عليه، فهو يستدعي متكبرًا عليه ومتكبرًا به، وبه فارق العجب، (ب فإنه لا يستدعي غير المعجب به، حتى لو فرض انفراده دائما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر , فالعجب ب) مجرد استعظام الشيء , فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبرًا, انتهي كلامه؛ وهو لا يناسب تفسير الكبر في الحديث. وقوله: "اختال في مشيته". الاختيال التكبر , وعطفه على "تعاظم في نفسه" يناسبه كلام (جـ) ابن حجر، ويحتمل أنه من عطف أحد نوعي الكبر على الآخر، كأنه قال: من جمع بين نوعين من أنواع الكبر استحق هذا الوعهد، ولا يلزم منه أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة؛ لأنها قد وردت الأحديث في ذم الكبر مطلقًا. والحديث يدل على أن التكبر محرم، وأنه يوجب الغضب من الرب جل وعلا , فيكون من الكبائر المهلكة. وفي التحذير منه أحاديث كثيرة مصرحة بوعيد المتكبر بالنار. والله سبحانه أعلم. ١٢٧٣ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العجلة من الشيطان". أخرجه الترمذي (١) وقال: حسنٌ.

стр. 4303

العجلة هي السرعة في الشيء، وهي تكون من الشيطان فيما كان الأناة مطلوبة لتحصيل غرض أكمل من الحاصل من الأمر المعجل. والله أعلم. ١٢٧٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الشؤم سُوءُ الخُلق". أخرجه أحمد (١)، وفي إسناده ضعف. قوله: "الشؤم". ضد اليُمن، وواوه منقلبة عن همزة، وشؤم الخلق المراد به سوء الخلق. وقد تقدم الكلام قريبًا عليه (٢)، والمراد هنا أن الشيء الذي تُكْرَه عاقبته ويخاف منه هو سوءُ الخلق. والله أعلم. ١٢٧٥ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللعانين لا يكونون (أ) شُفعاء ولا شهداء يوم القيامة". أخرجه مسلم (٣). قوله: "إن اللعانين". تقدم الكلام على معنى اللعن قريبًا (٤). وقوله: "لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة". معناه: لا

стр. 4304

يشفعون حين (أ) يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى: "ولا شهداء". فيه ثلاثة أقوال؛ أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات. والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفِسْقِهم. والثالث: لا يرزقون الشهادةَ؛ وهي القتل في سبيل الله تعالى، فـ "يوم القيامة" يتعلق بـ "شفعاء" وحده على الأخيرين، ويحتمل أن يتعلق بهما؛ بمعنى أن شهادته لمَّا لم تُقبل في الدنيا لم يكتب في الآخرة له ثواب من شَهِد بالحق، وكذلك لا يكون له في الآخرة ثواب من قتل في الشهادة. والله أعلم. ١٢٧٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من عَيَّر أخاه بذنب لم يمت حتي يعمله". أخرجه الترمذي (١) وحسنه (ب) , وسنده منقطع. الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز أذية المؤمن ولو قد ارتكب ذنبًا , وأنه يجب الستر عليه، وهو كما تقدم في الغيبة، أنها لا تجوز ولو في حق الفاسق إلا في المواضع الستة التي تقدمت) (٢).

стр. 4305

وقوله: "لم يمت حتى يعمله". كأنه -ونعوذ بالله من ذلك- يكون عقوبته؛ سببًا لخِذْلانه وسلب التوفيق عنه حتى يعمل ذلك الذنب، وكأنه لِما (أ) يصحبه من العُجب وعدم شكره لله تعالى على توفيقه ببعده من ذلك الذنب، وإن كان لا يخلو من الذنوب (ب). نسأل الله تعالى التجاوز والعفو. ١٢٧٧ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، وويل له ثم ويل له". أخرجه الثلاثة (١) وإسناده قوي. الحديث حسنه الترمذي، وأخرجه البيهقي (٢)؛ فيه دعاء على الذي يكذب بالويل ثلاث مرات، والويلُ مصدر بمعنى الهلاك، مرفوع على أنه مبتدأ، والخبر الجار والمجرور. وفيه دلالة على تحريم الكذب وإن لم يكن ضارًّا، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في التحذير من الكذب على الإطلاق، مثل قوله: "إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار".

стр. 4306

وسيأتي (١). وأخرج ابن حبان (٢) في "صحيحه": "وإياكم والكذب فإنه مع (أ) الفجور وهما في النار". والطبراني (٣): (ب "وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار". وأحمد (٤) من حديث ابن لهيعة: ما عمل النار؟ قال "الكذب ب) بم إذا كذَب العبدُ فجر، وإذا فجر كفَر وإذا كفر دخل النارَ". و (جـ) البخاري (٥): "رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تُحْمَل عنه حتى تبلُغَ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة". والشيخان (٦): "علامةُ المنافق ثلاثٌ؛ إذا حدث كذب". الحديث، وزاد مسلم: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". وأخرجه أبو يعلى (٧) بزيادة: "وإن صام وصلى وحج واعتمر و (د) قال: إني مسلم". وأحمد والطبراني (٨): "لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقًا". وأبو يعلى (٩) بسند رواته رواة الصحيح: "لا

стр. 4307

يبلغ العبد الإيمان حتى يدع المزاح والكذب ويدع المراء: إن كان محقا". وأحمد (١): "يطبع المؤمن على الخلالِ إلا الخيانة والكذب". وأخرجه الطبراني والبيهقي وأبو يعلى (٢) بسند رواته رواة الصحيح. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وقد عُدَّ من الكبائر لشمول حَدِّ الكبيرة له، فإنه ورد الوعيد عليه بعينه، وقد صرَّح الرُّوياني في "البحر" -من الشافعية- أنه كبيرةٌ وإن لم يَضر، وقال: من كذب قصدًا رُدَّت شهادته وإن لم يضر بغيره؛ لأن الكذب حرام بكل حال. وروى في "البحر" حديثًا مرسلًا، أنه ﷺ أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها. وقال الأذرعي: قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة. وفي "الأم" للشافعي (٣): كل من كان منكشف الكذب مُظهِره غير مستتر به لم تجز شهادته. ومثله ذكرته الهدوية في ردِّ الشهادة، ونصوا أنه ليس بكبيرة كما ذكره الإمام المهدي في "الأزهار" وغيره، ولكن لا يتم لهم الإطلاق، فإن الكذب على النبي ﷺ والكذب الضار للمسلم أو الذمي لا يمكن أحد أن يدعي أنه ليس بكبيرة، وأما القليل من الكذب الخالي عن الضرر، فصرَّح الرافعي نقلًا عن غيره أنه ليس بكبيرة، وكان مستندهم في ذلك ابتلاء أكثر الناس به، وذكر الغزالي في "الإحياء" (٤) تفصيلًا، وقسم الكذب إلى واجب ومباح ومحرم، وقال: إن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا، فالكذب [فيه] (أ) حرام، وإن أمكن

стр. 4308

التوصل إليه (أ) بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن وجب تحصيل ذلك، وهو إذا كان فيه عِصْمةُ من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حربٍ أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنى وشرب الخمر، وسأله السلطان فله أن يكذب ويقول: ما فعلت. وله أن ينكر سِرَّ أخيه. ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق؛ فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان بالعكس أو شك فيها حرم الكذب , وإن تعلق بنفسه استحب ألا يكذبَ، وإن تعلق بغيره لم يجز المسامحة بحق الغير، والحزم تركه حيث أبيح. انتهى. وقال مسلم في "الصحيح" (١): قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرخَّص -في شيء مما تقول الناس كذبٌ إلا في ثلاث؛ الحربُ , وإصلاحٌ بين الناس , وحديثُ الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. قال القاضي عياض (٢): لا خلاف في جواز الكذب في هذه الثلاث الصور. واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه. وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة. وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة. واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم: ﴿بَل

стр. 4309

فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ (١)، و ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢) , وقوله: "إنها أختي" (٣). وقول منادي يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٤). وقال آخرون؛ منهم الطبريُّ: لا يجوز الكذب في شيء أصلًا. قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا فالمراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب. ذكر هذا في "شرح النووي" (٥)، ولكن أخرج ابن النجار (٦) عن النواس بن سمعان مرفوعًا: "الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاثا؛ الرجل يكذب بين الرجلين ليُصْلحَ بينهما، والرجل يحدث امرأته ليُرضِيها بذلك، والكذب في الحرب، والحرب خدعة". وأجرج البنرار (٧) عن ثوبان مرفوعًا: "الكذب مكتوب إلا ما نفع به مسلمًا (أأو دفع أ) به عنه". وأخرج الروياني (٨) عن ثوبان: "الكذب كله إثم إلا ما نفَع به مسلمًا (ب) أو دفع به عن دين". فهذا يدُلُّ على جواز الكذب من دون تورية ويكون مخصصًا لأحاديث العموم على ما هو القاعدة في تخصيص العام، وما ذكره الغزالي من الصور

стр. 4310

المباحة مقيسة فيما لم يتناولها المخصص، وأما الكذب الواجب فلدليل آخر. واعلم أنه قد اختلف في تحقيق الكذب؛ فذهب الجمهور إلى أن حقيقته ما خالف مقتضاه في الوقوع؛ فإذا قال: زيد في الدار. وانكشف أنه في الدار كان صِدْقًا، وإن لم يكن في الدار كان كذبًا (أ)، ولو كان يعتقد أنه في الدار إلا أنه لا يأثم في الإخبار في هذا الظرف. وقال النَّظَّامُ: ما خالف مقتضاه في الاعتقاد وإن طابق الواقع. وقال الجاحظُ: ما خالف الاعتقاد والواقع. وأثبت الواسطة بين الصدق والكذب وتحقيق الأقوال في علم الأصول. ١٢٧٨ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ "كفارة من اغتبته أن تستغفر له". رواه الحارث بن أبي أسامة (١) بسند ضعيف. وأخرج الحديث ابن أبي شيبة في "مسند" , والبيهقي (٢) في "شعب الإيمان"، وغيرهما من حديث أنس بألفاظ مختلفة وفي أسانيدها ضعف، ورو من طرُق أُخَرَ بمعناه، والحاكم من حديث حذيفة، والبيهقي (٣)، قال: وهو أصح، ولفظه: كان في لساني ذرب على أهلي؛ فسألت رسول الله ﷺ ، فقال (ب): "أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني
следующие страницы →