أجمع لخير (أ) الدُّنيا والآخرة منه. قال: وقيل. النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب. قال: وقيل: إنَّها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع الخليط. قال: ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: "الحج عرفة" (١). أي عماده ومعظمه عرفة. قال النووي (٢) رحمه الله تعالى: أما تفسير النصيحة وأنواعها، فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلامًا نفيسًا أنا أضم بعضه إلى بعض مختصرًا؛ قالوا: أما النصيحة لله تعالى؛ فمعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه تعالى عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها، والتلطف بجميع النَّاس أو من أمكن منهم عليها. قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصح.
وأمَّا النصيحة لكتابه ، فالإيمان به بأنه كلام (ب) الله تعالى
стр. 4342
وتنزيله، لا يشبه شيئًا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد، ثم يعظمه ويتلوه حق تلاوته ويحسنها بالخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه (أوأمثاله أ)، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته.
وأمَّا النصيحة لرسول الله ﷺ ؛ فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًّا وميتًا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته ونفي التهمة عنها، و [استثارة] (ب) علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها، والإمساك [عن] (جـ) الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك.
وأمَّا النصيحة لأئمة المسلمين؛ فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم
стр. 4343
يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب النَّاس لطاعتهم.
قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصَّلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم (أ) حيف أو سوء عشرة، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح (ب). وهذا كله بناء على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات، وهذا هو المشهور وحكاه أيضًا الخطابي ثم قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين وأن من نصحهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم.
وأمَّا نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمر، فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ودنياهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط
стр. 4344
[هممهم] (أ) إلى الطاعات، وقد كان في السلف رحمهم الله تعالى من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه، والله أعلم. هذا آخر ما تلخص في (ب) تفسير النصيحة. قال ابن بطال (١) رحمه الله تعالى في هذا الحديث: إن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا، وإن الدين يقع على العمل كما يقع على القول. قال: والنصيحة فرض كفاية يجزئ فيها من قام به ويسقط عن الباقين. قال: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنَّه يقبل نصحه، ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة (جـ)، والله أعلم. انتهى كلام النووي.
١٢٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الحلق". أخرجه التِّرمذيُّ (٢) وصححه الحاكم.
١٢٩٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم لا تسعون النَّاس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". أخرجه أبو يعلى وصححه الحاكم (٣).
стр. 4345
١٢٩٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن مرآة أخيه المؤمن". أخرجه أبو داود بإسناد حسن (١).
قوله: "أكثر ما يدخل الجنة (أ) ". الحديث فيه دلالة على عظم تقوى الله وحسن الخلق، وأمَّا تقوى الله ؛ فلأنها الجامع لفعل الطاعات واجتناب المقبحات، فمن راعاها فقد استكمل العمل بشرائع الإسلام، وأمَّا حسن الخلق فهو كذلك وصف جامع لمحاسن العبادات والعادات، فكان الخصلتان من أعظم أسباب دخول الجنة، وفيه دلالة على أنَّه قد يدخل الجنة غيرهما من الأعمال إلَّا أنَّه قد يحمل الأكثر على الجميع إذا قيل: إن جميع الأعمال المقربة إلى دخول الجنة لا تخلو عن الخصلتين الشريفتين، وأمَّا إذا أريد أنَّه قد يدخل الجنة بغير عمل، كمن يدخل بالشفاعة، وكما في الصَّغير والمجنون، فـ "أكثر" مراد به (أ) معناه الحقيقي، ويدل بمفهومه أنَّه قليل ما يدخل الجنة بغيرهما، وقد تقدم الكلام قريبًا (٢) في تحقيق حسن الخلق، وجاءت فيه أحاديث كثيرة، أخرج البُخاريّ (٣): "إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا". وفي رواية له (٤): "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا". أخرج أبو يعلى (٥) من حديث أنس يرفعه: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا". وللترمذي
стр. 4346
وحسنه والحاكم (١) وصححه من حديث أبي هريرة: "أحسن النَّاس إسلامًا". ومثله لأحمد (٢) بسند رجاله ثقات من حديث جابر بن سمرة، وللترمذي (٣) من حديث جابر يرفعه: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا". وأخرجه البُخاريّ في "الأدب المفرد" (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وللبخاري في "الأدب المفرد" وابن حبان والحاكم والطبراني من حديث أسامة بن شريك (٥)، قالوا: يا رسول الله، من أحب عباد الله إلى الله؟ قال: "أحسنهم خلقًا". وفي رواية عنه: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "خلق حسن". وقد تقدم حديث النواس بن سمعان، وهو عند البُخاريّ في "الأدب المفرد" (٦)، وزاد التِّرمذيُّ فيه والبزار (٧). "وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة". وأخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم (٨) من حديث عائشة، والأحاديث في ذلك كثيرة.
стр. 4347
وحكى ابن بطال (١) تبعًا للطبري (أ)، خلافًا هل هو غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال: إنه غريزة. بحديث ابن مسعود: "إن الله قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم". وهو عند البُخاريّ في "الأدب المفرد" (٢). وقال القرطبي في "المفهم" (٣): الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن [غلب] (ب) عليه شيء منها، فإن كان محمودًا فهو الحسن، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتَّى يصير محمودًا، وكذا إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتَّى يقوى. وقد وقع في حديث الأشج العصري عند أحمد والنَّسائيُّ والبخاري في "الأدب المفرد" وصححه ابن حبان (٤) أن النَّبيَّ ﷺ قال له: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة". قال: يا رسول الله، قديمًا كانا في أو حديثًا؟ قال: "قديمًا" (جـ). قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما. وتقدم حديث الجنة وفيه: "ألا يسأل شيئًا
стр. 4348
إلَّا أعطاه". فهو يدل على أن ذلك غَرِيزي، والله سبحانه أعلم.
وقوله في الحديث الثَّاني: "لا تسعون النَّاس بأموالكم". المراد بالسعة شمول النَّاس بإعطاء المال؛ لحقارة المال وكثرة النَّاس، وأن ذلك غير داخل في مقدرة البشر، وأمَّا شمول الأخلاق من البشر والطلاقة ولين الجانب وخفض الجناح، وغير ذلك، فذلك ممكن، وهو مخصص بمن يجب الإغلاظ عليه كالكافر ومرتكب المنكر الذي يحتاج إلى التخشين عليه، وعطف حسن الخلُق على بسط الوجه من عطف العام على الخاص.
وقوله: "المؤمن مرآة أخيه". يعني أن المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التي ينظر فيها صورته ليطلع على ما فيها من قذى فيزيله، فشبه المؤمن بالمرآة لأخيه، وهو أنَّه إذا نظر فيه عيبًا نصحه ونبهه على إزالته، وقد أخرج الحديث أيضًا التِّرمذيُّ (١) وابن منيع، وهو داخل في حديث: "الدين النصيحة".
١٢٩٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط النَّاس ولا يصبر على أذاهم". أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن وهو عند التِّرمذيُّ إلَّا أنَّه لم يسم الصحابي (٢).
الحديث فيه دلالة على فضيلة الصبر والعفو عن المظالم وكظم الغيظ، وهذه الخصال إنما تكون مع من يخالط النَّاس، ويقل حصولها مع من لا يخالط.
стр. 4349
١٢٩٧ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهم أحسنت خَلْقي فحسِّن خُلُقِي". رواه أحمد وصححه ابن حبان (١).
قوله: "أحسنت خَلْقي". الخلق بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، المراد به ما عليه الجسم من الأبعاد وكيفية أوضاعها، وتحسينه؛ هو اعتدال أوضاعها وسلامته عن العيوب. فأمَّا حسن الخلق فقد مر الكلام قريبًا في تحقيقه (٢)، وسؤاله ﷺ ذلك إنَّما هو اعتراف نحو الربوبية وتواضع لإظهار العبودية، وإلا فهو مجبول على خلق كريم، وقد جمع الله له بين حسن الخَلق والخُلق، فما أسنى جماله وأبهاه، وما أعز جنابه وأحماه (أ)، فصل اللَّهم عليه وسلم صلاة ترفعه بها أعلى مقام وأسماه.
стр. 4350
باب الذكر والدعاء
الذكر: مصدر ذكر يذكر، وهو ما يجري على اللسان، والمراد هنا هو ذكر خاص، وهو ذكر الله تعالى بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله والله أكبر، وما يلحق بهامش الحولقة (١) والبسملة والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدُّنيا والآخرة.
والدعاء مصدر دعا. والدعوة: المسألة الواحدة. والدعاء: الطّلب. والدعاء إلى الشيء: الحثُّ علي فعله بقول (أ): دعوت فلانًا. سألته. ودعوته: استعنته (ب). ويطلق أيضًا على رفعة القدر؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ (٢). كذا قال الراغب (٣). ويمكن رده إلى الذي قبله. ويطلق الدعاء أيضًا على العبادة. والدعوى بالقصر: الدعاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ (٤). والادعاء كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ (٥). ويطلق الدعاء على التّسمية؛ كقوله تعالى:
стр. 4351
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١). وقال الراغب (٢): الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد. وقال الإمام أبو القاسم القشيرى في "شرح الأسماء الحسنى" ما ملخصه (٣): جاء الدعاء في القرآن على وجوه؛ منها، العبادة: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (٤)، ومنها الاستغاثة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٥). (أومنها أ) السؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦). ومنها القول: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (٧). والنداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ (٨). والثناء: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٩). انتهى.
والمراد هنا: الطّلب من الله خير الدُّنيا وخير الآخرة، والاستعاذة من شرورهما.
وأعلم أن العلماء اختلفوا في الأفضل؛ الدعاء أو (ب) التفويض والتسليم،
стр. 4352
وذهب الأكثر إلى أن الدعاء أفضل، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فإن الأمر أقل أحواله أن يكون للندب هنا. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ (١) الآية. ودلت عليه (أ) آثار كثيرة؛ منها ما أخرجه التِّرمذيُّ (٢) من حديث أنصر رفعه: "الدعاء منع العبادة". وحديث أبي هريرة رفعه: "من لم يسأل الله يغضب عليه". أخرجه البُخاريّ في "الأدب المفرد" والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، كلهم من رواية أبي صالح الخوزي (٣) -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي معجمة- وهو مختلف فيه (٤)؛ ضعفه ابن معين (٥)، وقوَّاه أبو زرعة (٦)، وليس هو أبا صالح السمان (٧) كما ظنه الحافظ ابن كثير (٨). قال الطيبي (٩): معناه أن من لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يسأل. انتهى.
стр. 4353
وحديث ابن مسعود رفعه: "سلوا (أ) الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل". أخرجه التِّرمذيُّ (١)، وحديث ابن عمر رفعه: "إن الدعاء ينفع ممَّا نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء". وفي سنده لين، وقد صححه مع ذلك الحاكم (٢)، وأخرج الطّبرانيّ في "الدعاء" (٣) بسند رجاله ثقات إلَّا أن فيه عنعنة بقية (٤) عن عائشة مرفوعًا: "إن الله يحب الملحين في الدعاء". وذهب طائفة إلى أن ترك الدعاء والاستسلام للقضاء أفضل، وتأولوا الآية الكريمة بأن المراد بالدعاء العبادة؛ لقوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٥). ولحديث النُّعمان بن بشير عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة". ثم قرأ الآية. أخرجه الأربعة وصححه التِّرمذيُّ والحاكم (٦). وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة فأطلق في آخر الآية العبادة على الدعاء لما كان الدعاء ركنها الأعظم، كقوله: "الحج عرفة" (٧). وقال الإمام تقي الدين السبكي ﵀ (٨): إن العبادة تشمل الدعاء فهي
стр. 4354
أعم، والدعاء أخص، فأريد بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾. حقيقة الدعاء.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. مراد به العبادة من حيث عمومها للدعاء، فالربط بين العلة والمعلل عموم العبادة للدعاء، وكونه جزئيًّا من جزئيات العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء؛ لوجود الخاص في ضمن العام، وعلى هذا، فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا تركه لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كُنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحض عليه.
وقال الطيبي في حديث النُّعمان (١): أن تُحْمَلَ العبادة على المعنى اللغوي، وهو التذلل، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار، ولذا ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية. وحكى القشيري في "الرسالة" (٢) الخلاف في الأفضل، ورجح أن الأفضل الدعاء؛ لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار. قال: وشبهة القول الآخر أن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور (أ) فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. ويجاب عن الأول، أن فعل الدعاء إنَّما هو لأجل كونه عبادة فليس تحصيلًا للحاصل، وعن الثَّاني أنَّه إذا (ب) كان
стр. 4355
يعتقد أنَّه لا يقع إلَّا ما قدر (أ) الله فلا معاندة؛ لأنَّ الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها (ب). قال: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه راضيًا بقلبه. قال: والأولى أن يقال: إذا (جـ) وجاء في قلبه إشارة الدعاء، أفضل وبالعكس. ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (١). فجعل الكشف مقيدًا بالمشيئة، وظاهر قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). ألا تتخلفٌ الاستجابة عن الدعاء، وفي الواقع ليس كذلك، أنَّه ليس كل داع يستجاب له، ويجاب عنه بأنه ملتزم ألا تتخلف الإجابة عن الدعاء، ولكنها تتنوع كما ورد في حديث عبادة بن الصَّامت، أخرجه التِّرمذيُّ والحاكم (٣) بإسناد صحيح يرفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلَّا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها". ولأحمد (٤) من حديث أبي هريرة: "إما أن يعجلها له، وإما أن يدخرها له". وله (٥) من حديث أبي سعيد يرفعه: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه الله بها
стр. 4356
إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". وصححه الحاكم (١).
وللإجابة شروط؛ منها طيب المطعم والملبس؛ لحديث "فأنى يستجاب لذلك" (٢). ومنها ألا يستعجل؛ لحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يقل: دعوت فلم يستجب لي". أخرجه مالك (٣)
١٢٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البُخاريّ تعليقًا (٤).
قوله: "مع عبدي ممَّا ذكرني". أي بعلمي، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٥). والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٦). أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٧). فمعناه العلم
стр. 4357
والإحاطة، ويكون من باب الاستعارة التمثيلية، شبه إسبال الرحمة والتوفيق وإحاطته بالنعم على الذاكر مع الرضى بحاله بحال الصاحب الملازم لمن (أ) صحبه، فاستعمل فيه "مع" الدّالة على معنى الصاحبة. وقال ابن أبي حمزة (١): معناه: أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي. قال: ثم يحتمل أن يكون الذكر باللسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما، أو بامتثال الأمر واجتناب النَّهي. قال: والذي تدل عليه الأخبار أن الذكر على نوعين؛ أحدهما، مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر، والثاني، على خطر. قال: والأول مستفاد من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢). والثاني من الحديث الذي فيه: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلَّا بعدا" (٣). لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله بخوف ووجل ممَّا [هو] (ب) فيه، فإنَّه يرجى له. والحديث في البُخاريّ (٤) أخرجه عن أبي هريرة بلفظ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشير تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
стр. 4358
١٢٩٩ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله". أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني (١) بإسناد حسن.
الحديث فيه دلالة على فضيلة ذكر الله تعالى، وأنه المنجي من المخاوف في الآخرة.
١٣٠٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله إلَّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده". أخرجه مسلم (٢).
قوله: "حفتهم الملائكة". أي يدنون منهم ويقيمون حولهم، وقد جاء في حديث البُخاريّ: "فيحفونهم بأجنحتهم" (٣). أي يدنون أجنحتهم حول الذاكرين. وهو في معنى حديث مسلم؛ لأنهم إذا أدنوا أجنحتهم حولهم فقد حفوا بهم.
وقوله: "وغشيتهم الرحمة". أي صارت الرحمة محيطة بهم حتَّى صارت لهم كالغشاء المحيط بالمغشي.
والحديث فيه دلالة على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، كما في
стр. 4359
تمام حديث البُخاريّ، والمراد بالملائكة هنا هم الملائكة الطوافون لالتماس أهل الذكر، كما جاء في رواية البُخاريّ (١): "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم". قال: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدُّنيا" الحديث. والمراد بالذكر في هذا الحديث، هو التسبيح والتكبير والتحميد والتمجيد، وهذا مذكور في تمام حديث البُخاريّ من جواب الملائكة، وفي رواية الإسماعيلي (٢) زيادة: "ويذكرونك". وفي حديث أنس عند البزار (٣): "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم". ويؤخذ من هذا أنَّه لا يدخل في مجالس الذكر قراءة الحديث، ومدارسة العلم الشريف ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة، ولا يبعد أن يكون لمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما خصوصية زائدة، وإن كان الذكر يطلق على المواظبة على العمل بما أوجبه الله أو ندب إليه؛ [كقراءة] (أ) الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة. ثم الذكر يقع باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط الاستحضار لمعناه، ولكن يشترط ألا يقصد به غيره، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من
стр. 4360
تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه، ازداد كمالًا، فإن وقع ذلك في عمل صالح ممَّا فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالًا، فإن صح التوجه، وأخلص لله تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال.
وقال الفخر الرازي (١): المراد بذكر اللسان: الألفاظ الدّالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب: التفكر في أدلة الذّات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتَّى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله تعالى، والذكر بالجوارح؛ هو أن تفسير مستغرقة في الطاعات، ومن ثَمَّ سَمَّى الله الصَّلاة ذكرًا؛ فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ونقل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء؛ فذكر العينين بالبكاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضا. وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على تفضيل الذكر على سائر الأعمال وعلى الجهاد؛ كما في حديث أبي الدرداء مرفوعًا، أخرجه التِّرمذيُّ وابن ماجه وصححه الحاكم (٣): "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم". قالوا: بلى. قال: "ذكر الله ".
وقد ورد في فضل الجهاد كذلك أحاديث، وأنه أفضل من الذكر، كما
стр. 4361
في قوله: "إنه كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر" (١). وطريق الجمع، والله أعلم، أن المراد بالذكر الذي هو أفضل الأعمال؛ هو الذكر الكامل الذي يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل من الذي يقاتل الكفار من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن ذكر الله سبحانه جامعًا للسان والقلب في حال صلاته، أو صيامه، أو تصدقه، أو جهاده، فهو الذي بلغ الغاية القصوى. وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي (٢) بأنه: ما من عمل صالح إلَّا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه فليس عمله كاملًا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية، ويشير إلى هذا حديث (أ) "نية المؤمن خير من عمله" (٣). والله أعلم.
١٣٠١ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قعد قوم مقعدًا لم يذكروا الله تعالى، ولم يصلوا على النَّبيِّ ﷺ ، إلَّا كان حسرة عليهم يوم القيامة". أخرجه التِّرمذيُّ (٤)، وقال: حسن.
الحديث ورد بلفظ: "إلَّا كان عليهم حسرة" (٥). وبلفظ: "إلَّا كان
стр. 4362
عليهم تِرة" (١). والتِّرة بكسر التاء المنقوطة بنقطين من أعلى وهي بمعنى السيرة، كما في الرّواية الأخرى. وقيل: هي النَّار. وقيل: الذنب. وقال ابن الأثير (٢): هي النقص. وقيل: التبعة. والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة مثل "عِدَة"، ويجوز في "ترة" و "حسرة" الرفع على اسمية "كان"، والخبر "عليهم"، ويجوز النصب على خبرية "كان"، واسمها ضمير المجلس. وزاد الترمذي في آخره: "فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". وفي رواية صححها الحاكم (٣) -واعترضه الذَّهبيُّ بأن في سندها ضعفًا- بلفظ: "أيما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على نبيه ﷺ ، إلَّا كان عليهم ترة من الله تعالى، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم". وفي أخرى (٤): "ما جلس قوم يذكرون (أ) الله ثم لم يصلوا على نبيه ﷺ ، إلَّا كان ذلك (ب) المجلس عليهم ترة، ولا قعد قوم لم يذكروا الله تعالى إلَّا كان عليهم ترة". قال الحاكم: صحيح على شرط البُخاريّ. وفي أخرى عند أحمد (٥): "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله تعالى إلَّا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقًا فلم
стр. 4363
يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى [إلى] (أ) فراشه فلم يذكر الله إلَّا كان عليه ترة". وفي أخرى (١): "إلَّا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة؛ للثواب". وفي أخرى بسند صحيح (٢): "لا يجلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه على النَّبيِّ ﷺ ، إلَّا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة؛ لما يرون من الثواب". وجاء بسند صحيح على شرط مسلم (٣): "ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله والصلاة على نبيه ﷺ ، إلَّا قاموا عن أنتن جيفة".
وفي الحديث دلالة على وجوب الذكر والصلاة في المجلس، لا سيما إذا فسرت الترة بالنار أو العذاب، ومع زيادة قوله: "فإن شاء عذبهم". فإن التعذيب إنَّما هو للذنب، واحتمال أن يكون التعذيب بذنب آخر، وأنه مع الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ وذكر الله تعالى يغفر لهم الذنوب، ومع عدمها يكون الغفران واقفًا على المشيئة (ب)، والحسرة تكون في الموقف لما فاتهم من ثواب الذكر والصلاة، وإن صاروا إلى الجنة.
وقد ذكر أنَّه تشرع الصَّلاة عليه ﷺ في أمور مخصوصة، وهي ستة وأربعون؛ الأول: بعد الفراغ من الوضوء والغسل والتيمم. وقد ورد في
стр. 4364
ذلك أحاديث ضعيفة: "إذا فرغ أحدكم من طهره فليقل: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليصل على النَّبيِّ ﷺ ، فإذا قال، فتحت له أبواب الرحمة" (١). وفي رواية: "الجنة" (٢). وله طرق وربما رَقي (أ) بها إلى درجة الحسن، ويقاس الغسل والتيمم، وفي رواية أخرى ضعيفة (٣): "لا وضوء لمن لا يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ". أي لا وضوء كامل.
الثَّاني: الصَّلاة في التشهد الأخير -وفي الأوسط عند جماعة من الشَّافعية- وفي قنوت الوتر، وقيل عليه قنوت الفجر بلفظ: "وصل على النَّبيِّ". كذا رواه النَّسائيّ (٤)، ووهم من زاد عليه. "محمد وسلم". قال النووي (٥): والحديثٌ صحيحٌ أو حسن. واعترض عليه بأن فيه انقطاعًا مع ما فيه من الاختلاف على راويه (ب) وشذوذه. وعن بعض الصّحابة أنَّه كان إذا دخل العشر -أي الأخيرة من رمضان- زاد في قنوت رمضان: اللَّهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، اللَّهم بارك على محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهم صلِّ على عبدك ورسولك، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ونقل صاحب "الأنوار" عن العجلي،
стр. 4365
أنَّه يسن لمن قرأ آية في الصَّلاة فيها ذكر النَّبيِّ ﷺ ، أن يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويسن أيضًا للسامع، ورجح النووي أنَّه لا يندب، والأحسن أن يصلي في نفسه، ونص أحمد على أنَّه يندب ذلك في النافلة، وأطلق الحسن البصري ندبه.
الثالث: عقيب الصَّلاة، وقد روي حديث ضعيف (١): "من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة، حلت له الشفاعة مني يوم القيامة: اللَّهم أعط محمدًا الوسيلة و [اجعله] (أ) في المصطفين محبته، وفي العالين (ب) درجته، وفي المقربين داره".
الرابع: عقيب إقامتها (٢) وعقيب الأذان فتسن عقيبهما، ثم يقول: "اللَّهم رب هذه الدعوة التامة". الحديث. روى مسلم (٣): "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنَّه من صَلَّى علي صلاة صَلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة، فإنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن يكون هو أنا، فمن سأل الله تعالى لي الوسيلة حلت له الشفاعة". ومعنى "حلت": وجبت. وقد ورد في رواية
стр. 4366
صحيحة (١)، ومعنى "وجبت": ثبتت. وقد جاء في رواية (٢): "من قال حين ينادي المنادي: اللَّهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد، وارض عني رضًا لا سخط بعده. استجاب الله دعوته". وفي راوية البُخاريّ (٣): "من قال حين يسمع النداء: اللَّهم رب هذه الدعوة التَّامة ... ". إلى آخره، يحتمل أن المراد بعد الأذان، ويحتمل أن يكون حاله، ورواية مسلم مصرحة بأنه يقول بعده.
الحامس: عند القيام لصلاة الليل من النوم؛ صح أنه ﷺ قال: "يضحك الله سبحانه من رجلين؛ رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه، فانهزموا وثبت، فإن قتل استشهد، وإن بقي فذلك الذي يضحك الله تعالى إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء، ثم حمد الله تعالى ومجده وصلى على النَّبيِّ ﷺ واستفتح القرآن، فذلك الذي يضحك الله تعالى إليه، يقول: انظروا إلى عبدي قائمًا، لا يراه أحد غيري" (٤).
السادس: بعد الفراغ من التهجد؛ أخرج النَّسائيّ وابن ماجه (٥) عن عائشة ﵂ قالت: كُنَّا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله تعالى لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع
стр. 4367
ركعات لا يجلس فيهن إلَّا عند الثامنة، ويحمد الله تعالى ويصلي على نبيه ﷺ ، ويدعو بينهن ولا يسلم، ثم يصلِّي التاسعة ويقعد -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله ويصلي على النبي ﷺ ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلِّي ركعتين وهو قاعد. كذا استدل بالحديث على هذا الأمر وليس فيه الصَّلاة بعد التمام، وإنَّما الصَّلاة في حال التشهد. والله أعلم.
السابع: عند دخول المسجد والخروج منه وعند القعود فيه؛ وقد جاء بسند حسن لكنَّه غير متصل أنَّه ﷺ كان إذا دخل المسجد صَلَّى على محمد وسلم، ثم قال: "اللَّهم اغفر ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". وإذا خرج صَلَّى على محمد، ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (١). وقد جاء في رواية ابن حبان وغيره (٢) وأصله في مسلم (٣) بلفظ: "إذا دخل أحد المسجد فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك". مكان "فضلك" في الدخول، وفي (أ) الخروج: "أبواب فضلك". وفي رواية ضعيفة (٤): "كان إذا دخل المسجد قال: بسم الله، اللَّهم صلِّ على محمد". وإذا خرح قال: "بسم الله، اللَّهم. صلِّ
стр. 4368
على محمد". وفي أخرى (١): "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النَّبيِّ ﷺ ، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليصل على النَّبيِّ ﷺ وليقل: اللَّهم اعصمني من الشَّيطان". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ورد عليه بأن فيه علة خفيت عليه، لكنَّه حسن بشواهده.
الثامن: يوم الجمعة (أ). ورد في الصَّلاة عليه يوم الجمعة أحاديث كثيرة، ومن ثم كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن انشروا العلم يوم الجمعة؛ فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النَّبيِّ ﷺ يوم الجمعة. قال الشَّافعي (٢) رحمه الله تعالى: أحب كثرة الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في كل حال، وأنا (ب) في يوم الجمعة وليلتها أشد استحبابًا. وقد ورد في حديث: "مائتي مرَّة"، و "ثمانين مرَّة". في رواية، وفي رواية زيادة يقول: "اللَّهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك النَّبيِّ الأمي ثمانين مرَّة". وفي أخرى يقول بعد صلاة عصر يوم الجمعة: "اللَّهم صلِّ على محمد النَّبيُّ الأمي وعلى الله وسلم تسليمًا، ثمانين مرَّة" (جـ)، وفي أخرى: "مائة مرَّة" (٤). وفي أخرى: "أربعين مرَّة" (٥). وفي أخرى: "ألف مرَّة". يقول: "اللَّهم صلِّ
стр. 4369
على محمد النَّبيِّ الأمي" (١). وفي أخرى (٢) في سندها مجهول: "إذا كان يوم الخميس بعث الله ملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثر النَّاس صلاة على النَّبيِّ ﷺ ". وفي أخرى بسند ضعيف: "إن لله ملائكة خلقوا من النور، لا يهبطون إلَّا ليلة الجمعة ويوم الجمعة، بأيديهم أقلام من ذهب -وروي من فضة- وقراطيس من نور لا يكتبون إلَّا الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ " (٣). وقد روي في الصَّلاة على النبي ﷺ في خصوص يوم السبت ويوم الأحد حديث وفيه أن اليهود والنصارى تكثر سبَّه ﷺ فيهما. وذكر الغزالي (٤) حديثًا بلا إسناد في صلاة أربع ركعات ليلة الاثنين يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ في كل ركعة خمسًا وسبعين مرَّة، مع أشياء أخر، ثم يسأل الله حاجته، كان حقًّا على الله أن يعطه ما سأل". وتسمى صلاة الحاجة. وذكر المديني حديثًا في ليلة الثلاثاء في سنده من اتهم بالكذب، فيه صلاة أربع ركعات بعد العتمة قبل الوتر يقرأ في كل ركعة أشياء مخصوصة، ثم بعد الفراغ يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ خمسين مرَّة، وذكر لذلك ثوابًا كبيرًا.
التاسع: في الخطب؛ كخطبة العيدين والجمعة والكسوفين والاستسقاء. وهي ركن في الخطبة، فكان السلف يسمون الخطبة بغير الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ البتراء.
العاشر: في أثناء تكبيرات العيد؛ لما صح عن ابن مسعود أنَّه علم الوليد
стр. 4370
ابن عقبة حين سأله عن ذلك أن يحمد الله ويصلي على النَّبيِّ ﷺ ثم يدعو بين كل تكبيرتين، وصدقه على ذلك حذيفة وأبو موسى (١).
الحادي عشر: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثَّانية عند الشافعية، وعند الهدوية بعد الثَّانية والثالثة والرابعة، وهىِ ركن عند الشَّافعي. وقد ورد في شرعيتها آثار عن الصّحابة. قيل: ويسن عند إدخال الميت القبر. للحديث الحسن أنَّه ﷺ كان إذا وضع الميت في قبره قال: "بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ (٢) ". ويحتمل أن الصَّلاة هنا لأجل ذكره ﷺ . وقد روي في رجب بخصوصه شيء ولم يصح. وفي "موضوعات ابن الجوزي" (٣) في ذلك أحاديث واهية لا يعتد بها، وكذا في شعبان لم يصح فيه بخصوصه، وإن ذكر ذلك ابن أَبي الضيف من الشَّافعية في جزء له في فضل شعبان، وذكر فيه عن جعفر وأبي اليمان ما لم يعرف له أصل.
الثَّاني عشر: في الحج عقيب التلبية. جاء عن القاسم وسنده ضعيف (٤)، وعلى الصفا والمروة صح عن عمر (٥)، وجاء عن ابن عمر (٦) أيضًا، وعند
стр. 4371
استلام الحجر صح عن ابن عمر (١)؛ وفي الطواف، وفي الموقف؛ لحديث أخرجه البيهقي (٢): "ما من مسلم يقف عشية بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه ثم يقول: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرَّة، تم يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائة مرَّة، ثم يقول: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد وعلينا معهم مائة مرَّة، إلَّا قال الله تعالى: يا ملائكتي، ما جزاء عبدي هذا؟ سبحني وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وأثنى عليَّ وصلى على نبيي؟ اشهدوا أني قد غفرت له وشفَّعته في نفسه، ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف". قال البيهقي (٣): هذا غريب، ليس في إسناده من ينسب إلى الوضع. وقال غيره: بل كلهم موثقون إلَّا رجل منهم فإنَّه مجهول، وقد روي نحوه بزيادات. وفي الملتزم؛ ذكره النووي في "الأذكار" (٤)، وذكر الشَّافعي وأصحابه (٥) أنَّه يسن لمن فرغ عن طواف الوداع أن يقف فيه ويقول: إن البيت بيتك ... إلى آخره، ثم يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ . قالوا: لأنَّه أرجى للإجابة.
الثالث عشر: الصَّلاة عليه عند قبره ﷺ ، جاء عن ابن عمر أنه يصلي
стр. 4372
عند القبر (١). وعن غيره من الصحابهّ أنَّه يسلم (أ) عليه هناك (٢). وذكر جماعة من العلماء أنَّه يسن لمن هو قاصد للزيارة أن يكثر من الصَّلاة عليه في الطريق ﷺ ، وكذا لمن رأى أثرًا من آثاره.
الرابع عشر: عند الذبيحة، ذكره الشافعي (٣)، وقال بكراهتها الحنفية ومالك وأحمد، قالوا: لما فيها (ب) من التشبه بالإهلال لغير الله. وهو مدفوع بأن ذلك إنَّما يكون لو ذكر اسم النَّبيِّ ﷺ مع اسم الله، وأمَّا ذكر الصَّلاة عليه فلا تشبه. وأمَّا حديث: "موطنان لا حظ لي فيهما؛ عند العطاس والذبح". فهو غير صحيح، بل في سنده من اتهم بالوضع (٤).
الخامس عشر: عند عقد البيع؛ لقوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة". أخرجه الديلمي (٥) والحافظ عبد القادر الرهاوي في "الأربعين" (٦) عن أبي هريرة، وقال الرهاوي: غريب، تفرد بذكر الصَّلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي، وهو ضعيف جدًّا لا يعتد بروايته ولا بزيادته (٧). وقد أخرج أبو الحسين أحمد بن
стр. 4373
محمد بن ميمون في "فضائل علي" (١) عن أبي هريرة: "كان كلام لا يذكر الله فيه ولا يصلَّى علي فهو أقطع أكتع ممحوق من كل بركة".
السادس عشر: عند كتابة الوصيَّة، روي عن [أبي بكرة نفيع أنَّه أمر] (أ) أن يكتب في وصيته: هذا ما أوصى به نفيع، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ (٢). وهو يحتمل أن الصَّلاة لذكر اسمه لا لأجل الوصية.
السابع عشر: في خطبة التزويج، روي عن ابن عباس أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٣): اثنوا عليه في صلاتكم، وفي مساجدكم، وفي كل موطن، وفي خطبة النساء فلا تنسوه (٤).
وفعله (ب) عمر بن عبد العزيز ﵁.
الثامن عشر: في طرفي النهار، وعند إرادة النوم، ولمن قلَّ نومه. جاء حدَّثنا في مائة صلاة [حين] (جـ) يصلِّي قبل أن يتكلم، وفي المغرب مثل ذلك
стр. 4374
بسند (أ) غريب، وأنها تقضى لفاعل ذلك مائة حاجة (١)، وعند أن يأوي إلى فراشه جاء حديث في بعض رواته مقال: أنَّه "من قرأ: "تبارك الملك" ثم قال: اللَّهم رب الحلال والحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام، بحق [كل] (ب) آية أنزلتها في شهر رمضان بلغ روح محمد منا تحية وسلامًا. أربع مرات، وكل الله به ملكين حتَّى يأتيا محمدًا ﷺ فيقولان: إن فلان بن فلان يقرأ عليك السَّلام ورحمة الله. فأقول: على فلان بن فلان مني السَّلام ورحمة الله وبركاته" (٢). ووصف بعضهم لمن قلَّ نومه أن يقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.
التاسع عشر: عند إرادة السَّفر، ذكر النووي في "الأذكار" (٣) أنَّه يفتتح دعاءه بالتحميد والتسليم على رسول الله ﷺ . ويدل عليه حديث: "كل أمر ذي بال" (٤).
العشرون: عند الركوب على الدابة، أخرجه الطّبرانيّ (٥) أنَّه ﷺ قال: "من قال إذا ركب دابة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض
стр. 4375
ولا في السماء، سبحان من ليس له سمي، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١)، والحمد لله رب العالين، صَلَّى الله على سيدنا محمد، وعليه السَّلام. قالت الدابة: بارك الله عليك من مؤمن؛ خففت على ظهري، وأطعت ربك، وأحسنت إلى نفسك، بارك الله في سفرك، وأنجح حاجتك".
الحادي والعشرون: عند الخروج إلى السوق، وحضور دعوة، ونحوها. وقد روي عن ابن مسعود أنَّه كان يثني على الله تعالى، ويصلي على النَّبيِّ ﷺ ، ويدعو إذا حضر ذلك (٢).
الثاني والعشرون: عند دخول المنزل، وعند نزول حادث من فقر أو خوف (أ) أو حاجة. وقد ورد أن الصَّلاة عليه تنفي الفقر (٣).
الثالث والعشرون: في الرسائل وبعد البسملة، وقد روى عن أبي بكر الصِّديق أنَّه كتب إلى بعض مسألة: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى طُريفة بن حاجر، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، وأسأله أن يصلِّي على محمد ﷺ ، أما بعد. إلى آخر الكتاب. وهذا يرد قول من قال: إن أول من أحدث ذلك في أول (ب)
стр. 4376
الرسائل هارون الرشيد.
الرابع والعشرون: عند الهم والشدائد والكرب ووقوع الطاعون. وقد وردت أحاديث أن الصلاة سبب لكفاية مهمات الدنيا والآخرة (١).
الخامس والعشرون: عند خوف الغرق، وقد ذكر منام لبعض الصالحين عند خشية الغرق، أمره النبي ﷺ أن يقول من في السفينة الصلاة ألف مرة: اللهم صلِّ على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الآفات والأهوال، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات في الدنيا وبعد الممات. فقالوها ففرج الله عنهم.
السادس والعشرون: في أول الدعاء ووسطه وآخره، وقد وردت أحاديث (أفي ذلك أ) وأن الدعاء محجوب حتى يصلي على النبي ﷺ (٢).
السابع والعشرون: عند طنين الأذن، وقد ورد حديث بسند ضعيف: "إذا طنت أذن أحدكم فليصل عليَّ، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير" (٣).
الثامن والعشرون: عند خَدَر (٤) الرِّجْل، روي أن عمر وابن عمر وابن
стр. 4377
عباس خَدِرت أرجلهم، فقال رجل آخر: اذكر (أ) أحب الناس إليك. فقال عمر: يا محمد صلى الله عليك. وقال ابن عمر: يا محمد. وقال ابن عباس: محمد صلى الله عليه. فذهب خدرها (١).
التاسع والعشرون: عند العطاس، جاء حديث بسند ضعيف: "من عطس فقال: الحمد على كل حال، ما كان من حال، وصلى الله على محمد وأهل بيته. أخرج الله من منخره الأيسر طائرا يقول: اللهم اغفر لقائلها". وهي معتضدة (ب) برواية أخرى، رفيها: أن الطائر أكبر من الذباب وأضعف من الجراد، يرف (جـ) تحت العرش يقول: "اللهم اغفر لقائلي". وعن ابن عمر أنه كان يقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، ﷺ (٢). وقال بعض: لا تسن (د)؛ لخبر روي، وهو: "لا تذكروني في [ثلاثة] (هـ) مواطن؛ عند العطاس، وعند الذبيحة، وعند التعجب" (٣). وفي رراية: "عند تسمية
стр. 4378
الطعام" (١). وهو غير صحيح، وفي سنده من اتهم بالوضع (٢). وكذا روي عن ابن عباس: موطنان لا يذكر فيهما رسول الله ﷺ ؛ عند العطاس وعند الذبيحة. ولا يصح، وقال جماعة: (ألا يصلى على أ) النبي ﷺ مع الأكل والشرب والجماع والعطاس و [نحوها] (ب). وقد عرفت ما ذكر في العطاس، ويرد عليهم في الباقي بحديث: "كل أمر ذي بال" (٣). وأما عند التعجب فكرهها سحنون المالكي، وقال الحليمي من الشافعية: لا يكره، كـ "سبحان الله" عند التعجب. قال: وأما الصلاة عليه عند حصول ما يستقذر أو يضحك (جـ) منه فأخشى على صاحبه الكفر. وقال القونوي: لا يكفر إلا إذا كان ذكره لها لاستقذارها أو لجعلها أضحوكة. وجزم العيني من الحنفية أنها تحرم عند التعجب، وذكر النووي في "الأذكار" (٤) أنه لا يؤمر بها أحد عند الغضب؛ لئلا يحمله الغضب على الكفر.
الثلاثون: عند تذكر منسيٍّ أو خوف نسيان، جاء حديث بسند ضعيف: "إذا نسيتم شيئًا فصلوا عليَّ تذكروه (د) إن شاء الله" (٥). وله شاهد
стр. 4379
أيضًا، حديث ضعيف مرسل وسنده منقطع، عن أبي هريرة قال: من خاف على نفسه النسيان فليذكر الصلاة على النبي ﷺ .
الحادي والثلاثون: عند استحسان الشيء. ذكره ابن أبي حجلة.
الثاني والثلاثون: عند أكل الفجل، أخرج الديلمي (١): "إذا أكلتم الفجل وأردتم ألا يوجد له ريح فاذكروني عند أول قضمة". ولا يصح مرفوعًا، والأشبه أنه من كلام ابن المسيب.
الثالث والثلاثون: عند نهيق الحمير، أخرج الطبراني وابن السني (٢): "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا عليَّ". ويسن أيضًا التعوذ.
الرابع والثلاثون: عقيب الذنب ليكفره، وقد ورد أنها كفارة للذنوب (٣).
الخامس والثلاثون: عند عروض حاجة، وقد جاء فيه حديث: "من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن وضوءه، وليصل ركعتين، ثم يثني على الله ، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم
стр. 4380
مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل ذنب، لا تدع لي (أ) ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين". أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم (١)، وقال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال، وفائد راويه ضعيف (٢). وقال الحاكم (٣): حديث فائد مستقيم، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وإنما أخرجت حديثه شاهدًا، إلا أنه يقبل مثله في فضائل الأعمال. وقد جاءت أحاديث وأدعية في صلاة الحاجة، كلها ضعيفة.
السادس والثلاثون: في سائر الأحوال، وقد مر في الحاديث والعشرين أثر ابن مسعود.
السابع والثلاثون: فيمن اتهم بشيء وهو بريء منه، وقد روي فيه أحاديث لم يصح منها شيء، وقد تقدم في الرابع والعشرين ما يدل على ثبوته.
الثامن والثلاثون: عند لقاء الإخوان، جاء بسند ضعيف جدا: "ما من متحابين يستقبل (ب) أحدهما صاحبه فيصافحه فيصلي على النبي ﷺ ، إلا لم يبرحا حتى تغفر لهما ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر" (٤). وفي رواية: