Полный текст (6 324 стр.). Показаны 6301–6324 · переход к 6306.
стр. 6301
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الكتاب المشهور في القضاء وقال فيه: (المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ إلا مجلود في حد). وهذه قصة مشهورة في الصحابة؛ لأن المسألة عن الشهود أمر لم يكن في زمن السلف. قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل عن الشهود، فلم يكن أحد يتحرى. ولو كان ذلك شرطًا لم يتركه من تقدمه.
ولأن الظاهر من أمر المسلمين الصحة؛ ولأنهم لم يركبوا ما لا تسوغه الشريعة، وقد ندبه إلى اعتقاد ذلك فيهم، وجمل أمورهم عليه. ومن حصل له هذا الضرب من التعديل، لم يعتبر معه تجويز ما يخالفه، كمن عدل للحاكم ني زمانه، ثم شهد بعده.
ولأن الظاهر أن الإنسان يبلغ غير مرتكب الكبيرة مع بلوغه، فيستفيد عدالة ني تلك الحالة، وجواز أن يحدث غير ذلك لا يعتبر، كمن عدله الحاكم في زمان، ثم يشهد بعده.
٣٢٤٠٥ - ولا يلزم إذا طعن؛ لأن العدالة حاصلة، وقد صار البحث حقًا له بمطالبته. ولا تلزم الشهادة بالحدود والقصاص؛ لأنا لا نكتفي فيها بالعدالة حتى توجد عدالة بصفة، كما يعتبر شهود بصفة.
ولأنهما لو حضرا عقد النكاح انعقد بشهادتهما، فلم يقف الحكم بشهادتهما على البحث عن عدالتهما كمن عدله القاضي مرة.
٣٢٤٠٦ - فإن نازعوا في الوصف؛ فالدليل عليه إجماع الأمة على عقده من غير بحث عن حال من يحضره ولا مسألة عن باطن حاله [...].
ولأن كل صفة لا تعتبر في الشاهد كالمسألة الثانية.
ولأن من جاز أن يقبل قوله إذا بحث عن باطنه، جاز أن يقبل قوله من غير بحث كالمخبر. والدليل على أن هذا الأصل: أن الأمة أطبقت على قبول أخبار النبي ﷺ فيمن ظاهره الخير، ولم يبحث أحد من الناس عن باطن الرواة ولا يسأل عنهم، فمن
стр. 6302
زعم أنه لا يقبل الأخبار لم لا بمن بحث عن عدالته، خالف الإجماع.
٣٢٤٠٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾. وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.
٣٢٤٠٨ - قلنا: ذوا العدل عن جعلت له عدالة، ومن كان مسلمًا، فله عدالة الإسلام. وإنما تزول بمخالفة الدين، وذلك لا يعلم، فالعدالة باقية.
كذلك قوله: ﴿ممن ترضون﴾. المسلم الذي لم تظهر منه حرمة مرضي؛ لأن الله تعالى ذكر هذا في حال التحمل، ولا خلاف أن عدالة الباطن لا تعتبر حال التحمل، فعلم أن المراد بذلك عدالة الظاهر.
٣٢٤٠٩ - قالوا: روي أن رجلين شهدا عند عمر، فقال لهما: أني لا أعرفكما، ولا يضركما أني لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما. فجاءا برجل، فقال له: أترفهما؟ فقال: نعم. فقال: أكنت معهما في السفر الذي تتبين به جواهر الناس؟ فقال: لا، فقال: كنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ فقال: لا، فقال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي بهما تقطع الأرحام؟ قال: لا، قال: ابن أخي، إنك لا تعرفهما، قالوا: وهذا يدل على أن البحث والسؤال واجب.
٣٢٤١٠ - قلنا: إنه حكاية حال، يحتمل أن تكون الشهادة في الحدود وهو الطاهر؛ لأنه طلب من الشهود التعديل، ولو كان هناك خصم لالتمس منه التعديل. فلما التمس ذلك من الشاهد، دل على أن الشهود هم المدعون، وذلك لا يكون إلا في الحدود. على أن كتاب عمر إلى أبي موسى أظهر وأشهر، فيجب أن يرجع إلى ظاهر، ويحمل هذا على الحدود وذلك على بقية الحقوق.
٣٢٤١١ - قالوا: عدالة مشروطة في الحكم بالشهادة، فإذا جهل الحاكم باطنها وجب السؤال عنها، أصله: عدالة الشهود في الحدود.
٣٢٤١٢ - قلنا: جحود المشهود عليه بسبب الحد طعن على الشهود، والطعن لم ذا حصل ني غير الحدود وجبت المسألة، وليس كذلك الشهود في سائر الحدود.
ولأنه ليس بطعن، لجواز أن يصدق الشهود. ويصدق الخصم بأن يكون الدين قد
стр. 6303
قضي أو أبرأ ذمته والعقد قد فسخ.
ولأن الحدود قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في غيرها، فيجوز أن تحصل عدالة الظاهر ويقف الحكم على معنى أخر، كما يحصل العدد الذي يقطع به في الحقوق، فتعتبر زيادة عدد أو صفة ليحكم به في الحدود.
٣٢٤١٣ - قالوا: كل عدالة وجب السؤال عنها إذا طعن الخصم وجب، وإن لم يطعن، كالعدالة في الحدود.
٣٢٤١٤ - قلنا: إذا طعن الخصم، صارت المسألة حقا له، وان لم يثبت قبل طعنه، كما أن العيب لم ذا ثبت وجب الرد به، فإذا ادعى البايع رضا المشتري، وجب على الحاكم أن يسأله عن ذلك، ولو لم تدع، لم يسأل.
٣٢٤١٥ - قالوا: يجب عليه أن يسأل عن إيمانه، كذلك عن عدالته.
٣٢٤١٦: لا نسلم هذا؛ لأن الظاهر أنه من أهل دار الإسلام، وإذا لم تكن هناك أمارة الكفر لم يجب السؤال، وكذلك الحرية لا تحتاج أن يسأل عنها. فإذا طعن الخصم بالكفر أو ادعى الرق، وجب اعتبار ذلك كما يعتبر في العدالة.
стр. 6304
مسألة ١٦٢٦
قبول الترجمة في الشهادة
٣٢٤١٧ - قال أبو حنيفة ﵀: يقبل تعديل الواحد وترجمته، إذا لم يفهم القاضي لسان الشهود أو لسان الخصم.
٣٢٤١٨ - وقال الشافعي ﵀: لا يقبل في الترجمة والتعديل إلا قول اثنين. قالوا: ويعتبر في التعديل لفظ الشهادة، ولا يقبل تعديل والد لولده. واختلفوا في رسل القاضي في المسألة عن الشهود، فقال الإصطخري: يشهد الرسول؛ لأن بما يصح عندهما من قول الجيران. وقال ابن شريح: يستدعي القاضي اثنين من الجيران يسمع قولهما.
٣٢٤١٩ - لنا: أن الترجمة والتعديل خبر وليس بشهادة، بدلالة أن الترجمة تقبل في شهود الخصم، والشهادة على النفي لا تصح، وتصح الترجمة عن الشهود بغير تحميل. ولو كان قول المترجم شهادة، احتاج إلى تحميل شهود الأصل.
ولأن قول المترجم يقبل في إقرار المقر، ولو كان شهادة لم يقبل مع الاعتراف؛ لأن الشهادة تسمع مع النفي.
ولأن قول المترجم يقبل أن المقر أقر بالزنى ويقام عليه الحد، ولو كان شهادة لم يقبل إقراره.
ولأن القاضي استفاض عنده التعديل؛ جاز له أن يعمل به، ولو كان مما يثبت بالشهادة لم يجز أن يعمل عليه خبرًا.
ولأن الاستيفاض كالأموال والساعات، وهذا لا شبهة فيه، لأنا نقطع بعدالة السلف، وطريق ذلك علمنا إياهم بالخبر. وإذا ثبت أن التعديل والجرح خبر، لم يشرط
стр. 6305
فيه عدد كأخبار النبي ﵇.
٣٢٤٢٠ - ولأن من جاز أن يقبل قوله في الخبر عن النبي ﵇، جاز أن تثبت التزكية والترجمة بقوله، أصله: الإثبات.
ولأن التزكية معنى يقف الحكم عليه، فجاز أن يقبل قول الواحد فيه كالخبر عن رسول الله. ولا تلزم الشهادة؛ لأن شهادة الواحد تقبل عندنا في رؤية الهلال والولادة.
٣٢٤٢١ - احتجوا: بأنه يقبل ما غاب عن الحاكم إليه فيما يختص بالحكم بين المتخاصمين أو فيما يجب عليه سماعه من المتخاصمين، فوجب أن يكون من شرطه العدد، أصله: الشهادات.
٣٢٤٢٢ - قلنا: يبطل بالخبر عن النبي ﵇ في الحادثة المتنازع فيها.
٣٢٤٢٣ - فإن قيل: سماع الخبر لا يختص بالحكم، بل يجب سماعه لمعرفة الشرع.
٣٢٤٢٤ - قلنا: وكذلك التزكية يسمعها القاضي للحكم وليصل خبر المزكي عن رسول الله وليقلده القضاء وليئتمنه على الأموال. وأصلهم: الشهادة وهى غير مسلم؛ لأن العدد قد يعتبر فيها عندنا وقد لا يعتبر.
ولأن الناس بالشهادة، ولو استفاض لم يجز للقاضي العمل عليه حتى يشهد به، فجاز أن يكون فيه ما شرطه العدد والتزكية إذا استفاضت جاز أن يعمل عليها، فكذلك لم يكن من شرطها العدد.
٣٢٤٢٥ - قالوا: لو عدله اثنان وجرحه واحد، كان التعديل أولى، فلو كان الجرح من الواحد صحيحًا، تقدم الجرح على التعديل، كما لو جرحه اثنان وعدله اثنان.
٣٢٤٢٦ - قلنا: إنما قدمنا التعديل؛ لأن قول الاثنين يقبل شهادة وخبرًا، وقول الواحد يقبل خبرًا لا شهادة، فكان قول من يقبل قوله في الوجهين أولى. وإنما عدله اثنان وجرحه اثنان فكل واحد من القولين يقبل خبرًا وشهادة فتساويا، فقدم الجرح؛ لأن الجارح عرف ما خفي على المعدل.
стр. 6306
مسألة ١٦٢٧
تعديل المرأة والعبد والمقذوف
٣٢٤٢٧ - قال أصحابنا [﵏]: تعديل النساء مقبول. وذكر الخصاف أنه يقبل تعديل العبد والمحدود في القذف.
وقال الشافعي ﵀: لا يقبل قول النساء في تعديل.
وهذا مبني على أن التعديل خبر، فيقبل فيه قول النساء كالخبر عن رسول الله ﷺ ؛ لأن قولهن يقبل في الشهادة مع الرجال؛ فجاز أن يقبل في التعديل كالرجل.
ولأن ما لا تؤثر فيه الشبه، يقبل فيه قول النساء كالأموال.
ولأن قولهن مقبول في الخبر عن رسول الله ﷺ ، فجاز أن يقبل قولهن في التعديل والجرح كالرجال.
٣٢٤٢٨ - احتجوا: بأن التعديل والجرح شهادة، وشهادة النساء لا تقبل عندهم إلا فيما كان المقصود منه المال أو لا يطلع عليه الرجال.
٣٢٤٢٩ - قلنا: هذان أصلان قد دللنا على إبطالهما.
стр. 6307
مسألة ١٦٢٨
الاكتفاء بقوله: هو عدل
٣٢٤٣٠ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال المزكي: فلان عدل. اكتفي القاضي بذلك في التعديل، وكذلك إذا قال: ما علمت إلا خيرًا.
٣٢٤٣١ - وقال الشافعي ﵀: لا يقبل في التعديل حتى يقول: عدل علي ولي. وقال الاصطخري: هذا تأكيد، ويكفي أن يقول: هو عدل. وقال المروزي: لا بد أن يقول: هو عدل لي وعلي.
لنا: ما روى وكيع عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت قال: سأل عمر رجلًا عن رجل، فقال: لا أعلم إلا الخير. فقال: حسبك.
وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: قال ابن عمر: إذا أنعم أن يمدح الرجل قال: ما علمت إلا خيرًا.
ولأن قوله: هو عدل يجمع سائر أسباب العدالة، وقوله: علي ولي: تفسير لما اشتملت عليه العدالة، وذلك لا يجب بيانه، وإذا قال: ما علمت إلا خيرًا. فقد نفي ما سوى الخير وأثبت الخير، وهذا معنى التعديل.
٣٢٤٣٢ - احتجوا: بأن قوله: عدل. مجمل يحتاج إلى البيان.
٣٢٤٣٣ - قلنا: ليس كذلك، بل هو مفسر؛ لأن العدل من يجب قبول قوله ويسكن إلى أمانته، فإن وجد التفسير بقوله: لي وعلي. وجب بسائر صفاته.
стр. 6308
مسألة ١٦٢٩
الجرح المبهم
٣٢٤٣٤ - قال أصحابنا [﵏]: يستحب للمزكي إذا أراد الجرح أن يقول: الله أعلم به. ولا يبين سبب الجرح، فإن يبين وقال: ليس بعدل، أو هو فاسق. لم يقبل القاضي الشهادة. وقال الخصاف: إذا عدل الرجل عند القاضي لم يقبل جرحه مجملًا حتى يبين سبب الجرح.
٣٢٤٣٥ - وقال الشافعي ﵀: لا يقبل الجرح حتى يبين.
٣٢٤٣٦ - لنا: أن الواجب الستر على عورات المسلمين، وإنما يحتاج المزكي إلى بدل التعديل حتى لا يقضي القاضي بقول من لا يجوز قبول قوله في شهادته، فلا يجوز قبول قوله.
ولأنهم إذا قالوا: هو عدل جائز الشهادة لي وعلي. قبل القاضي ذلك، وإن لم يفسر. والمعنى الذي تثبت به العدالة كذلك إذا قال: هو فاسق.
٣٢٤٣٧ - احتجوا: بأن الناس مختلفون في التفسيق، فيجوز أن يكون فسقًا عند المزكي، وليس بفسق عند القاضي.
٣٢٤٣٨ - قلنا: وكذلك يتباينون ني التعديل، فيكون الرجل عدلًا عند المزكي، وليس عدلًا عند القاضي. ثم قال: هذا لا يصح؛ لأن المعاني المختلف في تأثيرها في الشهادة معروفة، والواجب حمل أمر المزكي على الصحة.
ولأنه لا يحمل القاضي ما يعلم أنه لو فسره لم يؤثر عنده، كما يحمل أمره في التعديل على الصحة، وأنه لا يحمل ما يجوز ألا يكون تعديلًا عنده.
стр. 6309
مسألة ١٦٣٠
قضاء القاضي بما علمه قبل الولاية
٣٢٤٣٩ - قال أبو حنيفة ﵀: ما علم القاضي قبل ولايته أو بعد ولايته ني غير عمله، لا يجوز أن يقضي به.
٣٢٤٤٠ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: يجوز أن يقضي به. وبه قال الشافعي ﵀ في أحد قوليه.
٣٢٤٤١ - لنا: أن محمله شهادة؛ لأنه لا يملك الحكم به عند سماعه، فلا يجوز أن يحكم به كما لو كان حاكمًا فيمتنع الإقرار ثم عزله قبل الحكم.
ولأن الإقرار حكم لا يملك الحكم به عنا سماعه، فلا يملك الحكم به وإن ولي الحكم، أصله: إذا سمع البينة.
٣٢٤٤٢ - فإن قيل: لا تكون بينة إلا بعد الدعوى، ومن ليس بقاضٍ لا يسمع الدعوى.
٣٢٤٤٣ - قلنا: لو سمع الشهود يشهدون عنا قاضٍ بعد الدعوى، ثم ولي القضاء، لم يجز الحكم بذلك السماع، ون كانت بينة صحيحة.
ولأن القول معنى لو طرأ بعل الإقرار، منع الحكم به فإذا [... السماع منع الحكم به] كالجنون والغفلة.
٣٢٤٤٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.
стр. 6310
٣٢٤٤٥ - قلنا: هذا نهي عن إتباع ما ليس يعلمه، وأما إتباع ما يعلمه فهو دليل الخطاب. ولأن عندنا يتبع علمه فيشهد به، وليس في الآية ما يدل على جهات الإتباع.
٣٢٤٤٦ - وقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾. يدل على القيام بالقسط، وعندنا يقوم بأن يشهد به وهذا هو المراد. ولأنه قال: شهد الله.
٣٢٤٤٧ - قالوا: روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: بايعنا النبي ﵇ بالسمع والطاعة ني المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول- أو نقوم- بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
٣٢٤٤٨ - قلنا: يجب عليه أن يقوم بالحق، فيشهد به، ويقول الحق فيخبر بما يعلم، والكلام في إمضاء الحكم، وليس يدل الخبر عليه.
٣٢٤٤٩ - قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه).
٣٢٤٥٠ - قلنا: عندنا يقول الحق بشهادة، ولا يتهيب الناس فقد قلنا: بظاهر الخبر.
٣٢٤٥١ - قالوا: روت أم سلمة عن النبي ﵇ أنه قال: (إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع).
٣٢٤٥٢ - قلنا: النبي كان يملك الحكم عند هذا القول. وقوله: (بما أسمع). يقتضي ما يقبل من السماع.
٣٢٤٥٣ - قالوا: لأنه حاكم عالم يصدق المدعي فيما يدعيه، فإذا سأله أن يحكم به؛ جاز له الحكم، أصله: إذا علم به في ولايته.
٣٢٤٥٤ - قلنا: يبطل بالحدود وبما علم من حقوق والده وولده.
٣٢٤٥٥ - قالوا: يحترز عن الحدود، فيقول فيما لم يضر بستره.
٣٢٤٥٦ - قلنا: أمره بالستر لم يمنع الحكم بالشهادة، كذلك لا يمنع بعلمه؛
стр. 6311
لأنهما سواء عندهم. والمعنى فيما علم حال القضاء، أنه يملك الحكم به عقيب علمه. وفي مسألتنا لا يملك الحكم به عند العلم ولا حال القضاء يجوز أن يحكم بسماع البينة قبلها، فيجوز أن يحكم بالإقرار ما قبل القضاء، فلو سمع البينة لم يملك الحكم بها بعد الولاية كذلك الإقرار.
٣٢٤٥٧ - قالوا: لو سمع رجلاً يطلق امرأته ثلاثًا أو يعتق أمته ثم ولي القضاء، وجحد الرجل، هل تسلم إليه الزوجة والأمة حتى يطأهما وطأ حرامًا؟.
٣٢٤٥٨ - قلنا: بل يحول بينه وبينها، ولا يحكم بالطلاق ولا العتق.
٣٢٤٥٩ - قالوا: لو علم عدالة الرجل، ثم ولي القضاء، جاز أن يحكم بشهادته لما علمه منه قبل ولاية القضاء.
٣٢٤٦٠ - قلنا: ليس هذا حكم بالعدالة؛ لأن القاضي لا يقضي بها، وإنما يقضي بالشهادة إذا كان الشاهد بصفة مخصوصة، فلا فرق بين حصول العلم بالصفة في تلك الحال أو قبلها، كما أنه يحكم بما سمعه من أخبار النبي ﷺ ولو سعها حال الولاية أو قبلها؛ لأن الخبر لا يحكم به. وإنما يحكم بالدعوى إذا كانت على صفة وجعلت الصفة قبل الحكم.
стр. 6312
مسألة ١٦٣١
قضاء القاضي بما علمه قبل الولاية في الحدود
٣٢٤٦١ - قال أصحابنا [﵏]: يجوز للقاضي أن يقضي بما علمه في حال القضاء إلا في الحدود.
٣٢٤٦٢ - وقال الشافعي ﵀: لا يجوز. في أحد قوليه.
٣٢٤٦٣ - لنا: أنه لو لم يقبل قوله، يجوز الاقتصار على قاضً واحد؛ لأن ذلك يؤدي إلى تضييع الحقوق، ألا ترى أن المتحاكمين يحضران وليس عنده شاهد، فيقر أحدهما ثم يجحد الآخر، فلا يقبل قوله؛ لأنه أقر فلما اقتصر على قاضٍ واحد في سائر الأعصار دل على أن قوله مقبول.
ولأن قوله مقبول في مذهبه وفي عدالة الشاهد، وصحة الحكم تقف على ذلك، كذلك يقبل قوله في إقرار المقر؛ لأن صحة الحكم تقف عليه.
٣٢٤٦٤ - احتجوا: بأنه قضى بعلمه، فلا يجوز كالحدود.
٣٢٤٦٥ - قلنا: الحدود هو الطالب بها والمستوفي لها، فلا يقبل قوله فيها كحقوق نفسه. وليس كذلك ما سواها؛ لأن الاستيفاء لا يثبت له؛ فجاز أن يرجع إلى قوله فيها كما يرجع إليه إذا أخبر بعدالة الشهود.
стр. 6313
مسألة ١٦٣٢
قضاء القاضي بعلمه في الحدود
٣٢٤٦٦ - قال أصحابنا [﵏]: لا يقضي القاضي بعلمه في الحدود استحسانًا.
٣٢٤٦٧ - وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: يجوز أن يقيمها بعلمه.
٣٢٤٦٨ - لنا: قوله تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾. فدل على أن القاضي يقيم الحد على القاذف إذا عجز عن الشهادة، وان كان يعلم صدق القاذف. وقال ﷺ في قصة امرأة هلال بن أمية: (إن جاءت على صفة كذا؛ فهو لشريك بن سحماء). فجاءت به على الصفة المكروهة، فلم يقم الحد عليها. ولو جاز أن يقيم الحد بعلمه لأقامه، ويدل عليه إجماع الصحابة.
وروي عن أبي بكر أنه قال: لو رأيت رجلًا أتى حدًا من حدود الله، لم أقم عليه إلا أن يشهد عندي شهود.
وروي أن عمر شاور عبد الرحمن بن عوف فقال: أرأيت لو رأيت رجلًا يأتي حدًا من حدود الله تعالى أكنت تقيمه؟ قال: لا، حتى يكون معك غيرك. فقال: وأنا أرى مثل ذلك. وروي أن معاوية سأل ابن عباس، فأجاب بمثل ذلك. ولا يعرف لهم مخالف.
ولأنه حق استيفاؤه إليه، فلا يكون عليه فيه حجة، أصله: حقوق نفسه. ولأن المطالبة بها إليه، فقوله فيها ليس بحجة كقول الوكيل.
стр. 6314
٣٢٤٦٩ - احتجوا: بأن الشهادة تثبت الظن، ويجوز أن يحكم بها، فلأن يحكم بالعلم أولى.
٣٢٤٧٠ - قلنا: الظن في قوله مائة عبد أقوى من الظن في شهادة حرين، ثم يجوز أن يحكم بقول الحرين ولا يقضي بقول العبيد مع قوة الظن.
٣٢٤٧١ - فإن قيل: إن كان لا يقتضي بعلمه؛ لأن الاستيفاء إليه، فيجب ألا يحكم فيها بالبينة كما لا يقضي في حقوق نفسه.
٣٢٤٧٢ - قلنا: حكمه بالشهادة والإقرار موضع تدعو الحاجة إليه، إذ لو نقض بذلك لم يمكن ثبرتها أبدًا. وحكمه بعلمه فيها لا تدعو إليه ضرورة، فأما حقوق نفسه: فلا حاجة تدعو إليها، لأنا إذا لم نجوز حكمه فيها، أمكن أن يحكم فيها الإمام أو يحكم قاضٍ غيره.
стр. 6315
مسألة ١٦٣٣
حكم القاضي على غائب
٣٢٤٧٣ - قال أصحابنا [﵏]: لا يجوز للقاضي أن يقضي على غائب حتى يحضر، أو يحضر من يقوم مقامه بأمره، أو من يقوم مقامه حكمًا.
٣٢٤٧٤ - وقال الشافعي ﵀: يجوز القضاء على الغائب عن المصر بالبينة، وإذا كان فيه حاضرًا فيه وجهان.
٣٢٤٧٥ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁ حين بعثه إلى اليمن: (لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر). وهذا نص في منع الحكم على الغائب؛ لأنه لم يسمع قوله.
٣٢٤٧٦ - قالوا: روي أنه قال: (إذا حضرك الخصمان وإذا جلس إليك الخصمان).
٣٢٤٧٧ - قلنا: لا يخلو إما أن يكونا خبرين أو خبر واحد، فإن كانا خبران استعملناهما وقلنا: إذا حضرا، لم يجز القضاء لأحدهما قبل سماع قول الآخر بأحد الخبرين، وإذا غاب أحدهما لم يقض بالخبر العام الآخر. وان كانا خبرًا واحدًا، فالأشبه أن يكون أصله خبرنا؛ لأنه عام، والراوي يجوز أن يسمع العام فيروي الخاص؛ لأنه بعض ما سمع، ولا يجوز أن يسمع الخاص فيروى العام لأنه كذب.
ولأن الخبر الذي رووه دليل عليهم؛ لأنه جعل العلة التي يجوز القضاء معها سماع قول الآخر، وما بعده للغاية بخلاف ما قبلها، فاقتضى الخبر أنهما إذا حضرا فسمع الدعوى وغاب المدعى عليه قبل سماع قوله أنه لا يجوز القضاء، وهذا خلاف قولهم.
ولأن النبي ﷺ إذا منع أن يقضي للمدعي إذا حضر خصمه قبل سماع قوله مع مشاهدة المدعى عليه لدعوى خصمه وسماعه لحجته ويسأله عن الطعن فيها، فلأن لا يحكم على الغائب مع أنه لو يعرف ما عنده من الطعن والاعتراض أولى.
стр. 6316
٣٢٤٧٩ - قالوا: قوله: (إذا حضرك الخصمان، فلا تقض لأحدهما). دليله إذا غاب أحدهما قضى للآخر قبل سماع قول خصمه.
٣٢٤٨٠ - قلنا: ليس من أصلنا القول. ولأنا بينا أن ذكر حضور الخصمين تنبيه على حال غيبة أحدهما من حيث الأولى.
٣٢٤٨١ - قالوا: قوله: (ولا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر). يقتضي حضورهما؛ لأنه سماهما خصمين، وذلك لا يكون مع عدم المخاصمة.
٣٢٤٨٢ - قلنا: لم يرد ﷺ حقيقة المخاصمة؛ لأنه سماه خصمًا قبل أن يستمع قول المدعى عليه، ويجوز أن يقر فلا يكون خصمًا مع أنه أراد المجاز دون الحقيقة، ويدل عليه قوله ﷺ (البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه). فأثبت البينة في جهة المدعي، ولا يكون مدعيًا حتى يجحد خصمه، ونحن لا نعلم أن الغائب ينكر، فلا يكون الحاضر مدعيًا فلا تسمع بينته.
ولأن البينة معنى يختص بالحاكم، فغيبة الخصم تمنع الحكم بها ابتداء، أصله: اليمين.
٣٢٤٨٣ - فإن قيل: اليمين حق المدعي، لا تثبت إلا بمطالبته، فلا يحكم بها [في غيبته؛ لأنه مستحق، لها كما أن البينة لما كانت حقًا للمدعي لم تثبت مع غيبته].
٣٢٤٨٤ - [قلنا: وقد تكون اليمين ... أقام البينة مع غيبة ... وهذه اليمين ...].
ولأن اليمين قد تكون عندهم حقا للمدعي إذا نكل خصمه عن اليمين، ثم لا نسع هذه الحجة مع غيبة خصمه.
٣٢٤٨٥ - فإن قالوا: إنما تكون اليمين حجة، إذا نكل المدعى عليه.
٣٢٤٨٦ - قلنا: وكذلك البينة إنما تكون حجة إذا كان هناك خصم جاحد، فأما إذا كان مقرا: فليست بحجة، ونحن نجوز أن يكون مقرًا.
ولأن صحة الحكم تتعلق بمقضي عليه، فإذا منعت غيبة المقضي له الحكم ابتداء،
стр. 6317
كذلك غيبة المقضي عليه يجب أن تمنع ابتداء الحكم.
ولأن تعلق البينة بالقضاء عليه أكد من تعلقها بالمدعي؛ بدلالة أنه ليس في الأصول بينة إلا على مدعي عليه، وقد يكون بينات لا مدعي لها وهي البينات إذا قامت بالحدود، فإذا أثرت عند المدعي في الحكم ابتداًء، فلأن يؤثر غيبة المدعى عليه أولى.
٣٢٤٨٧ - فإن قيل: صحة الحكم يعتبر فيه المدعي والمدعى عليه، والعين المدعاة لا يجب إحضارها لسماع البينة عليها، ثم غيبتها لا تمنع سماع البينة.
٣٢٤٨٨ - قلنا: إذا غابت العين المدعاة فإن البينة [تسمع عندنا على قيمتها وهي الدية.
٣٢٤٨٩ - فإن قيل: غيبة ...] البينة على كفيله، وإذا حضر الشفيع فادعى على المشتري عنه أنه اشترى الدار من يد الغائب، وأقام البينة، قضى بالشفيع على الغائب، وبمثله لا يحكم له مع غيبته.
٣٢٤٩٠ - قلنا: نحن قلنا: إن غيبته تمنع الحكم عليها، وهاهنا وقع الحكم على الكفيل والمشتري وتعدى ذلك إلى الغائب، فلم يتوجه الحكم ابتداء عليه، وبمثله نقول: إن غيبة المدعي تمنع الحكم له ابتداء، ويجوز أن يتصل الحكم بحق غيره فيحكم له مع غيبته كالمشتري إذا ادعى أنه ابتاع هذا العبد من فلان الغائب وهو يملكه، والمودع إذا. أقام البينة أن هذه الدابة وديعة في يده لفلان الغائب حتى يأذن له القاضي في الإنفاق عليها ويجعل النفقة دينًا على الغائب.
٣٢٤٩١ - فإن قيل: لو حضرا جميعًا لم يجز أن يقضي بالبينة إلا بعد طلب المدعي، ويجوز أن يقضي بها مع كراهة المدعي عليه، كذلك مع غيبته.
٣٢٤٩٢ - قلنا: لا يحكم بها وإن سأله المدعي إلا أن يكون خصمه جاحدًا عند السماع والحكم، فإن أقر في إحدى الحالتين لم يتعلق بالبينة حكم، فإذا كان غائبا، لم يعلم جحوده فلا يقضي بالبينة.
ولأنه حق ثبت بالبينة فلا يجوز القضاء به مع غيبية المدعى عليه وعنه من قام مقامه كالحدود.
стр. 6318
ولأنه حق من حقوق الآدميين، فلا يقضي به ابتداء مع غيبة المقضي عليه كالقصاص.
ولأن كل حالة لو كان عليها المدعي [... الحكم إذا كان عليها] منعت الحكم عليه كالصغر والجنون.
ولأن البينة حجة لأحد الخصمين، فلا يقضي بها القاضي مع غيبة الآخر كاليمين.
ولأن القضاء بالبينة قبل سؤال الخصم عند الدعوى لا يجوز، أصله: إذا كان في المصر أو ي مجلس القاضي.
٣٢٤٩٣ - قالوا: قال صاحب الإيضاح: إذا كان بحضرة القاضي وسع البينة ولم يسمع الدعوى؛ جاز في أحد الوجهين.
٣٢٤٩٤ - قلنا: هذا خلاف الإجماع؛ لأن القضاة من لدن النبي ﷺ وإلى يومنا يحضرون الخصوم. ولو ساغ الحكم بالبينة، لم يكن للإحضار وإلحاق الضرر بالخصم في قطعه عن أشغاله معنى.
ولأن البينة لا يثبت حكمها في حق المقر، فإذا كان الخصم في مجلس القاضي؛ جاز أن يكون مقرًا فيقضي بأقوى السببين.
٣٢٤٩٥ - قلنا: قد يحضر من لا يجوز إقراره مثل الوصي.
ولأنه لو كان يحضره، بجواز أن يقر له لم يحضره مرة بعد مرة.
٣٢٤٩٦ - فإن قيل: إنه يقضي بالبينة، فإن كان الخصم جاحدًا بقذف، وإن كان مقرًا أكد الحكم بإقراره.
٣٢٤٩٧ - قلنا: سماع البينة في حق المقر لغو؛ لأن الإقرار أقوى الحجتين، فلا يثبت الأضعف معها، فإذا كان كذلك حكم وهو يجهل السبب الذي تعلق الحكم به، وهذا لا يجوز، كأربعة يشهدون بدين، وقال المزكون: اثنان منهم عدلان. لم يجز للقافي الحكم؛ لأنه يحكم مع جهالة السبب، ألا ترى أنه لا يدري بشهادة أنهم يحكم كذلك في مسألتنا؟
٣٢٤٩٨ - احتجوا: بقوله تعالى ﴿يداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين
стр. 6319
الناس بالحق﴾.
٣٢٤٩٩ - قلنا: لا نسلم أن القضاء بالبينة مع جواز إقرار الخصم قضاء بالحق، ولا نسلم أنه قضى مع غيبته. ويجوز أن يطعن في الشهود أو يكون له مخلص من البينة، فقضى عليه وفوت هذا عليه، فقد قضى بحق.
٣٢٥٠٠ - فإن قيل: حجة لا تفوته إذا حضر.
٣٢٥٠١ - قلنا: القدح في الشهود لا يسمع عندنا بعد القضاء بشهادتهم، إلا أن يقيم البينة أنهم عبيد أو كفار، وما سوى ذلك لا يسمح الطعن بهم.
ولأنه يحكم عندهم ويدفع إلى المدعي ما يدعيه، فيبعث ويحضر خصمه فيقيم حجة تبطل ما دلت عليه البينة، ولا يقدر على الغائب، فيذهب حقه.
٣٢٥٠٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾
٣٢٥٠٣ - قلنا: لا نسلم إذا قضى مع غيبته، فقد قام بالقسط؛ لأن القسط التسوية بين الخصمين، وألا ينفذ لأحدهما حكم بالتحري، وهذا غير موجود هاهنا على ما بينا.
٣٢٥٠٤ - احتجوا: بقوله ﵇: (لو أعطي الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). قالوا: (ولكن) لفظة موضوعة لإثبات ما بعدها والمخالفة بينه وبين ما قبلها، فصار تقديره: ولكن البينة تعطاها الدعوى.
٣٢٥٠٥ - قلنا: المدعي من أنكر خصمه دعواه، وهذا لا يوجد قبل مسألته؛ لأن الخبر يقتضي الحالة التي لم يقم المدعي بينة، كلفه المدعى عليه اليمين، وذلك لا يكون إلا عند حضورهما.
٣٢٥٠٦ - قالوا: روي أن معاوية قال لأبي موسى: أنشدك الله أن رسول الله ﷺ كان إذا حضر الخصمان فاتفقا على موعد، فوافى أحدهما ولم يواف الآخر؛ أنه قضى لمن وافى منهما؟ قال: نعم.
٣٢٥٠٧: لم يرد بذلك كل الحقول، وإنما أراد بعضها، فيحتمل أن يكون
стр. 6320
حضرا فسمع البينة أو الإقرار. وإذا لم يحضر المدعى عليه، قضى للمدعي عند أبي يوسف ولم يقض له عند محمد؛ لأن الخبر يقتضي أن يقضي لكل واحد منهما إذا غاب صاحبه، ونعن نعلم أن المدعي إذا غاب لم يجز أن يستحلف المدعى عليه ويقضي بتأخير الخصوم، فلم يبق إلا أن يكون المراد: إذا حضر الخصمان، المدعيان للشيء الواحد، فاتفقا لموعد، فحضر أحدهما قضى له؛ لأنه يستحق الجميع بينته. وإنما يسقط حقه لمزاحمة المدعى الآخر له، فإذا لم يحضر قضى لحاضر منها بالجميع.
٣٢٥٠٨ - قالوا: روي أن هند امرأة أبي سفيان قال لها النبي ﷺ : (خذي من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف).
٣٢٥٠٩ - قلنا: هذا كان فتيا ولم يكن قضاء، بدلالة أنه لم يقدر النفقة ولا استحلفها أنها لم تستوف نفقتها، وكان حاضرًا فلم يوقف الأمر على مسألته عن دعواها.
٣٢٥١٠ - قالوا: روي أن الأنصار ادعوا عد النبي ﷺ دم عبد الله بن سهل، فقضى بالدية على اليهود مع غيبتهم.
٣٢٥١١ - قلنا: لم يحضر عند النبي منذ ﵇ وإنما حضر الخصوم، ووجود القتل بخيبر اشتهر، فقضى بالشهر وكتب إليهم يخبرهم بالواجب في الشرع، وهذا فتيا لاقضاء، بين ذلك: أنه وداه، هو ولو كان ما كتب به قضاء لم يتحمل الدية.
٣٢٥١٢ - قالوا: روي أن عمر قال في قمة أسيفع: إنا بائعو ماله غدًا.
٣٢٥١٣ - قلنا: يجوز أن يكون ميتًا، فقام الإمام مقامه في قضاء ديونه، ويجوز أن تكون البينة بالديون سمعت أو علم أنه كان حيًا ووعد الغرماء ليأمره بالبيع.
٣٢٥١٤ - قالوا: سماع البينة في حال غيبة المدعى عليه جائز، وكل حالة للخصم يجوز للحاكم فيها سماع البينة عليه، يجوز القضاء فيها بالبينة عليه. أصله: إذا كان حاضرًا.
٣٢٥١٥ - قلنا: لا نسلم أن هذه بينة مسموعة عليه مع غيبته وغيبة من يقوم مقامه،
стр. 6321
وإنما يسمع القاضي هذه البينة إذا سئل بأن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيها الخصم بعد سماعها لم يجز القضاء بها حتى تعاد في وجهه. ويبين ذلك أنه يكتب بشهادة من لا يعرف عدالته ليعدله المكتوب إليه، ولو كان سمعها على وجه الإشهاد لاعتبر التعديل عنده. وإذا كان القاضي يسمعها متحملًا لها ليكتب بها، صار فيها كشاهد الفرع الذي لا يحتاج في التحمل [حضور الخصم].
٣٢٥١٦ - فإن أسقطوا هذا الوصف. قالوا: سماع البينة جائز، فجاز القضاء بها.
٣٢٥١٧ - انتقض بمن ادعيت عين في يده، فأقام البينة أنها لفلان الغائب أودعه إياها، هذه البينة تسمع ولا يقضي بها.
٣٢٥١٨ - فإن قيل: الدليل على أنها بينة مسموعة وليس تحمل، أن شهود الفرع يعتبر فيهم العدد والحاكم واحد.
٣٢٥١٩ - قلنا: قول الحاكم يتعلق بالحكم لا يعتبر فيه العدد، أصله: إذا قال: أقر فلان عندي بكذا قبل قوله وحده، والشهادة بالإقرار تفتقر إلى عدد.
٣٢٥٢٠ - قالوا: الحاكم يجب عليه أن يسمع ويكتب، ولو كان يحمل شهادة كان فيه بالخيار كشهود الفرع.
٣٢٥٢١ - قلنا: إنما وجب على القاضي؛ لأنه لا يمكن أن يكتب بذلك سواه ليتعين عليه، وشهود الفرع لا يتعين عليهم؛ لأنه يجوز أن يشهد غيرهم.
٣٢٥٢٢ - فإن قيل: شهود الفرع يتحملون من غير دعوى، والقاضي لا يسمع هذه الشهادة إلا أن تتقدمها دعوى يدل على أنه ليس بتحمل.
٣٢٥٢٣ - قلنا: إنا نفتقر هذا السماع إلى تقدم الدعوى ليجب على القاضي المكاتبة، ويصير ذلك حقًا للمدعي يطالب به. ولو سمع من غير دعوى، لكان مخيرًا إن شاء سمع وإن شاء لم يسمع كشهود الفرع.
ولأن هذا عندنا ي معنى التحمل، وليس بصريح تحمل، فلا يلزمنا أن نسوي بينه وبين التحمل في سائر شرائطه.
٣٢٥٢٤ - فإن قيل: قولكم: إن القاضي لا يقضي بهذا السماع إذا حضر الخصم
стр. 6322
حتى يعيد الشهود الشهادة خطأ؛ لأن القاضي المكتوب إليه يقضي عند وصول الكتاب إليه بهذا السماع.
٣٢٥٢٥ - قلنا: هذا غلط؛ لأن السماع الأول تحمل، والقاضي يؤدي بكتابه الشهادة إلى القاضي الثاني، فيقرأ الكتاب بمشهد من الخصم، ويقضي القاضي بهذا السماع لا بالأول، كما يقضي بشهادة شهود الفرع إذا سمعها. ولا يقضي بالتحمل الذي سبق تخريجه. تخريجه. تخريجه. من شهود الأصل رجع الكلام إلى العلة الأولى. والمعنى فيه: إذا كان الخصم حاضرًا أنه يتمكن من مقابلة البينة بما يقدح فيها، فلم يكن في سماعها تفويت حقه. وهذا المعنى لا يوجد مع غيبته. أو نقول: المعنى فيه أن الغيبة لو حصلت في حق المقضي له، منعت الحكم، كذلك إذا حصلت في حق المقضي عليه، والحضور لا يتبع الحكم للمقضي له كذلك المقضي عليه.
٣٢٥٢٦ - قالوا: ما تأخر عن سؤال المدعى عليه إذا كان حاضرًا يقدم عليه إذا كان غائبًا، أصله: سماع البينة.
٣٢٥٢٧ - قلنا: يبطل بيمين المدعي، فإنما يتأخر عن مسألة المدعى عليه إذا نكل عن اليمين، ولا يتقدم على مسألته وإن كان غائبًا. والمعنى فيه سماع البينة أنه لا يفوت بالسماع حق الخصم؛ لأن القاضي يكتب بالسماع ولا يقضي به المكتوب إلا بحضرته أو حضرة من قام مقامه، فيقدح ويحتج.
٣٢٥٢٨ - وأما الحكم مع غيبة المدعى عليه ففيه تفويت حقه؛ لأنه قضى عليه من غير أن يتمكن من القدح والدفع، فيلزمه ما لو كان حاضرًا جاز ألا يلزمه، فالوافد تعذر بغيبته جوازه، فوجب أن يسقط اعتباره كما لو حضر فسكت ولم يحب عن الدعوى.
٣٢٥٢٩ - قلنا: هذا غير مسلم؛ لأن ابن سماعة روى عن أصحابنا أنه يجلس حتى يقرأ وينكر. وذكر الخصاف: أن القاضي يسئل عن حاله، فإذا قيل له: إنه سليم السمع واللسان. قال له: إن أجبت، وإلا قضيت عليك بالنكول. فعلى هذا لا يتصور أن يسمع البينة. وقد ذكر ني الجامع أن القاضي يسمع عليه البينة، وذلك لأن الساكت في حكم المنكر، ولهذا قالوا فيمن زعم أنه رسول صاحب الوديعة في قبضها، فلم يصدقه المودع ولم يكذبه، ودفع إليه، ثم حضر صاحب الوديعة فجحد أنه أرسله: رجع المودع على الرسول كما يرجع إذا جحد وسلم إليه. والمعنى فيه: أنه لما سأله، فقد تمكن من القدح ومن المعارضة، فلما سكت دل على أنه لا حجة عنده. وإذا كان
стр. 6323
غالبًا فيجوز أن تكون له حجة عنه لو حضر لذكرها.
٣٢٥٣٠ - قالوا: دعواه سريان فإذا سئل الحاكم الحكم به وجب، أصله: إذا كان حاضرًا، وإذا ادعى أن فلانًا الغائب وكله باستيفاء دينه، أو ادعى أن هذا الحاضر اشترى من فلان الغائب وأنه شفيع، وكذلك إذا ادعى على ميت فأقام عليه البينة بحضور الوارث.
٣٢٥٣١ - قلنا: لا نعلم مدعيًا حتى نعلم جحود خصمه، فإذا جوزنا أن يكون معترفًا، فهذا ليس بمدع، وكذلك لا نسلم أن البينة برهان، إلا أن يكون هناك خصم جاحد. وأصلهم: إذا كان حاضرًا وقد نكلها عليه، فأما المسائل التي عددوها: فالبينة مسموعة على خصم حاضر، ويتعدى الحكم إلى الغائب تبعًا، فيصير الحاضر خصمًا عنه وقائمًا مقامه حكمًا لوكيله الذي يقوم مقامه أمرًا وتفويضًا. يبين ذلك: أن القضاء بالشفعة حق الشفيع وهو لازم للمشترى، ولا يتوصل إلى إثباته عليه إلا بإثباته على البائع، فصار الحاضر هو المقصود بالقصد، والغائب تابع له في ذلك، وكذلك بقية المسائل. يبين هذا: أنا نقضي بملك الغائب إذا اتصل بدعوى الحاضر، وان كان القضاء لا يجوز مع غيبة المقضي له.
٣٢٥٣٢ - ولأن أحد الخصمين في هذه المسائل اتصل بالحق الآخر فاقتضى أن يصح بصحته كالعبادات لم تتعلق صحة بعضها ببعض، كما أن الحقين في مسألتنا إذا انفرد أحدهما عن الآخر لم يثبت أحدهما بثبوت الآخر.
٣٢٥٣٣ - قالوا: فمن لا يعتبر رضاه في الحكم عليه، لا يعتبر حضوره، أصله: المضمون عنه.
٣٢٥٣٤ - قلنا: الحضور يحتاج إليه ليأتي بحجة ويطعن في حجة خصمه، والرضا لا معنى له في ذلك، فأما الكفيل فقام مقام المكفول عنه من طريق الحكم لما ذكرنا.
٣٢٥٣٥ - قالوا: تأخير الحكم بالبينة على الغائب ليس له معنى؛ لأن الحاكم إذا حكم عليه ثم قدم، لم يخل أن يكون مقرًا أو منكرًا، فإن كان مقرًا تأكد حكمه، وإن كان منكرًا فحكم الجاحد أن تسمع عليه البينة ويقضي بها عليه.
٣٢٥٣٦ - قلنا: قد بينا أن في التأخير فائدة؛ لأنه إذا حكم فات الطعن في العدالة ويوفيه المال، ويغيب ويحضر الغائب وله حجة تبطل ما قامت به البينة عليه، فلا
стр. 6324
يتوصل إلى استرجاع ماله.
ولأنا بينا أن القضاء لا يقع بالبينة مع الإقرار، فإذا جوزنا أن يكون مقرًا أو جاحدًا، فالحكم بأحد الأمرين وهو سبب مجهول، وذلك لا يجوز كما لا يجوز إذا شهد أربعة، فزكى منهم شاهدان بغير أعيانهما، لم يجز أن يحكم بهذه الشهادة بجهالة السبب المحكوم به.
٣٢٥٣٧ - قالوا: قال أبو حنيفة: يقضى على الغائب بنفقة زوجته.
٣٢٥٣٨ - قلنا: هذا كان قول أبي حنيفة، فرجع عنه، ذكر رجوعه في الأصل.
٣٢٥٣٩ - قالوا: إذا حضرت المرأة زوجة الغائب فأحضرت رجلًا في يده وديعة لزوجها، فاعترف بالزوجية والوديعة قضى القاضي عليه بالنفقة، وذلك قضاء على الغائب.
٣٢٥٤٠ - قلنا: هذا الرجل اعترف بوجوب حقها فيما في يده من المال وهو له في الظاهر ولم يحكم به للغائب بإقراره، لجواز أن يكذبه فيه صار القضاء متوجهًا على الحاضر لازمًا للغائب حكمًا.
٣٢٥٤١ - فإن قيل: فلو حضر غريم الغائب، لم يقض له على المودع بشيء.
٣٢٥٤٢ - قلنا: هذا لا يلزمنا؛ لأن القضاء عندنا إن كان على الحاضر لم يلزم أن يقضي على الحاضر يعترف به. على أن الفرق ينهما واضح؛ لأن الدين في ذمة القائم يحتاج أن يملكه له بما يقضي من الوديعة، فلا يجوز التمليك مع غيبته، وأما النفقة: فلم تثبت في الذمة، وإنما يجعلها القاضي في المال ابتداًء، فتصير كالاستحقاق. ولهذا لو طلبت نفقة ما مضى، لم يقض لها؛ لأنها صارت في الذمة فهي كالديون.
٣٢٥٤٣ - قالوا: لو حضر له رجل، فأقر أنه باع العبد الذي في يته من فلان الغائب، وطلب الثمن باعه القاضي له وسلمه ثمنه، وهذا قضاء على الغائب.
٣٢٥٤٤ - قلنا: هذا محمول على أن المشتري غاب ولا يعلم مكانه، فيصير مفقودًا، فيلي القاضي عليه في حفظ ماله، وينصب له وكيلًا بقبض العبد ويأمره ببيعه، ويسمع البينة على الوكيل، فلا يكون القضاء على الغائب إلا وقد حضر من قام مقامه بتنصيب الحاكم كما ينصب للميت وصيًا ويسمع عليه البينة، ويأمر بقضاء دونه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على أشرف خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.