Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
موسوعة القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الطهارة
стр. 2
مسألة ١
تعريف الطهور
١ - قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فالطهور عندنا: الطاهر على طريق المبالغة.
٢ - وعند الشافعي: المطهر.
٣ - والدليل على ما قلناه: وصف الله تعالى لشراب الجنة بأنه طهور، وإن لم يكن هناك ما يتطهر به.
٤ - وقال جرير:
عذاب الثنايا ريقهن طهور.
٥ - ومعناه: طاهر على وجه المبالغة، ولا يجوز أن يراد به مطهر؛ لأن وصف الريق بتطهير النجاسة مما تعافه الأنفس ولا يمدح به، وقد قال أهل العربية: ((إن الطهور فعول من طهر))، والاسم إذا لم يتعد فعوله مثله، كقولهم: نؤوم من نام،
стр. 3
وإن تعدى الاسم تعدى فعوله، كقتول من قتل.
٦ - واحتج المخالف بقوله ﵊ في البحر: ((هو الطهور ماءه))، وإنما أراد المطهر.
٧ - والجواب عنه: أنه أراد الطاهر على طريق المبالغة، وهذا يفيد التطهير من طريق المعنى.
٨ - احتجوا بقوله ﵊: ((جعل لي الأرض مسجدًا وطهورًا))
وقد كانت طاهرة قبله، فعلم أنه اختص اختصها بكونها مطهرة.
٩ - والجواب: أنها جعلت في حقه على أعلى أحوال الطهارة، فلذلك طهرت.
١٠ - واحتجوا بقوله ﵊: ((دباغ الأديم طهوره)) والدباغ فعيل له، فلا يوصف بالطهارة، فثبت أن المراد به: تطهيره.
١١ - قلنا: معناه: دباغه سبب طهارته، كما يقال: غسل الثوب طهارته.
١٢ - قالوا: العرب فرقت بين فاعل ومفعول، فإذا كان الطهور لا يفيد التكرار فلا بد من التطهير.
١٣ - قلنا: يفيد التكرار عندنا إذا توضأ به ثم غسل به النجاسة. ثم قد بينا مزية
стр. 4
الفرق، وهو إثبات الطهارة على وجه التأكيد والمبالغة.
١٤ - قالوا: خصت العرب الماء والتراب باسم الطهور دون غيرهما لأنهما يطهران.
١٥ - قلنا: العرب لا تعرف الأحكام حتى تضع الأسماء لها، وهذا التخصيص أيضًا لا يعرف غير العرب.
١٦ - قالوا: سموا الماء طهورًا قبل وقوع الفعل به، كما سموا الطعام سحورًا قبل أن يتسحر به، فدل على أن الاسم وضع لهذا المعنى.
١٧ - قلنا: هذا إثبات اللغة بالقياس، وإثبات اللغة بالقياس لا يجوز. وقد بينا أن أهل اللغة لا تعرف الأحكام فتضع الأسماء لها، وإذا ثبت أن معنى قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ طاهرا على المبالغة، لم يدل أن غيره لا يقع به التطهير. ولو سلمنا أن معناه: مطهرًا، لم يصح اعتبار دليله؛ لأن تعليق الحكم باسم جنس لا يدل على نفي ما عداه بالاتفاق، وإنما الخلاف في تعليقه بأحد الأوصاف.
стр. 5
مسألة ٢
إزالة النجاسة بجميع المائعات الطاهرة
١٨ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات الطاهرة.
١٩ - وقال محمد: لا يجوز. وبه قال الشافعي.
٢٠ - لنا: قوله ﵊: ((إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول))، وهو عام في كل ما سمي غسلًا، ومتى ثبت عموم الغسل ثبت عموم
стр. 6
المغسول به لأنه في مضمونه. ولا يقال: اسم الغسل مقيد في غير الماء، بدلالة أن من أمر غيره أن يغسل وجهه ذمه متى غسله بالخل؛ لأن الأصل الإطلاق في الأسامي، فمدعي التقييد يحتاج إلى الدليل، وذمهم لمن غسل وجهه بالخل للعادة، لا للتقييد، ألا ترى أنه لو غسله بماء زمزم في الموضع الذي يعز فيه، أو بماء الورد، أو بماء الكزبرة، أو ماء الكدر، ذموه؟. ولأنه مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فجاز إزالة النجاسة به، كالماء.
٢١ - قالوا: إن أردتم أنه طاهر قبل ملاقاته للثوب، بطل بالماء إذا وقعت فيه نجاسة قبل الغسل، وإن أردتم عند ملاقاته لم نسلم، لأنه نجس.
٢٢ - قلنا: نريد به أنه طاهر قبل الملاقاة، بحيث لا يمكن أن يخلطه غيره. ثم تعليلنا للعين لا للأحوال، وهو أن الخل في الجملة مما يزيل النجاسة.
٢٣ - قالوا: المعنى في الماء أنه يزيل الحدث، والمعنى بخلافه.
٢٤ - قلنا: علة الفرع تبطل بالدباغ؛ لأنه لا يزيل الحدث، ويزيل نجاسة الجلد، وهذا حكم مجمع عليه، وإن ما قال المروزي يحتاج بعد الدباغ إلى الماء لا يصح؛ لأن الغسل موجود قبل الدباغ ولم يطهر، فعلم أن الدباغ هو المؤثر في الطهارة، لا الماء. على أن باطن الجلد يطهر بالإجماع وإن لم يصل الماء إليه، ولأن ما جاز إزالة
стр. 7
الطيب به من ثوب المحرم جاز إزالة النجاسة به كالماء، ولأنها عين استحقت إزالتها لحرمة العبادة، فجاز إزالتها بغير الماء، كالطيب من ثوب المحرم.
٢٥ - قالوا: الطيب أُمر بإزالة رائحته دون عينه.
٢٦ - قلنا: أمر بإخراج عينه من أن تكون طيبًا، وذلك يكون بزوال ريحها وبغسلها، كما أمرنا بإخراج العين من أن تكون نجسة وقد يكون ذلك بتغييرها مثل الخمر إذا طرح عليها الخل.
٢٧ - قالوا: نعكس فنقول: لا يجوز إزالته بماء الورد، كالطيب من ثوب المحرم.
٢٨ - قلنا: يزول عندنا وتسقط العبادة، وإنما يكره فعله كما يكره استعمال ماء الورد في النجاسة.
٢٩ - واحتج المخالف بقوله ﵇ في دم الحيض: ((حُتِّيه ثم اقرضيه بالماء ثم اغسليه بالماء)).
٣٠ - والجواب: أن ذكر الماء لا يدل على اختصاصه بالطهير، كما أن ذكر الأحجار لا يدل على اختصاصها بالاستنجاء.
وفائدة التخصيص: أن الماء أعم وجودًا، وما سواه مكروه إزالة النجاسة به، فلم يأمرها بما يضر ويكره لها، ولأنه إذا أزاله بالخل لم يبق دم فلا تنصرف الكناية إليه.
стр. 8
٣١ - قالوا: طهارة شرعية، أو طهارة تراد للصلاة، كالوضوء.
٣٢ - قلنا: المعنى في طهارة الحدث إذا وقعت بالجامد اختصت بجنس، فإذا وقعت بمائع اختصت بجنس، وطهارة النجس إذا وقعت بجامد لم تختص بجنس، فإذا وقعت بمائع لم تختص بجنس؛ ولأن الوضوء عبادة لم نعلم معنى وجوبها، فاختصت بما نص الله عليه وإزالة النجاسة علم معناها، وهو الإزالة، فجاز بكل ما يزيلها.
٣٣ - قالوا: غسل واجب، كغسل الجنابة.
٣٤ - قلنا: ينتقض بغسل الطيب من ثوب المحرم. والمعنى في الأصل ما سبق.
٣٥ - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كالدهن والمرق.
٣٦ - قلنا: إن أزالا النجاسة جاز إزالتها بهما، وإن لم يزيلا لم يجز، كما لا يجوز بالماء الذي لا يزيل.
٣٧ - قال مخالفنا: طهارة النجاسة آكد من طهارة الحدث لأن الماء للطهارة والتطهير، ولأن المسافر إذا كان معه يزيل به النجاسة أو يتوضأ غسل النجاسة، وإزالة النجاسة لا تنتقل إلى بدل، ويكفي في الحدث غسل مرة واحدة ولا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا كان الأضعف لا يجوز بغير الماء فالآكد أولى.
٣٨ - قلنا: بل طهارة الحدث آكد؛ لأنه منصوص عليه نصًّا غير محتمل، مجمع على حكمه، ويعتبر فيه النية عندهم، ويتعدى إلى غيرها وغير محلها، ويستوي قليله وكثيره.
فأما قولهم: تسلب الماء الطهارة والتطهير فلا يصح على أصلهم في الماء إذا ورد على النجاسة أنه طاهر، وعلى أصلنا: انتقل إليه ما كان في المحل، وهذا لا
стр. 9
يدل على ضعف أحد الطهارتين، وأما المسافر فيتوضأ بالماء ثم يغسل به النجاسة إن اكتفى به، وإن لم يكتف به ابتدأ بإزالة النجاسة، لا لتأكدها، لكن يصير جامعًا بين الطهارتين، ألا ترى أن الماء لو لم يكف للنجاسة وجب أن يبتدأ بالوضوء حتى لم يمكن الجمع، وقولهم: إن الفرض لا ينتقل دلالة له على ضعفه حتى ثبت فرضه في حالة واحدة، وتثبت فرض طهارة الحدث في كل حال، واتبار العدد ليس بصحيح؛ لأن المعتبر عندنا الإزالة، فإن وقع بمرة واحدة جاز، فإذا ثبت أن طهارة الحدث آكد فجاز بالماء. وإن لم نخص الأضعف، وترجح ما ذكرناه؛ لأنه ناقل ومُثبت لحكم متجدد، وهو الطهارة، ومزيل للحكم بزوال العلة الموجبة، وملحق لطهارة النجاسة بجنسها من الدباغ والاستنجاء. وعللُنا مستنبَطة من أصل أجمع على ثبوت الحكم فيه، وعللهم منتزعة من طهارة الحدث، وقد اختلف في اختصاصها بالماء.
стр. 10
مسألة ٣
الوضوء بالمتغير بمخالطة طاهر
٣٩ - قال أصحابنا: إذا خالط الماء طاهر فغيّره ولم يغلب على أوصافه، جاز الوضوء به.
٤٠ - خلافًا للشافعي.
٤١ - لقوله ﵇: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء))، وهذا ماء مطلق؛ بدلالة أن مياه العرب أكثرها متغيرة، فلا يمنع من إطلاق اسم الماء فيها، ولا يعرف الفرق بين التغير بالنُّورة والجِصّ أو الزعفران.
٤٢ - وقولهم: إنه سمي ماء الزعفران، غلط؛ لأن هذا يقال في الحقيقة لماء اعتُصر من الزعفران.
٤٣ - وقولهم: لو حلف لا يشرب ماء فشربه لم يحنث، ولو استعمله المحرم لزمته الفدية. ولو وكل وكيلًا بأن يشتري له ماء فاشترى هذا الماء لا يجوز -لا نسلم، ولأن
стр. 11
كل ما لو خالط لم يمنع استعماله جاز استعمال الماء مع تغيير لونه، كالجص والطين، أو فجاز استعماله مع تغيير طعمه، كالملح، ومع تغيير لونه، كالكبريت.
٤٤ - قالوا: المعنى في الطين أنه جاء للطهير.
٤٥ - قلنا: أصل علتنا الجص وورق الشجر، ويبطل ما قالوه بغلبة التراب على الماء.
٤٦ - قالوا: المعنى فيه أنه لا ينفك الماء عنه غالبًا، وينفك من الزعفران.
٤٧ - قلنا: أما الآبار تنفك من ورق الشجر ولا يفسده. والماء لا ينفك من الورق والذباب، وينجسه عندهم، ولأن كل مخالطة لو حصلت بالطين لم يمنع جواز الوضوء إذا حصلت بالزعفران جاز الوضوء به، كما لو لم يتغير.
٤٨ - احتجوا: بقوله ﵊: ((خلق الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو ريحه)).
٤٩ - والجواب: أن ظاهر هذا الخبر يفيد نجاسته بالتغيير، وهذا لا يكون إلا بمخالطة النجاسة، والخلاف في مخالطة ما لا ينجسه، ولأن نجاسة الماء لا تَقف عندهم على التغيير؛ لأنا نقول في البحر والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز استعماله ما لم يتغير، ولا يجوز استعمال ما تغير.
٥٠ - قالوا: خالطه ما غير أحد أوصافه وما يستغني عنه غالبًا،
стр. 12
فمنع جواز الوضوء به كماء الباقلاء.
٥١ - قلنا: اعتبار ما لا يستغنى عنه لا معنى له؛ لأن الماء يستغنى عن التراب إذا طرح وإن لم يمنع عندهم، وكذلك ورق الشجر، فأما ماء الباقلاء، فما لم يطبخ فإنه يجوز الوضوء به وإن تغير. وأما إذا طبخ فالمعنى فيه أنه استحال بالطبخ عن صفة الماء، فلم يرفع الحدث وليس كذلك ما تغير من غير طبخ؛ لأنه لم يخرج عن صفة المياه، فجاز أن يرفع الحدث، أو نقول: المعنى فيه أن هذا التغيير لو حصل بالطحلب لم يمنع، فكذلك بالزعفران.
٥٢ - قالوا: المخالطة للماء على ثلاثة أضرب: موافق له في الطهارة والتطهير، كالتراب فلا يسلبه إحدى الصفتين. ومخالف له في الطهارة والتطهير فيسلبه الصفتين، ومخالف في الطهارة وموافق في التطهير فيسلبه التطهير.
٥٣ - قلنا: القسم الأول: لا يصح، لأنكم سويتم بين التراب والجص والورق
стр. 13
الشجر، وإن خالفت الماء في التطهير، ثم يبطل بغلبة التراب على الماء.
٥٤ - والقسم الثاني: يبطل بوقوع النجاسة في القلتين.
٥٥ - والقسم الثالث: يبطل بالزعفران إذا لم يغيره.
والتقسيم الصحيح أن يقال: الزعفران والتراب يستوي تأثيرهما في الماء إذا لم يغيره، ولا يمنعان الوضوء، ويستويان إذا غلبا على الماء في منعهما للوضوء، فإذا ظهر لونهما ولم يغلبا وجب أن يستوي حكمهما كما يستوي في الطرفين. و [قولهم]: لا فرق بين تغيير الماء بالباقلاء قبل الطبخ وبعده، يبطل على أصلهم بتغيير الماء بالجص إذا جرى عليه، وبتغيره إذا طرح فيه.
٥٦ - فإن قالوا: يمكن حفظه من أحدهما دون الآخر، بطل بالطين؛ لأنهم سووا بين تغيير الماء بالطين إذا جرى عليه أو طرح فيه.
стр. 14
مسألة ٤
وضوء المسافر بنبيذ التمر
٥٧ - قال أبو حنيفة: إذا لم يجد المسافر الماء توضأ بنبيذ التمر، ولم يتيمم.
٥٨ - وروى نوح المروزي عنه: أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف والشافعي.
٥٩ - وقال محمد: يجمع بينه وبين التراب.
стр. 15
٦٠ - وجه الرواية الأولى: ما رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس ﵄، وأبو رافع مولى ابن عمر، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال في ليلة الجن: أمعك ماء، قال: لا، معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ به وصلى الصبح وقال: تمرة طيبة وماء طهور.
ولا يجوز أن يقال: إن هذا الخبر رواه أبو فزارة السادر عن أبي زيد، وهو مجهول؛ لأنا نقلنا الخبر من غير هذا الطريق، ولو لم ينقل إلا منه كان طريقًا
стр. 16
صحيحًا؛ لأن أبا فزارة ذكه مسلم في الصحيح، وهو راشد بن كيسان العبسي الزاهد. وروى أبو حنيفة والثوري وإسرائيل بن يونس، والجراح أبو وكيع وشريك وأبو زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال ابن المديني: وروى أبو فزارة عن أبي زيد قال: سمعت عبد الله بن مسعود.
٦١ - ولا يقال: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ في هذه الليلة، وقد سئل علقمة
стр. 17
عن ذلك، فقال: وددت أن يكون معه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: (ما كان معه منا أحد)؛ وذلك لأن ابن المديني قد طرق كون عبد الله بن مسعود مع النبي ﷺ في ليلة الجن من اثني عشر طريقًا. وذكر يعقوب بن أبي شيبة حديث أبي عثمان البكالي صحابي، فقال ابن أبي شيبة: هذا حديث بصري. ولأن الأخبار لو تعارضت كان المثبت أولى، كيف والجمع ممكن؛ لأن علقمة نفى كونه مع النبي ﷺ عند خطاب الجن، وهذا لا ينفي خروجه معه.
٦٢ - قالوا: النبي ﷺ توضأ به في الحضر، وهذا مجمع على تركه.
٦٣ - قلنا: توضأ به بعد ما خرج من مكة وبعد منها، وعندنا نجوز التوضؤ
стр. 18
بالنبيذ والتيمم لمن بعد من المصر، وإن لم يسافر.
٦٤ - قالوا: الذي كان في الإداوة تمر وماء لم يختلط، ولهذا قال النبي ﷺ : ((تمرة طيبة، وماء طهور)).
٦٥ - قلنا: هذا لا يسمى عندنا على الإطلاق نبيذًا، وقد سماه ابن مسعود نبيذًا، ولم يذكر النبي ﷺ علته، والغالب أن التمر إذا طرح في الماء وبقي ليلة أنه لا يبقى على حاله.
٦٦ - ولا يقال: اعتبار حقيقة قول النبي ﷺ وحمل قول ابن مسعود على المجاز أولى من حمل قوله على الحقيقة وحمل قول النبي ﷺ على المجاز.
٦٧ - قلنا: ترك النبي ﷺ الإنكار تقرير له على قوله، فصا كأن القولين صدرا من النبي ﷺ ، فيجوز حمل الأول على الحقيقة والثاني على المجاز.
٦٨ - ولا يقال: إنه لم يكن شديدًا؛ لأن من أصحابنا من قال: الخلاف في النبيذ الحلو، فعلى هذا يسقط سؤالهم، ويسقط ما يقولون: إنه لم يكن مطبوخًا؛ لأن الحلو لا يعتبر فيه الطبخ.
٦٩ - قالوا: ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة فنسختها.
٧٠ - قلنا: النسخ يكون بين المتنافيين، ولا تنافي بين الآية والخبر، وسنبين ذلك.
٧٢ - قلنا: المخالف للأصول أن يرد الخبر بما وجد في الأصل خلافه بعينه، أو كان معناه مجمعًا على خلافه، كخبر القرعة؛ لأنه تضمن نقل الجزية من شخص إلى شخص، وهذا معنى أجمعوا على خلافه. وخبرنا لم يوجد ما ورد به في الأصول بخلافه، ومعناه: عليه أوصاف الطاهر على الماء، وهذا المعنى لم يجمعوا
стр. 19
على امتناع الوضوء به؛ لأن ابن جرير يجوز الوضوء بالخل ونبيذ الزبيب.
٧٣ - ولا يقال: إن البلوى تعم، ولا تثبت بخبر الواحد؛ لأن وجود النبيذ في السفر مع عدم الماء أمر نادر، فكيف يدعى عمومه.
٧٤ - ويدل عليه: ما روى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء)). ولا يمكن تأويل هذا الخبر إلا بإسقاط ما شرطه. وقد روى جواز الوضوء به: علي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ وقال أبو العالية: (ركبت مع أصحاب رسول الله
стр. 20
- ﷺ البحر ففني ماؤهم، فتوضئوا بنبيذ التمر، وكرهوا ماء البحر)، والصحابي إذا قال ما لم يعلم بالقياس حمل على التوقيف، أو نقول: إنه لا مخالف لهم فصار إجماعًا.
٧٥ - ولا يقال: قد روي عن ابن عمر أنه قال بنجاسة النبيذ؛ لأن هذا في الشديد، ومتى حمل الخلاف على الحلو سقط الخبر، على أنه قد روي عن ابن عمر جواز شربه. فيتعارض ذلك عنه، فبقي قول بقية الصحابة، ولأن الرأس من أعضاء الطهارة؛ فجاز أن يثبت له بدل عن الغسل، كالوجه واليدين، ولأن الطهارة تارة تعم البدن، وتارة تطهير ينتقل إلى بدل فجاز أن ينتهي إلى بدلين كالكفارة. هذه الأقيسة لسنا نثبت بها بدلًا، بل لترجيح الأخبار، ولأن كل فرض جاز انتقاله بالنبيذ، كغسل الطيب من ثوب المحرم.
٧٦ - واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا
стр. 21
ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ولم يجعل بينهما واسطة.
٧٧ - قلنا: إن قوله ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ عام في كل غسل بالماء وغيره، فيفيد ذلك النبيذ. ولا يقال: إن هذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز؛ لأنا لم نثبت مخصوص المغسول به لفظًا، وإنما أثبتنا عموم الغسل، وذلك حقيقة في الأمرين، ولأن الله تعالى خص جواز التيمم بحال عدم الماء، والنبيذ في حكمه؛ فلا يجوز التيمم مع وجوده، والحكم تارة يثبت بالصريح، وتارة بالتنبيه.
ولأن قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ المراد: ماء شرعًا، والنبيذ ماء في الشرع؛ بدلالة ما قدمناه في الخبر.
٧٨ - احتجوا بقوله ﵇: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء))، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن النبيذ ماء في الشرع، فيدخل في عموم الخبر.
٧٩ - ولا يقال: إنه حمل على الحقيقة والمجاز؛ لأنا اعتبرنا الماء في الشرع دون اللغة؛ لأن الاسم حقيقة في الشرع فيهما، ولأن اللفظ الواحد في النفي يحمل عليهما وإن لم يحمل في الإثبات، ولأن هذا خبر الواحد فيجمع بينه وبين خبر النبيذ، فيصير تقديره: التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء أو النبيذ.
٨٠ - قالوا: ما لا يجوز الوضوء به حضرًا لا يجوز الوضوء به سفرًا، كالخل. وهذا الوصف غير مسلم؛ لأن الوضوء بالنبيذ والتيمم يجوز للمقيم إذا بعُد عن المصر، ذكره الطحاوي، وإن سلمنا لم يصح؛ لأنه يجوز في السفر ما لا يجوز في الحضر، كالتيمم، والقصر، والإفطار. ثم المعنى في الخل أنه لم يسم طهورًا في الشرع، والنبيذ بخلافه.
стр. 22
٨١ - قالوا: شراب مسكر، كنبيذ الزبيب.
٨٢ - قلنا: الخلاف على قول كثير من أصحابنا في الحلو دون المسكر؛ فصار ما ذكروه مسلمًا، والمعنى في نبيذ الزبيب ما قدمناه.
٨٣ - قالوا: من حكم البدل أن يكون أعم وجودًا من المبدل، كالتراب.
٨٤ - قلنا: لا يمتنع أن يكون البدل أضيق وجودًا، ألا ترى أن الله تعالى جعل الإطعام بدلًا عن الصوم في كفارة الظهار، وجعل الصوم بدلًا عنه في كفارة اليمين؟ فلا يدل على وضع قولهم أن يكون أحدهما أضيق، وجعل تارة بدلًا، وتارة مبدلًا.
٨٥ - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كنبيذ الزبيب. وهذا لا يصح؛ لأن وضوء المستحاضة يقع بمائع ولا يررفع حدثها، ويجوز بالتراب، والتراب لا يرفع الحدث وإن جاز إسقاط الفرض به.
стр. 23
مسألة ٥
طهور جلد الكلب
٨٦ - قال أصحابنا: يطهر جلد الكلب بالدباغ.
٨٧ - خلافًا للشافعي.
٨٨ - لنا: قوله ﵇: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).
ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فجاز أن يطهر جلدها بالدباغ، كالشاة.
ولا يقال: إنه لا ينتفع بالكلب إلا لضرورة الصيد والحفظ؛ لأن الإنسان لا يضطر إلى الاصطياد في غالب أحواله، ولا يضطر إلى حفظ الماشية بالكلب؛ لقيام الآدمي مقامه.
стр. 24
ولا نريد بالضرورة ما يخاف منها على نفسه وماله. ولأنها بهيمة يجوز الاصطياد بها، كالفهد.
٨٩ - ولا يقال: إن ما لا يصاد به عندكم يطهر جلده بالدباغ؛ لأنا لم نعتبر وقوع الاصطياد، وإنما اعتبرنا إباحته، وهذا موجود في الجنس.
٩٠ - قالوا: المعنى في الأصل أنه مختلف في طهارة سؤره.
٩١ - قلنا: وكذلك الكلب، ويبطل علة الأصل بسؤر المشرك.
٩٢ - قالوا: الفهد يقتنى على الإطلاق، بخلاف الكلب.
٩٣ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن الكلب يجوز اقتناؤه إلا للتلهي، وكذلك الفهد.
٩٤ - ولا يقال: الفهد مختلف في غسل الإناء من ولوغه، والكلب متفق على وجوب غسله، لأن علة الأصل تبطل بسؤر المشرك، وعليه الفرع تدل على النجاسة، وهذا لا يمنع وقوع الدباغ، كالميتة. ولأنه حيوان مختلف في أكله لحمه، كالضبع.
٩٥ - ولا يقال: إن هذه علة متأخرة عن الحكم؛ لأن علل الشريعة يجوز أن تتأخر، فثبت الحكم في زمن النبي ﷺ لمعنى، وبعده بذلك وبغيره، كمسائل الإجماع. ولا يقال: إن الضبع مأكول؛ لأنا نخالفهم في هذه العلة.
٩٦ - قالوا: هذه الأوصاف لم تدل على طهارة الكلب في حياته مع وجودها كذلك بعد الدباغ.
٩٧ - قلنا: يجوز أن تكون هذه العلة غير موجبة للتطهير بنفسها، فتوجب
стр. 25
الطهارة عند وجود سبب التطهير، وهو الدباغ، ألا ترى: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ بعلة موجودة قبله ولم توجب تلك العلة طهارة الجلد قبل وجود سبب التطهير؟.
٩٨ - واحتجوا: بنهيه ﵊ عن افتراش السباع.
٩٩ - قالوا وهذا أخص من خبركم.
١٠٠ - والجواب: أن إطلاق السبع لا يتناول الكلب، ولأن النهي لِما كانت الأعاجم يعتادونه، ولو أراد به النجاسة لخصه بالصلاة، وأما خصوصة فلا يصح إذا لم يتناول موضع الخلاف، فلو تناوله لكان خاصًّا في السبع، عامًّا فيما قبل الدباغ وبعده، وخبرنا عام في الأُهُب، عام [فيما بعد الدباغ] والخصوص موجود في كل واحد من الخبرين من وجه، والعموم من وجه.
١٠١ - قالوا: حيوان نجس حال حياته، ويغسل الإناء من ولوغه، كالخنزير، وهذا يبطل على أصلنا بالبيع. ولأن النجاسة لا تمنع من التطهير بالدباغ، كنجاسة الميتة، والمعنى في الخنزير أنه لا يقسم قسمة المواريث ولا يخلى بينه وبين الموصى له
стр. 26
ولا يجوز الاصطياد به، والكلب بخلافه.
١٠٢ - قالوا: الدباغ يرد الجلد إلى طهارة الحياة ويرفع نجاسة الموت، والكلب في حال حياته نجس فيرده الدباغ إلى ذلك. وهذا لا يصح؛ لأنه تجدد طهارة في الجلد، فلا يرد ما تقدم؛ لأن علة ذلك طهارة الحياة، وهي لا تعود، ولا يعود حكمها.
١٠٣ - قالوا: الدباغ يمنع من التلاشي في الجلد والفساد، كما يمنع الحياة، وهذا معنى قولنا: إنه يرده إلى تلك الحال.
١٠٤ - قلنا: هذا المعنى لا مدخل له في الطهارة؛ لأنه موجود في الخنزير والكلب حال حياتهما، وهما نجسان، وفي الشعر بعد الموت، وهو نجس عندهم.
١٠٥ - قالوا: الحياة أقوى المطهرات؛ لتأثيرها في اللحم والجلد، والدباغ أضعف؛ لتاثيره في الجلد خاصة، فإذا لم يطهر الكلب بالحياة فبالدباغ أولى.
١٠٦ - الجواب: أن الدباغ أقوى المطهرات؛ لأنه يؤثر في نجاسة الموت الثابتة بالقطع والمتفق عليها، ونجاسة الكلب مختلف فيها وثابتة بخبر واحد، فما جاز أن يعمل في أقوى النجاستين ففي أضعفها أولى. وأما تأثير الحياة في اللحم والجلد فليس لقوة تطهيرها، لكن لوجودها فيهما، والدباغ لا يوجد إلا في الجلد، فإذا لم يطهر لم يوجد فيه ما يدل على ضعفه.
١٠٧ - قالوا: الكلب نجس العين، كالخنزير.
١٠٨ - قلنا: لا نسلم هذا الوصف؛ لأن نجاسة الكلب مخففة، في حكم نجاسة المجاورة؛ فلذلك يجوز الانتفاع به من وجه دون وجه، كالثوب النجس. ولو كان
стр. 27
كأعيان النجاسات لم يجز الانتفاع به بحال، كالدم والخمر.
١٠٩ - قالوا: معنى قولنا: نجس العين، أنه لم يخلق إلا نجسًا، وأن نجاسته ليست بطارئة. وهذا لا يصح؛ لأن نجاسة الكلب حكم مثبت بالشرع، لا نعلم ثبوته قبله، فيجوز أن يكون هذا الحكم طارئًا، وقد كان طاهرًا قبله.
١١٠ - وجملة الأمر: أن الشيء لا يوصف بالنجاسة لعينه، وإنما هذه أحكام، فمعنى قولنا: نجاسة عين، تغليظ نجاسة. ومعنى قولنا: نجاسة مجاورة، أي تخفيف نجاسة. والكلب مخفف النجاسة من وجه ما بينا، فترجح ما ذكرناه أنه قابل للحكم ومجدد بحكم الطهارة، وهو حكم شرعي، ويلحق الكلب بنظائره من السباع، وموجب تخفيف حكمه بعد الموت كما كان في حال الحياة.
стр. 28
مسألة ٦
حكم طهارة ما يؤكل وما لا يؤكل
١١١ - قال أصحابنا: ما لا يؤكل لحمه يطهر بالذكاة إلا الخنزير والآدمي.
١١٢ - وقال الشافعي: لا يطهر إلا ما يؤكل لحمه.
١١٣ - لنا: قوله ﵇: ((الذكاة في الحلق واللبة))، وهو عام. ولأنه حيوان لا يقطع بتحريمه، فوجب أن تؤثر فيه الذكاة، كالضبع. ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به حال حياته من غير ضرورة، كالشاة.
١١٤ - ولا يقال: إن الشاة طاهر في حال اليحاة فلا بطهر بالذكاة؛ لأنا قلنا: فوجب أن تؤثر فيه، وهي تؤثر في منع النجاسة.
١١٥ - ولا يقال: إن المعنى في الشاة أنها مأكولة؛ لأن الذكاة لو لم تؤثر إلا في المأكول لما أثر في الأشياء السبعة التي نهي عن أكلها من الشاة، وفي الشاة المسمومة التي لا يجوز أكلها، ولأنه سبب للتطهير، فلا يختص بما يؤكل لحمه، كالدباغ،
стр. 29
ولأن جلود السباع تطهر بالدباغ، فأثرت الذكاة فيها، كالشاة.
١١٦ - واحتج المخالف: بقوله عليه والسلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، دليله: أنه لا تطهير بغير الدباغ.
١١٧ - الجواب: أن تقديره: أيما إهاب نجس دبغ فقد طهر، لاستحالة أن يقال: الطاهر إذا دبغ طهر.
١١٨ - قالوا: ذبح لا يبيح أكل اللحم، فلا يؤثر في الطهارة، كذبح المجوسي.
١١٩ - والجواب: أنا لا نسلم أن ذبحه لا يعمل في إباحة أكلها؛ لأن المضطر إليها لا يأكلها إلا بعد الذبح؛ فيعمل الذبح في إباحتها، ثم قد بينا افتراق حكم الأكل والطهارة، بدلالة الشاة وحال حياتها والسباع عندهم، فالدال على الصيد إذا ذبح حرم عليه، وهو طاهر. ولأن الأكل لا ينفرد عن الطهارة، فكأنهم قالوا: لمّا لم يؤثر الذبح في الأكل والطهارة يجب ألا يؤثر في الطهارة، ويجوز أن يؤثر في أحد الأمرين ولا يؤثر فيهما. ولأن الجوسي أجمعوا أن ذبحه لا يؤثر لمعنى فيه، لا لصفات المذبوح، ولهذا استوى ما يؤكل وما لا يؤكل، فلم يجز التعليل لأمر يخالف الإجماع. ولأن المعنى في المجوسي أنه ليس من أهل الذكاة، والمسلم من أهل الذكاة، ذبح ما لا يقطع بتحريمه.
١٢٠ - قالوا: حيوان نجس، كالخنزير.
١٢١ - قلنا: التطهير إنما يحتاج إليه في النجاسات، فلم يصح هذا الوصف. ولأن الخنزير عكس علتنا؛ لأنه مقطوع بتحريمه، والكلب بخلافه.
١٢٢ - قالوا: جزء من حيوان لا يؤكل لحمه، فلم تبحه الذبح، كلحمه.
стр. 30
١٢٣ - قلنا إن أردتم إباحة الأكل فالجلد واللحم سواء في تحريمه، وإن أردتم إباحة الانتفاع، فهما سواء في الجواز.
١٢٤ - قالوا: فوات روح حيوان لا يؤكل لحمه، فلا يبيح شيئًا منه، كما لو مات حتف أنفه.
١٢٥ - قلنا: المعنى فيه أنه لم يوجد سبب من أسباب التطهير، والحيوان مما له دم نجس، وفي مسألتنا: وجد سبب من أسباب التطهير.
١٢٦ - قالوا: الذكاة تبقي طهارة الحياة، وتمنع نجاسة الموت، والكلب نجس في حال حياته، فيبقى على ما كان عليه.
١٢٧ - قلنا: الذكاة تحدث طهارة على طهارة الحياة؛ لأن تلك الطهارة قد زالت عنها، يبين ذلك أن طهارة الحياة لا تؤثر في الأكل، فطهارة الذكاة تؤثر في ذلك، فدل على اختلافهما. ولو صح ما قالوه لزمهم إذا ذكيت السباع، فشرائط الذكاة أن تبقى على طهارة الحياة عندهم، فأما أن يَحدُث بالذبح نجاسة فلا.
стр. 31
مسألة ٧
يصح الدباغ بالشمس والتراب
١٢٨ - قال أصحابنا: يصح الدباغ بالشمس والتراب إذا وقع الدباغ به.
١٢٩ - خلافًا للشافعي.
١٣٠ - لقوله ﵇: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، واسم الدباغ يتناول ما وقع بالشمس، ولأنه يحيل الجلد ويمنع من ورود الفساد عليه، فأشبه الشب.
١٣١ - احتجوا بقوله ﵇: ((في الشب والقرظ ما يطهر))، وهذا يقتضي الاختصاص.
стр. 32
١٣٢ - قلنا: المراد به: الشب وما في معناه بإجماع.
١٣٣ - قالوا: الشمس لا تحيل الجلد، بل تجففه، فإذا وقع في الماء عاد إلى فساده. وهذا غلط؛ لأنه متى كان بهذه الصفة لم يطهر عندنا، وإنما يطهر إذا أثر فيه الشب والقرظ، وغيرهما.
стр. 33
مسألة ٨
جواز بيع الجلد المدبوغ
١٣٤ - قال أصحابنا: يجوز بيع الجلد المدبوغ.
١٣٥ - خلافًا للشافعي في القديم.
١٣٦ - لقوله ﵇: ((هلا أخذتم جلدها فدبغتموه وانتفعتم به))، والبيع من وجوه الانتفاع، ولأنه جلد يجوز الانتفاع به فجاز بيعه، كالمذكاة.
١٣٧ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾.
١٣٨ - والجواب: أن اسم الميتة لا يتناول اسم المدبوغ. ولأن خبر الدباغ قد مضى على الآية، فكأنه قال: إلا ما دبغ من جلودها.
١٣٩ - قالوا: جواز الانتفاع لا يدل على البيع، كأم الولد.
١٤٠ - قلنا: جواز الانتفاع يدل على البيع إلا أن يمنع مانع، وهناك حرمته منعت البيع بعد جوازه.
стр. 34
مسألة ٩
صوف الميتة وشعرها وعظمها طاهر
١٤١ - قال أصحابنا: صوف الميتة شعرها وعظمها وقرنها طاهر.
١٤٢ - وقال الشافعي: نجس.
١٤٣ - لنا: قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ وهذا امتنان عام، وذلك لا يكون بالنجس.
١٤٤ - قالوا: قوله ﴿إلى حين﴾ يقتضي جواز الانتفاع إلى غاية مجملة، فيحتمل أن يكون الموت، يقال: حان حينه.
١٤٥ - قلنا: الموت هو الحَين بفتح الحاء لا بكسرها. ثم الغاية دخلت على ما هو أثاث ومتاع، وذلك لا يؤثر فيه الموت، فينبغي أن يكون إلى حين هلاكها.
ويدل عليه: حديث أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وقرنها إذا غسل بالماء)).
стр. 35
١٤٦ - قالوا: رواه يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، وهو ضعيف.
١٤٧ - قلنا: الضعف لا يؤثر إلا بعد بيان جهته.
١٤٨ - قالوا: لا بأس بقيد الانتفاع دون الطهارة؛ كقوله ﵊: ((ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)).
١٤٩ - قلنا: إطلاق اللفظ يقتضي نفي الحرج في إيقاع الفعل منه، كالوجه.
١٥٠ - قالوا: شرط فيه الغسل، وأنتم لا تعتبرونه.
١٥١ - قلنا: جواز الانتفاع به قد يقف على الغسل عندنا إذا كان عليه نجاسة، لا لموته. والثاني: من عادة الشاة أن تبول وتروث، فينبغي أن يغسل الصوف. ومن استعمل حرف الشرط في حال أولى ممن أسقطها، ولأن قيام الدلالة على إسقاط الشرط لا تنفي التعليق بالخبر، ولأنها عين لو انفصلت حال حياة الحيوان كانت طاهرة، فإذا انفصلت بعد الموت حكم بطهارتها، كالبيض والولد. ولا يلزم الريق؛ لأنه طاهر عندنا بعد الموت، كاللبن، وإنما تجاوره النجاسة.
١٥٢ - ولا يقال: إن البيض ينجس بالموت؛ لأن الشافعي نص على خلافه، فلا يقال: المعنى فيه أنه ليس بمتصل وإنما هو مودع في الأصل؛ لأن هذا يبطل باللبن على أصلهم، ولأن ما لا تقف استباحته على الذكاة لا ينجس بالموت،
стр. 36
كالسمك؛ وعكسه سائر الأعضاء.
١٥٣ - ولا يقال: إنما لا تقف استباحته على الذكاة، لأنه لا يألم الحيوان بأخذه، والأعضاء يألم بأخذها، فوقف أخذها على الذكاة.
١٥٤ - قلنا: عليه الأصل تبطل بالحافر والظفر وشعر ما لا يؤكل لحمه واليد الشلاء، وعليه الفرع تبطل بالشعر إذا نتف، والولد إذا شقت خاصرتها وأخرج.
١٥٥ - قالوا: الشَّعر أُبيح أخذه حال الحياة، كما أبيح ذكاته، والأعضاء حُظر أخذها، فكأنه نجسه كما حظر ذكاته.
١٥٦ - قلنا: علية الأصل تبطل بالختان وما يقطع للداء. وعليه الفرع تبطل بنتف الشعر وإخراج الولد بالشق. ولأنه شعر نابت على محل يجوز الانتفاع به بحال، فلا يكون نجسًا بالموت، كشعر المذكاة وشعر السباع. ولأن الموت سبب لانقطاع النماء، كالجز.
١٥٧ - قالوا: المعنى في الجزِّ أنه انفصل عن عين طاهرة، وهاهنا انفصل عن عين نجسة.
١٥٨ - قلنا: علة الأصل تبطل بجزِّ شعر السباع عندهم أن العين طاهرة، وإذا قطع شعرها نجس. وعلة الفرع لا تصح؛ لأنه لو جزه بعد ما دبغ الجلد كان نجسًا وإن انفصل من عين طاهرة.
١٥٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ وهذا يقتضي تحريم الجملة.
١٦٠ - قلنا: الاسم حقيقة فيما حَلَّه الموت، كما أن المسود عبارة عما
стр. 37
حله السواد، والشعر لا يحله الموت عندنا.
١٦١ - وقولهم: إن الميتة اسم له، يقال: هذه ميتة، وهذا من الميت، ليس بصحيح؛ لأن هذه الإشارة لا تبطل الحقيقة التي قدمناها؛ لأنها إضافة مجاز، كما يقال: سوداء وإن كان سنها أبيض، وقولهم: شعر الميتة وعظمها، لا يوجب أن يكون منها، كما يقال: سرج الدابة.
وروي عن عمر ﵁ أنه نهى عن لبس فراء الميتة، وعن علي ﵁ أنه نهى عن لبس فراء الثعالب. وقيل لعائشة ﵂: ألا نتخذ لك فروا تتقي به من البرد؟ قالت: إن كان ذكيًّا فنعم، وإن كان ميتًا فلا.
١٦٢ - قلنا: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في السن والعظم والصوف مثل قولنا.
١٦٣ - قال النخعي: كان ابن مسعود يقول: ذكاة الصوف غسله. وقد انتفعت الصحابة بالصوف التي وجدوها في بلاد المجوس، وادعى أصحابنا الإجماع بهذا، وما رووه يحتمل أن يكون فيما لم يدبغ.
стр. 38
١٦٤ - قالوا: متصل بذي روح ينمو بنمائه، فوجب أن ينجس بنجاسة الموت قياسًا على اللحم.
١٦٥ - قلنا: لا نسلم أنه ينمو بنمائه؛ لأنه ينمو مع عدم نماء الأصل، فلا نسلم إن قالوا: ينجس بموت الأصل؛ لأن اللحم ينجس بحلول الموت فيه، وإن قالوا: بالموت؛ ينتقض بأجزاء السمك. وإن قالوا: بنجاسة الأصل، لم يصح على أصولهم؛ لأنه ينجس بحلول الموت فيه. ثم المعنى في الاصل أنه لو انفصل في حال الحياة حكم بنجاسته، فكذلك بعد الموت، والشعر لو انفصل حال الحياة حكم بطهارته، فإذا انفصل بعد الموت جاز أن يحكم بطهارته.
١٦٦ - وإن قالوا: نجعل الأصل ما لا يؤكل لحمه، فلا تسلم المعارضة.
١٦٧ - قلنا: المعنى فيه: أنه لو انفصل حال الحياة من المأكول لم يحكم بطهارته، وكذلك إذا انفصل بعد الموت. والشعر لو انفصل حال الحياة من المأكول - حكم بطهارته، فجاز إذا انفصل بعد الموت مما لا يؤكل لحمه أن يحكم بطهارته.
١٦٨ - قالوا: شعر نابت على محل نجس، فأشبه شعر الخنزير.
١٦٩ - قلنا: هو طاهر في إحدى الروايتين. ثم المعنى في الأصل أن محله لا يجوز الانتفاع به بحال، ومحل الشعر في مسألتنا يجوز الانتفاع به بحال.
стр. 39
مسألة ١٠
ليس في الشعر والعظم حياة
١٧٠ - قال أصحابنا: ليس في الشعر والعظم حياة.
١٧١ - خلافا للشافعي.
١٧٢ - لأن الحياة لا تكون إلا في بنية مخصوصة من اللحم والرطوبة وغير ذلك، وذلك غير موجود في الشعر، ولأنه لو كان فيه حياة لأحس بنزعه من المحسوسات وأدرك نوعًا من المدركات، كالأحياء، ولأنه لو كان فيه حياة لألِمَ بقطعه إذا لم يكن فيه آفة، كسائر الأعضاء. ولا يلزم ما حس من العقب؛ لأنه لا حياة فيه، ولا يلزم اليد الشلاء؛ لأن فيها آفة تمنع من إدراكه للألم، كالسكر المانع من الإحساس بالألم.
١٧٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ والمراد به: من يحيي أصحاب العظام وهي رميم، أو من يجعل العظام منتفعًا بها. لقوله ﵇:
стр. 40
((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)).
١٧٤ - احتجوا: بقوله ﵊: ((ما بان من الحي فهو ميت))، وهذا يدل على أن الشعر إذا جُزَّ مات. وهذا غلط؛ لأنه لو كان ميتًا كان محرمًا، لأنه ﵊ حرم الميتة وليسا منه مبينين، وفي اتفاقنا على طهارة الشعر المأخوذ من الحي دلالة على أنه لم يَمُتْ.
١٧٥ - قالوا: الشعر يَضْمَنْهُ المحرم بالجز، أو يجب بقطعه الأرش، وله مدخل في الطهارتين، فصار كالأعضاء. وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذه الأقيسة شرعية، مقتضاها الظن، فلا يجوز أن يُستَدَل بها على وجود الذات ولا نفيها، وإنما يستدل بها على الأحكام، ونحن لم نذكر أقيسة شرعية، وإنما ذكرنا طرقًا عقلية.
١٧٦ - قالوا: الشعر روح متصل بذي روح ينمو بنمائه، فصار كسائر أجزائه.
١٧٧ - قلنا: النماء لا يستدل به على الحياة؛ لأنه يوجد في غير الحيوانات من الشجر والنبات.
следующие страницы →