الرسائل هارون الرشيد.
الرابع والعشرون: عند الهم والشدائد والكرب ووقوع الطاعون. وقد وردت أحاديث أن الصلاة سبب لكفاية مهمات الدنيا والآخرة (١).
الخامس والعشرون: عند خوف الغرق، وقد ذكر منام لبعض الصالحين عند خشية الغرق، أمره النبي ﷺ أن يقول من في السفينة الصلاة ألف مرة: اللهم صلِّ على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الآفات والأهوال، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات في الدنيا وبعد الممات. فقالوها ففرج الله عنهم.
السادس والعشرون: في أول الدعاء ووسطه وآخره، وقد وردت أحاديث (أفي ذلك أ) وأن الدعاء محجوب حتى يصلي على النبي ﷺ (٢).
السابع والعشرون: عند طنين الأذن، وقد ورد حديث بسند ضعيف: "إذا طنت أذن أحدكم فليصل عليَّ، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير" (٣).
الثامن والعشرون: عند خَدَر (٤) الرِّجْل، روي أن عمر وابن عمر وابن
стр. 4377
عباس خَدِرت أرجلهم، فقال رجل آخر: اذكر (أ) أحب الناس إليك. فقال عمر: يا محمد صلى الله عليك. وقال ابن عمر: يا محمد. وقال ابن عباس: محمد صلى الله عليه. فذهب خدرها (١).
التاسع والعشرون: عند العطاس، جاء حديث بسند ضعيف: "من عطس فقال: الحمد على كل حال، ما كان من حال، وصلى الله على محمد وأهل بيته. أخرج الله من منخره الأيسر طائرا يقول: اللهم اغفر لقائلها". وهي معتضدة (ب) برواية أخرى، رفيها: أن الطائر أكبر من الذباب وأضعف من الجراد، يرف (جـ) تحت العرش يقول: "اللهم اغفر لقائلي". وعن ابن عمر أنه كان يقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، ﷺ (٢). وقال بعض: لا تسن (د)؛ لخبر روي، وهو: "لا تذكروني في [ثلاثة] (هـ) مواطن؛ عند العطاس، وعند الذبيحة، وعند التعجب" (٣). وفي رراية: "عند تسمية
стр. 4378
الطعام" (١). وهو غير صحيح، وفي سنده من اتهم بالوضع (٢). وكذا روي عن ابن عباس: موطنان لا يذكر فيهما رسول الله ﷺ ؛ عند العطاس وعند الذبيحة. ولا يصح، وقال جماعة: (ألا يصلى على أ) النبي ﷺ مع الأكل والشرب والجماع والعطاس و [نحوها] (ب). وقد عرفت ما ذكر في العطاس، ويرد عليهم في الباقي بحديث: "كل أمر ذي بال" (٣). وأما عند التعجب فكرهها سحنون المالكي، وقال الحليمي من الشافعية: لا يكره، كـ "سبحان الله" عند التعجب. قال: وأما الصلاة عليه عند حصول ما يستقذر أو يضحك (جـ) منه فأخشى على صاحبه الكفر. وقال القونوي: لا يكفر إلا إذا كان ذكره لها لاستقذارها أو لجعلها أضحوكة. وجزم العيني من الحنفية أنها تحرم عند التعجب، وذكر النووي في "الأذكار" (٤) أنه لا يؤمر بها أحد عند الغضب؛ لئلا يحمله الغضب على الكفر.
الثلاثون: عند تذكر منسيٍّ أو خوف نسيان، جاء حديث بسند ضعيف: "إذا نسيتم شيئًا فصلوا عليَّ تذكروه (د) إن شاء الله" (٥). وله شاهد
стр. 4379
أيضًا، حديث ضعيف مرسل وسنده منقطع، عن أبي هريرة قال: من خاف على نفسه النسيان فليذكر الصلاة على النبي ﷺ .
الحادي والثلاثون: عند استحسان الشيء. ذكره ابن أبي حجلة.
الثاني والثلاثون: عند أكل الفجل، أخرج الديلمي (١): "إذا أكلتم الفجل وأردتم ألا يوجد له ريح فاذكروني عند أول قضمة". ولا يصح مرفوعًا، والأشبه أنه من كلام ابن المسيب.
الثالث والثلاثون: عند نهيق الحمير، أخرج الطبراني وابن السني (٢): "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا عليَّ". ويسن أيضًا التعوذ.
الرابع والثلاثون: عقيب الذنب ليكفره، وقد ورد أنها كفارة للذنوب (٣).
الخامس والثلاثون: عند عروض حاجة، وقد جاء فيه حديث: "من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن وضوءه، وليصل ركعتين، ثم يثني على الله ، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم
стр. 4380
مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل ذنب، لا تدع لي (أ) ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين". أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم (١)، وقال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال، وفائد راويه ضعيف (٢). وقال الحاكم (٣): حديث فائد مستقيم، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وإنما أخرجت حديثه شاهدًا، إلا أنه يقبل مثله في فضائل الأعمال. وقد جاءت أحاديث وأدعية في صلاة الحاجة، كلها ضعيفة.
السادس والثلاثون: في سائر الأحوال، وقد مر في الحاديث والعشرين أثر ابن مسعود.
السابع والثلاثون: فيمن اتهم بشيء وهو بريء منه، وقد روي فيه أحاديث لم يصح منها شيء، وقد تقدم في الرابع والعشرين ما يدل على ثبوته.
الثامن والثلاثون: عند لقاء الإخوان، جاء بسند ضعيف جدا: "ما من متحابين يستقبل (ب) أحدهما صاحبه فيصافحه فيصلي على النبي ﷺ ، إلا لم يبرحا حتى تغفر لهما ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر" (٤). وفي رواية:
стр. 4381
"ما من مسلمين" (١).
التاسع والثلاثون: عند تفرق القوم بعد اجتماعهم، وعند القيام من المجلس في كل محل يجتمع فيه لذكر الله تعالى. وفيه الحديث المذكور عن أبي هريرة، الذي هذا المبحث فيه.
الأربعون: عند ختم القرآن، كما دلت عليه الآثار الواردة بأنه من مواطن إجابة الدعاء، فيكون من آكد مواطن الصلاة على النبي ﷺ (٢).
الحادي والأربعون: في الدعاء الوارد لحفظ القرآن الذي علمه النبي ﷺ عليًّا ﵁ لما شكا تفلت القرآن، وأمره بصلاة أربع ركعات، وبعدها أن يحمد الله تعالى ويحسن الثناء عليه ويصلي على النبي ﷺ ويحسن وعلى سائر الأنبياء، إلى آخره. أخرجه الترمذي (٣)، وقال: إنه غريب. والحاكم (٤) وقال: صحيح على شرطهما. وجزم الذهبي في موضع بأنه موضوع، وفي آخر أنه باطل (٥)، وابن الجوزى في "الموضوعات" (٦). قال السخاوي: وقال المنذري (٧): طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جدًّا. ونحوه قال العماد ابن كثير: في المتن غرابة بل نكارة (٨). ثم قال:
стр. 4382
قلت: والحق أنه ليس له علة إلا أنه عن [ابن جريج عن عطاء] (أ)، بالعنعنة، أفاده شيخنا، وأخبرني غير واحد أنهم جربوا الدعاء به فوجدوه حقًّا، والعلم عند الله تعالى.
الثاني والأربعون: عند افتتاح كل كلام، كما نص عليه الشافعي (١)، حيث قال: أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله ﷺ . انتهى. ودليله حديث: "كل أمر ذي بال". إلى آخره.
الثالث والأربعون: عند ذكره ﷺ ؛ لأحاديث وردت في ذلك، منها حديث: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ". أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي (٢)، وأطنب في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن. وحديث: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ". أخرجه الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة، صححه الحاكم (٤)، وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني، وآخر عن أنس عند
стр. 4383
ابن أبي شيبة، وآخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور (١)، وأخرجه ابن حبان (٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فلم يدخل الجنة فأبعده الله". وله شواهد كثيرة. وعند الحاكم (٣) من حديث كعب بن عُجْرَة بلفظ: "بعُد من ذكل رت عنده فلم يصل علي". وعند الطبراني (٤) من حديث جابر يرفعه: "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليَّ". وعند عبد الرزاق (٥) من مرسل قتادة: "من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليَّ".
وقد استدل بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر، لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصفَ بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، [والوعيد] (أ) على الترك من علامات الوجوب، ومن حيث المعنى [أن] (أ) فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فيتأكد إذا ذكر، وبقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٦). فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه لكان كآحاد الناس.
وأجاب من لم يوجب بأجوبة؛ منها، أنه قول لا يعرف عن أحد من
стр. 4384
الصحابة ولا التابعين، فهو قول مخترع، وفي ذلك حرج ومشقة جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به. وقد أطلق القدوري أن هذا القول مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، صلى الله عليك (أ). ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى. وقالوا في جواب الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة؛ لتأكيد ذلك وطلبه في حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنًا (ب)، ولا دلالة على وجوب تكرر (جـ) ذلك بتكرر ذكره في المجلس الواحد. والقائلون بالوجوب قالوا (٥) في خمسة أحوال، جمعها الفقيه صالح اليماني الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال:
تجب الصلاة على النبي المصطفى ... والخلق في وقت الوجوب سيظهر
في العمر واحدة وثان كلما ... صلى وثالثها إذا ما يذكر
واختاره منا الحليمي الذي ... قد غاص في التحقيق وهو المكثر
[وكذا] (د) الطحاوي الذي مَن نهجُه ... من منهج النعمان لا يستنكر
وكذلك اللخمي أعني من له ... من مالك فضل اتباع يشهر
ومن الحنابلة [ابن] (هـ) ريطة والذي ... قالوه عندي راجح مستفخر
стр. 4385
ولكل مجلسٍ الوجوب الرابع ... وكذا الدعاء مقدم ومؤخر
هذا الأخير من المذاهب كلها ... والله أعلم بالصواب وأخبر.
وحكى القاضي عياض (١) عن التجيبي أنه قال: واجب كل مؤمن ذكَره ﷺ إن ذكر عنده أن يخشع ويخضع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ من هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به. قال: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين. وكان مالك إذا ذكر النبي ﷺ تغير لونه وانحنى حتى قيل له في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ما ترون (٢)، وكان جعفر الصادق إذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفرَّ لونه، وعبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر عنده النبي ﷺ كان نزف منه الدم وجف لسانه في [فمه] (أ)، وابن الزبير إذا ذكر عنده النبي ﷺ يبكي حتى لا يبقى في عينه دمع، وكان الزهريّ إذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفته ولا عرفك. وكان ابن عمر إذا بآية من آيات وردِه تخنقه العبرة ويسقط ويلزم اليوم واليومين، اللهم أذقنا حلاوة محبته، ولا تسلك بنا غير سبيل سنته.
الرابع والأربعون: عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداءً
стр. 4386
وانتهاءً. قال النووي في "الأذكار" (١): يُستحب لقارئ الحديث وغيره مما في معناه إذا ذكر رسول الله ﷺ أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع. وكذا ذكر الخطيب البغدادي (٢) وغيره. وذكر العلماء من الشافعية وغيرهم أنه يُستحب رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ كالتلبية.
الخامس والأربعون: عند الإفتاء كما ذكر في "روضة النووي" (٣)، ويندب له أيضًا الاستعاذة والتسمية والحولقة (٤)، و ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٥)، وإن المفتي يلحق بخطه ما أغلفه (٦) السائل آخر السؤال من الدعاء أو الحمد لله أو الصلاة على رسول الله؛ لجريان العادة بذلك وبيدو أيضًا للحاكم قبل الحكم.
السادس والأربعون: عند كتابة اسمه ﷺ قال ابن الصلاح (٧): ينبغي
стр. 4387
أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكريره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل حرم حظًّا عظيمًا، وكذا الثناء على الله عند ذكر اسمه وكتابته، ولا يقتصر في كتابتها بلفظ "صلم" بدلًا عن إكمالها، ولا لفظ الصلاة من دون السلام، وقد روي في ذلك أحاديث من طرق متعددة لا يصح منها شيء، وروي موقوفًا من كلام جعفر الصادق: من صلى على رسول الله ﷺ في كتاب، صلَّت عليه الملائكة غدوة ورواحا ما دام اسم رسول الله ﷺ في الكتاب (١). ورئي لأصحاب الحديث بسبب ذلك منامات صالحة؛ لأحمد بن حنبل ولأبي زرعة وللشافعي رحمهم الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى صلاة الله تعالى على نبيه؛ فقال أبو العالية (٢): هي بمعنى ثنائه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم.
وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: فإن صلاة الله تعالى مغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عباس (٣) أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة. ونقل الترمذي (٤) عن سفيان الثوري وغير واحد قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال الضحاك بن
стр. 4388
مزاحم: صلاة الله [رحمته] (أ). وفي رواية عنه: مغفرته. وصلاة الملائكة الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضي (١) عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوه. قال المبرد: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة. وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢). وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). حتى تساءلوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" (٤). وأقرهم النبي ﷺ ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: علمتم ذلك في السلام. وجوز الحليمي (٥) أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، والحديث يرد عليه.
وقول أبي العالية أولى. والمراد من صلاة الملائكة هي طلب زيادة التعظيم والثناء، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، وصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم هي الرحمة
стр. 4389
التي وسعت كل شيء. ونقل القاضي عياض (١) عن (أأبي بكر أ) القشيري قال: الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة. [فمعنى] (ب) قولنا: اللهم صل على محمد. عظم محمدًا، والمراد بالتعظيم؛ [بإعلاء] (جـ) ذكره وإظهار دينه، وإبقاء شريعته في الدنيا، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، والشفاعة العظمى للخلائق أجمعين في المقام المحمود. ومشاركة الآل والأزواج بالعطف؛ يراد في حقهم التعظيم اللائق بهم، وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالأنبياء دون من عداهم، ويتأيد هذا بما أخرجه الطبراني (٢) من حديث ابن عباس رفعه: "إذا صليتم عليَّ فصلوا على أنبياء الله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني". فجعل العلة البعثة، فتكون مختصة بمن بعث.
وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن ابن عباس بسند صحيح قال: ما أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على النبي ﷺ . وحكى القول به عن مالك، وقال: ما تُعبِّدنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز. [و] (د) عن
стр. 4390
مالكُ: تكره. وقال عياض (١): عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان (٢): يكره أن يصلي إلا على نبي. قال المصنف رحمه الله تعالى (أ): ووجدت بخط بعض [شيوخي] (ب): مذهب مالك: لا تجوز الصلاة إلا على محمد. وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به. واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا يمنع إلا بنص أو إجماع.
قال القاضي عياض (٣): والذي أميل إليه قول مالكُ وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء. قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران.
والصلاة على غير الأنبياء -يعني استقلالًا- لم تكن من الأمر [المعروف] (جـ)، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم -يعني العبيديين- وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثًا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله حديث ابن عباس؛ لأن الله سماهم رسلًا. وأما المؤمنون فقالت طائفة: لا تجوز استقلالًا وتجوز تبعًا [فيما] (د) ورد به النص، كالآل والزوجات ويقاس
стр. 4391
غيرهم، إلا أنه يقال: إن النبي ﷺ لمّا علَّمهم الصلاة عليه ذكره الآل والزوجات والذرية ولم يذكر غيرهم، فيكون ذلك خاصًّا ولا يقاس عليه، ويحتمل أن التنصيص لا يمنع القياس. وأما السلام فقال: قولوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (١). فأشار البخاري (٢) إلى أنها تجوز الصلاة ولو استقلالا؛ لأنه بوب: هل يصلّى على غير النبي. ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣). وأورد (١) حديث: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٤). وقد جاء مثله عن قيس بن سعد بن عبادة، أن النبي ﷺ رفع يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". أخرجه أبو داود والنسائي (٥)، وسنده جيد، وفي حديث جابر أن امرأته قالت للنبي ﷺ : صلّ عليَّ وعلى زوجي. ففعل. أخرجه أحمد مطولًا ومختصرًا وصححه ابن حبان (٦). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٧). وفي صحيح مسلم (٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك".
стр. 4392
وأجيب بأن ذلك الذي صدر من الله ورسوله لا يلزم منه الإذن؛ لأنه لا يلزم إيهام التسوية في التعظيم الذي كان سببًا للمنع منا. وقال البيهقي (١): يحمل المنع إذا وقع على جهة التعظيم لا إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة. وقال ابن القيم (٢): يصلى على غير الأنبياء والملائكة وأزواج النبي ﷺ وآله وذرّيته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث صار شعارًا، ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه، كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردًا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارًا لم يكن به بأس.
واختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي؛ فقيل: يشرع مطلقًا. وقيل: تبعًا. ولا يفرد بواحد لكونه صار شعارا للرافضة، ونقله النووي (٣) عن الشيخ أبي محمد الجويني.
١٣٠٢ - وعن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. عشر مرات، كان كمَن أعتق [أربعة] (أ) أنْفُسٍ من ولد إسماعيل". متفق عليه (٤).
الحديث أخرجه مسلم (٥) بلفظ: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا
стр. 4393
شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير. عشر مرات، كان كمَن أعتق [أربعة] (أ) أنفُسٍ من ولد إسماعيل".
وفي روايةٍ له (١) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ [قال] (ب): "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده. في يومه مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر".
وأخرج البخاري (٢) حديث أبي هريرة: "في [يوم] (جـ) مائة مرة". وأما حديث أبي أيوب فذكر البخاري (٢) قال: "من قال عشرا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل". فليس ذلك من المتفق عليه بتمامه. ومثله حديث البراء أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٣). وأخرج الإمام أحمد والطبراني (٤) من طريق سعيد بن إياس الجريري عن أبي أيوب الأنصاري قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة نزل عليَّ فقال لي: "يا أبا أيوب، ألا
стр. 4394
أعلمك؟ ". قلت: بلى. قال: "ما من عبد يقول إذا أصبح: لا إله إلا الله -فذكره- إلا كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وإلّا كنّ له عند الله عدل عشر رقاب محررين، وإلّا كان في جُنّة من الشيطان حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي إلا كان كذلك".
وروى أحمد (١)، من طريق عبد الله بن يعيش، عن أبي أيوب رفعه: "من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله -فذكر بلفظ عشر مرات- كُنّ كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكنّ له حرسًا من الشيطان حتى يمسي، فإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك". وسنده حسن، وأخرجه جعفر في "الذكر" (٢) عن أبي أيوب رفعه قال: "من قال حين يصبح". فذكر مثله، لكن زاد: "يحيي ويميت". قال فيه: "بعدل عشر رقاب، وكان له مسلحة من أول نهاره إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملًا يقهرهن، وإن قال مثل ذلك حين يمسي فمثل ذلك". وأخرجه (٢) أيضًا من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أيوب بلفظ: "من قال غدوة". فذكر نحوه، وقال في آخره: "وأجاره الله يومه من النار، [ومن قالها عشية] (أ) كان له مثل ذلك". وطريق الجمع بين هذه الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها، فالأكثر على ذكر أربعة.
стр. 4395
وأما حديث أبي هريرة في "العشر" فإنه كقول "مائة مرة". فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبيل المضاعفة، وأما ذكر "رقبة" بالإفراد في حديث أبي أيوب فشاذ، والمحفوظ أربعة، وجمع القرطبي في "المفهم" (١) بأن ذلك باختلاف أحوال الذاكرين في استحضارهم لمعاني الألفاظ بالقلوب، وإمحاض التوجه والإخلاص لعلّام الغيوب، فيكون اختلاف ثوابهم بمقدار ذلك وبحسبه، وعلى هذا يتنزل اختلاف مقادير الثواب الوارد في الأحاديث بالنظر إلى عمل واحد، لكنه يستقيم إذا تعددت مخارج الأحاديث، ويحتمل، فيما إذا تعددت، الاختلاف باعتبار الزمان؛ كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلًا، وعدم التقييد إذا لم يحمل المطلق على المقيد، وظاهر لفظ الحديث أن هذه لفظ الفضيلة تحصل لمن أتى بالذكر في اليوم متواليًا أو مفرقًا، في أوله وفي آخره، لكن الأفضل أن يأتي به متواليًا في أول النهار ليكون حرزًا في جميع نهاره، وكذا في أول الليل ليكون له حرزًا في جميع ليله، وأكمل ما ورد في لفظ هذا التهليل في حديث ابن عمر عن عمر رفعه: "من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير". الحديث أخرجه الترمذي وغيره (٢)، وهذا هو لفظ جعفر في "الذكر" كما تقدم، إلا قوله: "وهو حيّ لا يموت".
تنبيه: ظاهر الحديث في التسبيح بتكفيره الخطايا وإن كانت مثل الزبد أنه أفضل من التهليل، فإنه قال في التهليل: "محيت عنه مائة سيئة". وقد
стр. 4396
يجاب عنه بأنه انضاف في التهليل رفع الدرجات، وكتب الحسنات وعتق الرقاب، والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات، فإن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، ويدل على أفضلية التهليل الحديث مرفوعًا: "أفضل الذكر لا إله إلا الله". أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (١) من حديث جابر. و"أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" (٢). وهو كلمة التوحيد والإخلاص، وهو اسم الله الأعظم، ومعنى التسبيح داخل فيه التنزيه عمّا لا يليق بالله تعالى، وهو داخل في ضمن: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له اللك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ولا يعارض هذا حديث أبي ذر: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله؟ قال: "إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". أخرجه مسلم (٣). وفي رواية (٤): سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده". لأن التهليل المذكور قد شمله، والتهليل صريح في التوحيد، في التسبيح متضمن له، فمنطوق "سبحان الله" تنزيه الله تعالى، ومفهومه توحيد، ومنطوق "لا إله إلا الله" توحيد، ومفهومه تنزيه، فتكون "لا إله إلا الله" أفضل؛ لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه، والأفضلية إنما هي بالنسبة إلى كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. ولعله يقال: إن لفظ: "لا إله إلا الله"
стр. 4397
هي من القرآن. وهي مركب كامل في دلالته على معناه، وإن كانت بعض بابه، فالأفضلية فيها على العموم من غير تخصيص بكلام الآدمي، وقد جاءت الأحاديث في تعظيم فضلها على الإطلاق.
أخرج [الطبري (١)] (أ) عن عبد الله بن عمرو قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله. فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملًا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله. فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله حتى يقولها. وعن ابن عباس (٢): من قال: لا إله إلا الله. فليقل على إثرها: الحمد لله.
وأخرج النسائي (٣) بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : "قال موسى: يا رب، علِّمني شيئًا أذكرك به. قال: قل: لا إله إلا الله" الحديث. وفيه: "لو أن السماوات السبع والأرضين السبع جعلن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله". وذكر [ابن بطال] (ب) (٤) عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار، إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصرَّ [على] (جـ) شهواته، وانتهك دين الله وحرماته بلاحق بالأفاضل المطهرين في ذلك،
стр. 4398
ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١). والله سبحانه أعلم.
١٣٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده. مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل زيد البحر". متفق عليه (٢).
قوله: "سبحان الله". أي تنزيه الله عن كل ما [لا] (أ) يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك ونفي الصاحبة والولد وجميع الرذائل. ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، وسميت صلاة التسبيح لكثرة التسبيح فيها، وسبحان اسم مصدر منصوب على المصدرية بتقدير فعل وهو "سبّحت" محذوف وجوبًا لإضافة المصدر، وهو قائم مقام "تسبيح" مصدر "سبّحت" ولا يستعمل "سبحان" إلا مضافًا، وهو يحتمل أن يكون المضاف إليه موصولًا، أي: سبحت الله. ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل، أي: نزه الله سبحانه نفسه. والمشهور الأول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله (٣):
стр. 4399
سبحانه ثم سبحانًا نعوذ به ... وقبلنا سبّح الجودي والجمد
و"بحمده". معطوف بتقدير متعلقه على فعل "سبحان". أي: أسبح الله وأتلبس بحمده. والباء باء الملابسة.
وقوله: "مثل زيد البحر". مبالغة في كثرتها، أي أن خطاياه تكفر ولو بلغت من الكثرة أي مبلغ. وقد تقدم الجمع بين هذا وبين حديث التهليل قريبًا (١).
١٣٠٤ - وعن جويرية بنت الحارث ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بالسماوات والأرض لوزنتهن؛ سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته". أخرجه مسلم (٢).
الحديث فيه دلالة على فضل هذه الكلمات، وأن قائلها مدرك فضيلة تكرار القول بالعدد المذكور.
قوله: "عدد خلقه". المراد به المبالغة في الكثرة؛ لأن خلقه بمعنى مخلوقاته، ومخلوقات الله في السماوات والأرضين وما بينهما والجنة والنار.
وقوله: "ورضا نفسه". أي رضاه عمّن رضي عنهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وهو لا ينقطع ولا ينقضي.
стр. 4400
وقوله: "وزنة عرشه". أي: وزنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله تعالى.
وقوله: "ومداد كلماته". بكسر الميم، وهو ما تمد به الدواة كالحبر، والكلمات هي معلومات الله تعالى ومقدوراته. وهي لا تنحصر ولا [تتناهى] (أ)، ومدادها هو كل مدة يكتب بها معلوم أو مقدور، وذلك لا ينحصر؛ لتعلقه بغير المنحصر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية (١). والله أعلم.
١٣٠٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الباقيات الصالحات؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٢).
١٣٠٦ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر". أخرجه مسلم (٣).
قوله: "الباقيات الصالحات". أي الأعمال الصالحة. أي التي يبقى لصاحبها أثرها أبد الآباد. وقد فسرها النبي ﷺ بهذا الذكر الشريف، وقد
стр. 4401
جاء في الحديث تفسيرها بما يشمل هذا المذكور وغيره؛ من الصلاة والصيام والحج كما في حديث ابن عباس، أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه (١): "الباقيات الصالحات". قال: هي ذكر الله؛ لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلهن في الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢)، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ (٣). قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات.
وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه (٢)، [عن قتادة] (أ)، أنه سئل عن الباقيات الصالحات، فقال: كل ما أريد به وجه الله.
ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد؛ فإن الإخبار عن الباقيات الصالحات بهذه الكلمات لا يقتضي الحصر اقتضاءً كليًّا؛ فإن تعريف المبتدأ قد يكون لغير إرادة الحصر، أو بأن ذكرها في حديث أبي سعيد للتَّنبيه على مزيد فضلها حتى كأنها هي المعتبرة وحدها، فتفيد الحصر ادعاءً ومبالغةً لا حقيقة. وقد وردت أحاديث كثيرة مؤيِّدة لحديث أبي سعيد؛ أخرج ابن أبي
стр. 4402
شيبة وابن المنذر (١) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه (٢) عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات". قيل: وما [هن] (أ) يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن مردويه (٣) عن النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر [هن] (أ) الباقيات الصالحات".
وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الصغير"، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا جُنّتكم". قيل: يا رسول الله، أمِن عدوٍّ قد حضر؟ قال: "لا، بل جُنتكم من النار قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ معقباتٍ ومُجنِّبات،
стр. 4403
و [هن] (أ) الباقيات الصالحات".
وأخرج الطبراني وابن شاهين في "الترغيب في الذكر"، وابن مردويه (١) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [هن] (أ) الباقيات الصالحات، وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة".
وأخرج ابن مردويه (٢) عن أنس بن مالك قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشجرة يابسة، فتناول عودًا من أعوادها، فتناثر كل ورقة عليها، فقال: "والذي نفسي بيده إن قائلًا يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لتناثر الذنوب عن قائلها كما يتناثر الورق عن هذه الشجرة، قول الله تعالى في كتابه، هي الباقيات الصالحات".
وأخرج أحمد (٣) عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها".
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤) عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: "ما من [الكلام] (ب) شيء أحب
стр. 4404
إلى الله من الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، [هن] (أ) أربع، فلا تكثر عليَّ، لا يضرك بأيهن بدأت".
وأخرج ابن مردويه (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، والعدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه (٢) عن عائشة، أنّ النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: "خذوا جُنَّتكم". مرتين أو ثلاث مرات. قالوا: من عدو حضر؟ قال: "بل من النار؛ [قولوا] (ب): سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات [ومجنبات] (جـ) ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن مردويه (٣) من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن نَصَّبكم [الليل فلم] (د) تقوموه، وعجزتم عن
стр. 4405
النهار [فلم] (أ) تصوموه، وجبنتم عن العدوّ [فلم] (أ) تقاتلوه، فأكثروا [من] (ب) سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الذين [يذكرون] (جـ) من جلال الله؛ من تسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتهليله، يتعاطفون حول العرش، لهنَّ دويّ كدويِّ النحل، يُذْكَرون بصاحبهن، أوَ لَا يحب أحدكم ألا يزال عند الرحمن بشيء يذْكر به؟ ".
وأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتى رجل النبي ﷺ يذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن، وسأله شيئًا يجزئ من القرآن، فقال له: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن [موسى] (د) بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه، ثم يعرج بهن، فلا يمرّ على ملأ من اللائكة إلَّا صلَّوا عليه وعلى قائلهن، حتى يوضعن بين
стр. 4406
يدي الرحمن؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، من لا حول ولا قوة إلا بالله (أ)، أبرأه عن السوء". وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله في حديث سمرة: "أحب الكلام". تقدم الكلام قريبًا في معنى تفضيل هذه الكلمات.
وقوله: "لا يضرك بأيهن بدأت". يعني أن الترتيب [غير] (ب) معتبر، وإنما المعتبر الذكر بها.
١٣٠٧ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". متفق عليه (١). زاد النسائي (٢): "لا ملجأ من الله إلَّا إليه".
قوله: "كنز من كنوز الجنة". أي أن ثوابها مدخر في الجنة نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم. فتسميتها "كنز" من إطلاق اسم المسبب على السبب، وهو أنها لما كانت سببًا للثواب في الجنة المعبَّر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه، واستعمال الكنز في الثواب أيضًا مجاز، وجاء في حديث أبي أيوب
стр. 4407
الأنصاري تسميتها: "غراس الجنة". وهو أنه مر ﷺ ليلة الإسراء على إبراهيم ﵇ فقال له: مُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسع". فقال ﷺ : "ومن غراس الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم" (١).
قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا مانع غيره، ولا رادَّ لأمرِه، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر. قال أهل اللغة: الحول عبارة عن الحركة والحيلة. أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله.
وروي عن النبي ﷺ في معناها: أي لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله. قال ﵊: "كذلك أخبرني جبريل عن الله ﵎" (٢). وروي عن علي ﵁ في معناها: أي أنَّا لا نَملِك مع الله شيئًا، ولا نملك من دونه شيئًا، ولا نملك إلا ما ملَّكَنا مما هو أملك به منا. وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوة في تحصيل خيرٍ إلا بالله. ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة، وبالأول جزم الأزهري (٣)، والثاني الجوهري (٤).
ويقال أيضًا: لا حيل ولا قوة. في لغة غريبة حكاها الجوهري وغيره (٥).
стр. 4408
وقوله: "لا ملجأ". مهموز من لجأ، وهو اسم لا. فإن كان مصدرًا ميميًّا، فقوله: "من الله". متعلق به، فيكون من المشبه بالمضاف منصوبا، وإن كان اسم مكان فهو مبني على الفتح، و "منك" متعلق بمحذوف، أي: كائن. صفة لاسم "لا". تقول: لجأت إلى فلان وعنه والتجأت وتلجأت. إذا أسندت إليه واعتضدت به أو عدلت عنه إلى غيره، فـ "لا ملجأ" هنا بمعنى: لا مستند من الله. أي: من قضائه إلا إليه ولا مَعْدِل. والله أعلم.
١٣٠٨ - وعن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدعاء هو العبادة". رواه الأربعة (١)، وصححه الترمذي، وله (٢) من حديث أنس بلفظ: "الدعاء مخ العبادة". وله (٣) من حديث أبي هريرة، ﵁ رفعه: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". وصححه ابن حبان والحاكم (٤).
تقدم الكلام على هذا في أول باب الذكر (٥).
وقوله: "مخ العبادة ": أي خالصها؛ لأن مُخَّ الشيء خالصه، وإنما كان مُخها لأمرين؛ أحدهما، أنه امتثال أمر الله، حيث قال:
стр. 4409
﴿ادعُوني﴾ (١). فهو محض العبادة وخالصها. الثاني، إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمَله عن سواه، ودعواه لحاجته وحدد، وهذا هو أصل العبادة، ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء، وهذا عند من لم تَكْمُلْ له المعرفة، ومن كَمُلَت له المعرفة، فالعبادة عنده إنما هي لمجرد التعظيم والامتثال والمحبة. والله سبحانه أعلم.
١٣٠٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان (٢) وغيره.
الحديث بعينه تقدم في آخر باب الأذان (٣).
١٣١٠ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم حيي كريم؛ يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا". أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم (٤).
قوله: "حيي". الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو
стр. 4410
الوسط بين الوقاحة -التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها- والخجل الذي هو [انحسار] (أ) النفس عن الفعل مطلقًا. واشتقاقه من الحياة، فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها، فقيل: حيي الرجل. كما قيل: نسي وحشي إذا اعتَلَّت نساه. أي عرق النَّساء، وحشا أي قلبه. وهذا المعنى الحقيقي لا يصح في حق الله تعالى، فهو مجاز مرسل في ترك الرد. أيْ لا يردهما. والعلاقة أن التَّرك لازم للانقباض؛ كاستعمال الرحمة في الإنعام اللازم بمعناها الحقيقي، ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية، وهو أنه شبه حاله تعالى في إجابة الدعاء أنه لا يختلف عن ذلك بحالة من يستحي من ردِّ سائله فيعطيه ما مسألة.
وقوله: "صفرًا". أي خالية، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء.
وفي قوله: "إذا رفع يده". دلالة على استحباب رفع اليد في الدعاء، وقد ذهب بعض إلى أن رفع اليد إنما هو مشروع في دعاء الاستسقاء، وتمسك بحديث أنس (١): لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء. وهو حديث صحيح، ولكنه يراد بنفي الرفع هو الرفع الذي وقع في الاستسقاء، وهو حتى يُرى بياض إبطيه، لا مطلق الرفع، ففي الاستسقاء الرفع إلى حد الوجه، وفي غيره يكون الرفع إلى حد المنكبين، وقد رُوي في غير الاستسقاء أنه رفع إلى أن رُئي بياض إبطيه، ويجمع بينهما بأن رؤية اليباض في غير الاستسقاء أقل منها في
стр. 4411
الاستسقاء. قال المنذري (١): وإذا تعذر الجمع، فرواية الإثبات مقدمة على النفي. وقد جاء في الرفع أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وروى الترمذي (٢) في حديث عمر ﵁ قال: [كان] (أ) النبي ﷺ إذا رفع يده في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن عباس نحوه، وفي إسنادهما مقالٌ. وقال الترمذي في الحديث الأول: إنه غريب. وإن قال عبد الحق (٤): إن الترمذي قال فيه: إنه صحيح. فليس ذلك في النسخ المعتمدة. وعقد البخاري (٥) لها بابًا مفردًا في "الأدب المفرد"، وذكر في قصة قدوم الطفيل بن عمرو [على] (ب) النبي ﷺ ، فقال: إن دوسًا عصت فادعُ الله عليها. فاستقبل القبلة وهو رافع يده. الحديث. وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (٦).
وحديث عائشة (٧) أنها رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: "اللهم إنما أنا بشر". الحديث، ولمسلم (٨) في حديث الكسوف عن عبد الرحمن بن
стр. 4412
سمرة: فانتهيت إلى النبي ﷺ وهو رافع يديه يدعو. وفي حديث عائشة (١) في دعائه لأهل البقيع: فرفع يديه ثلاث مرات. ومن حديث أبي هريرة الطويل (٢) في فتح مكة: فرفع يديه وجعل يدعو. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، وأما ما أخرجه مسلم (٣) من حديث عمارة بن رويبة، براء مهملة وموحدة مصغرًا، أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وما يزيد على هذا. يشير بالسبابة. فقد حكى الطبري (٤) عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة. ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار في شرعيتها. قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ورأى شريح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما لا أُمَّ لكَ. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة" (٥): ويختص الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وروى الطبري (٤) عن ابن عمر، أنه إنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. وكذلك أسنده الطبري عن ابن عباس، وأخرج أبو داود والحاكم
стр. 4413
عنه (١) من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا. وأخرج الطبري (٢) من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (٣) عن ابن عمر من طريق القاسم بن محمد: رأيت ابن عمر يدعو عند القاص، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه.
واعلم أن الدعاء يتأكد استحبابه عقيب الصلوات، وقد روى الترمذي (٤) من حديث أبي أمامة قال: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبات". وعقد البخاري في "الصحيح": باب الدعاء بعد الصلوات المكتوبات (٥).
وزعم بعض العلماء أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم (٦) من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة ﵄: كان النبي ﷺ لا يلبث إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وقال ابن القيم في "الهدي النبوي" (٧): وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام
стр. 4414
والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخصص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها. قال: وهذا اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه، فإذا سَلَّم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟! ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر لا لكونه دبر الصلاة المكتوبة.
ويجاب من حديث مسلم بأن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا مقدار ما يقول ما ذكر، وبينت أنه كان إذا صلى أقبل بوجهه على أصحابه، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقول بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه، وهذا ما قاله ابن القيم من النفي مطلقًا؛ بأن ذلك قد ثبت عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ قال: "يا معاذ، إني والله أحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (١). وحديث أبي بكرة في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر". كان النبي ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة، أخرجه
стр. 4415
أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم (١). وحديث زيد بن أرقم: سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهن في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي (٢). وحديث صهيب رفعه: كان يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغيره (٣).
وأما التأويل بأن المراد بهذه دبر الصلوات هو أن يكون بعد التشهد قبل [السلام] (أ)، فإنه قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد التسليم إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد فهم بعض الحنابلة من كلام ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن كلامه إنما هو قبل الأذكار، وأما بعد الأذكار فيدعو، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الأذكار بعد الصلاة في "الصحيحين"، وغيرهما (٤): كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. وحديث المغيرة في "الصحيحين" (٥): كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله