ويكون الإنسان مع ذلك المال بما عند الله أوثق منه بما عنده، وإن كان مفقودًا يكون حال الإنسان القناعة والتكفف وقلة الطمع فهو أحمد في العقبى، أراح للقلب في الدنيا.
١٢٤٨ - وعن محمود بن لبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء". أخرجه أحمد بإسناد حسن (١).
هو محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي ﷺ وحدث عنه أحاديث، قال البخاري (٢): له صحبة. وقال أبو حاتم (٢): لا نعرف له صحبة. وذكره مسلم (٣) في التابعين في الطبقة الثانية منهم، قال ابن عبد البر (٤): والصواب قول البخاري. فأثبت له صحبة. وهو أحد العلماء، روى عن ابن عباس وعتبان بن مالك، مات سنة ست وتسعين، وعِتْبان بكسر العين وسكون التاء فوقها نقطتان وبالباء الموحدة.
الحديث فيه دلالة على قبح الرياء، وأنه من أعظم المعاصي المحبطة للأعمال، فإنه إذا كان أخوف الخوفات كان أعظمها وأخطرها، وتسميته شركًا أصغر يدل على أنه في رتبة تلي الشرك الأكبر الذي هو الظلم العظيم، والوبال المهلك الوخيم.
стр. 4237
والرياء مصدر راءى فاعَل، وهو يأتي على مفاعلة وفِعال بكسر الفاء وفتح العين وهو مهموز العين؛ لأنه من الرؤية، ويجوز فيه تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وقرأ السبعة بتحقيق (أ) الهمزة إلا حمزة في حال الوقف فخففها بقلبها ياء كـ: مئة (١). ولام الرياء في الأصل ياء وقعت بعد ألف زائدة فقلبت همزة ككساءٍ، وحقيقة الرياء لغة هو أن يُرِي غيره خلاف ما هو عليه، وشرعًا هو أن يفعل الطاعة أو يترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها أو يحب الاطلاع عليها لقصدٍ دنيوي إما مالٍ أو عرض، وهو محرم إجماعًا، وقد ذكره (ب) الله ونبه على قبحه وتوعد مرتكبه بعقابه، كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). وغير ذلك، والأحاديث الكثيرة المتعاضدة المهوِّلة لعقاب (جـ) المرائي، والإجماع من الأمة على قبحه، والرياء ينقسم (د) إلى أقسام بعضها أشد من بعض، فأقبح أقسامه ما كان في الإيمان، فإذا أرَى أنه مؤمنٌ وليس بمؤمن فهو حال المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ (٤). ويقرب منهم الباطنية الذين يظهرون أنهم موافقون في الاعتقاد وهم يبطنون خلافه، ويقرب من ذلك من يفعل
стр. 4238
الفريضة إذا كان في الملأ، ويتركها في الخلاء خوف الذم، ويقرب من ذلك الذي يفعل النوافل في الملأ لئلا ينتقص بعدم فعلها، ويتركها في الخلوة كسلًا وعدم احتفال بما يقربه من الثواب، ويقرب من ذلك من يحسن فعل العبادة بالخضوع والخشوع واستكمال هيئاتها ومسنوناتها في الملأ، ويقتصر في الخلوة على فعل الواجب من ذلك؛ لئلا يُذم على ذلك، وقد يزين الشيطان لفاعل هذا بأنه إنما فعله لئلا يقع الغير في عرضه، وفاته النظر الشديد بأنه كان الباعث له على الفعل هو النظر إلى الخلق رجاء الثناء عليه، ولا بد من تفصيل فيما يصحبه الرياء من الأعمال في صحته وعدم صحته، وحاصل ذلك أنه إذا كان الباعث على أداء العبادة هو ملاحظة غير المعبود لغرض دنيوي فالعبادة غير صحيحة، ويجب على المرائي إعادتها، فإذا كان الباعث مثلًا على فعل الصلاة أو غيرها هو محبة الثناء أو غيره فالصلاة باطلة؛ لأنه لم ينو العبادة للمعبود، وهذا هو الشرك الأصغر، وإنما لم يكن شركًا أكبر؛ لأنه لم يقصد بالعبادة تعظيم المراءَى، وإنما قصد أن يثني عليه مثلًا، وأما السجود لغير الله فقد قصد به تعظيم المسجود له، وهذا هو السر في تسميته الشرك الأصغر، وكان شبيهًا بالشرك الأكبر؛ لأن المرائي لما عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله على الركوع والسجود لله، فكان ذلك المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه، وهذا هو الشرك الخفي لا الجلي، وإن كان الباعث على الطاعة هو الامتثال لأمر الله وقصد محبة الثناء مثلًا واجتمع الباعثان عند نية العبادة ولم يستقل أحدهما بالانبعاث على الفعل، فكذلك لا تصح العبادة، وقد أخرج الخطيب" (١) أن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك
стр. 4239
معي شيئًا فهو لشريكي، يأيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم. فإنه للرحم وليس لله منه شيء. وإن كان كل واحد منهما مستقلًّا بحيث لو عدم باعث الرياء لفُعِل الفعل، فهذا مَحل النظر، ولعله يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة، وفيها الخلاف، وأما إذا كان الباعث خالصًا وورد عليه وارد الرياء، فإن كان بعد الفراغ من العمل لم يؤثر فيه، إلا إذا أظهر العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج الديلمي (١) مرفوعًا: "إن الرجل ليعمل عملا سرًّا فيكتبه الله عنده سرا، فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية، فإن عاد [فتكلم] (أ) الثانية محي من السر والعلانية وكتب رياءً". وقال الغزالي (٢) في هذا القسم: الأقيس أن ثوابه على عمله باق، ويعاقب على الرياء الذي قصده، وأما إذا عرض عليه قصد الرياء في أثناء العبادة التي باعثها خالص، فإن تمحض قصدُ الرياء أفسدها وأحبط ثوابها، وإن لم يتمحض ولكن غَلَب قصد القربة فهذا يتردد في إفسادها، ومال (جـ). الحارث المحاسبي (٣) إلى أن العبادة تفسد. قال الغزالي (٤): والأظهر أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بحصول زيادة فيه أنه لا يفسد العمل، لبقاء
стр. 4240
أصل النية الباعثة عليه والحاملة على إتمامه، وأما إذا كان باعث الرياء مقارنًا لباعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة، فأوجب البعض الاستئناف لعدم انعقادها، وقال بعض: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم. وقال بعض: يصح؛ لأن النظر إلى الخواتم، كما لو ابتدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعدُ (أ). قال (١): والقولان الأخيران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في "أسباب النزول" (٢) جواب جندب بن زهير لما قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لله، وإذا اطلع عليه سرني. فقال ﷺ : "لا شريك لله في عبادته". وفي رواية: "إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه". رواه ابن عباس. وروى عن مجاهد أيضًا (٢): جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني، فيسرني ذلك، وأعجب به. فلم يقل النبي ﷺ شيئًا حتى نزلت الآية. فالحديث يدل على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، وظاهره ولو كان بعد العمل، وقد عارضه ما أخرجه الترمذي (٣) عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب. قال: قلت يا رسول الله، بينا أنا في بيتي في مصلاي، إذ دخل عليّ رجل، فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله ﷺ : "لك أجران". وفي "الكشاف (٤) من حديث جندب قال له: "لك أجران؛ أجر السر
стр. 4241
وأجر العلانية". وقد ترجح هذا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ (١). فدل على أن محبة الثناء من الرسول لا ينافي الإخلاص، ولا يعد من الرياء، وقد يتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله إذا اطلع عليه سرني. لمحبته للثناء عليه، (أويكون الرياء في محبته للثناء أ) على العمل، وإنْ لم يخرج العمل عن كونه خالصًا، وحديث أبي هريرة لم يكن فيه تعرض لمحبته الثناء من المطلع عليه، وإنما هو مجرد محبة (ب) لما صدر منه من العمل وعلم به غيره. أو يراد بقوله: فيعجبني. يعني تعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح؛ لقوله ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض". وقال في حق من شهدوا له بالجنة: "وجبت" (٢).
وقال الغزالي (٣): أما مجرد السرور باطلاع الناس، إذا لم يبلغ أثره بحيث يؤثر في العمل، فبعيد أن يفسد العبادة. وقد يطلق الرياء على أمر مباح، وهو طلبُ نحو الجاهِ بغير عبادة، كأن يقصد بزينته في لباسه الثناء عليه بالنظافة والجمال ونحو ذلك، وكالإنفاق على الأغنياء ليقال: إنه سخي. فهذا ليس داخلا في حقيقة الرياء المحرم، وقد كان ﷺ إذا أراد
стр. 4242
الخروجِ سوَّى عمامته وشعره ونظر وجهه في الماء، فقالت عائشة: أو تفعل ذلك يا رسول الله؟! فقال: "نعم، إن الله يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم" (١).
١٢٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". متفق عليه (٢). ولهما (٣) من حديث عبد الله بن عمرو: "وإذا خاصم فجر".
قوله: "آية المنافق". أي: علامته، والمنافق الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وظاهر الحديث أنه يحكم بنفاق من اجتمع فيه الثلاث أو الأربع، وإن كان مؤمنًا مصدقًا بشرائع الإسلام، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقًا بقلبه مقرًّا بلسانه وفعل هذه الخصال، لا يحكم عليه بكفر ولا نفاق يخلد به في النار؛ ولذلك عدَّ جماعة من العلماء هذا الحديث مشكلًا من حيث إنّ هذه الخصال توجد في المسلم المصدق.
قال النووي (٤): اختلف العلماء في معناه؛ فقال المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: إن هذه الخصال هي من خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحدٌ من المصدقين أشبه المنافق، فيطلق عليه اسم النفاق مجازًا، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه
стр. 4243
الخصال؛ ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأْتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام وهو يبطن الكفر، ومعنى تمام الحديث: "من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها". أنه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. ثم قال (١): وهذا فيمن كانت الخصال غالبة مِنْ حاله لا مَنْ ندرت منه. وقيل: إن هذا في حق المنافقين الذين كانوا في أيام النبي ﷺ ؛ تحدثوا بإيمانهم فكذبوا، وأْتُمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر و [روياه] (أ) عن النبي ﷺ . قال القاضي عياض (١): وإليه مال كثير من أئمتنا، وحكى الخطابي قولًا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. وقال الخطابي (٢) أيضًا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل معين منافق، وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان مُنافق. وإنما يشير إشارة. انتهى مع بعض تصرف فيه.
والأقرب إلى سياق الحديث هو ما ذكره الخطابي، أن معناه التحذير. . .
стр. 4244
إلى آخره، وأن اجتماع هذه الخصال يفضي بصاحبها إلى نفاق الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (١). مع أن في قصته أنه أتى بزكاته في خلافة أبي بكر، وفي خلافة عمر، وفي خلافة عثمان، ولم تقبل، مع أن ظاهر حاله أنه مصدق بوجوب الزكاة وغيرها، ولكن النفاق داخل القلب بسبب المنع وإخلاف ما وعد الله به (٢)، ويكون المراد بالحديث التحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تورث صاحبها النفاق الحقيقي الكامل، والخصلة الواحدة تكون في صاحبها شعبة من النفاق يعاقب عليها وإن لم يكن عقاب منافق خالص. والله سبحانه أعلم.
وفي قوله: "ثلاث". أو: "أربع". لا تنافي بين ذلك، لأنه لا مانع أن يكون للشيء علامات، كل واحدة قد تحصل بها صفة ذلك الشيء.
وقوله: "وإذا خاصم فجر". داخل في قوله: "وإذا حدَّث كذب". أي: مال عن الحق وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: وأصل الفجور الميل عن القصد.
١٢٥٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4245
"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". متفق عليه (١).
قوله: "سِباب". بكسر السين المهملة مصدر سبَّ، تقول: سبَّه سبًّا وسبابا. والسب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الناس [بما] (أ) لا يعني الساب.
والفسوق مصدر فسق، يقال: فسقًا وفسوقًا. والفسق معناه لغةً الخروج، وشرعًا الخروج عن طاعة الله تعالى.
والحديث يَدُلُّ على تحريم سب المسلم بغير حق، وهو حرام بالإجماع، وفاعله فاسق.
وقوله: "المسلم". ظاهره أنه يجوز سب الكافر، وأما مرتكب الكبيرة فهو داخل في معنى المسلم، وإن كان في عصر النبوة ظاهر حالهم السلامة من ارتكاب الكبيرة، فهو مراد به الإسلام الكامل، وذكر المسلم للتنويه بزيادة احترام المسلم، وإن كان الذمي كذلك لا يجوز سبه؛ لتحريم أذيته، وأما الحربي فيجوز؛ لأنه لا حرمة له ما لم يكن سبه بما هو كذب.
وقد اختلف العلماء في جواز سب الفاسق بما هو مرتكب له من المعاصي، فذهب الأكثر إلى جوازه؛ لقوله ﷺ : "اذكروا الفاسق بما فيه
стр. 4246
كي يحذره الناس" (١). وهو حديث ضعيف. وقال أحمد (٢): منكر. وقال البيهقي (٣): ليس بشيء، فإن صحَّ حمل على فاجر يعلن بفجوره، أو يأتي بشهادة، أو يعتمد عليه [في أمانة] (أ)، فيحتاج إلى بيان حاله؛ لئلا يقع الاعتماد عليه. انتهى كلام البيهقي. ونقل عن شيخه الحاكم أنه غير صحيح وأورده بلفظ: "ليس للفاسق غيبة" (٤). وأخرج (ب) الطبراني (٥) في "الأوسط " و "الصغير" بإسناد حسن رجاله موثقون، وفي "الكبير" (٦) أيضًا عن معاوية بن حيدة، قال: خطبهم رسول الله ﷺ فقال: "حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر، اهتكوه حتى يحذره الناس". وقوله ﷺ : "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له". أخرجه البيهقي (٧) من حديث أنس بإسناد ضعيف. وأخرج رزين قوله ﷺ : "لا غيبة لفاسق ولا مجاهر، وكل أمتي معافى إلا المجاهرين" (٨). وفي "مسلم" (٩) أيضًا: "كل أمتي معافى إلا
стр. 4247
المجاهرين". وهم الذين جاهروا بمعاصيهم، فكشفوا ما ستر الله عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة، قال العلماء: يجوز أن يقال للفاسق: أنت فاسق أو مفسد. وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو لغيره؛ كبيان حاله أو للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة به، فلا بد من قصدٍ صحيح، ولكن قد ورد في خصام أُسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين (١). ولم ينكر النبي ﷺ ، وقول عمر بن الخطاب في قصة حاطب بن أبي بلتعة: دعني أضرب عنق هذا المنافق. كما في "صحيح البخاري" (٢)، ولم يشكر. وقول النبي ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤٌ فيك جاهلية وكفر" (٣). وقد بوّب الحفاظ لا يجوز الاغتياب فيه لأهل الإفساد، وأورد فيه البخاري (٤) في حديث عائشة ﵂، أن رجلًا استأذن على رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة". فلمَّا جلس تطلَّق النبي ﷺ في وجهه وانبسط له. قيل: والرجل عيينة بن حِصن الفَزَاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. وقد اختلف في حسن إسلامه، وقد كان ارتد في زمن أبي بكر ثم أسلم وحضر بعض (أ) الفتوح في زمن عمر. فظاهر هذا الجواز مطلقًا، ويستثنى من تحريم سباب المسلم جواز الجواب على المبتدئ بالسب؛ لقوله
стр. 4248
- ﷺ : "المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم (أ) ". أخرجه مسلم (١). فيدل على أنه يجوز للمسبوب أن يجيب بسب من ابتدأه، بشرط ألا يعتدي، ولا يكون ما سب به كذبًا أو قذفًا أو سببًا لإتلافه، فمن صور الجائز أن يقول له: يا ظالم. أو: يا أحمق. أو: جافي. أو نحو ذلك مما لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف. ولا خلاف في جواز الانتصار، وقد تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣). ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). وقوله ﷺ : "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا" (٥). قال العلماء: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء والإثم المستحق لله تعالى. وقيل (ب): يرتفع عنه الإثم، ويكون على البادئ اللوم والذم لا الإثم.
وقوله: "وقتاله كفر". فيه دلالة على أنه يكفر من قاتل المسلم بغير حق، وهذا لا خفاء فيه في حق من استحل قتال المسلم أو، قاتله لأجل
стр. 4249
إسلامه، وأما إذا كان المقاتلة لغير ذلك فإطلاق الكفر عليه مجاز، ويراد به كفر الإحسان والنعمة، (أوأخوة الإسلام أ)، لا كفر الجحود، أو سماه كفرًا لأنَّه قد يئول إلى الكفر لِما (ب) يحصل من المعاصي من الرين على القلب حتى يعمى عن الحق، فقد يصير كفرًا. أَو أنه فعل كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم. والظاهر من المقاتلة هي المقاتلة المعروفة بالفعل المفضية إلى القتل.
قال القاضي عياض (١): ويجوز أن يكون المراد المشاررة والمدافعة.
١٢٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث". متفق عليه (٢).
قوله: "إياكم والظن". من باب التحذير، فالضمير منصوب بفعل مقدر واجب الحذف، و "الظن" معطوف عليه، والغرض منه التحذير من الظن، والمراد بالظن هنا هو الظن بالمسلم شرًّا، مثل قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ (٣). وهو ما يخطر في النفس من التجويز المحتمل للصحة
стр. 4250
والبطلان، فتحكم به وتعمل عليه. كذا فسر الحديث في "مختصر النهاية" للسيوطي. قال الخطابي (١): والمراد التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب [لها] (أ) يوجبها، كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. قال النووي (٢): والمراد النهي عن تحقيق التهمة والإصرار عليها وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به كما في حديث تجاوز الله تعالى عما تحدث به الأمة ما لم تتكلم أو تعمل (٣). ونقله القاضي عياض عن سفيان.
وظاهر الحديث النهي عن الظن، وإن كان في حق من قد ظهر منه الشر والفحش، ولكنه معارض بما جاء في الحديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن". أخرجه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي، والعسكري (٤) عن أنس مرفوعًا، قال الطبراني: تفرد به بقية. ولأبي الشيخ والديلمي (٥) عن علي ﵁ من قوله: الحزم سوء الظن. وأخرجه القُضاعي في "مسند الشهاب" (٦) عن عبد الرحمن بن عائذ مرفوعًا مرسلًا، وكل طرقه ضعيفة
стр. 4251
وبعضها يتقوى ببعض. وأخرجه أحمد، والبيهقي (١)، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد التابعين من قوله، وأخرجه تمام في "فوائده" (٢) عن ابن عباسٍ مرفوعًا بلفظ: "من حسن ظنه في الناس كثرت ندامته".
ونظمه بعضهم فقال (٣):
لا يكن ظنك إلا سيئًا ... إن سوء الظن من أقوى الفطن
ما رمى الأنفس في مكروهها ... أسفًا أقوى من الظن الحسن
ولكنه محمول على الظن بأهل الشر والفجور، والأول على من لم يظهر منه شر وكان ظاهر حاله السلامة، وقد روت عائشة ﵂ (٤): من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ (٥).
وروي عن علي ﵁، أنه إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجلٌ الظن برجل لم يظهر منه خَرَبة (٦) فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله، وأحسن رجل الظن برجل، فقد غرر.
قال جار الله الزمخشري (٧) رحمه الله تعالى: الظن ينقسم إلى واجبٍ، ومندوب، وحرام، ومباح؛ فالواجب حسن الظن بالله، والحرام سوء الظن
стр. 4252
به تعالى، وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله ﷺ : "إياكم والظن". الحديث. والمندوب حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين. والجائز مثل قول أبي بكر ﵁ لعائشة: إنما هو أخواك وأختاك (١). لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته أنثى، ومن ذلك ظن السوء لمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سوء الظن به؛ لأنه قد دل على نفسه، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلَّا خير، ومن دخل في مداخل السوء اتُّهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء، والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عمَّا سواها، أن كل ما لم يعرف له أمارة صحيحة، وسبب ظاهر كان حرامًا واجبًا الاجتناب؛ وذلك كأهل الستر والصلاح، ومن أُنست منه الأمانة في الظاهر، ومقابله بعكس ذلك. انتهى بمعناه في "الكشاف".
ويؤيد هذا التفصيل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ (٢).
وحمله بعضهم على العمل بالظن في الأحكام الشرعية، وأراد بالظن هو تغليب أحد الجانبين (أ)، وهو بعيد لا يلتفت إليه؛ لعدم مناسبته سياق الحديث، وعطف: "ولا تجسسوا" عليه كما في رواية البخاري.
стр. 4253
وقوله: "فإن الظن أكذب الحديث" الحديث. المراد بالظن الشيء المظنون، وهو تحقيق الخاطر ولو بالفعل، وسماه حديثًا تغليبا للقول على غيره، وإنما كان أكذب الحديث، لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وهو قبيح ظاهرًا لا يحتاج إلى إظهار قبحه، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه مستند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذبًا بحسب الغالب، فكان أشد الكذب. والله أعلم.
١٢٥٢ - وعن معقل بن يسار ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة". متفق عليه (١).
الحديث أخرجه البخاري من رواية الحسن أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ : سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة". وفي رواية للبخاري (٢) عن الحسن قال: أتينا معقل بن يسار نعوده، فدخل علينا عبيد الله بن زياد، فقال له معقل: أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال: "ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة". وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى إحدى روايتي مسلم.
стр. 4254
معقل بن يسار، بتحتانية ثم سين مهملة خفيفة هو المزني الصحابي المشهور، توفي فيما ذكره البخاري (١) في "الأوسط" بالبصرة فيما بين الستين إلى السبعين، وذلك في خلافة يزيد بن معاوية، وكان عبيد الله بن زياد أميرًا على البصرة في أيام معاوية وولدِه يزيد.
قوله: "ما من عبد". "من" زائدة لتأكيد معنى النفي، أي: ما عبد.
وقوله: "يسترعيه الله تعالى رعية". أي: طلب منه أن يكون راعيًا، والراعي هو القائم بمصالح ما ورعاه، وفي ننسخة الصَّاغاني (٢) للبخاري بلفظ: "استرعاه الله".
وقوله: "يموت يوم يموت". يعني: يدركه الموت وهو يتصف بالغِش غير تائب منه.
وقوله: "وهو غاش لرعيته". الغش ضد النصح، وهو معنى قوله في الرواية الثانية: "فلم يحطها بنصيحة". وكأنه لا واسطة بين الغش وعدم النصح، ويتحقق الغش بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس ما يستحقونه من مال الله سبحانه المعدود للمصارف، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم أو دنياهم، أو بإهمال الحدود فيهم، أو عدم ردع المفسدين منهم، أو ترك حمايتهم من عدوهم، أو تولية من يحابيه لا لغرض إصلاحهم، أو تولية مَن غيره أولى بالقيام بحقوقهم.
وقد جاء في هذين الأخيرين تحذير خاص؛ ما رواه أبو بكر ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا
стр. 4255
محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم". أخرجه الحاكم (١) وصححه، لكن فيه من وثقه ابن معين في رواية، ووهاه في غيرها (٢). وأخرجه أحمد (٣)، وأخرج الحاكم (٤) وصححه، عن ابن عباسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعمل رجلًا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين". وفي إسناده واهٍ، إلا أن ابن نمير وثقه، وحَسَّن له الترمذي غير ما حديث. قال الحافظ المنذري (٥) بعد أن ذكر ذلك: وصحح له الحاكم، ولا يضر في المتابعات.
ويؤخذ منه أن عزل الصالح وتولية مَن هو دونه يكون من الغِش.
وقوله: "إلا حرم الله عليه الجنة". خبر "عبد" المجرور لفظًا بـ "من" الزائدة واقع بعد "إلا" لقصد الحصر، أي: هو مقصور بالاتصاف بتحريم الجنة عليه.
والحديث يدل على أن الغش محرم وهو من الكبائر التي ورد الوعيد عليها بعينها؛ فإن تحريم الجنة نص الله تعالى عليه في كتابه أن الله حرمها على الكافرين، فهذا الذي اتصف بهذه الصفة إذا كان محرمًا عليه الجنة اقتضى أنه من أهل النار الخالدين فيها، فأما على قاعدة العدلية (٦) من تخليد صاحب الكبيرة فلا إشكال عليه، بل يكون الحديث من حججهم، وأما على قاعدة
стр. 4256
من يقول: إن أهل التوحيد لا يخلد العصاة منهم في النار. فيحتاج إلى تأويل؛ فقال بعضهم: يحمل هذا على من استحل، الغش فيكون كافرًا مخلدًا في النار. وقال بعضهم: يحمل على الزجر والتغليظ، فكأنه قال: يمنع من الجنة ويكون في النار أوقاتًا متكاثرة مشابهة للخلود. ويتأيد هذا بما وقع في رواية لمسلم (١) بلفظ: "لم يدخل معهم الجنة". ولا يلزم منه الخلود في النار. وقال ابن بطال (٢): هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه اللهُ أو خانهم أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى: "حرم اللهُ عليه الجنة". أي: أنفذ عليه الوعيد، ولم يُرض عنه المظلومين. ونقل ابن التين عن الداودي بأن هذا ورد في حق الوالي الكافر؛ لأن المؤمن لا بد له من نصيحة. قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: وهذا احتمال بعيد والتعليل مردود؛ فإن الكافر قد يكون ناصحًا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك الكفر. انتهى. ومن طالع التواريخ ورأى نصيحة كثير من الأكاسرة والقياصرة وغيرهم من الملوك الكفرة لرعاياهم وحمايتهم عن المظالم وقيامهم بحفظ ممالكهم والذب عنها تحقق ما قاله المصنف.
وقد روي مثل هذا الحديث [عن] (أ) غير معقل بن يسار. أخرج
стр. 4257
الطبراني (١) في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفل المزني، فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عمَّا أراك تصنع. فقال له: وما أنت وذاك؟! قال: ثم خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام مثل هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت (أ) ألا أموت حتى أقول به على رءوس الناس. ثم قام، فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب. ويحتمل أن القصة وقعت للصحابيين جميعًا.
وفي الباب أحاديث كثيرة؛ أخرج مسلم (٢): "ما من أمير يلي أمور المسلمين لا يجهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة". ورواه الطبراني (٣) وزاد: "كنصيحته وجهده لنفسه". والطبراني (٤) [بسند] (ب). رواته ثقات إلا واحدًا اختلف فيه: "من ولي من أمور المسلمين شيئًا فغشهم فهو في النار". والطبراني (٥) بإسناد حسن: "ما من إمام ولا وال بات ليلة
стр. 4258
سوداء غاشًّا لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة". وفي رواية (١) له: "ما من إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وعَرْفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا". وغير ذلك من الوعيد الشديد الذي تُوعّد به من كفر بالله ، نسأل الله تعالى السلامة من الأعمال المردية، والأهواء المخزية، بمنِّه ورحمته.
١٢٥٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه". أخرجه مسلم (٢).
قوله: "فشق عليهم". أي: أدخل عليهم المشقة، أي المضرة. قال صاحب "العين" (٣): تقول: شق الأمر عليك مشقة. أي: أضَر بك.
وقوله: "فاشقق عليه". أي اجعل جزاءه من جنس عمله جزاءً وفاقًا، وتمام الحديث: "ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". رواه أبو عوانة (٤) في "صحيحه"، وقال فيه: "ومن ولي منهم شيئًا فشق عليهم فعليه بَهلة الله". قالوا: يا رسول الله، وما بهلة الله؟ قال: "لعنة الله". والحديث يدل على أنه يجب على الوالي تيسير الأمر على من وليه، والرفق بهم، ومعاملتهم بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم؛ لئلا
стр. 4259
يدخل عليهم المشقة. وقد عند بعض العلماء مشقة الوالي على من وليه من الكبائر، وهو صريح حديث أبي عَوانة؛ فإن اللعنة إنما تكون على من فعل الكبيرة. والله أعلم.
١٢٥٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه". متفق عليه (١).
١٢٥٥ - وعنه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، أوصني. قال: "لا تغضب". فردد مرارًا. قال: "لا تغضب". أخرجه البخاري (٢).
قوله: "إذا قاتل". وفي رواية لمسلم (٣): "إذا ضرب أحدكم". وفي رواية (٤): "فلا يلطمن الوجه". وفي رواية (٥): "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته".
الحديث فيه دلالة على حرمة الوجه زيادة على سائر البدن، وأنه يترقى عن أن يصاب بضرب أو لطم ولو في حد، وذلك لأن الوجه لطيف مجمع المحاسن، وأعضاؤه نفيسة لطفة، وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه، وقد ينقصها، وقد يشوه الوجه، والشَّين فيه فاحش؛ لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب لا يسلم من شين غالبًا، ويدخل في النهي
стр. 4260
ما إذا أراد تأديب الولد أو الزوجة أو العبد؛ فإنه يجب اجتناب الوجه.
والتعليل بقوله: "فإن الله خلق آدم على صورته". أي: صورة هذا المضروب، كما هو ظاهر عبارة مسلم. يعني أن الوجه الذي في المضروب هو على نحو ما خلق آدم عليه، وآدم خلق في أكمل الأحوال وأشرف الصفات، فينبغي احترامه، والضمير في: "صورته". يعود إلى المضروب. وقالت طائفة: يعود إلى آدم. والمعنى غير مناسب. وقالت طائفة: يعود إلى الله تعالى. ويكون المراد بالإضافة التشريف والاختصاص، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (١). وكما يقال في الكعبة: بيت الله. وبعضهم جعله من أحاديث الصفات التي قال فيها جمهور السلف: نؤمن بأن ظاهرها غير مراد، ولها معنى يليق بها في حق الله تعالى وإن خفي علينا، وأنه ليس كمثله شيء. وهو أسلمُ من التكلف.
قال المازري (٢): هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت، ورواه بعضهم: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" (٣). وهذا ليس بثابت عند أهل الحديث، وكأن من رواه رواه بالمعنى الذي وقع له، وغلط في ذلك. واللهُ أعلم.
وقاله: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أوصني. الرجل جاء في رواية أحمد وابن حبان والطبراني (٤) مفسرًا ومبهمًا، والتفسير بتسميته جارية -
стр. 4261
بالجيم- بن قدامة، ويحتمل أن يفسر المبهم بغيره، فقد جاء في رواية للطبراني (١) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا رسول الله، قل لي قولًا أنتفع به وأقلل. قال: "لا تغضب ولك الجنة". وفي حديث ابن عمر عند أبي يعلى (٢): قلت: يا رسول الله، قل لي قولًا لعلي أعقله. وجاء في حديث أبي الدرداء (٣): دلني على عمل يدخل الجنة.
وفي حديث ابن [عمرو] (أ) عند أحمد (٤): ما يباعدني من غضب الله. زاد أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عند الترمذي (٥): ولا تكثر علي؛ لعلي أعيه.
وقوله: فردد مرارًا. بيَّن عثمان بن أبي شيبة (٦) في روايته عددها قال: "لا تغضب". ثلاثًا.
وقوله: "لا تغضب". قال الخطابي (٧): [اجْتَنِب] (ب) أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأمَّا نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه؛ لأنه أمر
стр. 4262
جبلي. وقال غيره: وقع النهي عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة. وقيل هو نهي عما ينشأ عنه الغضب، وهو الكبر؛ لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، فالذي يتواضع حتى تذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب. وقيل: معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب. وإنما اقتصر النبي ﷺ على هذه الخصلة، قال بعضهم: لعل السائل كان غضوبًا، وكان النبي ﷺ يأمر كل أحد بما هو أولى به. وقال ابن التين (١): جمع النبي ﷺ في قوله: "لا تغضب". خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يئول إلى التقاطع ومنع الرفق، ويئول إلى أن يؤذي الذي غضب عليه بما لا يجوز، فيكون نقصًا في دينه. انتهى. ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن الغضب ينشأ عن النفس والشيطان، فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة، كان لقهر نفسه عن غير ذلك بالأولى. وقد تقدم (٢) قريبًا كلام حسن يتعلق بالغضب.
١٢٥٦ - وعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة". أخرجه البخاري (٣).
стр. 4263
الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على من لم يستحق شيئًا من مال الله تعالى -بألا يكون من المصارف التي عين أن يأخذه ويتملكه، وأن ذلك من المعاصي الموجبة للنار، ويَدْخل في هذا النوع من كان بيده مال الله تعالى من إمام أو وال، وصرفه في غير مصارفه اتباعًا لتشهِّيه واختياره.
١٢٥٧ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا". أخرجه مسلم (١).
قوله: "حرمت الظلم". التحريم في اللغة بمعنى المنع من الشيء. وفي الشرع: ما يستحق فاعله العقاب. وهذا ممتنع في حق الله تعالى، ولكنه مراد به أنه سبحانه متقدس ومتنزه عن الظلم، فأطلق عليه التحريم؛ لمشابهته الممنوع بجامع عدم الشيء (٢)، والظلم مستحيل (أ) في
стр. 4264
حقه تعالى؛ لأن الظلم هو التصرف في غير الملك، أو مجاوزة الحد، وكلاهما مستحيل في حق الله تعالى؛ لأنه المالك للعالم كله، السلطان المتصرف كيف شاء.
وقوله: "فلا تظالموا". وفي رواية (١): "فلا تَظْلِموا". و: "تظالموا". بفتح التاء، مضارع بحذف حرف المضارعة، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضًا. وهو توكيد لقوله: "وجعلته بينكم محرمًا". وزيادة في تغليظ تحريمه.
١٢٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك يما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته". أخرجه مسلم (٢).
قوله: "ما الغيبة؟ ". هي بكسر الغين المعجمة.
стр. 4265
الحديث فيه تعريف الغيبة وبيان حقيقتها، وقد اختلف العلماء في حدها وفي حكمها؛ فقال الراغب (١): هي أن يذكر الإنسان عَيْبَ أخيه من غير محوج إلى ذكر ذلك. وقال الغزالي (٢): هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه. وقال ابن الأثير في "النهاية" (٣): هي أن تذكر الإنسان في غيبته بسوءٍ وإن كان فيه. وقال النووي في "الأذكار" (٤) تبعًا للغزالي: ذكر المرء بما يكره؛ سواء كان في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلقه، أو ماله، أو والده، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسه، أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر سوءٍ، سواء ذكر باللفظ، أو بالإشارة، أو بالرمز.
قال النووي (٥): ومن ذلك التعريض في كلام المصنفين، كقولهم: قال من يدعي العلم. أو: بعض من ينسب إلى الصلاح. أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به. ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة. ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة.
стр. 4266
وظاهر الحديث أن الغيبة ليس من شرطها أن تكون في حق الغائب، فإن قوله: "ذكرك أخاك بما يكره". يشمل الحاضر والغائب، وقد ذهب إلى هذا جماعة. ويكون هذا الحد الأثري لها بيان معناها الشرعي. وأما اللغوي، فالاشتقاق من الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح تقي الدين وغيره، أن معناها الشرعي موافق للغوي، وروى حديثًا مسندًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة" (١). فيكون هذا مخصصًا لحديث أبي هريرة.
قال ابن فورك في "مشكل القرآن" في تفسير "الحجرات": الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب. وقال سليم الرازي في "تفسيره": الغيبة أن يذكر الإنسان من خلفه بسوءٍ وإن كان فيه. وكذا ذكر الزمخشري (٢)، وأبو نصر القشيري في "تفسيره"، والمنذري (٣)، والكرماني (٤)، وابن خميس (أ) في جزءٍ مفرد له في الغيبة، والإمام المهدي صرح بذلك في "الأزهار"، ولعل المستند هو الحديث المتأيد بالاشتقاق. وأما ذكر العيب في الوجه فهو كذلك حرام؛ لما فيه من الأذى. وذكر الأخ يدل على أن من لم يكن أخًا فلا يكون عيبه غيبة، وأما الكافر الحربي فإيذاؤه جائز، إلا أن يكون بانتقاص الخلقة، فالأولى عدم الجواز؛ لأن في ذلك انتقاصًا بفعل خالقها الذي أحسن كل
стр. 4267
شيء خلقه، وأمَّا الذمي فحكمه حكم المسلم في تحريم الإيذاء في العرض، وقد روى ابن حبان (١) في "صحيحه" أن النبي ﷺ قال: "من سَمَّع يهوديًّا أو نصرانيا فله النار". ومعنى: "سَمَّع"، أسمعه ما يؤذي. وهذا دليل واضح في التحريم للأذى. قال الغزالي: وأمَّا المبتدع فإن كفر ببدعته فكالحربي، وإلا فكالمسلم، وأما ذكره ببدعته فليس مكروهًا. وقال ابن المنذر: في الحديث دلالة على أن من ليس بأخ؛ كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ومن قد أخرجته بدعته عن الإسلام، لا غيبة له. انتهى. وأمَّا غيبة مرتكب الكبيرة فقد تقدم الكلام فيه قريبًا، ويجوز أن يقال: إن قوله: "أخاك". ليس للتقييد، وإنما هو لترقيق المخاطب وتعريفه بخطئه، فإن الأخ لا يرضى بنقص أخيه، فيكون النهي عامًّا، ولا يخرج منه إلا لمخصص، كما هو القاعدة المعروفة.
وقوله: "بما يكره". ظاهره أنه إذا كان المعيب لا يكره ما ذكر فيه من العيب، كما قد يوجد فيمن يتصف بالخلاعة والمجون، أنه يجوز، ولا [بُعد] (أ) في جوازه، إلا أن يكون بانتقاص الخلقة، فالظاهر أنه لا يجوز؛ لما عرفت.
وقوله: "فقد بَهَته". بفتح الباء الموحدة وفتح الهاء المخففة، يعني: قلت فيه البهتان. وهو الباطل، وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه، فاستعمل في معنى قول الباطل وإن كان في الغيبة، مجازًا مرسلًا من استعمال المقيد في المطلق، وهو كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ
стр. 4268
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١).
والحديث فيه دلالة على تفسير الغيبة المنهي عنها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٢).
واختلف العلماء هل الغيبة من الكبائر أم من الصغائر؟ فنقل أبو عبد الله القرطبي (٣) في "تفسيره" الإجماع على أن الغيبة من الكبائر؛ لأن حد الكبيرة صادق عليها، ونص عليه الشافعي فيما نقله عنه الكَواشي في كتابه المعروف بـ "آداب القضاء" من القديم، واستدل بقوله ﷺ : "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" (٤). وجزم به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في "عقيدته"، في الفصل المعقود للكبائر، وكذا الحبُلي في "شرح التنبيه"، وكذلك الكواشي في "تفسيره"، وهو معدود من الشافعية. وقال: إنها من عظائم الذنوب. وذهب الغزالي وصاحب "العدة" إلى أنها من الصغائر. قال الأذرعي: لم أر من صرح بأنها من الصغائر غيرهما. وذهب الإمام المهدي وغيره من الهدوية إلى أنها محتملة للكبر والصغر، على قاعدة المعتزلة أن ما لم يقطع بكبره فهو محتمل في حق غير الأنبياء. وذهب الجلال البلقيني إلى أنها من الصغائر. قال: لأن الله تعالى شبهها بكراهية أكل لحم الميت، فقال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ
стр. 4269
أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (١). قال بعض العلماء: قيل: معناه أنهم لا بد أن يجيبوا بأن يقولوا: لا أحد. فقال لهم تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وأما الأحاديث فلم أر فيها ذكر [المغتاب] (أ) ولا وعيد العذاب. وقد روى أحمد وأبو داود (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". انتهى. وهذا لا يدل على أنها كبيرة، إنما يدل على تحريمها والتنفير منها: الزجر عنها. انتهى كلام الجلال.
ويجاب عليه (ب) بأن الآية الكريمة تدل على المبالغة في التنزه عن الغيبة، كما أن الطبع ينفر ويتنزه عن إساغة لحم الأخ ميتًا، وهي وإن لم يذكر فيها صريح الوعيد بالنار فهو متضمن. قال الزركشي: والعجب ممن يعد أكل الميتة كبيرة ولا يعد الغيبة كذلك، والله تعالى أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي، وأما ما ذكر أن الأحاديث لم يذكر فيها وعيد المغتاب، فحديث المعراج صريح في العقاب، وأي عقاب أعظم من ذلك؟.
وفي الحديث من وعيد المغتاب الكثير المهول لذلك أشد الهول. وقد
стр. 4270
ورد أيضًا في حديث القبر المعذب صاحبه ما أخرجه أحمد وغيره (١) بسند صحيح عن أبي [بكرة] (أ) ﵁، قال: بينا أنا أماشي رسول الله ﷺ وهو آخذٌ بيدي ورجل عن [يساره] (ب)، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبيرة -وبكى- فأيُّكم يأتيني بجريدة؟ ". فاستبقنا فسبقته، فأتيته بجريدة فكسرها نصفين، فألقى على هذا القبر قطعة وألقى على ذا القبر قطعة، قال: "إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول". وأخرج أحمد (٢) بسند رواته ثقات إلا عاصمًا (٣) أحد القراء السبعة قَبِلَه جماعة، ورده آخرون، وحديثه حسن، أنه ﷺ أتى على قبر يعذب صاحبه، فقال: "إن هذا كان يأكل لحوم الناس". وأخرج ابن جرير (٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بقيع الغرقد، فوقع على قبرين ثريين، فقال: "أدفنتم فلانًا وفلانة؟ " -أو قال: "فلانًا وفلانا"- قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لقد أقعد فلان الآن فضرب". ثم قال: "والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره نارًا، ولقد صرخ صرخةً سمعها
стр. 4271
الخلائق إلا الثقلين؛ الإنس والجن، ولولا تمرُّغ (أ) في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" (ب). قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، وما ذنبهما؟ قال: "أما فلان، فكان (جـ) لا يستبرئ من البول، وأما فلان -أو قال: فلانة- فإنه كان يأكل لحوم الناس". ورواه من طريق ابن جرير أحمد (١) لكن بلفظ: "بالنميمة". وزاد فيه قال: يا رسول الله، حتى متى هما يعذبان؟ قال: "غيب لا يعلمه إلا الله تعالى".
وقد يؤخذ من إيراد هذا الحديث في الغيبة، أن الغيبة نوع من النميمة، إذا قيل باتحاد القصة؛ وذلك لأن النميمة هي إسماع المقول فيه ما قاله القائل، ولو سمعه القائل لكره أن ينقل عنه ذلك، فقد صدق: "ذكرك أخاك بما يكره". قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: إن الغيبة قد توجد في بعض صور النميمة؛ وهو أن يذكره في غيبته ممَّا يسوءه قاصدًا بذلك الإفساد بينه وبين السامع، فيحتمل أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كانت كذلك، ويحتمل أن تكون القصة متعددة، وأن عذاب القبر تكون من أسبابه الغيبة والنميمة، فبزيادة قيد الإفساد تكون الغيبة أعم مطلقًا، إذ لا يشترط فيها قصد الإفساد، وإذا قلنا: إن الغيبة لا تكون إلا في الغيب يكون
стр. 4272
بينهما عموم وخصوص من وجه.
واعلم أنها قد تجب الغيبة أو تباح لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها، وذلك لستة أسباب:
الأول، التظلم، فيجوز لمن ظُلِمَ أن يشكو ظلامته على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها. الثاني، الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته، فيقول له: فلان فعل كذا. في حق من لم يكن مجاهرًا بالمعصية. الثالث، الاستفتاء بأن يقول لمفت: فلان ظلمني بكذا، فما طريقي إلى الخلاص؟ الرابع، التحذير للمسلمين من الاغترار بالمذكور؛ كجرح الرواة، والشهود، والمتصدرين لإفتاءٍ أو إقراءٍ مع عدم الأهلية (أ).
الخامس، ذكر من يجاهر بفسقه أو بدعته؛ كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، فيجوز ذكرهم بما يجاهروا به دون غيره، وقد تقدم.
السادس، التعريف بالشخص بما فيه من العيب؛ كالأعور والأعرج والأعمش وغير ذلك، ولا يراد به نقصه وغيبته.
وهذه الأسباب الستة مجمع عليها، وقد نظمها ابن أبي شريف، فقال:
الذم ليس بغيبة في ستة ... مُتَظَلِّم ومُعرِّف ومحذرِ
ولمُظهر فسقًا ومستفت ومَن ... طلَب الإعانة في إزالة منكرِ
ودلت عليها الأحاديث، كالذي استأذن عليه ﷺ ، فقال: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة". متفق عليه (١). وروى البخاري (٢) حديث: "ما أظن
стр. 4273
فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا". قال الليث: كانا منافقين، هما مخرمة بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وعُيَيْنة بن حصن الفزاري. وقوله: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه" (١).
وقصة زيد بن أرقم يرفعه ما قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة (٢). وشكاية هند من أبي سفيان بأنه رجل شحيح (٣).
لطيفة: ذكر بعضهم مناسبة كون النميمة والبول سببين في عذاب القبر؛ وذلك أن البرزخ مقدمة للآخرة، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله تعالى الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء. ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث، ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة، بنشر الفتن التي تسفك الدماء بسببها.
١٢٥٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقِر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". أخرجه مسلم (٤).
стр. 4274
الحديث أخرجه مسلم من طرق (أ) بزيادة ونقصان، وهذه الطريق هي أتم الطرق، إلا أن في بعض رواياته: "ولا تنافسوا" (١). عوض: "ولا تناجشوا".
وكذا في جميع الروايات عن مالك بلفظ: "ولا تنافسوا". بالفاء والسين المهملة. وكذا أخرجه الدارقطني (٢) في "الموطآت"، وكذا ذكره ابن عبد البر (٣) من رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن مالك. وفي جميع نسخ "البخاري" (٤) بلفظ: "ولا تناجشوا". والحاصل أنه وقع الاختلاف في هذه اللفظة من الرواة عن أبي هريرة، وكذلك وقع الاختلاف من الرواة عن مالك، ولعل اللفظين واقعان، إلا أن الراوي قد يختصر الرواية، وقد يذكر أحد اللفظين ويترك الآخر.
فقوله: "لا تحاسدوا". المحاسدة لا تكون إلا بين اثنين فصاعدًا، ويكون النهي عن وقوع الحسد من جانبين، وكذلك الحسد من جانب واحد بالأولى؛ لأنه إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة المتضمنة جزاء سيئة سيئة مثلها، فمع الانفراد بطريق الأولى. وقد مر الكلام على الحسد قريبًا (٥).
وققوله: "ولا تناجشوا". بالجيم والشين المعجمة، من النجش، وقد مر
стр. 4275
الكلام عليه في البيع (١).
وأما رواية: "ولا تنافسوا". من المنافسة، والتنافس الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به (أ)، تقول: نافست في الشيء منافسة ونفاسًا. إذا رغبتَ فيه. والمعنى النهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها.
وقوله: "ولا تباغضوا". أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يكتسب (ب) ابتداءً. وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلة المفضية للتباغض. والأَوْلَى أنه لأعم من هذا، فقد يكون للهوى، وقد يكون لظن السوء، وقد يكون للحسد وغير ذلك. والتباغض: تفاعل، وفيه ما في قوله: "لا تحاسدوا". والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فأما ما كان لله تعالى فهو واجب يثاب فاعله عليه؛ لأن في ذلك حقيقة الإيمان، أن تبغض في الله وأن تحب في الله.
وقوله: "ولا تدابروا". قال الخطابي (٢): أي: لا تهاجروا، فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن عبد البر (٣): قيل للإعراض: مدابَرة. لأن من أبغض أعرض، (جـ ومن أعرض جـ) ولى دبره، والمحب بالعكس. وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم على