Полный текст (176 стр.). Показаны 141–176 · переход к 146.
стр. 141
١٣٨ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٨): "وقال الخطابي: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة، وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن، وزاد: إذا خفي علكم شيء من القرآن [فابتغوه] من الشعر، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد: "في سنة قد كشفت عن ساقها .... ".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ في الحديث: "فيكشف عن ساقه" يدل على أن لله تعالى ساقًا كما أن له قدمًا، والقول فيهما كالقول في الوجه واليدين؛ وهو الإيمان بذلك على ما يليق به سبحانه وأن صفاته لا تماثل صفات خلقه، وأن كيفية هذه الصفات غير معقول لنا، وهذا الحديث أولى ما تفسر به الآية، وهي قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" ولولا هذا الحديث لما أمكن الاستدلال بالآية على إثبات الساق لأنها محتملة؛ وذلك أن ذكر الساق فيها غير مضاف، ولهذا جاء تفسير الآية عن ابن عباس ﵄ بشدة الأمر، والكشف عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة. والآية محتملة لذلك، ولا مانع من تفسير الآية بذلك وبما جاء في الحديث؛ فإنه لا منافاة بينهما، ولعل ابن عباس ﵄ لم يبلغه الحديث، وعلى هذا فلا موجب للعدول عن ظاهر الحديث بتأويل الساق بالقدرة أو النفس كما صنع الخطابي رحمه الله تعالى، وهذه طريقته في مثل هذه الصفات: لا يثبت حقائقها بل يتأولها على معانٍ تخالف ظواهر النصوص. والواجب إجراء النصوص على ظاهرها كما قال الأئمة: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ أي آمنوا بما دلت عليه ولا تعدلوا بها عنه، كما قال الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب".
стр. 142
١٣٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٩): "وقال ابن بطال: .. ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم، ومثله: "كلف أن يعقد شعيرة"؛ فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى.
ولم يجب عن قصة أبي لهب. وقد ادعى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل ليس هذا موضع ذكرها".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
انظر التعليق على هذه المسألة (٦٤) و (٩١)
قال الشيخ البراك: وأما احتجاج من قال به بتكليف أبي لهب بالإيمان مع أن الله أخبر أنه سيصلي نارًا ذات لهب، وأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وهما: أمره بالإيمان مع إخباره بأنه لا يؤمن؛ فالجواب: أنه بعد نزول السورة أصبح بمنزلة من عاين العذاب؛ فإنه لا ينفعهم إيمانهم لأنهم غير مأمورين به تلك الساعة؛ لأن التكليف والامتثال إنما ينفع قبل المعاينة كما قال تعالى: "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .... "الآية ومعنى هذا أن أبا لهب بعد نزول السورة لا يؤمر بالإيمان لانكشاف عاقبته كما قال الله تعالى لنوح في قومه: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن". وعلى هذا فيعلم بعد نزول السورة أن أبا لهب لن يؤمن كما أن قوم نوح بعد خبر الله له لن يؤمن أحد منهم، فانقضى بذلك وقت الدعوة والإنذار، وحق القول عليهم بأنهم من أصحاب النار.
стр. 143
١٤٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٩): "وقوله: فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، قال الخطابي: هذا يوهم المكان، والله منزه عن ذلك، وإنما معناه في داره التي اتخذها لأوليائه، وهي الجنة، وهي دار السلام، وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل: بيت الله وحرم الله".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٠، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول الخطابي: "هذا يوهم المكان والله منزه عن ذلك": يقال في لفظ المكان ما يقال في لفظ الجهة بأنه لفظ مجمل؛ فإن أريد به أن الله تعالى في مكان موجود من المخلوقات يحيط به فالله منزه عن ذلك،
وإن أريد به ما فوق جميع المخلوقات - وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى - فلا يلزم بإثبات المكان بهذا المعنى محذور.
وقوله في الحديث: "في داره": لا ريب أن إضافة الدار إليه إضافة تشريف، ولا يلزم من ذلك أن يكون حالاً في هذه الدار؛ فإنه تعالى منزه عن الحلول في شيء من مخلوقاته. وأما المراد بهذه الدار فالله أعلم به، وإن كان المتبادر أنها الجنة.
وانظر التعليقات (١٣٢) و (١٣٣) و (١٣٦)
стр. 144
١٤١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣١): " قال ابن بطال: "معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية .. "
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" المراد بالحاجب والحجاب: نفي المانع من الرؤية، كما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم، ثم استعار الحجاب للرد، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة.
والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول؛ لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي: أن يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية؛ يحصل التخلص من مهاوي التجسم، قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لأن الحجاب حسي والمنع عقلي، قال: وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة والله منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم.
ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه" فإن ظاهره ليس مرادا قطعا، فهي استعارة جزما، وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الأحاديث: الحجاب الحسي، لكنه بالنسبة للمخلوقين. والعلم عند الله تعالى".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٣، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "ولا حجاب يحجبه": يدل على أن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة كفاحًا بلا واسطة فيجتمع لهم التكليم والرؤية، والحجاب المنفي في هذا الحديث هو المثبت في قوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب". والحجاب إذا ذكر في مقام نفي الرؤية لا بد أن يكون خارجًا عن ذات الرائي ليكون مانعًا من الرؤية مع سلامة الحاسة. والحجاب الذي يمنع رؤية العباد لربهم قد يكون مخلوقًا، وقد يكون صفة لله تعالى كما في الحديث الذي بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ : "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" فالله يحتجب من عباده بما شاء وكيف شاء. وما يكون حاجبًا لعباده عن رؤيته لا يحجبه عن رؤيته لخلقه، ويشهد لهذا قوله ﷺ : "حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" والحديثان في صحيح مسلم.
ومما تقدم يتبين خطأ ابن بطال في قوله: "معنى رفع حجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين ... إلخ"؛ فإن معناه أنه ليس هناك حجاب يرفع بين المؤمنين وربهم فينظرون إليه، بل المانع لهم من الرؤية أولاً قصور أبصارهم عن رؤيته فمتى منحهم الله القدرة على ذلك رأوه. وهذا المعنى يرتبط بقول الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى تعالى لا في جهة، وبقولهم: إنه حال في كل مكان.
وما نقله الحافظ في شرح هذا الحديث عن العلائي من قوله: "ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية ... إلى قوله: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم": هذا الكلام جارٍ على مذهب من ينفي كثيرًا من الصفات كالأشاعرة، ويحمل نصوصها على المجاز إما بالاستعارة أو بالمجاز المرسل، أو العقلي؛ فهذه النصوص عندهم محمولة على خلاف ظاهرها لأن ظاهرها عندهم تجسيم وتشبيه، فمن أثبت هذا فهو عندهم مشبه مجسم، وأهل السنة يثبتون ما دلّت عليه هذه النصوص مع نفي مماثلة المخلوقات، ويقولون: القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض.
وقول العلائي: "والله منزه عما يحجبه؛ إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس": إن أراد أنه تعالى منزه عما يحجبه عن خلقه فلا يراهم ولا يسمعهم، أو أراد أنه منزه عن حجاب مخلوق يحيط به فهذا حق، وإن أراد أنه تعالى منزه عن حجاب محسوس يحجب الخلق عن رؤيته مثل النور الذي ورد ذكره في الحديث فهذا ما دلت عليه النصوص الواردة في ذكر الحجاب، فنفيه باطل.
وقوله: "إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس": كلام مخالف للواقع ومبني على باطل؛ فإنه لا يلزم أن يكون الحجاب محيطًا بالمحتجب عن غيره.
وقوله: "بمقدر محسوس": يرجع عندهم إلى نفي العلو فوق المخلوقات والقول بالحلول، ونفي الرؤية الحقيقية، وكل ذلك باطل.
стр. 145
١٤٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣٢): "قال عياض: .. ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يؤولها ... "
وقال الكرماني: "هذا الحديث من المتشابهات فإما مفوض، وإما متأول بأن المراد بالوجه الذات .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٤، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "إلا رداء الكبرياء على وجهه": يدل على أن الحجاب قد يكون صفة كما تقدم تقرير ذلك في التعليق الذي قبل هذا، وما نقله الحافظ هنا عن المازري وعياض يقتضي نفي حقيقة الحجاب، وأن المانع من الرؤية ضعف أبصار العباد فقط، لا أن هناك حجابًا بينهم وبين الله تعالى، وهذا جارٍ على أصل الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى لا في جهة بناء على نفيهم للعلو. وكذا ما نقله بعد ذلك عن القرطبي وابن بطال هو جارٍ على هذا السَنَن، وكلام الرسول ﷺ أظهر من أن يحتاج إلى هذا التمحل الذي حمل عليه رعاية الأصول الفاسدة والمحافظة عليها.
стр. 146
١٤٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣٥): "قوله: (باب ما جاء في قول الله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين، قال ابن بطال: الرحمة تنقسم إلى صفة ذات، وإلى صفة فعل، وهنا يحتمل أن تكون صفة ذات، فيكون معناها إرادة إثابة الطائعين، ويحتمل أن تكون صفة فعل فيكون معناها أن فضل الله بسوق السحاب وإنزال المطر قريب من المحسنين، فكان ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وإرادته ... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: "الرحمة تنقسم إلى صفة ذات وإلى صفة فعل": هذا صحيح؛ فإنه سبحانه ذو الرحمة التي لم يزل متصفًا بها وهي لازمة لذاته، وهو ذو رحمة يرحم بها من يشاء؛ فالأولى هي الصفة الذاتية، والثانية هي الصفة الفعلية، وكلاهما قائم بذاته . ولولا ذلك لم تكن صفة. ولكن ابن بطال فسر الرحمة الذاتية بالإرادة على طريقة الأشاعرة، وفسر الرحمة الفعلية بالمفعول المخلوق كسوق السحاب، وكلا التفسيرين خطأ؛ فإن الرحمة غير الإرادة، والفعل القائم بالفاعل غير المفعول، والأشاعرة لا يثبتون حقيقة الرحمة، فلذا يؤولونها بالإرادة ولا يثبتون فعلاً يقوم بالرب بمشيئته سبحانه، فلذا يجعلون الفعل هو المفعول، ومعلوم أن المفعول ليس صفة للفاعل، بل هو أثر فعله. وبهذا تبين أن تسمية المفعول - وهو الرحمة المخلوقة كالمطر - صفة فعلية مخالفة للعقل. وتحرير المقام أن الرحمة المضافة لله تعالى إما أن تكون صفة ذاتية أو فعلية كما تقدم، وإما أن تكون مخلوقة؛ فمن الأول قوله تعالى: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"، ومن الثاني قوله تعالى: "فانظر إلى آثار رحمة الله"؛ فإن المراد بالرحمة هنا: المطر. وكقوله تعالى: "وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته"، وكما في حديث الباب من قوله تعالى للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء".
وانظر التعليقين (٦٧) و (٧٩).
стр. 147
١٤٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣٦): "قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهمًا وكلامًا، والله قادر على كل شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازًا كقولهم: امتلأ الحوض وقال قطني، والحوض لا يتكلم وإنما ذلك عبارة عن امتلائه وأنه لو كان ممن ينطق لقال ذلك، وكذا في قول النار: "هل من مزيد".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٩، كتاب التوحيد، باب ٢٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "اختصمت الجنة والنار .... إلخ": قيل: إن هذا الاختصام حقيقة بلسان المقال، وأن الله أنطق الجنة والنار، وقيل: إن الخصومة بلسان الحال، ومعناه أنه لم يكن نطق ولا كلام؛ فذكر الخصومة مجاز. وقد ذكر ابن بطال هذين الوجهين عن المهلب احتمالاً دون ترجيح، والواجب حمل الكلام على الحقيقة ما لم يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا، ولا دليل يدل على صرف الكلام عن ظاهره، فالصواب أن الله تعالى أنطق الجنة والنار فاختصمتا كما ذكر في الحديث. والله تعالى ينطق الجلود بالشهادة على أهلها وليس في العادة أن تنطق؛ كما قال تعالى: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء".
стр. 148
١٤٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٤٠): "وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول، والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لها، وبالله التوفيق". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٧.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: مقصود البخاري بترجمته لهذا الباب بيان الفرق بين الفعل والمفعول، وأن الفعل القائم بالرب - وهو تخليقه وتكوينه وأمره - غير مخلوق؛ لأن ذلك من صفته سبحانه، والله بصفاته غير مخلوق، والمفعول مخلوق، وهو المكوَّن بفعله وأمره وتكوينه.
فالمفعول أثر الفعل، والفعل صفة الفاعل، والمفعول ليس صفة له، وما قرره البخاري هنا من الفرق بين الفعل والمفعول هو الذي قرره في (باب خلق أفعال العباد) كما أشار إليه الحافظ، وهذا هو الحق الموافق للعقل والشرع، وعلى هذا فنوع الفعل والكلام من الله قديم، وآحاد ذلك حادثة تبعًا لمشيئته ؛ فإنه لم يزل فعالاً لما يريد، فلا بداية لفاعليته، ولم يزل متكلمًا بما شاء إذا شاء. وأما جنس المفعول فلا ريب في إمكان قدمه؛ لأن ذلك لازم دوام فاعلية الرب وقدرته سبحانه، وبهذا التقرير يتبين الصواب والخطأ من الأقوال التي نقلها الحافظ في هذا المقام، وبيان ذلك فيما يلي:
١ - قوله: "وأصلها أنهم اختلفوا هل صفة الفعل قديمة أو حادثة ... إلخ": الصواب أن جنس الفعل القائم بالرب سبحانه قديم وآحاده حادثة، وهذا مذهب أهل السنة، وهو المراد مما حكاه الحافظ عن أبي حنيفة وجماعة من السلف، وأما قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما بأن صفة الفعل حادثة فالأظهر أن مرادهم بالفعل: المفعول؛ أي المخلوق، وعندهم أنه يمتنع دوام الحوادث في الماضي، فيجب أن يكون جنس المخلوقات حادثًا، وإذا كان المراد من الفعل في قولهم هو المفعول فلا معنى للتعبير عنه بالصفة؛ لأن المفعول ليس صفة للفاعل، ويبعد أن يريدوا بالفعل ما يقوم بالرب سبحانه لأنه لا يجوز عندهم أن يقوم به ما هو حادث بمشيئته. وبهذا يعلم أن الفعل الذي قال أبو حنيفة بقدمه ليس هو الذي قال ابن كلاب والأشعري بحدوثه، فمتعلق المذهبين مختلف، فلا وجه للمعارضة بينهما.
٢ - قوله: "فأجاب الأول أنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق .... إلخ": المراد بالأول: أبو حنيفة ومن قال بقوله. وقوله: "أنه يوجد في الأزل صفة الخلق" بمعنى أن الله تعالى لم يزل موصوفًا بالخلق أي مسمى بالخالق هو الصواب؛ إذ لم يزل الرب سبحانه قادرًا على الخلق مستحقًا لهذا الاسم. وقول الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضارب ولا مضروب: إن أراد أن فعل الخلق يستلزم المخلوق فصحيح، وإن أراد أن صفة الخالقية تستلزم مخلوقًا فممنوع؛ فإن القادر على الخلق خالق ولو لم يخلق، وهكذا يقال إن فعل الضرب يستلزم مضروبًا، والقادر على الضرب قد يسمى ضاربًا ولو لم يكن منه ضرب بالفعل.
٣ - قوله: "فألزموه بحدوث صفات، فيلزم حلول الحوادث بالله": حلول الحوادث في ذات الله تعالى من الألفاظ المجملة المبتدعة؛ فإن أريد بنفيه نفي حلول شيء من المخلوقات في ذاته فهو حق، وإن أريد به نفي قيام الأفعال الاختيارية به فهو باطل؛ فإن الله تعالى لم يزل فعالاً لما يريد، ولا يزال يفعل ما يشاء إذا شاء، فبطل الإلزام. ولكن الأشعري يوافق على نفي قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه، ولهذا أجاب بقوله: "إن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئًا جديدًا". وهو كلام ليس بسديد؛ فإذا كانت هذه الصفات حادثة، وكانت قائمة بذات الله، فقد حدث في الذات شيء جديد، وإن لم تكن قائمة بالذات فليست بصفات؛ لأن الصفة لا بد أن تقوم بالموصوف.
٤ - قوله: "فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا": الصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن القادر على الخلق والرزق يسمى خالقًا ورازقًا ولو قدر أنه لم يقع منه الفعل. وقولهم: "إن كلام الله قديم" معناه عندهم أنه لا يكون بمشيئته، وهذا لا يصح على الإطلاق، بل إنه سبحانه لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء كيف شاء، فكلامه قديم النوع حادث الآحاد. وقدم أسمائه سبحانه معلوم من قدم كماله. وقول بعض الأشعرية: "إن إطلاق اسم الخالق الرازق على الله قبل أن يخلق ويرزق بطريق المجاز": هذا القول باطل؛ فإن القادر على الخلق والرزق هو خالق حقيقة رازق حقيقة، كما أن القادر على الكلام متكلم وإن كان في الحال لا يتكلم. وقول الأشعري: "إن الأسامي- أي أسامي الله- جارية مجرى الأعلام ... إلخ" يقتضي أن أسماء الله تعالى لا تدل على معاني بل هي أعلام محضة، وهذا كقول المعتزلة. والصواب أن أسماء الله تعالى أعلام وصفات؛ فتتحد في دلالتها على الذات وتختلف في دلالتها على الصفات، وبهذا يعلم أن أسماء الله تعالى دالة على معانيها بالحقيقة اللغوية والشرعية، واسم الفاعل والفعال يصدق على من كان قادرًا على الفعل وإن قُدِّر أنه لم يفعل كما تقدم والله أعلم.
стр. 149
١٤٦ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٤١) قوله: (باب قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين") قال: "وأشار به إلى ترجيح القول بان الرحمة من صفات الذات .... من قال: المراد بالرحمة إرادة إيصال الثواب، وبالغضب إرادة إيصال العقوبة ... ".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٨.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: السبق يراد به التقدم في الزمان، ويراد به الغلبة. والسبق في الآية الأظهر فيه: المعنى الأول؛ فيكون المراد به سبق القدر بأن النصر والغلبة لرسله وجنده، كما يشهد لذلك قوله تعالى: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي".
كما أن السبق في الآية يتضمن المعنى الثاني. والأظهر في سبق الرحمة المعنى الثاني، ويؤيده أن الحديث ورد بلفظ: "إن رحمتي تغلب غضبي".
والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: صفة ذاتية، وصفة فعلية، ولا ريب أن الرحمة الذاتية سابقة للغضب في الزمان؛ لأنه سبحانه موصوف بها في الأزل، فيصح أن يقال: لم يزل رحيمًا.
وأما الغضب فهو صفة فعلية، فهو تابع لمشيئته، والأظهر أن الرحمة التي تسبق وتغلب الغضب هي الرحمة الفعلية التي تكون بمشيئته سبحانه.
وأما سبق الكتاب في حديث ابن مسعود ﵁ فالأظهر فيه هو المعنى الثاني، وإن كان المعنى الأول ثابتًا للكتاب لأن المراد به كتاب القدر. والظاهر أن مراد البخاري بالترجمة هو الاستدلال على أن كلام الله تعالى ورحمته من أفعاله التابعة لمشيئته، وما هذا شأنه لا بد أن يسبق بعضه بعضًا، فوصف بعض كلامه بالسبق يدل على ذلك. وأمره الكوني والشرعي من كلامه سبحانه، وبهذا يتبين الخطأ في قول الحافظ عن البخاري: "وأشار به - أي حديث إن رحمتي سبقت غضبي- إلى أن الرحمة صفة ذاتية".
وقوله: "وقد غفل عن مراده من قال: دل وصف الرحمة بالسبق على أنها من صفات الفعل": فالصواب مع هذا القائل خلافًا للحافظ؛ فهذه الرحمة الموصوفة بالسبق صفة فعلية كما تقدم.
وقد تقدم في غير موضع أن الأشاعرة ينفون حقيقة الرحمة والغضب، وأهل التأويل منهم يفسرونهما بالإرادة - وهو المعنى الذي أشار إليه الحافظ هنا - كما ينفون قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه؛ فلذلك قالوا: إن الرحمة صفة ذاتية وهي الإرادة، وإن كلام الله قديم لا يكون شيء منه بمشيئته ولا يسبق بعضه بعضًا، ولذلك استشكلوا وصف الرحمة والكلمة بالسبق كما أشار الحافظ. ومذهب أهل السنة أن جنس كلام الله تعالى لم يزل، وآحاده تحدث تبعًا لمشيئته؛ فلم يزل سبحانه يتكلم بما شاء إذا شاء.
стр. 150
١٤٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٤٩): " ... فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة على أنه قدر عليه بالعقاب إلا أن يشاء أن يغفر له من غير المشركين، ومن قدر عليه بالطاعة كان ذلك علامة على أنه قدر عليه بالثواب، وحرف المسألة أن المعتزلة قاسوا الخالق على المخلوق، وهو باطل ... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣١.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة .... إلخ": جعل المعصية علامة على العقاب والطاعة علامة على الثواب معناه: أنه لا أثر لهما في الجزاء وإنما مرد الجزاء محض المشيئة من الله تعالى، وهذا قول القدرية الجبرية الجهمية؛ فإن من مذهبهم نفي الأسباب وأنها محض أمارات على ما يحدثه الله سبحانه، ومعنى ذلك أن الله يخلق عندها لا بها؛ فليس عندهم في أفعال الله تعالى باء سبب بل باء المصاحبة، وقد تبعهم الأشاعرة في ذلك، فما ذكره الحافظ من أن الطاعة والمعصية علامة هو من قولهم، وهو راجع إلى قولهم في نفي الأسباب، ومن فروع قولهم في الأسباب: قولهم في أفعال العباد أنها كسب من العباد، والكسب عندهم ما يحدث عند القدرة الحادثة؛ ومعنى ذلك أن فعل العبد يحدث عند قدرته لا بقدرته.
стр. 151
١٤٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٥٣): "قال ابن بطال: استدل البخاري بهذا على أن قول الله قديم لذاته قائم بصفاته لم يزل موجودًا به ... ".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: "استدل البخاري بهذا على أن قول الله قديم .... إلخ": تحريف لكلام البخاري عن وجهه، بل استدل البخاري بالآية على أن ما سمعه الملائكة وفزعوا منه كلام الله، وأنه ليس بمخلوق؛ ولهذا قال في وجه الاستدلال: "ولم يقل ماذا خلق ربكم" وفي ذلك رد على من قال: إن كلام الله مخلوق، ولكن ابن بطال وهو من الأشاعرة كما يظهر من سائر كلامه حمل كلام البخاري على مذهبه؛ وهو أن كلام الله قديم مطلقًا، لا يكون شيء منه بمشيئته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وفي هذه الآية وما ورد من الحديث في معناها أبلغ رد على هذا المذهب؛ ففزع الملائكة كان لسماع كلام الله تعالى الذي تكلم به في ذلك الوقت، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فعلم أنهم سمعوا قول الله تعالى ولم يسمعوا مخلوقًا؛ ولهذا قال البخاري: " ولم يقل: ماذا خلق ربكم؟ ".
стр. 152
١٤٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٥٨): "قال البيهقي: "الكلام ما ينطق به المتكلم ... فسماه كلامًا قبل التكلم به" قال: "فإن كان المتكلم ذا مخارج سُمِعَ كلامُه ذا حروف وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك، والباري ليس بذي مخارج، فلا يكون كلامه بحروف وأصوات .... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢، حديث جابر.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "قال البيهقي: الكلام ما ينطق به المتكلم ... إلخ": هذا من البيهقي من عجيب القول، وهو يدل على أن الذكي والعالم قد ينبو فهمه فيقع في خطأ فادح. وقد تضمن كلامه - رحمه الله تعالى- أخطاء عدة، أولها وأصلها: نفي أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت؛ وهذا هو مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى؛ فإن كلام الله عندهم معنى نفسي، وهو مذهب باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فقد أخبر سبحانه أنه ناجى موسى ﵇ وناداه، وهذا يدل على أنه كلمه بصوت، وأن موسى سمع كلام الله من الله تعالى.
الثاني: دعواه أن الكلام ما يستقر في نفس المتكلم مستدلاً على ذلك بقول عمر ﵁، والصواب أن الكلام مطلقًا ما يتكلم به المتكلم، وإذا أريد به ما في النفس وجب تقييده كما قال سبحانه: "ويقولون في أنفسهم ... الآية".
الثالث: دعواه أن الكلام لا يسمع إلا من ذي المخارج، ومعناه: أن من ليس كذلك فلا يكون كلامه بصوت، فلذلك لا يسمع منه، وهذا باطل؛ فإن الملائكة يتكلمون بكلام مسموع، ولا يلزم من ذلك أن يكون لهم مخارج. وأيضًا فإن الله تعالى قادر على أن يُنْطِق الجماد، ولا يلزم أن يكون نطقه بمخارج، وقد أخبر سبحانه أنه يُنْطِق الجلود والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل، ولا يلزم من ذلك أن يكون بمخارج، وهذا يبطل دعوى أن إثبات الحرف والصوت لكلام الله تعالى يستلزم أن يكون له مخارج مع أن إضافة المخارج إلى الله تعالى مما يجب الإمساك عنه نفيًا أو إثباتًا.
стр. 153
١٥٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٥٨): "وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التفويض، وإما التأويل، وبالله التوفيق".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢، حديث جابر.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قد أحسن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تعقبه للبيهقي بقوله: "إذ الصوت قد يكون من غير مخارج" وقوله: "وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به".
ولكن يعكر على قوله ذلك قوله بعده: "ثم إما التفويض وإما التأويل". وقد تقدم في أكثر من تعليق أن التفويض والتأويل طريقان للأشاعرة في نصوص ما ينفونه من الصفات.
стр. 154
١٥١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٠): "قوله: (فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) هذا آخر ما أورد منه من هذه الطريق، وقد أخرجه بتمامه في تفسير سورة الحج بالسند المذكور هنا، ووقع "فينادي" مضبوطا للأكثر بكسر الدال، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول، ولا محذور في رواية الجمهور؛ فإن قرينة قوله: "إن الله يأمرك" تدل ظاهرًا على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك ... ".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٨٣، كتاب التوحيد، باب ٣٢.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "فإن قرينة قوله: إن الله يأمرك، تدل ظاهرًا على أن المنادي ملك ... إلخ": خطأ ظاهر؛ فإن دعوى أن المنادي ملك دعوى لا دليل عليها، فهي من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا مبني على أصل باطل، وهو أن الله تعالى لا يوصف بالنداء لأن النداء يدل على الصوت، وكلام الله ليس بصوت، وهذا مذهب الأشاعرة، واستدلال الحافظ على هذا التأويل بقوله في الحديث: "إن الله يأمرك" وجهه: أنه ذكر الاسم الظاهر لا ضمير المتكلم، فلم يقل: إني آمرك. وهذا غفلة منه - عفا الله عنه - عما جاء في القرآن في قوله: "إن الله يأمركم"، وقوله: "إن الله يأمر بالعدل". ومَن أوّل النداء في هذا الحديث بنداء ملك كيف يستطيع أن يؤول مثل قوله تعالى: "ويوم يناديهم"، وقوله سبحانه: "وناداهما ربهما"، وقوله تعالى: "وناديناه من جانب الطور الأيمن".
стр. 155
١٥٢ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٠): "وأثبتت الحنابلة أن الله متكلم بحرف وصوت .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٨٣، كتاب التوحيد، باب ٣٢.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "وأثبت الحنابلة أن الله متكلم بحرف وصوت": تخصيص الحنابلة بذلك لا وجه له؛ بل إثبات الحرف والصوت هو مذهب أهل السنة والجماعة من الحنابلة وغيرهم، ونفي ذلك هو مذهب الأشاعرة من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم؛ فإن أتباع المذاهب الأربعة منهم من هو على مذهب السلف، وهذا هو الغالب على متقدميهم، ومنهم من هو على مذهب الخلف، وهم كثير من متأخريهم.
стр. 156
١٥٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٢): "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: في تعبيره عن كثرة الإحسان بالحب تأنيس العباد وإدخال المسرة عليهم .... ".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٨٥، كتاب التوحيد، باب ٣٣.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن أبي جمرة: "في تعبيره عن كثرة الإحسان بالحب ... إلخ": تأويل مبني عنده على نفي حقيقة المحبة عن الله تعالى، ولا موجب لهذا النفي والتأويل؛ فالواجب إثبات المحبة لله تعالى على ما يليق به كسائر الصفات من علمه وسمعه وبصره . ونفي جميع الصفات هو مذهب الجهمية والمعتزلة، والتفريق بين الصفات مذهب الأشاعرة؛ وكلاهما منحرف عن الصراط المستقيم، ومخالف لمذهب السلف الصالح والتابعين.
стр. 157
١٥٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٧): "قوله: (باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله) ... قال ابن بطال: "أراد بهذه الترجمة وأحاديثها ما أراد في الأبواب قبلها أن كلام الله تعالى صفة قائمة به، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: "أراد بهذه الترجمة وأحاديثها ... إلخ": تقصير في مراد البخاري؛ فمراده رحمه الله تعالى بهذه الترجمة وأحاديثها تقرير أن كلام الله صفة قائمة به خلافًا للمعتزلة، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال إذا شاء بما شاء خلافًا للكلابية والأشاعرة القائلين بأن كلام الله تعالى قديم لا تتعلق به المشيئة، ولهذا اقتصر ابن بطال في مراد البخاري على إثبات القدم، فالصواب أن كلام الله تعالى صفة ذاتية فعلية، فالآيات والأحاديث دالة على أن الله تعالى قال ويقول، ونادى وينادي، فكلامه تعالى قديم النوع، حادث الآحاد بمشيئته .
стр. 158
١٥٥ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٨): "وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادي به ملكا بأمره أو لا؛ لأن المراد إثبات نسبة القول إليه، وهي حاصلة على كل من الحالتين، وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكًا فينادي".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٩٤، كتاب التوحيد، باب ٣٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: لقد شرق المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة بهذا الحديث لمخالفته لأصولهم؛ فإن الجهمية والمعتزلة ينفون عن الله تعالى جميع الصفات الذاتية والفعلية، وتبعهم متأخرة الأشاعرة في نفي الصفات الفعلية.
وقد دل هذا الحديث على أنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في آخر الليل فيقول: "من يدعوني .... إلخ"، فهذا النزول وهذا القول فعل من الرب سبحانه بمشيئته في ذلك الوقت. وأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك على حقيقته مع نفي التمثيل والتكييف، وأما النفاة للصفات والأفعال الاختيارية فذلك عندهم ممتنع؛ فمنهم من يرد هذا الحديث زاعمًا أنه خبر آحاد، ومنهم من يوجب فيه التفويض أو التأويل. والحديث نص في معناه؛ فكل تأويل أولوه به فهو تحريف للكلم عن مواضعه، فالله تعالى هو الذي ينزل كيف شاء لا غيره، وهو الذي يقول: من يدعوني، ولا يجوز أن يقول الملك: من يدعوني، ومن بديع الرد على من ينفي النزول الإلهي قول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكان، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء.
стр. 159
١٥٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٨): "وتأول ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٩٤، كتاب التوحيد، باب ٣٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن حزم بأن: "النزول فعل يفعله الله في سماء الدنيا ... إلخ": معناه أن النزول ليس فعلاً قائمًا بالرب، وهذا جار على مذهب نفاة الصفات، ونفاة قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه، وهو باطل.
وتنظير النزول في الحديث بقول القائل: نزل لي فلان عن حقه غفلة أو مغالطة؛ لأن الذي في الحديث معدّى بـ (إلى) ونوع المتعلق مختلف.
стр. 160
١٥٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٦٨): "فكما قَبِلَ النزولُ التأويلَ لا يمنع قَبولُ الصعودِ التأويلَ، والتسليم أسلم كما تقدم، والله أعلم".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٩٤، كتاب التوحيد، باب ٣٥.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: الحق إمرار نصوص النزول والصعود وسائر الصفات على ظاهرها اللائق به سبحانه، ولا موجب لعقل ولا شرع لصرفها عن ذلك.
стр. 161
١٥٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٧٧): "ثم قال [الخطابي]: "والظاهر أن هذا من تخليط اليهود وتحريفهم، وأن ضحكه ﵊ إنما كان على معنى التعجب والنكير له، والعلم عند الله تعالى". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥١٣، كتاب التوحيد، باب ٣٦.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: تقدم التعليق على كلام الخطابي في موضعه الذي أشار إليه الحافظ، وبُيِّن أن كل ما قاله الخطابي في هذا الحديث من التأويل والتعليل باطل مبني على باطل وهو: نفي حقيقة اليدين، وحقيقة الأصابع.
ومذهب أهل السنة إثبات ذلك على حقيقته اللائقة بالرب سبحانه؛ فله تعالى وجه، وله يدان، وله أصابع لا تشبه ما للمخلوق من ذلك، ولا يعقل العباد كيفية ذلك.
وانظر التعليق (١٢٣)
стр. 162
١٥٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٧٧): "قوله: (يدنو أحدكم من ربه): قال ابن التين: يعني يقرب من رحمته، وهو سائغ في اللغة؛ يقال: فلان قريب من فلان ويراد الرتبة".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥١٤، كتاب التوحيد، باب ٣٦.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "يعني: يقرب من رحمته ... ": تأويل لا موجب له، والصواب أن الله تعالى يقرب من خلقه إذا شاء كيف شاء، ويُقرّب من شاء من خلقه ويدنيه كيف شاء، فقوله في الحديث: "يدنو أحدكم من ربه" هو على ظاهره، وأن العبد يقرب من ربه؛ يؤكد ذلك قوله: "فيضع عليه كنفه". والذين أولوا ذلك بالدنو من الرحمة حملهم على ذلك قولهم: إن الله في كل مكان، فليس بعض الخلق أقرب إليه من بعض، ولا الملائكة المقربون الذين هم عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. والذي دل عليه العقل والسمع أن الله تعالى بذاته في العلو ليس حالاً في المخلوقات، ولا في شيء من المخلوقات تعالى الله عما يقول الظالمون والجاهلون علوًا كبيرًا.
стр. 163
١٦٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٨٤): "وقد أزال العلماء إشكاله؛ فقال القاضي عياض في الشفاء: "إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى أو من الله ليس دنو مكان ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبي ﷺ إبانة لعظيم منزلته وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله تأنيس لنبيه وإكرام له، ويتأول فيه ما قالوه في حديث: "ينزل ربنا إلى السماء" وكذا في حديث: "من تقرب مني شبرًًا تقربت منه ذراعًا" وقال غيره: الدنو مجاز عن القرب المعنوي لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥١٦، كتاب التوحيد، باب ٣٧.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول القاضي عياض: "إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى أو من الله ليس دنو مكان ولا قرب زمان ... إلخ":
انظر في دنو الرب سبحانه وقربه من عبده، وفي دنو العبد وقربه من ربه التعليق السابق رقم (١٥٩) و (٦٩)
стр. 164
١٦١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٩١): "والمذهب الحق أن لا جبر ولا قدر".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٤٠.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "والمذهب الحق أن لا جبر ولا قدر": المراد بهذا نفي مذهب الجبرية ومذهب القدرية في أفعال العباد. ولا ريب أن في كلا المذهبين حقًا وباطلاً؛ فقول الجبرية إن أفعال العباد مخلوقة لله حق، ونفيهم لقدرة العبد ومشيئته وإضافة أفعاله إليه حقيقةً باطل، وقول القدرية: إن أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، وإنها واقعة منهم بقدرة منهم ومشيئة حق، ونفيهم أن تكون مخلوقة لله تعالى ولا واقعة بمشيئته، بل بمحض مشيئة العبد باطل.
وكذلك قول الأشاعرة: إن أفعال العباد خلق لله، وكسب من العباد. ومعنى أنها كسب: أن الله تعالى يخلقها عند قدرتهم لا بقدرتهم؛ فلا أثر لقدرتهم في أفعالهم وما العلاقة بينهما إلا الاقتران. وهذا راجع إلى مذهبهم في الأسباب، وهو نفي تأثيرها في مسبباتها. وفيما قالوه في أفعال العباد حق وباطل؛ فإثباتهم خلق الله لأفعال العباد وإثباتهم لقدرة العبد حق، ونفي أن تكون أفعالاً لهم حقيقة، ونفي تأثير قدرتهم فيها وتعبيرهم عن حدوثها عند قدرتهم بالكسب باطل.
وبهذا يتبين أن ما ذكره الحافظ عن الكرماني أو غيره هو مذهب الأشاعرة. ومذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهي أفعال لهم حقيقة واقعة بقدرتهم ومشيئتهم، والله خالقهم، وخالق مشيئتهم وقدرتهم وأفعالهم، وأنه لا مشيئة لهم إلا بعد مشيئته سبحانه كما قال تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله".
стр. 165
١٦٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤): "ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر النهي عن الخوض فيها، واكتفوا باعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يزيدوا على ذلك شيئًا، وهو أسلم الأقوال، والله المستعان".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٤٠.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك:
أولاً: لا يسلم للحافظ دعوى شدة اللبس في مسألة كلام الله تعالى عند السلف ونهيهم عن الخوض فيها، بل هي عند السلف والأئمة مشرقة بينة لا لبس فيها ولا خفاء، ولم ينهوا عن الخوض فيها، بل خاضوا فيها صدعًا بالحق وردًا للباطل، وإنما اللبس في هذه المسألة عند طوائف المتكلمين المبتدعين، ولهذا فرقوا دينهم شيعًا كما ذكر الحافظ هنا أقاويلهم.
ثانياً: قوله إن السلف اكتفوا بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كلام حق، لكنه كلام مجمل لا يحرر مذهب السلف، ولا يميزه عن غيره؛ فالصواب أنهم لم يكتفوا بهذا الإجمال بل قالوا في القرآن إنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وقالوا: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء بما شاء كيف شاء، وقالوا: إن كلام الله صفة قائمة به كسائر صفاته، وإنه حروف وأصوات يكون بمشيئته، وإن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله. فتحرير المذهب الحق في كلام الله تعالى أنه: صفة قائمة به خلافًا للجهمية والمعتزلة، وأنه لم يزل متكلمًا خلافًا للكرامية، وأنه يتكلم بمشيئته خلافًا للكلابية والأشاعرة والسالمية، وأن كلامه بحرف وصوت وأن معانيها لا حصر لها، خلافًَا للكلابية والأشاعرة؛ قال تعالى: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا". والحاصل أن مذهب السلف في القرآن وفي كلام الله حق محض، وكل قول خالفه ففيه حق وباطل.
стр. 166
١٦٣ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٩٦): "والذي أقول: إن غرضه في هذا الباب ما ذهب إليه: أن الله يتكلم متى شاء، وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الأرض، وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥٢١، كتاب التوحيد، باب ٤١.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: لا ريب أن ما قاله الحافظ عن غرض البخاري في هذه الترجمة أظهر من قول ابن بطال للوجه الذي ذكره الحافظ، ولا ريب أن مذهب البخاري أن الله تعالى يتكلم متى شاء. ووجه استدلال البخاري على هذا بالحديث أن الآية نزلت بعد تحاور أولئك النفر، وهذا يتضمن أن الله تكلم بها حينئذ.
وقول الحافظ: "وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته": معناه أن المخالف للبخاري في مذهبه يجيب عن استدلاله بأن الآية نزل بها الملك من اللوح المحفوظ أو من بيت العزة، لا أنه سمعها من الله تعالى. وهذا الجواب أصله الأثر المروي عن ابن عباس ﵄: "إن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل إلى الأرض نجومًا"، ولكن الذي عليه أهل السنة أن الروح الأمين جبريل ﵇ ينزل بالقرآن من الله تعالى، وأن الله يكلمه به؛ كما قال تعالى: "قل نزَّله روح القدس من ربك" وقال سبحانه: "تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم" ولا منافاة بين هذا وبين كون القرآن مكتوبًا في أم الكتاب. وفي تعبير الحافظ عن مذهب المخالف للبخاري ما يوهم أن مذهب البخاري يقتضي أن كلام الله ليس قائمًا به، وهذا خطأ، بل يقول إنه قائم به بمشيئته؛ فهو فعل من أفعاله سبحانه. والمذهب المناقض لمذهب البخاري هو قول من يقول: إن كلام الله تعالى قديم لا تتعلق به المشيئة؛ كما هو قول الكلابية والأشاعرة.
стр. 167
١٦٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٩٧): "قال ابن بطال: غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث ... إلى أن قال: فإذا لم يجز وصف كلامه القائم بذاته تعالى بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث ...
قلت: والاحتمال الأخير أقرب إلى مراد البخاري؛ لما قدَّمت قبل أن مبنى هذه التراجم عنده على إثبات أن أفعال العباد مخلوقة، ومراده هنا الحدث بالنسبة للإنزال".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٤٢.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: "غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث ... ": لا شك أنه أقرب مما رجحه الحافظ في آخر الكلام بقوله: "ومراده هنا الحدث بالنسبة للإنزال"؛ أي أن المحدث هو الإنزال لا كلام الله تعالى. بل هذا بعيد عن مراد البخاري في الترجمة وما اشتملت عليه. والصواب أن مراد البخاري هو إثبات قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه، وأن كلامه من أفعاله التي يحدثها بمشيئته سبحانه؛ ولهذا قال رحمه الله تعالى: "وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين"؛ أي إحداثه لما شاء لا يشبه إحداث المخلوقين لأفعالهم لأن إحداثه فعل قائم به فهو من صفاته الفعلية. وتعقُّبْ ابن بطال البخاري في وصف القرآن بأنه محدث وتأويلاته للآية مبني على مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى؛ وهو أنه معنى نفسي قديم لا يكون بمشيئته؛ فهو صفة ذاتية له كحياته، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى.
انظر التعليق السابق في تفصيل مذهب أهل السنة في ذلك (١٦٣).
ودعوى ابن بطال أن المحدث والمخترع والمنشأ والمخلوق مترادفة ممنوعة.
стр. 168
١٦٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٩٨): " قال الداودي: "الذكر في هذه الآية [أي: قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾] هو القرآن وهو محدث عندنا فقال ابن التين أيضا: هذا من الداودي عظيم؛ لأنه يلزم منه أن يكون الله تعالى متكلمًا بكلام حادث فتحل فيه الحوادث تعالى الله عن ذلك".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٤٢.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول الداودي: "الذكر في هذه الآية هو القرآن وهو محدث عندنا ... إلخ": ظاهره موافق لظاهر مراد البخاري بالاستشهاد بالآية. واستعظام ابن التين لكلام الداودي، وتعقب الحافظ له متأولاً كلام الداودي مبني على مذهبهما في كلام الله تعالى؛ وهو أنه قديم فلا يكون بمشيئته. وفهم كلام الداودي على حقيقته يتوقف على معرفة مذهبه في كلام الله تعالى، ومن أي الطوائف هو.
стр. 169
١٦٦ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٠٠): قال ابن بطال: " وقوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله ... ففيه بيان لكل ما أشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من المجيء والنزول ونحو ذلك. انتهى".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥٢٤، كتاب التوحيد، باب ٤٣.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله تعالى: "فإذا قرأناه فاتبع قرآنه": المعروف في التفسير أن المراد قراءة جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، وذلك بأمره سبحانه، فأضاف القراءة إلى نفسه سبحانه لأنها مما تفعله الملائكة بأمره، وما فعلته الملائكة بأمره يضيفه الله تعالى لنفسه لأنه مما فعله بواسطة ملائكته. ويشهد لهذا ما جاء عن السلف في تفسير قوله تعالى: "ونحن أقرب إليه منكم": قالوا: المراد قرب ملائكته سبحانه، ومثل هذا لا يجري ولا يصح إلا فيما ذكر الله سبحانه فيه نفسه بصيغة الجمع، وبهذا يبطل تشبيه هذه الآية بقوله تعالى: "وجاء ربك"، وقوله ﷺ : "ينزل ربنا"؛ فالآية والحديث نص في إضافة المجيء والنزول إليه سبحانه، وليس هذا بمشكل عند أهل السنة لأنهم يثبتون قيام الأفعال الاختيارية به، وإنما يستشكل مثل هذا من ينفي أن يقوم بذاته سبحانه ما هو بمشيئته، وهي صفاته الفعلية كاستوائه على العرش وتكلمه بما شاء وضحكه وفرحه سبحانه.
стр. 170
١٦٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٠١): "قوله: (باب قول الله تعالى: وأسروا قولكم) أشار بهذه الآية إلى أن القول أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره؛ فإن كان بالقرآن فالقرآن كلام الله، وهو من صفات ذاته".
وذلك في كتاب التوحيد، باب ٤٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "وأشار بهذه الآية إلى أن القول أعم من أن يكون بالقرآن .... إلخ": فيه نظر من وجهين:
أولاً: دعوى أن القول في الآية يشمل القرآن؛ وهذا لا يصح لأن القول في الآية مضاف للمخاطبين، والقرآن ليس قولاً لهم وإن أدّوه بأصواتهم وأفعالهم؛ ولهذا يقال: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ. وإضافة القرآن للرسول من الملائكة والرسول من البشر إضافة تبليغ كما يشعر بذلك لفظ الرسول.
ثانيًا: دعوى أن البخاري أشار بهذه الآية إلى أن القول أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره لا تصح؛ لما تقدم من أن القرآن لا تصح إضافته قولاً لكل قارئ، والأظهر أن البخاري أشار بالآية إلى أن أفعال العباد مخلوقة لأن أقوالهم من أفعالهم، وقد قال الله : "ألا يعلم من خلق"، ففي الآية رد على القدرية القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم.
وقوله: "فالقرآن كلام الله وهو من صفات ذاته ... إلخ": ظاهره حق، ولكن المعروف من مذهب الأشاعرة أن كلام الله معنى نفسي؛ فالقرآن الذي هو كلام الله حقيقة هو ذلك المعنى النفسي، وهذا عندهم ليس بمخلوق قطعًا، كعلمه وقدرته، وأما القرآن المكتوب المسموع والمحفوظ فهو عبارة عن ذلك المعنى النفسي، وعلى هذا فتسميته كلام الله مجاز. والحق أن القرآن كلام الله حقيقة - حروفه ومعانيه - وهو المحفوظ في الصدور والمكتوب في المصاحف المحفوظ المسموع، وعلى هذا فالقول في الآية هو المعنى المصدري بمعنى التلفظ والتكلم والنطق؛ وهذه كلها من أفعال العباد، وهي مخلوقة، وأما القول بمعنى المقول فإن كان من كلام الله فليس بمخلوق، وإن أدّاه العبد بفعله عند تلاوته، وإن كان كلامًا لبعض العباد فهو مخلوق، وهذا هو الذي قصد إليه البخاري في هذه التراجم المتتالية، وهو الفرق بين اللفظ الذي هو فعل العبد، والملفوظ الذي هو القرآن كما نبه على ذلك ابن المنير في كلامه بعد هذا.
стр. 171
١٦٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥١٣): "قوله: (من تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولته) لم يقع: (وإذا أتاني ....) إلخ في رواية الطيالسي، قال ابن بطال: وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده، ووصف العبد بالتقرب إليه، ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز؛ فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب، فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرا وذراعا وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله، ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته، ويكون قوله: أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا .... فإن المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة. والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر، قال: والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو، وقال صاحب المشارق: المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته عليها وتمام هدايته وتوفيقه، والله أعلم بمراده".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥٣٦، ٧٥٣٧، كتاب التوحيد، باب ٥٠.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: "وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ... كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز ... فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز": الصواب أن ما تضمنه الحديث من ذكر التقرب والمشي والهرولة على ظاهره حسبما يقتضيه سياق الكلام، ومعلوم أن المشي المضاف للعبد والهرولة المضافة لله تعالى ليس المراد به قطع المسافة بل مزيد التقرب كما يدل عليه ما قبله.
وأما التقرب المضاف للعبد، والتقرب المضاف إليه سبحانه فإنه يتضمن ما ذكره ابن بطال، ولكن ذلك لا ينفي دلالة الحديث على أن الله يتقرب من عبده متى شاء كيف شاء، وذلك مما يدل عليه اسمه: (القريب)؛ فهو سبحانه قريب من داعيه وعابديه، وهو يقرِّب إليه من شاء من عبيده، وهذا لا يشكل على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بمباينة الله تعالى لخلقه، وأن بعض خلقه أقرب إليه من بعض، وإنما ينكر ذلك ويستشكله نفاة العلو كالأشاعرة وغيرهم.
стр. 172
١٦٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥١٧): "المراد منه كما قال البيهقي فيه دليل على أن أهل الكتاب إن صدقوا فيما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم على طريق التعبير عما أنزل، وكلام الله واحد لا يختلف باختلاف اللغات؛ فبأي لسان قرئ فهو كلام الله".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥٤٢، كتاب التوحيد، باب ٥١.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول البيهقي: "فيه دليل على أن أهل الكتاب إن صدقوا فيما فسروا من كتابهم .... إلخ": فيه خطأ من وجوه:
الأول: قوله: "إن صدقوا فيما فسروا ... " يقتضي أن تفسيرهم لما أنزل عليهم بالعربية يقال له كلام الله، وهذا باطل؛ فإن ما فسروا به كتابهم ليس كلامًا لله بل هو من كلامهم بينوا به المراد من كلام الله تعالى، وهذا يقتضي أن أي تفسير صحيح للقرآن وأي ترجمة له يصح أن يقال إنها كلام الله تعالى، وهذا ظاهر الفساد.
الثاني: قوله: "وكلام الله واحد لا يختلف باختلاف اللغات": يجري على مذهب الأشاعرة في كلام الله سبحانه؛ وهو أنه معنى نفسي واحد لا يتعدد وليس بحرف ولا صوت، وما أنزل من الحروف والكلمات في التوراة والإنجيل والقرآن عبارة عن ذلك المعنى النفسي، فليس هو كلام الله حقيقة. ومذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
الثالث: قوله: "فبأي لسان قرئ فهو كلام الله": صريح بأن ألفاظ القرآن الدالة على معانيه ليست كلامًا لله تعالى على الحقيقة؛ فلو قرئ القرآن بالإنجليزية أو الأوردية أو غيرهما من اللغات لكان المقروء كلام الله. وهذا ينافي ما وصف الله به كتابه من أنه بلسان عربي مبين كما قال تعالى: "فإنما يسرناه بلسانك"، وقال : "نزل به الروح الأمين ... بلسان عربي مبين". وأصل هذا الخطأ هو القول بأن كلام الله معنى نفسي، وأن القرآن المتلو والمكتوب المحفوظ عبارة عن الكلام النفسي، ولو أنه قال: " فبأي لسان نزل" لكان ذلك أهون؛ فإنه على هذا لا يسمى كلام الله إلا إذا كان باللسان الذي نزل به الكتاب، والله الهادي إلى الصواب.
стр. 173
١٧٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٢٨): " قال الكرماني: ... ويسند إلى الله تعالى من حيث إن وجوده إنما هو بتأثير قدرته، وله وجهتان: جهة تنفي القدر، وجهة تنفي الجبر؛ فهو مسند إلى الله حقيقة وإلى العبد عادة، وهي صفة يترتب عليها الأمر والنهي والفعل والترك، فكل ما أسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنظر إلى تأثير القدرة، ويقال له: الخلق. وما أسند إلى العبد يحصل بتقدير الله تعالى، ويقال له: الكسب".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٥٦.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول الكرماني في فعل العبد: "فهو مسند إلى الله حقيقة وإلى العبد عادة ... إلخ": هو تقرير قول الأشاعرة في أفعال العباد؛ وهو أن أفعال العباد خلق لله وكسب لهم؛ ومعنى ذلك أنها لا تضاف إليهم حقيقة بل مجازًا وعادةً؛ لأنهم لا تأثير لقدرتهم فيها، وإنما توجد أفعالهم عند قدرتهم لا بقدرتهم، وهذا هو الذي عبروا عنه بالكسب. وعلى هذا فمذهبهم راجع إلى مذهب الجبرية. والصواب أن أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة واقعة بقدرتهم ومشيئتهم، وهم وصفاتهم وأفعالهم خلق لله تعالى.
وانظر التعليق (١٦١).
стр. 174
١٧١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٣٢): "وقال تعالى: (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) فسلب عنهم هذه الأفعال وأثبتها لنفسه ليدل بذلك على أن المؤثر فيها حتى صارت موجودة بعد العدم هو خلقه، وأن الذي يقع من الناس إنما هو مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها على ما أراد، فهي من الله تعالى خلق بمعنى الاختراع بقدرته القديمة، ومن العباد كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي كسبهم".
وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٥٦.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "فسلب عنهم هذه الأفعال وأثبتها لنفسه .... إلخ": يريد الأفعال التي في هذه الآية وما بعدها وما قبلها؛ وهي الخلق والزرع والإنزال والإنشاء. ولا ريب أن الله تعالى هو المتفرد بخلق الإنسان، وإخراج النبات، وإنزال الماء، وإنشاء ما تقدح به النار أو توقد به. وهذا لا ينافي ما للإنسان من تأثير في بعض ذلك، ولا يمنع نسبة فعل الزرع إلى الحارث باعتبار تسببه كما قال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا" [أخرجه البخاري، ح ٢٣٢٠، ومسلم ح ١٥٥٣]، وقال: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليُزرعها أخاه" [أخرجه مسلم ح ١٥٣٦]؛ فالزرع المنفي عن المخلوق غير المثبت؛ كما قال تعالى: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".
وقوله: "من العباد كسب ... إلخ": انظر التعليق السابق (١٧٠).
стр. 175
١٧٢ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٣٥): "وقال الكرماني: أسند الخلق إليهم صريحا، وهو خلاف الترجمة، لكن المراد كسبهم .... ثم قال الكرماني: هذه الأحاديث تدل على أن العمل منسوب إلى العبد؛ لأن معنى الكسب اعتبار الجهتين فيستفاد المطلوب منها .... ".
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٥٥٧، ٧٥٥٨، ٧٥٥٩، كتاب التوحيد، باب ٥٦.
ــ التعليق ــ
انظر التعليقين السابقين (١٧٠) و (١٧١).
стр. 176
١٧٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٥٣٨): "وتعقب أنه مجاز عن حقارة قدره، ولا يلزم منه عدم الوزن، وحكى القرطبي في صفة وزن عمل الكافر وجهين أحدهما: أن كفره يوضع في الكفة ولا يجد له حسنة يضعها في الأخرى فتطيش التي لا شيء فيها، قال: وهذا ظاهر الآية؛ لأنه وصف الميزان بالخفة لا الموزون ... قلت: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن".
وذلك في كتاب التوحيد، باب ٥٨.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ في الكافر: "فلا يزن عند الله جناح بعوضة": يحتمل أنه إخبار عن وزنه وخفته، ويحتمل أنه إخبار عن حقارة قدره؛ فكلا المعنيين يعبر عنهما بهذا اللفظ، فلا يكون نصًا في أن العامل يوزن، لكن الدليل على ذلك قوله ﷺ عن ابن مسعود ﵁: "أتعجبون من دقة ساقيه، إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد"، ومجموع النصوص يفيد أن الوزن يكون للعامل وعمله وصحائف عمله، والله على كل شيء قدير، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. اهـ.