Полный текст (6 324 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذكم الله بها، واليمين التي تكفر: الرجل يحلف على شيء تركه خير من إمضائه، واليمين التي لا تكفر: الرجل يحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب، وأما اليمين التي لا يؤاخذكم الله بها: فالرجل يحلف وهو يرى أنه كذلك، فهذا اللغو وهو لا يؤاخذ به. وذكر عن زرارة بن أبي أوفى في يمين اللغو: الرجل يحلف على اليمين لا يرى أنه كما حلف.
٣٢٢١٤ - وذكر الشعبي وأبو صالح وعكرمة وأبي قلابة والزهري والحسن وإبراهيم والسدي وسعيد بن جبير مثل قولنا.
ولأن اليمين لا يلحقها الفسخ، فيستوي القصد وعدمه في انعقادها كاليمين. وإذا أبطلها لم يبطل.
ولا يقال: إن الحنث يحلها.
لأن الحنث أحد موجبها، فلا يكون فسخًا كوقوع الطلاق.
ولأنها أحد نوعي اليمين، فيستوي فيه الجد والهزل، كاليمين بالطلاق.
٣٢٢١٥ - احتجوا: بأن الله تعالى قال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. قالوا: فدل على أن اللغو ما يقصده بقلبه.
٣٢٢١٦ - قلنا: قابل اللغو باليمين المنعقد وبما كسب القلب، فالمنعقد ما كان على المستقبل، وما كسبه بقلبه هو الذي اعتمد الكذب فيه. وكذلك نقول: إن اللغو يقابلها الغموس والمنعقدة.
٣٢٢١٧ - احتجوا: بحديث عائشة: (إن اللغو قوله: لا والله، وبلى والله، يصل به كلامه ولا يعقد عليه قلبه).٣٢٢١٨ - قلنا: هذا يكون في الماضي، يقال له: هل دخلت الدار، فيقول: لا والله. وهو يجيب بـ (لا) ولا يقصد بقوله: والله. الحلف على النفي، وإنما يتوهم المخاطب. وهذا لغو عندنا لا كفارة فيه؛ لأنه أمر بينه وبين الله تعالى.
٣٢٢١٩ - قالوا: اللغو ما جرى على لسان الإنسان ولم يقصده.
стр. 6267
٣٢٢٢٠ - وقلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن من جرى على لسانه الطلاق والعتاق وهو لا يقصد به، وقع وإن لم يكن لغوًا، وإنما اللغو مشترك يعبر به عن الكلام الفاحش، قال الله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا﴾. ومثله: ﴿لا تسمع فيها لاغية﴾. واللغو: الكفر، قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾. واللغو الباطل، قال الله تعالي: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾. أي: أكرموا أنفسهم عنه، واللغو: الضجيج، قال الله تعالى: ﴿لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه﴾. واللغو: ما لا فائدة فيه. والوجوه كلها غير مرادة، فبقى أن يكون المراد: ما لا فائدة فيه، وذلك على الماضي الذي لا يتضمن إيجابًا ولا تحريمًا. ولا يلزم يمين الغموس؛ لأنها تتضمن المأثم والعذاب في الآخرة، فلا تكون لغوًا.
٣٢٢٢١ - قالوا: يمين غير مقصود كالحلف على الماضي.
٣٢٢٢٢ - قلنا: ذلك لا يتضمن إيجابًا ولا تحريمًا، وليس كذلك اليمين على المستقبل؛ لأنه يتضمن الإيجاب، فلم يكن لغوًا، والله أعلم.
стр. 6268
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب النذور
стр. 6269
مسألة ١٦١٠
نذر نحر ولده
٣٢٢٢٣ - قال أبو حنيفة ومحمد [رحمهما الله]: إذا نذر نحر ولده، فعليه شاة.
وقال أبو يوسف ﵀: لا يلزمه شيء. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٢٢٢٤ - لنا: أن إبراهيم ﵇ نذر نحر ولده ونسي، فرأى في المنام أن يفي بالنذر، ثم فداه الله تعالى بكبش، وخرج بذلك من موجب النذر، وقد قال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم﴾. وقال ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة﴾. وإن شئت قلت: إن إبراهيم ﵇ أري في المنام أن يذبح ابنه، ومنام الأنبياء وحي، وكذلك قال له ابنه: ﴿أفعل ما تؤمر﴾. فخرج من موجب الأمر بذبح شاة، وما خرج به من موجب الأمر، خرج به من موجب النذر، ألا ترى إذا أمر بالحج خرج به بحجة، ولو نذر الحج يخرج منه بذلك. ويدل عليه ما روي أن أبن عباس قال: مائة من الإبل.
وقال مسروق: شاة. وتلا الآلة، فرجع ابن عباس إلى قول مسروق. وروي عن علي ﵁ أنه قال: يذبح مائة بدنة.
٣٢٢٢٥ - فإن قيل: في المسألة خلاف؛ لأنه روي أن امرأة نذرت نحر ابنها، فسألت ابن عمر فقال: لا أعلم في النذر إلا الوفاء. فقالت: فأذبح ولدي، قال: قتل الولد حرام. فإن قالوا: روي أن مروان بلغه قول ابن عباس ومسروق، فقال: أخطأ
стр. 6270
الفتيا، قال النبي ﵇: (لا نذر في معصية).
٣٢٢٢٦ - قلنا: قول مروان لا يعارض قول الصحابة، ولا يعتد به عليهم.
٣٢٢٢٧ - فإن قيل: ليس معنا انتشر هذا القول.
٣٢٢٢٨ - قلنا: إذا سئل عنها ابن عباس ثم سئل مسروق، ورجع ابن عباس إلى قول مسروق، وعرض قول ابن عباس على قول ابن عمر، وبلغ ذلك مروان، فهذا انتشار. فأما ابن عمر فلم يبطل النذر، لكنه وقف فيما يلزم به، فأما الاختلاف في مقدار الواجب: فلا يضرنا، لأنهم اتفقوا على وجوب شيء، واختلفوا في قدره. وقول مخالفنا مخالف قول جميعهم، وإنما رجحنا الشاة على النذر.
ولأن من أوجب الشاة، أوجبها لقصة إبراهيم. ومن أوجب النذر، اتبع قصة عبد المطلب لما نذر ذبح أحد أولاده، وتعين ذلك في عبد الله، فأوقع القرعة عليه وعلى النذر، فخرجت القرعة عليه، حتى بلغ مائة بدنة، فخرج القرعة عليها. والرجوع إلى سنة إبراهيم ﵇ أولى من الرجوع إلى سنة عبد المطلب.
٣٢٢٢٩ - ولأن من أوجب النذر، فقد أوجب الشاة؛ لأن الشاة التي تقوم مقامها جزء من النذر، فكان إيجاب المتيقن أولى.
٣٢٢٣٠ - فأما الذي روي عن ابن عباس أنه أوجب في ذلك كغارة يمين؛ فمحمول على أن من أراد النذر واليمين، فتجب الكفارة بكونه موجب النذر عندنا.
وطريقة أخرى: وهي أن القياس يقتضي ألا يجب بهذا النذر شيء، والصحابي إذا قال ما يخالف القياس، حمل على التوقيف، فكأنه رواه عن النبي ﵇. فإن روي عن غيره ما يوافق القياس لم يعارض قوله؛ لأنه يجوز أن يكون قاله قياسًا.
٣٢٢٣١ - ولأن ما يوجب الإنسان على نفسه تارة يكون طاعة، وتارة يكون معصية، فإذا انعقد به في أحد القسمين ولزم به معنى، جاز أن يكون في الآخر مثله.
٣٢٢٣٢ - ولأن الحيوان مباح الأكل ومحرم الأكل، فإذا جاز أن يلزمه بنذر ذبح المباح معنى، جاز أن يلزم بنذر ذبح المحرم معنى.
стр. 6271
٣٢٢٣٣ - احتجوا بقوله ﵇: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما يملكه ابن آدم). قالوا: وروت عائشة أنه ﵇ قال: (من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه).
٣٢٢٣٤ - قلنا: هذا النذر قد جعل في عرف الشرائع. وفي عادة الجاهلية عبارة عن إيجاب قربة وهي الفدية، فكان ذلك هو الموجب به دون المنطوق به، وذلك ليس بمعصية، ولا ما يملك وهذا كالشيخ الهرم الذي يستضر بالصوم صومه معصية، [ولو نذر ذلك، انعقد نذره وخرج منه بالإطعام
٣٢٢٣٥ - قالوا: نذر لا يجوز الوفاء] به، فوجب ألا ينعقد، ولا يجب به ذبح شاة، أصله: إذا نذر ذبح والده وقتل ولده.
٣٢٢٣٦ - قالوا: حرمة الوالد أعظم من حرمة الولد، فإذا لم تجب الشاة بنذر ذبح الوالد، فالولد أولى.
٣٢٢٣٧ - قلنا إذا كان موجب هذا النذر ذبح الشاة، اعتبر الشاة وهو مما يجوز الوفاء به، ولم يعتبر اللفظ، ألا ترى أن الشيخ الهرم لا يجوز له الوفاء بالصوم، ويجب بنذره موجبه من الإطعام، وقد سقط منطوق النذر، ويجب ما جعلت العادة النطق موجبًا له، كمن قال: ثوبي في رتاج الكعبة. لزمه الصدقة به؛ لأن اللفظ في العرف يعبر به عن ذلك. ولو قال: في رتاج المسجد لم يجب عليه شيء، لما لم يتعارف الإيجاب بهذا اللفظ.
стр. 6272
مسألة ١٦١١
نذر أن ماله في المساكين
٣٢٢٣٨ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال: مالي في المساكين صدقة؛ اختص نذره بالأجناس التي تجب فيها الزكاة.
٣٢٢٣٩ - وقال زفر: يتصدق بجميع أمواله. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٢٢٤٠ - لنا: أنه يختلف في وجوب الوفاء مطلق هذا النذر؛ لأن عندنا يتصدق ببعض الأجناس، وعند مالك بثلث المال. والنذر إذا اختلف في وجوب الوفاء بمطلق لفظه، جاز أن يخرج منه بغير مقتضى اللفظ، أصله إذا قال: لله علي المشي إلى مكة.
ولأن الحقوق المتعلقة بالمال في حال الحياة على وجه القربة تختص بمال دون مال، دليله الزكاة.
ولأن ما يوجبه الإنسان على نفسه، يعتبر بما يوجبه الله تعالى عليه؛ لأن أصل الإيجاب إيجاب الله تعالى، وإنما يجب علينا إيجابنا ما جعل لنا إيجابه، ولهذا لا يصح إيجاب المباحات والمعاصي. فإذا كان الله تعالى أوجب حقًا في الأموال بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. ثم اختص ذلك ببعض أجناس الأموال، كذلك ما موجبه الإنسان على نفسه في حال حياته يجب أن يختص بما اختصت به الزكاة.
٣٢٢٤١ - ولأن الصدقة بجميع المال منهي عنها، بدلالة ما روي أن كعب بن مالك لما نزلت توبته، قال: يا رسول الله، إني أخلع من مالي صدقة إلى الله. فقال له رسول الله: (أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك).
стр. 6273
٣٢٢٤٢ - والنذر إذا مضمن ما يكره، جاز أن يخرج منه بغير مقتضى اللفظ، أصله: الشيخ الهرم إذا نذر صومًا، وأصله من قال: لله علي المشي إلى مكة.
٣٢٢٤٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ إلى قوله: ﴿فلما أتاهم من فضله بخلوا به﴾.
٣٢٢٤٤ - قلنا: هذا في الصدقة المطلقة، والوفاء باللفظ هناك واجب، والخلاف في الصدقة المعلقة بالمال.
ولأنه تعالى ذمهم على الامتناع من الصدقة، وعندنا يتصدق ولا يجوز له الامتناع من جميع مقتضى اللفظ.
٣٢٢٤٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾.
٣٢٢٤٦ - قلنا: قد وفي بالعهد؛ لأن مقتضى هذا اللفظ الخصوص عندنا، والوفاء به واجب.
فأما قوله تعالى: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾. فعندنا قوله قد أقتضى الخصوص، وقد فعله.
وقوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾. معناه: أوفوا بأحكامها. وحكم هذا اللفظ عندنا الخصوص.
وقوله ﵇: (من نذر لذرًا يطيقه، فليف به).
وقوله: (من نذر نذرًا). سماه فعلمه الوفاء به، فعندنا أن التسمية لم تتناول إلا جنس مال الزكاة؛ لأن الخلاف فمن أطلق اللفظ بغير نيه. وقوله وفاء بذلك.
٣٢٢٤٧ - قالوا: اسم المال يقع على كل متمول مما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، وإذا سمى الجمع مالًا وجب إخراجه بمقتضى النذر، كالمال الذي تجب فيه الزكاة.
٣٢٢٤٨ - قلنا: وقوع الاسم على جميع الأموال مسلم، فإن كان المتكلم أراد العموم، لزم ما قالوا [لزمه ما قالوا عموم لفظ به]، فلا معنى للرجوع إلى العموم.
стр. 6274
٣٢٢٤٩ - قالوا: جعل ماله صدقة على الإطلاق، فصار كما لو أوصى بماله.
٣٢٢٥٠ - قلنا: نقلب فنقول: جعل ماله صدقة على الإطلاق، فجاز أن يتخصص عموم إيجابه بالشرع، أصله: إذا أوصى بجميع ماله.
٣٢٢٥١ - ولأن الوصايا تمليك بتعلق الموت، فهو معتبر بالميراث، وهذا تمليك على طريق القربة خصصه بالمال في حال حياته، فهو معتبر بالزكاة.
٣٢٢٥٢ - قالوا: لو قال: لله علي أن أتصدق بملكي. لم يتخصص إيجابه، كذلك إذا قال: بما لي؛ لأن ملكه وماله سواء.
٣٢٢٥٣ - قلنا: الملك والمال كل واحد منهما يوجد [...] شرعي، ولم يوجد ذلك التخصيص في المال فاختلفا.
٣٢٢٥٤ - قالوا: لو وجب اعتبار النذر بالزكاة، لم يتعلق بجس ما تجب فيه الزكاة، بل كان تجب فيه الزكاة، وكان يجب أن يختص بقدر الزكاة، فيجب في مائتي درهم خمسة دراهم وني خمس من الإبل شاة
٣٢٢٥٥ - قلنا: الزكاة أمر الله تعالى بأخذ بعض المال، فقال: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. فاختص الوجوب بالمال، وهاهنا قال: أتصدق بالمال. فتخصيص جنس الموجب كما تخصص هناك جنس الموجب فيه.
٣٢٢٥٦ - قالوا: يلزمه أن يتصدق بماله، وإن نقص عن نصاب الزكاة.
٣٢٢٥٧ - قلنا: قال أبو يوسف: قياس قول أبي حنيفة أن نذره يختص بمقدار النصاب، ولم أسمع ذلك منه.
стр. 6275
مسألة ١٦١٢
نذر المشي إلى الكعبة
٣٢٢٥٨ - قال أبو حنيفة ﵀: إذا قال: لله علي المشي إلى الكعبة أو إلى بيت الله أو مكة؛ لزمه الإحرام استحسانًا، وإن قال: إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام أو الصفا والمروة. لم يلزمه شيء.
وقال الشافعي ﵀: يلزمه الإحرام في جميع ذلك.
٣٢٢٥٩ - لنا: أن لفظه لم يتناول [الإحرام، ولا جرت العادة بإيجاب الإحرام به، فصار كما لو قال: إلى دار أبي جهل وإلى عرفات. ولأن] الشرع لم رد بإيجاب الإحرام لهذا اللفظ ولا جرت عادة بإقامته مقام إيجاب الإحرام، فصار كما ذكرنا. ولا يلزم ييت الله؛ لأن الشرع ورد إيجاب الإحرام بهذا اللفظ، بدلالة ما روي أن أخت عقبة ابن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبي ﵇ أن تهل بحجة أو عمرة. والكعبة بيت الله ومكة جرت العادة بذكر قصدها، ويراد به الإحرام، وهو أن المعتاد لا يوجد واحد منها في بقية الألفاظ.
٣٢٢٦٠ - وأما قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾. وقوله ﵇: (من نذر نذرًا سماه، فعليه الوفاء به). فلا دلالة فيه؛ لأن الذي سماه المشي فالخلاف في وجوب ما لم يسمه، وهو الإحرام، واللفظ لا يعطي إيجاب ذلك.
٣٢٢٦١ - فإن قالوا: الظاهر يقتضي وجوب المشي، والإحرام يوجبه بدليل؛ لم يصح؛ لأنا أجمعنا أن المشي لا يراد لنفسه، وإنما يراد الإحرام، فإيجابه بنفسه مجمع على خلافه.
стр. 6276
٣٢٢٦٢ - قالوا: نذر المشي إلى بقعة لا يتوصل إليها إلا بالإحرام، فأشبه ما إذا قال: لله علي المشي إلى بيت الله.
٣٢٢٦٣ - قلنا: عنه كم قد يتوصل إليها بغير إحرام إذا دخلها وهو لا يريد النسك على أظهر القولين، وعلى قولنا من خرج يقصد البستان ثم دخل مكة، دخلها بغير إحرام، وكذلك أهل المواقيت ومن وراءها، فالوصف غير مسلم. والمعنى في بيت الله: أن الشرع ورد بإيجاب الإحرام بنذر المشي إليه، وفي مسألتنا لم يرد الشرع بإيجاب الإحرام بنذر المشي إليه، ولا جرت العادة باستعماله في إيجاب الإحرام، فصار كالمشي إلى عرفات إلى مدينة الرسول ﵇.
стр. 6277
مسألة ١٦١٣
نذر الذهاب إلى مكة أو الخروج إليها
٣٢٢٦٤ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال: لله علي الذهاب إلى مكة أو الخروج إلى مكة، لم يلزمه لم حرام.
وقال الشافعي ﵀: يلزمه.
٣٢٢٦٥ - لنا: أن القياس يقتضي ألا يجب عليه بهذه الألفاظ شيء؛ لأن المشي والخروج والذهاب ليس بقربة منفردة، وإنما القربة هي الإحرام والصلاة بمكة، ولم يذكر ذلك في إيجابه. وإنما تركنا القياس في المشي لحديث أخت عقبة بن عامر، فما سوى ذلك على أصل القياس؛ لأن إيجاب الذهاب لفظ لا يضمن قربة زائدة على الإحرام، بدلالة أنه إذا ترك المشي، وجب عليه الهدي.
احتجوا: بأن المشي والذهاب يتضمن كل واحد منهما ما يتضمن الآخر. والفرق بينهما ما قدمنا.
стр. 6278
مسألة ١٦١٤
نذر الصلاة في مكان فصلاها في غيره
٣٢٢٦٦ - قال أبو منيفة ومحمد [رحمهما الله]: إذا أوجب صلاة في مكان فصلاها في غيره؛ أجزأه.
٣٢٢٦٧ - وروى الحسن عن أبي يوسف أنه إن صلاها في أفضل منه، مثل أن يوجب صلاة في مسجد النبي ﵇ فصلى في المسجد الحرام؛ أجزأه، وإن كان دونه لم يجزئ، مثل أن يوجب في المسجد الحرام فيصلي في مسجد النبي ﵇. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٢٢٦٨ - وقال زفر: لا يجزئه في غير المكان الذي أوجب، وإن كان أفضل مما نذر.
٣٢٢٦٩ - لنا: ما روى عطاء عن جابر أن رجلًا قال يوم فتح مكة: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال له: (صل هاهنا). فأعادها على النبي ﵇ مرتين أو ثلاثًا، فقال ﵇: (شأنك إذن). فدل على أن الصلاة لا تختص بمكان، وإن خصه.
٣٢٢٧٠ - فإن قيل: الصلاة في المسجد الحرام أفضل، فلذلك أمره بها.
٣٢٢٧١ - قلنا: قوله: (صل هاهنا). إنما أراد به مكة، ولم يخصه بالمسجد، والصلاة بمكة ليست أفضل من الصلاة في بيت المقدس.
ولأن كل صلاة جاز أداؤها ي المسجد، جاز في غيره كالمكتوبة.
ولأن كل مكان يجوز أن تؤدي فيه المكتوبة، يجوز أداء النذر فيه بكل حال، أصله: المكان الذي عينه بنذره.
стр. 6279
ولأنها عبادة بدنية، فإن خصصها بمكان لم تتخصص به، أصله: الصوم.
ولأن الصلاة لا بد لها من مكان وزمان، ولو خصصها بزمان لم تتخصص به، بدلالة أن من نذر أن يصلي في رمضان ففاته، لم يلزمه الانتظار إلى قابل، وجاز أن يصلي في شوال.
ولأن الإيجاب بالنذر يصح فيما له أصل في الشرع، بدلالة أنه لو نذر المشي إلى السوق لم يلزمه؛ لأنه لا أصل له في الوجوب بالشرع، ولذا لا يصح أن توجبه عندنا عيادة المريض. ومعلوم أن الشرع لم يخصص الصلوات بأماكن، فلا يجوز أن تخصص بإيجابه.
٣٢٢٧٢ - فإن قيل: العمرة تجب عندكم بالنذر وليس لها أصل.
٣٢٢٧٣ - قلنا: لها أصل عندنا وهي العمرة التي تجب على المحصر.
٣٢٢٧٤ - قالوا: فالاعتكاف ليس له أصل.
٣٢٢٧٥ - قلنا: المقصود بإيجابه الصوم، واللبث مع الصوم أصل في الإيجاب.
٣٢٢٧٦ - قالوا: الجمعة عندكم تختص بالأمصار.
٣٢٢٧٧ - قلنا: ليس ها هنا تخصيص بالمكان لكن بصفة فيه، بدلالة أن البرية لو صارت مصرًا، جازت الجمعة فيها، ولو خرب البلد، لم تجز الجمعة فيه.
٣٢٢٧٨ - قالوا: الجمع بين صلاتي عرفة يختص بمكان.
٣٢٢٧٩ - قلنا: ليس كذلك، بل يجوز للمحرم إذا كان له إمام ويصليها إذا اجتمع الشرطان حيث شاء.
٣٢٢٨٠ - قالوا: صلاة المغرب ليلة المزدلفة تختص بالمزدلفة عند أبي حنينفة، لو صلاها في الطريق لم يجز.
٣٢٢٨١ - قلنا: ليس كذلك؛ لأن من يخاف طلوع الفجر فصلاها في الطريق أجزأه، وإن صلاها قبل ذلك ولم يصر إلى المزدلفة حتى طلع الفجر أجزأه، فإذن لا تختص بمكان.
٣٢٢٨٢ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله﴾، وقوله: ﴿يوفون بالنذر﴾، وقوله ﵇: (من نذر نذرًا سماه، فعليه الوفاء به)، وقوله: (من
стр. 6280
نذر أن يطيع الله، فليطعه).
٣٢٢٨٣ - قلنا: العهد والطاعة تتناول الصلاة، وقل فعلها، والمكان لا يتناول الإيجاب كما لا يتناول الزمان.
٣٢٢٨٤ - احتجوا: بما روي أنه ﵇ قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي).
٣٢٢٨٥ - قالوا: ومن أوجب مائة ألف صلاة، لم تسقط عنه بصلاة واحدة.
٣٢٢٨٦ - قلنا: المراد بهذا تفضيل الفرائض دون النوافل، بدلالة ما روى زيد بن ثابت: أن النبي ﵇ احتجر حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: (ما زال فيكم الذي ما رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء ما كان في بيته إلا المكتوبة). وإذا كان هذا التفضيل في المكتوبة خاصة، لم يتناول النذر كما لا يتناول الفعل.
٣٢٢٨٧ - قالوا: ما رغب فيه وندب إلى فعله، تعين بالنذر كالصلاة والصوم.
٣٢٢٨٨ - قلنا: يبطل بالحطيم وما بين الركن والمقام وما بين القبر والمنبر، هذه المواضع يرغب في الصلاة فيها ولا تتعين بالنذر. والمعنى في الصلاة والصوم: أن لها أصلًا في الواجبات، وليس كذلك الصلاة في مكان معين؛ لأنه لا أصل لها في الواجبات، فلم تجب بالنذر.
٣٢٢٨٩ - فإن قيل: إذا نذر ثماني ركعات بتسليمة، فلا أصل له في الوجوب.
٣٢٢٩٠ - قلنا: لا يتعين عندنا. قال أبو يوسف: إن أداها بتسليمتين جاز
٣٢٢٩١ - قالوا: فإذا نذر المرابطة.
٣٢٢٩٢ - قلنا: لا يجب إلا أن ينوي أن يقيم في الثغر لها، بل إذا حضر القاتل أو
стр. 6281
يحرس من المسلمين.
٣٢٢٩٣ - قالوا: إذا نذر المشي إلى مكة، وجب بالنذر، وليس له أصل في الوجوب.
٣٢٢٩ - قلنا: المشي على من كان بمكة ليؤدي الحج وعلى من أدركه النفير ليقاتل العدو، ولذلك يعوز أن يجب بالنذر في الحج.
ولأن الطواف والسعي بين الصفا والمروة مشي، وله بذلك أصل في الوجوب.
стр. 6282
مسألة ١٦١٥
نذر المشي إلى بيت الله
٣٢٢٩٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال: لله علي المشي إلى بيت الله؛ لزمه إحرام.
وقال الشافعي ﵀: إن قال: لبيت الله الحرام. لزمه، وكذلك إن قال: بيت الله. ونوى. وان أطلق، ففيه وجهان.
٣٢٢٩٦ - لنا: ما روي أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية حاسرة، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم. ولم يسأل عن نيتها.
ولأن بيت الله يفهم من إطلاقه الكعبة دون غيرها، فوجب أن يحمل على الإطلاق.
٣٢٢٩٧ - احتجوا: بأن المساجد كلها بيوت الله تعالى، فلا يتخصص بيت منها إلا بيته.
٣٢٢٩٨ - قلنا: كلها بيوت الله تعالى، لكن الإطلاق يتناول ما ذكرناه دون غيره.
стр. 6283
مسألة ١٦١٦
نذر المشي إلى مسجد النبي أو بيت المقدس
٣٢٢٩ - قال أصحابنا [﵏]: إذا نذر المشي إلى مسجد النبي ﵇ أو إلى بيت المقدس، لم ينعقد نذره. وهو أحد قولي الشافعي ﵀.
وقال في قول آخر: يجب عليه المشي إليه، ويصلى فيه ركعتين.
٣٢٣٠٠ - لنا: أنه نذر المشي إلى مسجد، فلا يلزمه بنذره صلاة، أصله: إذا نذر المشي إلى المسجد الحرام.
ولأنها بقعة لا يجب قصدها بالشرع، فلم يلزمه بإيجاب المشي إليها، أصله: مسجد قباء، ومسجل الجامع.
٣٢٣٠١ - احتجوا: بأنه نذر المشي إلى مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه، فوجب أن ينعقد نذره، أصله: إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام.
٣٢٣٠٢ - قلنا: ولا يجب بنذر المشي إليه صلاة.
ولأن بيت الله الحرام يجب قصده بأصل الشرع، وهذا بخلافه.
стр. 6284
مسألة ١٦١٧
نذر أن يصلي
٣٢٣٠٣ - قال أصحابنا [﵏]: إذا نذر أن يصلي، لزمه ركعتان.
وهو قول الشافعي ﵀. رواه المزني.
وقال الربيع عنه: يجزئه ركعة واحدة.
٣٢٣٠٤ - لنا: أن الركعة الوحدة لا تجزئ في الواجبات، فلا يخرج من مطلق النذر به كالتسبيحة والسجدة.
ولأن من أصلنا أن الركعة الواحدة لا تكون صلاة شرعية، فلا يحمل النذر عليها.
وهم بنوا على أصلهم أن الوتر يجوز بركعة واحدة والنفل بركعة واحدة، فلذلك خرج من النذر بها.
стр. 6285
مسألة ١٦١٨
نذر هديا
٣٢٣٠٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا نذر هديًا، اختص الحيوان، وأدناه شاة. وهو أحد قولي الشافعي ﵀.
وقال في القول الآخر: يلزمه ما يقع عليه الاسم من تمرة أو بيضة.
٣٢٣٠٦ - لنا: ما روي أن النبي ﵇ سئل عن الهدي فقال: (أدناه شاة).
ولأن القدر على ما استقر في الشرع وما أوجبه الله تعالى من الهدي فلا يجزئ فيه غير الحيوان، كذلك هذا.
٣٢٣٠٧ - احتجوا: بقوله: (هديا بالغ الكعبة).
٣٢٣٠٨ - قلنا: هذا يتناول الحيوان خاصة.
٣٢٣٠٩ - قالوا: روي أنه ﵇ قال: (المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة). إلى أن قال: (كالمهدي بيضة).
٣٢٣١٠ - قلنا: هذا يدل أنه هدي، والكلام فيما يتناوله الإطلاق.
стр. 6286
مسألة ١٦١٩
نذرت صوم شهر بعينه فحاضت فيه
٣٢٣١١ - قال أصحابنا [﵏]: إذا نذرت المرأة صوم شهر بعينه، فحاضت فيه، قضت. وهو أحد قولي الشافعي ﵀. وقال في القول الآخر: لا تقضي.
٣٢٣١٢ - لنا: أن المنذور فرع على المفروض، ومعلوم أن ما أوجبه الله تعالى من الصيام في زمان بعينه تقضي أيام ألحيض فيه، فكذلك النذر مثله.
ولأن هذه الأيام يصح فيها الصيام في الجملة، فصارت كما قبلها.
٣٢٣١٣ - احتجوا: بأن أيام الحيض لا يصح صيامها، كزمان الليل.
٣٢٣١٤ - قلنا: زمان الليل لا يحتمل الصوم، فلا يتعلق بنذره حكم، وهذه الأيام يصح صيامها في الجملة، فتعلق النذر بها، وحيضها كالفطر فيها.
стр. 6287
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب أدب القاضي
стр. 6288
مسألة ١٦٢٠
القاضي المقلد
٣٢٣١٥ - قال محمد ﵀ في الأصل: ولا ينبغي أن يستعمل على القضاء إلا الموثوق به في عفافه وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه التي يؤخذ منها الكلام، فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب فقه ليس له علم بالسنة والأحاديث، ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، وليس يستقيم واحد منها إلا بالفقه. وهذا نص منه على أن المقلد لا يجوز أن يولى القضاء. وبذلك قال الشافعي ﵀.
ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يكون المقلد قاضيًا يقضي بالتقليد.
٣٢٣١٦ - فإن دللنا على ذلك، قلنا: المقصود من التصانيف تنفيذ الأحكام وإنصاف المظلوم، وهذا المعنى يوجد في المقلد، فيجوز توليته كما يجوز تولية المجتهد.
ولأن شهادته مقبولة على المسلمين، فيجوز أن يكون قاضيًا كالمجتهد.
٣٢٣١٧ - فإن قيل: الشاهد معه آلة الشهادة التي يحتاج إليها في التحمل والأداء، والقاضي يحتاج إلى آلة الحكم.
٣٢٣١٨ - قلنا: له الحكم على هذا القول بالتقليد للعلماء، كما أنها أكثر فيما تؤدى به فروضه، وكما أن الشاهد يحتاج في النية إلى العلم ليعلم ما يصح أن يؤديه وكيفية التحمل في الأداء، ثم جاز للمجهد أن يلزم غيره ما هو فرضه على وجه القضاء، كذلك يجوز للمقلد.
٣٢٣١٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.
٣٢٣٢٠ - قلنا: المقلد يتبع [ما له به علم فوجب] إتباعه؛ لأن الله تعالى فرض
стр. 6289
علينا التقليد، وهذا كما بخبر الواحد وهو لا يعلم صحته، لكنه يعمل به لدليل معلوم لزمه العمل به.
٣٢٣٢١ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿قل هل يستوى الذين يعملون والذين لا يعلمون﴾.
٣٢٣٢٢ - قلنا: لا يستويان عندنا؛ لأن الأولى أن يقلل المجتهد، وإنما يعدل إلى المقلد وليس بأولى إذا تعذر المجتهد.
٣٢٣٢٣ - قالوا: روى بريدة أن النبي ﵇ قال (القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار فيه فهو في النار، ورجل يجهل فهو في النار).
٣٢٣٢٤ - قلنا: إذا قلد العلماء لم نقض بالجهل، بدلالة أنه إذا عمل على هذا التقليد في حق نفسه، لم يكن مؤديًا لفرضه بالجهل.
٣٢٣٢٥ - قالوا: روي أن النبي ﵇ قال: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). فدل على أنه لا طريق للقضاء إلا الاجتهاد.
٣٢٣٢٦ - قلنا: هذا يدال على أن المجتهد هذه صفته، ومن ليس بمجتهد لم يتعرض له، كما لم يتعرض للحاكم بالنص والإجماع.
٣٢٣٢٧ - قالوا: من لا يجوز أن يكون مفتيًا، لا يجوز أن يكون قاضيًا كالفاسق.
٣٢٣٢٨ - قلنا: لا يجوز أن يقضي برأيه ولا يقضي به، ويجوز أن يفتي بما سمعه من العلماء، كمن لم يسمع منهم، كذلك يجوز أن يقضي بما سمع ولا يجوز أن يقضي برأيه.
٣٢٣٢٩ - قالوا: جاهل بأحكام الشريعة، فصار كمن حكم بغير مسألة. وقالوا: حكم من لم يكن معه آلة الاجتهاد، حكم من جاهل بطرائق الأحكام.
٣٢٣٣٠ - قلنا: هو جاهل بدليل الحكم، وليس بجاهل به لا يعلم أن حكمه فيما يخصه التقليد، كذلك فيما يحكم به.
ولأنه من فروضه، فأما فقد آلة الاجتهاد فيؤثر في المجتهد، فأما المقلد فلا يضره عدم العلم بطريق الاجتهاد، كما لا يضره ما يحتاج إليه في الأحكام المختصة.
стр. 6290
مسألة ١٦٢١
سؤال القاضي من هو أفقه منه
٣٢٣٣١ - ذكر محمد ﵀ في الأصل في الحدود: وينبغي للقاضي إذا أشكل عليه الشيء أن يسأل عنه من هو أفقه منه، ولا يسعه لم لا ذلك. فإن أشار عليه ذلك الذي هو أفقه منه ني نفسه بما هو خطأ عند القاضي قال: يقضي بما هو الصواب عنده، إذا كان يبصر وجوه الكلام، وإن ترك رأيه وعمل بقول ذلك الفقيه، كان موسعًا ولم يذكر خلافًا. قال أبو بكر الرازي: هذا قول أبي حنيفة قال: وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبى يوسف ومحمد أن المجتهد لا يجوز أن يقلد. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٢٣٣٢ - لنا: أن الاجتهاد ممن علمه أقوى من اجتهاد من قل علمه، ولهذا ينبغي للقاضي أن يقلد أعلم المجتهدين عنده، فصار كاجتهادين تعارضًا ومع أحدهما ترجيح.
والذي يجب أن يقال في هذه المسألة: أن القاضي إذا لم يظهر له اجتهاد في الحادثة، رجع إلى قول غيره؛ لأنه فيها كمن ليس من أهل الاجتهاد.
وعلى قولنا: هو قادر على التوصل إلى الحكم باجتهاده، فلا يقلد. فأما إذا بان له وجه اجتهاد واعتقد أن ما قاله غيره خطأ؛ لم يجب أن يعمل به؛ لأنه متعبد باجتهاد نفسه. ومعنى قوله في الكتاب: وإن ترك رأيه وعمل بقول ذلك الفقيه، كان موسعًا. معناه: أنه يجتهد ورجع إلى قول غيره، ولم يتشاغل بالاجتهاد.
٣٢٣٣٣ - وعلى هذا يجب أن تكون المسألة محمولة، فأما أن يقول: إن الأمارة ظهرت، فأداه اجتهاده إلى قول يعمل بخلافه فلا.
٣٢٣٣٤ - قالوا: وقد احتج أصحابنا في جواز التقليد بما روي عن عمر أنه قال لعثمان: إني رأيت في الحد رأيًا فاتبعوني. قال عثمان: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد،
стр. 6291
وإن نتبع رأى من قبلك فنعم ذو الرأي كان. هذا اتفاق من عمر وعثمان على جواز تقليد أبي بكر، وإن كان المقلد مجتهدًا.
وروي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين. فقال: (اللهم نعم). وهذا بحضرة الصحابة.
والذي روي عنه أنه عرض ذلك على علي ﵁ فقال: لا، إلا على اجتهادي وطاقتي. ليس بخلاف؛ لأنه اعتقد أن اجتهاده أوفر من اجتهادهما.
٣٢٣٣٥ - فإن قيل: المراد بهذه السيرة في المسلمين ومجاهدة العدو وسد الثغور.
٣٢٣٣٦ - قلنا: بل هو عام في كل سنة.
احتجوا: بما روي أن النبي ﵇ قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (بم تقضى؟) قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟). قال: بسنة رسول الله. قال: (فإن لم تجد في سنة رسول الله؟). قال: أجتهد برأي، ولا آلو جهدًا. فقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله).
٣٢٣٣٧ - قلنا: هذا الحديث مرسل لم يرو إلا عن رجال من أهل حمص، وكيف يصح لهم الاحتجاج به؟.
ولأنه لم يكن باليمن من يجوز لمعاذ تقليده والرجوع إلى قوله، فكذلك لم يذكر التقليد.
٣٢٣٣٨ - قالوا: قال النبي ﵇: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد). ولو كان للحاكم طريق ثالث لذكره.
٣٢٣٣٩ - قلنا: ذكر الاجتهاد ولم يبين جمع طرق الحكم، فتقليد العالم بذكره كما لم يذكر.
٣٢٣٤٠ - قالوا: قول يجوز له تركه باجتهاده، فلا يجوز له ترك اجتهاد له، أصله: قول من هو مثله أو دونه، وعكسه قول النبي ﵇.
٣٢٣٤١ - قلنا: من اجتهد فظهر له طريق الحكم، لا يجوز له تركه بتقليد غيره. ولذا نقول في المجتهد إذا لم يكن ظهر له طريق الحكم وأعجلت الحاجة إلى إنفاذ الحكم
стр. 6292
عن مهلة الاجتهاد أن يقلد العالم، ومن هذه حاله، فليس له اجتهاد حتى يكون تركه بقول غيره.
٣٢٣٤٢ - فإن قال: انه تارك لما يمكن منه من الاجتهاد بقول غيره.
٣٢٣٤٣ - قلنا: يجوز له أن يجتهد، فيظهر له حكم، ويجوز ألا يظهر، فلا يتوقف على إمضاء الحكم في الحال.
٣٢٣٤٤ - قالوا: اجتهاد عن يجوز عليه الخطأ فيه، فلا يجوز للعالم تقليده فيه، أصله: إذا كان مثله أو دونه.
٣٢٣٤٥ - قلنا: جواز الخطأ على المجتهد لا يمنع العمل بقوله، كما أن جواز خطئه لا يمنعه من العمل باجتهاده. فأما تقليد من هو دونه أو مثله، فيجوز إذا لم يظهر له طريق الاجتهاد.
٣٢٣٤٦ - قالوا: اشتركا في آله الاجتهاد، فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر، أصله: الصلاة.
٣٢٣٤٧ - قلنا: لا فرق بينهما، لأنا إذا كنا نقول: إن المجتهد مقلد إذا لم يظهر له اجتهاد، فكذلك نقول في العالم بآلة الاجتهاد في القبلة إذا لم يظهر لأحدهما أمارة، جاز أن يرجع إلى قول الآخر.
٣٢٣٤٨ - قالوا: متعبد بطلب الحكم من طريق الدليل والإمارة، فلا يجوز تركه بالتقليد، أصله: المفتي.
٣٢٣٤٩ - قلنا: حكم المفتي والقاضي سواء، يجوز للمفتي إذا لم يظهر له وجه الاجتهاد أن يفتي بقول غيره، كما يجوز أن يحكم بقول غيره.
стр. 6293
مسألة ١٦٢٢
حكم المرأة فيما تقبل شهادتها فيه
٣٢٣٥٠ - قال أصحابنا [﵏]: يجوز حكم المرأة فيما تقبل شهادتها فيه.
وقال الشافعي ﵀: لا يجوز حكمها.
٣٢٣٥١ - لنا: أن المقصود من الأحكام وضعها في مواضعها وإنصاف المظلوم والانتصاف من الظالم وفصل التنازع وحراسة الأموال التي للمولى عليهم، وهذا المعنى يوجد من الرجل والمرأة. وليس كذلك الإمامة؛ لأنها تفتقر إلى حماية البيضة والذب عن الحوزة وحضور الحرب ولقاء العدو. وهذا المعنى لا يكمل النساء له والرجال وهما يتساويان في ذلك.
ولأنها مسلمة تقبل شهادتها كالرجل. ولأن قولها مقبول في التزكية كالرجل. ولأن الشهادة والقضاء كل واحد منهما يتم الحكم به، فإذا كان للنساء مدخل في أحد الأمرين كذلك الآخر. ولا يلزم على شيء مما ذكرنا القضاء في الحدود والقصاص؛ لأن التعليل بجواز القضاء في الجملة وتفصيل ما يجوز فيه لم يتعرض له.
ولأنها ولاية خاصة، فجاز أن يتولاها النساء كالوصية. ولا تلزم الإمامة؛ لأنها ولاية عامة.
٣٢٣٥٢ - احتجوا: بما روي عن النبي ﵇ أنه قال: (ما أفلح قوم وليتهم امرأة)، وروي: (ولوا أمرهر امرأة).
٣٢٣٥٣ - قلنا: هذا يقتضي ولاية الإجازة والإمامة ذكر الأمر المضاف إليهم العرف بهم وهذا يقتضي جميع الأمر.
ولأنه يقتضي المنع من ذلك، وولاية المرأة مكروهة، وولاية الرجل أولى منها.
стр. 6294
٣٢٣٥٤ - قالوا: روى بريدة عن النبي ﵇ أنه قال: (القضاة ثلاثة واحدة في الجنة واثنان في النار، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار فيه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار). وهذا يدل على أن جنس القضاة ثلاثة رجال.
٣٢٣٥٥ - قلنا: قد يذكر الرجال ويراد الجنس، كما قال ﵇: (الناس غاديان: مشتر نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها). والمراد به الرجل والمرأة.
٣٢٣٥٦ - قالوا: روي أنه ﵇ قال: (إذا ناب في الصلاة شيء فالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء). فمنعها من التسبيح حتى لا يفتنن الرجال بها، فلأن تمنع من القضاء ومجاورة الخصوم والشهود أولى.
٣٢٣٥٧ - قلنا: الخبر دل على أن الأولى لها التصفيق، وكذلك الأولى عندنا ألا تقضي فإن فعلت، فحياؤها يمنعها وتصرفها الذي تكلم الرجال فيه.
٣٢٣٥٨ - قالوا: من لا يجوز أن يكون قاضيًا في الحدود، لا يجوز أن يكون في غيرها، أصله: الأعمى.
٣٢٣٥٩ - قلنا: لا نمنع أن لا يقبل قولها في الحدود ويقبل قولها في غيرها، كما أن شهادتها لا تقبل في الحدود وتقبل في الأموال، ولا يستدل بأحدهما على الآخر. فأما الأعمى فنقصه أثر في منع شهادته، فأثر في قضائه. والمرأة نقصها لا يمنع شهادتها، كذلك لا يمنع قضاءها.
٣٢٣٦٠ - فإن قيل: الأعمى تقبل شهادته فيما طريقه الخبر، وفيمن ضبطه بأمر فشهد عليه وهو قابض عليه.
٣٢٣٦١ - قلنا: كونها أنثى لم يمنع الشهادة إذا قيل في الأموال الشهادة مقبولة فيه بكل حال وليس في الحقوق حق يقبل شهادة الأعمى فيه يطلبه. وإنما يقول مخالفنا: إن شهادته مقبولة في حالة مخصوصة، والقضاء لا يتخصص بمثل تلك الحال.
٣٢٣٦٢ - فإن قيل: شهادة المرأة ليست كاملة، أقيمت مقام نصف شاهد، فلا يجوز أن تجعل حاكمة كاملة.
стр. 6295
٣٢٣٦٣ - قلنا: شهادتها عنانا كاملة فيما لا يطلع عليه الرجال، وهى شهادة الرجال وما يطلع عليه الرجال اعتبر في شهادتها عدد زائد، والعدد لا مدخل له في القضاء. ألا ترى أن الشهادات معتبر فيه العدد، والقضاء في سائر الحقوق يجوز من واحد؟.
٣٢٣٦٤ - قالوا: الحدود تدخل في ولاية القضاء، ومن لا يصلح لبعض ما يتضمنه الولاية، لا يصلح لشيء منها.
٣٢٣٦٥ - قلنا: الولاية لا تجوز أن تقع خاصة؛ لأن القاضي يجوز أن يولى النظر في شيء دون شيء، فإذا استثنى الشرع بعض ما تقضي فيه، جاز أيضًا كما لو استثنى نطقًا.
٣٢٣٦٦ - قالوا: لا تصلح للإمامة، فلا تصلح للقضاء.
٣٢٣٦٧ - قلنا: الإمامة ولاية عامة والقضاء ولاية خاصة، وقد يصلح للخاص ما لا يصلح للعام، كما تصلح المرأة عندهم للوصية ولا تصلح للإمامة والقضاء.
ولأن الإمام يفتقر إلى القيام بأمور لا تكمل لها النساء، وهى الحروب ولقاء العدو وتدبير البلاد، والقضاء يفتقر إلى العدالة والعلم، فهذا يوجد في النساء.
٣٢٣٦٨ - قالوا: قد كان في النساء من حضر الحروب وباشرها وحمل السلاح.
٣٢٣٦٩ - قلنا: لم يكن فيهن من جمع بين هذا وبين التدبير وسياسة البلاد والعلم بمصالح العامة.
٣٢٣٧٠ - قالوا: لا تصلح لإمامة الصلاة وهي أدون من القضاء؛ لأن الفسق لا يؤثر فيها، فلأن لا تصلح للقضاء أولى.
٣٢٣٧١ - قلنا: عندنا تصلح أن تكون إمامة للنساء، وإنما لا تؤم الرجال عندنا؛ لأن صلاتهم خلفها وإلى جنبها فاسدة.
стр. 6296
مسألة ١٦٢٣
مجلس القاضي وجلوسه
٣٢٣٧٢ - قال أصحابنا [﵏]: لا يكره أن يجعل القاضي مجلسه في المسجد، وجلوسه في الجامع أولى.
٣٢٣٧٣ - وقال الشافعي ﵀: يكره أن يقصد ذلك ويتخذ مجلسًا، فإن جلس للصلاة فجاءه خصوم نظر بينهم.
٣٢٣٧٤ - لنا: أن النبي ﵇ كان يجلس في المسجد وينظر في أمور المسلمين ومصالحهم، وكذلك الأئمة بعده، قال الشعبي: رأيت عمر يقضي ني المسجد. وقال الحسن: رأيت عثمان قد كوم كومة من الحصى في المسجد وجعل رداء عليه ونام، فجاء سقاء فوضع قربته وخاصم إليه رجلًا، فنظر بينهما.
٣٢٣٧٥ - فإن قيل: يجوز أن يكونوا جلسوا لغير الحكم، فاتفق حضور الخصمين.
٣٢٣٧٦ - قلنا: المنقول في عامة أحكامهم أنها كانت في المسجد، والاتفاق إنما يكون في الأول.
٣٢٣٧٧ - فإن قيل: روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أنه لا يقضي في المسجد. قالوا: وخلافه معتد به على الصحابة.
٣٢٣٧٨ - قلنا: عمر من تابع التابعين، فلا يعتد بقوله على الصحابة.
ولأنه روي: لا يقضي في المسجد، فإنه يأتيك المشركون. ومن مذهبه أن دخول المشرك المسجد لا يجوز، وعندنا لا يجلس في المسجد ليأتيه من لا يجوز له دخول المسجد.
ولأن القضاة من عصر النبي ﵇ إلى وقتنا هذا يعتمدون الجلوس ني المسجد ويتخذونها محلًا للأحكام، ولا ينكر ذلك منكر.
стр. 6297
ولأنها عبادة طريقها الأقوال، فلا يكره اعتماد فعلها في المسجد كالقراءة.
ولأن الجلوس في المسجد يصل معه جميع الناس إليه على وجه واحد، ولا يصح فيه الحجاب ولا يقدم بعضهم على بعض، فكان أولى.
ولأنه موضع لا يكره أن يعتمد الاستخلاف فيه، فلا يكره أن يعتمد الحكم فيه كالمشارك.
٣٢٣٧٩ - [احتجوا: مجا روى عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: (أيها الناشد، غيرك الواجد). وروي أنه قال: (لا وجدتها، إنما بني المساجد لذكر الله والصلاة).
٣٢٣٨٠ - قلنا: إنشاد الضالة أمر مباح يمكن فعله خارج المسجد، والقضاء عبادة].
٣٢٣٨١ - قالوا: مجلس الحكم يحضره الخلق الكثير اللغط والفاسد والتجارح، فيجنب المسجد ذلك.
٣٢٣٨٢ - قلنا: الفاسد الذي لا يحل يمنع منه القاضي، وما ليس بمحصور لا بأس به.
٣٢٣٨٣ - قالوا: يحضره الجنب والحائض والمجنون.
٣٢٣٨٤ - قلنا: أمر المسلمين محمول على الصحة. ولأنهم لا يدخلون المسجد على هذه الحال.
٣٢٣٨٥ - قالوا: فتتعذر على الحائض الحاكمة.
٣٢٣٨٦ - قلنا: لا يتعذر؛ لأن القاضي يؤخر حكمها إلى حين قيامه، أو يفوض أمرها إلى غيره لينظر بينها وبين خصمها.
٣٢٣٨٧ - قالوا: يقضي بالحد، ألا يجوز له أن يستوفيه في المسجد، ولا ينبغي أن يؤخره عن حال وجوبه.
٣٢٣٨٨ - قلنا: ليس من شرط إقامة الحد مشاهدة الحاكم لاستيفائه، وهو يحكم به ويأمر من يخرج من السجد ليستوفيه، أو يخرج الحدود من المسجل ويجلس القاضي هي المسجد بحيث يشاهده كيف يضرب.
стр. 6298
مسألة ١٦٢٤
بيع القاضي وشراه في مجلس الحكم
٣٢٣٨٩ - قال محمد ﵀ في الأصل: لا يبيع القاضي ولا يشتري في مجلس الحكم، ولا بأس بذلك في غير مجلس الحكم.
٣٢٣٩٠ - وروى الحسن عن أبى حنيفة ﵀ أنه يكره له أن يتولى ذلك بنفسه. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٢٣٩١ - لنا: أن أبا بكر الصديق لما بويع خرج إلى السوق يبيع، فعرضوا له الورق؛ فدل على أن البيع لا يكره.
ولأن الأئمة والأمراء كانوا يبيعون ويبتاعون، ولو تركوا البيع والشراء لنقل نقلًا مستفيضًا.
ولا يقال لنقل؛ لأن البيع والشراء عادة مألوفة، فإذا مضوا عليها لم يستغرب فينقل، وترك ذلك مستغرب، فلو أطبقوا محليه لنقل.
وقد روي أن عليا اشترى قميصًا بثلاثة دراهم، وقال: الحمد الله الذي كساني من رياشه.
٣٢٣٩٢ - وروي أن عمارًا خرج من دار الإمارة، فابتاع قباء وحمله بنفسه، وماكس بائعه، فتجازبا حبلًا، حتى أخذ عمار نصفه وهو نصفه.
ولأنه عقد بعوض أبيح قبل القضاء، فلا يكره بعده، أصله: النكاح. ولأنه عقد لا يكره أن يوكل به، فلا يكره أن يعقده بنفسه، كالنكاح. ولأنه يجوز له أن يبيع لمن يلي عليه، فجاز أن يبيع لنفسه كالوصي.
стр. 6299
٣٢٣٩٣ - احتجوا: بما روي عن النبي ﵇ أنه قال: (ما عدل والٍ اتجر في رعيته).
٣٢٣٩٤ - قلنا: هذا يدل على كراهة التجارة، والكلام في البيع والشراء، فأما التجارة: فمشغلة عن النظر في الأحكام، فتضيع حقوق الناس.
٣٢٣٩٥ - قالوا: روي عن شريح أنه قال: شرط علي عمر حين ولاني لا أبيع ولا أشتري ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان.
٣٢٣٩٦ - قلنا: خص شريحًا بذلك؛ لأن أهل الكوفة كانوا يتجرمون على ولاتهم، فأراد أن يقطع مادة تحومهم، ولهذا لم ينقل أنه شرط على جميع ولاته كثرة عددهم، على أن عليًا وعمارًا مخالفان.
٣٢٣٩٧ - قالوا: الاشتغال بالتجارة يقطعه بعن الأحكام.
٣٢٣٩٨ - قلنا: إذا كان الإمام يوفيه رزقه، فلا ينبغي له أن يتجر؛ لأن زمانه مستحق للمسلمين، فلا يصرفه إلى غير مصالحهم. وإذا لم يأخذ الرزق من بيت المال، فلا بد له من التصرف، ليقيم أوده ويستغني عن غيره.
٣٢٣٩٩ - قالوا: قال الشافعي: جرت العادة أنه يحابي في البيع والشراء، والمحاباة تجري مجرى الهدية، ولا يجوز.
٣٢٤٠٠ - قلنا: يكره له أن يبيع ممن يجابيه، فأما من يعلم أنه لا يجابيه فلا يكره.
стр. 6300
مسألة ١٦٢٥
البحث عن عدالة الشهود
٣٢٤٠١ - قال أصحابنا [﵏]: يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة الشهود وإن لم يعرف عدالتهم، ولا يلزمه البحث عن باطنهم لم لا ي الحدود والقصاص وأن يطعن المشهود عليه فيهم.
٣٢٤٠٢ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: لا يحكم حتى يحث عن عدالتهم في الباطن. وبه قال الشافعي ﵀. قال أصحاب الشافعي: هل يعتبر في الإخبار العدالة الباطنة؟ فيه وجهان. قال: والمنصوص- وهو الصحيح في المذهب- أن النكاح ينعقد بشهادة من ظاهره العدالة. فيها وجه آخر: أنه لا ينعقد لم لا بشهادة من يبحث عن عدالته في الباطن.
والكلام في هذه المسألة من طريقين، أحدهما: أن من أصحابنا من قال: لا خلاف فيها الآن، وإنما أجاب أبو حنيفة على عصره، وكانت العدالة ظاهرة على أهل زمانه، وقد عدلهم النبي ﵇ بقوله: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أن يستشهد). فأما بعده فلا يوجد فيهم هذا المعنى، فلا بد من المسألة.
ومن أصحابنا من حمل المسألة على الخلاف، وقال: هذا الحكم باقٍ. واحتج بما روي أن أعرابيًا شهد عند النبي ﵇ برؤية الهلال فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قال: نعم. فقال: (الله أكبر، يكفي المسلمين أحدهم). فاعتبر عدالة الإسلام.
٣٢٤٠٣ - فإن قيل: يجوز أن يكون سئل عن باطنه.
٣٢٤٠٤ - قلنا: حكم بشهادته في الحال، وأمر الناس بالصيام قبل أن تمضي مهلة المسألة، ويدل عليه قوله ﵇: (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدود في فرية). وهذا يدل على أن عدالة الإسلام تكفي.
стр. 6301
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الكتاب المشهور في القضاء وقال فيه: (المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ إلا مجلود في حد). وهذه قصة مشهورة في الصحابة؛ لأن المسألة عن الشهود أمر لم يكن في زمن السلف. قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل عن الشهود، فلم يكن أحد يتحرى. ولو كان ذلك شرطًا لم يتركه من تقدمه.
ولأن الظاهر من أمر المسلمين الصحة؛ ولأنهم لم يركبوا ما لا تسوغه الشريعة، وقد ندبه إلى اعتقاد ذلك فيهم، وجمل أمورهم عليه. ومن حصل له هذا الضرب من التعديل، لم يعتبر معه تجويز ما يخالفه، كمن عدل للحاكم ني زمانه، ثم شهد بعده.
ولأن الظاهر أن الإنسان يبلغ غير مرتكب الكبيرة مع بلوغه، فيستفيد عدالة ني تلك الحالة، وجواز أن يحدث غير ذلك لا يعتبر، كمن عدله الحاكم في زمان، ثم يشهد بعده.
٣٢٤٠٥ - ولا يلزم إذا طعن؛ لأن العدالة حاصلة، وقد صار البحث حقًا له بمطالبته. ولا تلزم الشهادة بالحدود والقصاص؛ لأنا لا نكتفي فيها بالعدالة حتى توجد عدالة بصفة، كما يعتبر شهود بصفة.
ولأنهما لو حضرا عقد النكاح انعقد بشهادتهما، فلم يقف الحكم بشهادتهما على البحث عن عدالتهما كمن عدله القاضي مرة.
٣٢٤٠٦ - فإن نازعوا في الوصف؛ فالدليل عليه إجماع الأمة على عقده من غير بحث عن حال من يحضره ولا مسألة عن باطن حاله [...].
ولأن كل صفة لا تعتبر في الشاهد كالمسألة الثانية.
ولأن من جاز أن يقبل قوله إذا بحث عن باطنه، جاز أن يقبل قوله من غير بحث كالمخبر. والدليل على أن هذا الأصل: أن الأمة أطبقت على قبول أخبار النبي ﷺ فيمن ظاهره الخير، ولم يبحث أحد من الناس عن باطن الرواة ولا يسأل عنهم، فمن
стр. 6302
زعم أنه لا يقبل الأخبار لم لا بمن بحث عن عدالته، خالف الإجماع.
٣٢٤٠٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾. وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.
٣٢٤٠٨ - قلنا: ذوا العدل عن جعلت له عدالة، ومن كان مسلمًا، فله عدالة الإسلام. وإنما تزول بمخالفة الدين، وذلك لا يعلم، فالعدالة باقية.
كذلك قوله: ﴿ممن ترضون﴾. المسلم الذي لم تظهر منه حرمة مرضي؛ لأن الله تعالى ذكر هذا في حال التحمل، ولا خلاف أن عدالة الباطن لا تعتبر حال التحمل، فعلم أن المراد بذلك عدالة الظاهر.
٣٢٤٠٩ - قالوا: روي أن رجلين شهدا عند عمر، فقال لهما: أني لا أعرفكما، ولا يضركما أني لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما. فجاءا برجل، فقال له: أترفهما؟ فقال: نعم. فقال: أكنت معهما في السفر الذي تتبين به جواهر الناس؟ فقال: لا، فقال: كنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ فقال: لا، فقال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي بهما تقطع الأرحام؟ قال: لا، قال: ابن أخي، إنك لا تعرفهما، قالوا: وهذا يدل على أن البحث والسؤال واجب.
٣٢٤١٠ - قلنا: إنه حكاية حال، يحتمل أن تكون الشهادة في الحدود وهو الطاهر؛ لأنه طلب من الشهود التعديل، ولو كان هناك خصم لالتمس منه التعديل. فلما التمس ذلك من الشاهد، دل على أن الشهود هم المدعون، وذلك لا يكون إلا في الحدود. على أن كتاب عمر إلى أبي موسى أظهر وأشهر، فيجب أن يرجع إلى ظاهر، ويحمل هذا على الحدود وذلك على بقية الحقوق.
٣٢٤١١ - قالوا: عدالة مشروطة في الحكم بالشهادة، فإذا جهل الحاكم باطنها وجب السؤال عنها، أصله: عدالة الشهود في الحدود.
٣٢٤١٢ - قلنا: جحود المشهود عليه بسبب الحد طعن على الشهود، والطعن لم ذا حصل ني غير الحدود وجبت المسألة، وليس كذلك الشهود في سائر الحدود.
ولأنه ليس بطعن، لجواز أن يصدق الشهود. ويصدق الخصم بأن يكون الدين قد
стр. 6303
قضي أو أبرأ ذمته والعقد قد فسخ.
ولأن الحدود قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في غيرها، فيجوز أن تحصل عدالة الظاهر ويقف الحكم على معنى أخر، كما يحصل العدد الذي يقطع به في الحقوق، فتعتبر زيادة عدد أو صفة ليحكم به في الحدود.
٣٢٤١٣ - قالوا: كل عدالة وجب السؤال عنها إذا طعن الخصم وجب، وإن لم يطعن، كالعدالة في الحدود.
٣٢٤١٤ - قلنا: إذا طعن الخصم، صارت المسألة حقا له، وان لم يثبت قبل طعنه، كما أن العيب لم ذا ثبت وجب الرد به، فإذا ادعى البايع رضا المشتري، وجب على الحاكم أن يسأله عن ذلك، ولو لم تدع، لم يسأل.
٣٢٤١٥ - قالوا: يجب عليه أن يسأل عن إيمانه، كذلك عن عدالته.
٣٢٤١٦: لا نسلم هذا؛ لأن الظاهر أنه من أهل دار الإسلام، وإذا لم تكن هناك أمارة الكفر لم يجب السؤال، وكذلك الحرية لا تحتاج أن يسأل عنها. فإذا طعن الخصم بالكفر أو ادعى الرق، وجب اعتبار ذلك كما يعتبر في العدالة.
стр. 6304
مسألة ١٦٢٦
قبول الترجمة في الشهادة
٣٢٤١٧ - قال أبو حنيفة ﵀: يقبل تعديل الواحد وترجمته، إذا لم يفهم القاضي لسان الشهود أو لسان الخصم.
٣٢٤١٨ - وقال الشافعي ﵀: لا يقبل في الترجمة والتعديل إلا قول اثنين. قالوا: ويعتبر في التعديل لفظ الشهادة، ولا يقبل تعديل والد لولده. واختلفوا في رسل القاضي في المسألة عن الشهود، فقال الإصطخري: يشهد الرسول؛ لأن بما يصح عندهما من قول الجيران. وقال ابن شريح: يستدعي القاضي اثنين من الجيران يسمع قولهما.
٣٢٤١٩ - لنا: أن الترجمة والتعديل خبر وليس بشهادة، بدلالة أن الترجمة تقبل في شهود الخصم، والشهادة على النفي لا تصح، وتصح الترجمة عن الشهود بغير تحميل. ولو كان قول المترجم شهادة، احتاج إلى تحميل شهود الأصل.
ولأن قول المترجم يقبل في إقرار المقر، ولو كان شهادة لم يقبل مع الاعتراف؛ لأن الشهادة تسمع مع النفي.
ولأن قول المترجم يقبل أن المقر أقر بالزنى ويقام عليه الحد، ولو كان شهادة لم يقبل إقراره.
ولأن القاضي استفاض عنده التعديل؛ جاز له أن يعمل به، ولو كان مما يثبت بالشهادة لم يجز أن يعمل عليه خبرًا.
ولأن الاستيفاض كالأموال والساعات، وهذا لا شبهة فيه، لأنا نقطع بعدالة السلف، وطريق ذلك علمنا إياهم بالخبر. وإذا ثبت أن التعديل والجرح خبر، لم يشرط
стр. 6305
فيه عدد كأخبار النبي ﵇.
٣٢٤٢٠ - ولأن من جاز أن يقبل قوله في الخبر عن النبي ﵇، جاز أن تثبت التزكية والترجمة بقوله، أصله: الإثبات.
ولأن التزكية معنى يقف الحكم عليه، فجاز أن يقبل قول الواحد فيه كالخبر عن رسول الله. ولا تلزم الشهادة؛ لأن شهادة الواحد تقبل عندنا في رؤية الهلال والولادة.
٣٢٤٢١ - احتجوا: بأنه يقبل ما غاب عن الحاكم إليه فيما يختص بالحكم بين المتخاصمين أو فيما يجب عليه سماعه من المتخاصمين، فوجب أن يكون من شرطه العدد، أصله: الشهادات.
٣٢٤٢٢ - قلنا: يبطل بالخبر عن النبي ﵇ في الحادثة المتنازع فيها.
٣٢٤٢٣ - فإن قيل: سماع الخبر لا يختص بالحكم، بل يجب سماعه لمعرفة الشرع.
٣٢٤٢٤ - قلنا: وكذلك التزكية يسمعها القاضي للحكم وليصل خبر المزكي عن رسول الله وليقلده القضاء وليئتمنه على الأموال. وأصلهم: الشهادة وهى غير مسلم؛ لأن العدد قد يعتبر فيها عندنا وقد لا يعتبر.
ولأن الناس بالشهادة، ولو استفاض لم يجز للقاضي العمل عليه حتى يشهد به، فجاز أن يكون فيه ما شرطه العدد والتزكية إذا استفاضت جاز أن يعمل عليها، فكذلك لم يكن من شرطها العدد.
٣٢٤٢٥ - قالوا: لو عدله اثنان وجرحه واحد، كان التعديل أولى، فلو كان الجرح من الواحد صحيحًا، تقدم الجرح على التعديل، كما لو جرحه اثنان وعدله اثنان.
٣٢٤٢٦ - قلنا: إنما قدمنا التعديل؛ لأن قول الاثنين يقبل شهادة وخبرًا، وقول الواحد يقبل خبرًا لا شهادة، فكان قول من يقبل قوله في الوجهين أولى. وإنما عدله اثنان وجرحه اثنان فكل واحد من القولين يقبل خبرًا وشهادة فتساويا، فقدم الجرح؛ لأن الجارح عرف ما خفي على المعدل.
следующие страницы →