← Акыда

Акыда · id 17772

تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (176 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٠٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٣/ ٣٥٩): "ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود: لا إله إلا الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك، إلا إن كان عاميًا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك، كما في قصة الجارية التي سألها النبي ﷺ : "أنت مؤمنة؟ " قالت: نعم، قال: "فأين الله؟ " قالت: في السماء، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة"، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٣٧٧، كتاب التوحيد، باب ٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: معناه أن اليهود يقرون بأن الله في السماء - يعني في العلو- وهذا عند المعطلة نفاة العلو تجسيم؛ أي أن الله لو كان في السماء لزم أن يكون جسمًا، ومن مذهبهم أن الله تعالى ليس بجسم، فوجب نفي ما يستلزم الجسمية، ومن ذلك العلو على المخلوقات؛ فلذلك نسبوا اليهود إلى التجسيم والتشبيه. ونسبوا كذلك إلى التجسيم أهل السنة المثبتين للعلو وسائر الصفات، لذلك هم يشَبِّهون أهل السنة باليهود. وإثبات اليهود للعلو هو من الحق الذي جاءهم به موسى ﵇، كما جاءت به سائر الرسل، وجاء به خاتمهم محمد ﷺ ، وتنوعت أدلته في الكتاب والسنة، ودلت عليه الفطر والعقول السليمة. وكفر اليهود لا يقدح فيما يقرون به من الحق، وأما إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى نفيًا أو إثباتًا فقد تقدم قريبًا القول فيه، وبينَّا هناك مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك. انظر التعليق (٩٨).

стр. 107

١٠٤ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٣/ ٣٦٨): "وفي الحديث إثبات اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة، خلافًا للمجسمة. انتهى ملخصا ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٣٨٢، كتاب التوحيد، باب ٦. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: لفظ الجارحة في صفات الله تعالى لفظ محدث؛ فلم يرد في الكتاب والسنة نفيه ولا إثباته، ولهذا أهل السنة يثبتون اليدين والعينين ونحوهما من الصفات لله تعالى، ويقولون: إن ذلك حقيقة، ولا تماثل صفات المخلوقين، ولا يقولون في هذه الصفات إنها ليست جارحة؛ لأنه لفظ محدث ومجمل، والغالب على من يقول عن هذه الصفات أنها ليست جارحة نفي حقائقها، ثم إما أن يثبت ألفاظها ويفوض معانيها، وإما أن يتأولها بخلاف ظاهرها كتأويل اليدين بالقدرة، والعينين بالرؤية، ومن أثبت هذه الصفات لله تعالى على حقيقتها اللائقة به سبحانه وقال: إنها ليست بجارحة، وأراد بالجارحة ما يماثل صفات المخلوقين فقد أصاب فيما أراد من النفي، ولكنه أخطأ في التعبير عن ذلك بلفظ محدث مجمل يحتمل حقاً وباطلاً. وانظر التعليقات (٢) و (٦) و (١٣) و (٥٤)

стр. 108

١٠٥ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥): "وليس المراد قرب المسافة؛ لأنه منزه عن الحلول كما لا يخفى، ومناسبة الغائب ظاهرة من أجل النهي عن رفع الصوت ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٣٨٦، كتاب التوحيد، باب ٩. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: القرب في هذا الحديث هو القرب الخاص؛ وهو قربه سبحانه من عابديه وداعيه، ولا يلزم من هذا القرب حلول الرب سبحانه في شيء من المخلوقات، كما لا يلزم من نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة علو سائر السماوات عليه؛ بل هو العلي الأعلى، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء؛ فعلوه سبحانه فوق المخلوقات من لوازم ذاته، فنزوله وقربه لا ينافي علوه، بل هو سبحانه عال في دنوه قريب في علوه، فلا يقاس بخلقه، ولا يلزم من صفاته سبحانه ما يلزم في صفات المخلوقين، وعلى هذا فقوله: "وليس المراد قرب المسافة" احتراز لا حاجة إليه، وتقييد لا موجب له؛ لأنه مبني على أن قربه يستلزم الحلول، وهو ممنوع كما تقدم.

стр. 109

١٠٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٧٧): "وجواز اشتقاق الاسم له تعالى من الفعل الثابت". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٣٩١، كتاب التوحيد، باب ١١. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: هذا لا يصح على الإطلاق؛ فالقاعدة الصحيحة أن كل اسم من أسماء الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة متضمن لصفة من الصفات خلافاً للمعتزلة، وأما الصفات الفعلية فلا يشتق لله تعالى من كل صفة اسم؛ فلا يطلق على الله تعالى المدمر والمدمدم، والغاضب، والراضي لثبوت هذه الأفعال في حقه سبحانه تعالى، لكن ما ورد من الأسماء مشتق من بعض أفعاله وجب إثباته والاقتصار عليه؛ مثل: الخلاق، والرزاق، ومقلب القلوب. وقد يسهل فيما مطلقه مدح من الأفعال؛ كالمنعم والمحسن من الإنعام والإحسان، وقد ورد لفظ المحسن في بعض الأحاديث.

стр. 110

١٠٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٧٩): "قوله: (باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها) قال ابن بطال: مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى ... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ١٣. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: الجزم بأن هذا هو مقصود البخاري فيه نظر، ولم يذكر ابن بطال دليلاً على ما قال. نعم المراد بالأسماء في قول البخاري: السؤال بأسماء الله المسمى بها؛ فالمراد بقول الداعي: يا الله، يا رحمن، يا حي، يا قيوم: المسمى بهذه الأسماء، وهو رب العالمين، ولا يلزم من ذلك تصحيح البخاري للقول بأن الاسم هو المسمى مطلقاً؛ فإن الصواب في هذه المسألة أن الاسم قد يراد به المسمى، وقد يراد به غير المسمى، وهو اللفظ كقولك: الله مشتق، وأصله الإله، والرحمن عربي. فأسماء الله تعالى إذا وردت في سياق الدعاء والاستعاذة فالمراد بها المسمى، وإذا وردت في مقام التعداد واختلاف الدلالات فالمراد بها الأسماء الدالة على المسمى؛ كما قال ﷺ : "إن لله تسعًا وتسعين اسمًا". وقول ابن بطال: "فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما تصح بالذات" هذا يقتضي أن الأصل في الاستعاذة الاستعاذة بذات الله تعالى؛ كأن يقول: أعوذ بذات الله. وهذا اللفظ لم يرد، نعم ورد معناه في قوله ﷺ : "وأعوذ بك منك"، وأما غالب ما ورد من ألفاظ الاستعاذة فبأسماء الله وصفاته. وقوله: "ويطلق الاسم ويراد به التسمية ... إلخ" فيه نظر كذلك؛ فإن التسمية هي فعل المسمِّي، وهو وضع الاسم للمسمى، أو إطلاق الاسم على من سمي به. إذن فالأمور ثلاثة: ١ - الاسم: وهو اللفظ الدال. ٢ - والمسمى: وهو المدلول. ٣ - والتسمية: هي وضع الاسم للمسمى أو إطلاقه عليه كما تقدم. وبهذا يعلم أنه ليس المراد بالاسم في حديث الأسماء: التسمية، خلافاً لما قال ابن بطال، بل المراد اللفظ الدال على ذات الرب، وصفته سبحانه كالعزيز، والحكيم، والسميع، والبصير. فأسماء الله كلها دالة على ذاته، وكل اسم دال على صفة من صفاته؛ فهي متحدة في دلالتها على الذات متعددة متباينة في دلالتها على الصفات.

стр. 111

١٠٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٢): "قال ابن بطال: أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب .... والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل أن صفات الذات قائمة به، وصفات الفعل ثابتة له بالقدرة، ووجود المفعول بإرادته جل وعلا ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٢، كتاب التوحيد، باب ١٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: في هذا الكلام عدة مآخذ: الأول: قوله:"أحدها يرجع إلى ذاته وهو الله": فإنه يقتضي أن هذا الاسم (الله) لا يدل إلا على ذات الرب سبحانه، ولا يدل على صفة؛ لأنه اسم جامد غير مشتق. والصواب أنه مشتق من (أله) بمعنى: عبد، وأن أصل (الله): الإله، فحذفت الهمزة، وأدغمت اللام في اللام مفخمة، فمعناه: الإله أي المعبود، كما قال ابن عباس ﵄: الله ذو الألوهية، وعلى هذا فهو دال على ذات الرب سبحانه وصفة الألوهية. ومع ذلك فهو عَلَم على الرب تعالى لا يطلق على سواه. الثاني: قوله: "والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ... إلخ": هذا الفرق مضمونه: أن الصفات الفعلية لا تقوم به سبحانه، وهذا هو المعروف من مذهب الأشاعرة الذين لا يثبتون إلا سبعًا من الصفات، وما عداها يفسرونه ببعض الصفات السبع كالقدرة والإرادة، أو يفسرونه ببعض المفعولات أي المخلوقات؛ مثل المحبة، والرضا، والغضب، فإنهم يفسرونها إما بالإرادة أو ببعض المفعولات من النعم والعقوبات، فعندهم أنه تعالى لا يقوم به ما تتعلق به مشيئته. ومذهب أهل السنة والجماعة أن صفات الله الفعلية قائمة به كالصفات الذاتية، والفرق بينهما أن الصفات الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، فلا تنفك عنه سبحانه؛ مثل حياته وقدرته، ومثل وجهه ويديه . وأما الصفات الفعلية: فهي التي تتعلق بها المشيئة؛ مثل استوائه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا، ومثل محبته ورضاه. ومن صفاته تعالى ما هو ذاتي وفعلي كالخلق والكلام؛ فإنه لم يزل خالقًا، ويخلق ما شاء إذا شاء، ولم يزل متكلمًا إذا شاء بما شاء، كيف شاء. الثالث: قول ابن بطال: "وصفات الفعل ثابتة بالقدرة ... إلخ": تقدم أنه هذا يقتضي أن صفات الفعل غير قائمة به، وإذا لم تقم به فكيف يقال: إنها صفات له؟ إذ لا يعقل أن تقوم الصفة بغير الموصوف، وأن يوصف الشيء بغير ما قام به، والحقيقة أنهم لا يثبتون الصفات الفعلية لله تعالى؛ فإطلاقهم صفات الفعل لا حقيقة له، فهم لا يثبتون إلا الفاعل والمفعول؛ كالخالق والمخلوق، ولا يثبتون (الخلق) الذي هو فعل الرب سبحانه. والصواب: إثبات الفعل والفاعل والمفعول.

стр. 112

١٠٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٣): "والصواب الإمساك عن أمثال هذه المباحث والتفويض إلى الله في جميعها، والاكتفاء بالإيمان بكل ما أوجب الله في كتابه أو على لسان نبيه إثباته له أو تنزيهه عنه على الإجمال، وبالله التوفيق". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٢، كتاب التوحيد، باب ١٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: مقصوده ـ رحمه الله تعالى ـ الإمساك عن تأويل نصوص الصفات، وهو تفسيرها بما يخالف ظاهرها، وهذا في حد ذاته سديد؛ لأنه ترك للتأويل الباطل، ولكنه في مقابل ذلك رجح التفويض، وحقيقته: الإعراض عن فهم النصوص، والإيمان بلفظها وتفويض علم معانيها إلى الله تعالى؛ فالإثبات الذي يجب الإيمان به عند المفوضة هو إثبات ألفاظ النصوص دون إثبات ما يدل عليه ظاهرها من الصفات، بل ينفون ما يدل عليه ظاهرها، ومع ذلك يقولون: يجب إجراء النصوص على ظاهرها فيتناقضون، وبذلك يتبين أنه لا فرق بين أهل التأويل وأهل التفويض من حيث نفيهم للصفات التي دلت عليها النصوص من الكتاب والسنة. لكن أهل التأويل يفسرون النصوص بخلاف ظاهرها، وأهل التفويض يمسكون عن ذلك، ولا يثبتون ما تدل عليه. فالمذهبان باطلان، والحق ما عليه أهل السنة والجماعة؛ وهو إثبات ما تدل عليه هذه النصوص من صفات الله تعالى مع نفي مماثلة المخلوقات، وتفويض علم كيفيتها إلى الله تعالى.

стр. 113

١١٠ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٤): قال الراغب: نفسه: ذاته ... وقيل: إن إضافة النفس هنا إضافة ملك، والمراد بالنفس نفوس عباده. انتهى ملخصًا، ولا يخفى بعد الأخير وتكلفه". ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: ما قاله الراغب في تفسير النفس هو الصواب، والقول الثاني، وهو:"إن إضافة النفس هنا إضافة ملك ... إلخ" هو قول باطل؛ لأنه خلاف الآيات التي ورد فيها ذكر النفس، وقد أحسن الحافظ في قوله: "ولا يخفى بعد الأخير وتكلفه". وقول الراغب: " عن الاثنينية من كل وجه": هذه من عبارات المعطلة لجميع الصفات كالمعتزلة؛ يقصدون بها أن الله تعالى ليس إلا ذاتًا مجردة عن جميع الصفات؛ لأن إثبات الصفات عندهم يلزم منه التعدد في ذاته. وهذه تنافي حقيقة التوحيد عندهم. وقولهم هذا مخالف للعقل والشرع؛ فقيام الصفات بالموصوف وتعددها لا ينافي أنه واحد؛ فالله تعالى بصفاته إله واحد.

стр. 114

١١١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥): "وقيل: غيرة الله كراهة إتيان الفواحش؛ أي عدم رضاه بها لا التقدير، وقيل: الغضب لازم الغيرة، ولازم الغضب إرادة إيصال العقوبة". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٣، كتاب التوحيد، باب ١٥. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: لا ريب أن غيرة الله سبحانه من الفعل تتضمن كراهته له، والغضب على فاعله، وهذا يدل على قبح الفعل عنده سبحانه، ولذلك يحرمه على عباده. يدل على ذلك قوله ﷺ : "من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". والغيرة والكراهة والغضب صفات ثابتة لله تعالى على ما يليق به، وتأويلها بإرادة إيصال العقوبة هي طريقة الأشاعرة الذين لا يثبتون إلا الصفات السبع - ومنها الإرادة - ومعنى ذلك أنه لا يوصف عندهم بهذه الصفات على حقيقتها. وقوله: "لا التقدير": يظهر أن في هذه اللفظة تصحيف، وأن أصلها: "لا التغير"؛ فإن ذلك هو المناسب لمادة الغيرة. وانظر التعليق (٥٧)

стр. 115

١١٢ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٥): "والله منزه عن الحلول في المواضع؛ لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث، والحادث لا يليق بالله .... ". وقال ابن التين: "معنى العندية في هذا الحديث العلم بأنه موضوع على العرش ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٥، كتاب التوحيد، باب ١٥. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله ﷺ "وهو وَضْعٌ عنده على العرش": هذا عند أهل السنة المثبتين لعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه ليس بمشكل، بل هذا من أدلتهم على أن الله بذاته فوق العرش، وأن هذا الكتاب عنده سبحانه فوق العرش، ولا يلزم من ذلك محذور في حقه سبحانه؛ لا حلول ولا حصر في شيء من مخلوقاته. وإنما يُشْكِل هذا الحديث وأمثاله مِنْ وصْفِ بعض المخلوقات بأنها عنده على نفاة العلو والاستواء كالأشاعرة؛ فمن قال منهم بأنه سبحانه في كل مكان فقد تناقض أعظم تناقض، ومن قال منهم إنه لا داخل العالم ولا خارجه فقد وصف الله بالعدم؛ فإنه لا يوصف بذلك إلا المعدوم. وقول ابن بطال وابن التين في تفسير الكتاب والعندية بالعلم في هذا الحديث هو من التأويل المذموم الذي حقيقته صرف الكلام عن ظاهره بغير حجة صحيحة؛ فقد جريا في ذلك على مذهب أهل التعطيل من نفاة العلو، وهو مذهب باطل تضمن التعطيل والتحريف؛ تعطيل الله عن ما يجب إثباته له من علوه على خلقه، وتحريف النصوص الدالة على ذلك. ومذهب أهل السنة بريء من هذا وهذا.

стр. 116

١١٣ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٦): "قوله: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، أي إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرًا ذكرته بالثواب والرحمة سرًا، وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون مثل قوله تعالى: "فاذكروني أذكركم" ومعناه: اذكروني بالتعظيم أذكركم بالإنعام". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٥، كتاب التوحيد، باب ١٥. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: هو من الأدلة على أن الجزاء من جنس العمل. والذكر من حيث هو يكون بالقول والفعل، وهو في مثل هذا السياق أظهر في القول، بل حمله على القول في هذا الحديث متعين، لقوله:"في نفسه ... في نفسي" وقوله: "في ملأ ... في ملأ خير منهم"، فبان بذلك أن الله تعالى يذكر عبده بكلام في نفسه، أي بدون أن يُعلم بذلك أحدًا من ملائكته، وقد يذكره بشهود من شاء من ملائكته مثل ثنائه عليه، والإخبار بأنه يحبه كما في الحديث المشهور: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريلَ إن الله يحب فلانًا فأحبه ... " وبهذا يتبين أن تأويل ذكر الله لعبده بالرحمة والثواب، أو الإنعام صرف للكلام عن ظاهره بلا حجة، وكأن الذي قال ذلك يذهب إلى أن الله تعالى لا يتكلم بكلام حقيقي يُسمِعه إذا شاء لمن شاء من عباده، وهذا موجب مذهب الأشاعرة في كلام الله سبحانه، وهو أن معنى كلام الله: معنى نفسي، ليس بحرف ولا صوت فلا يتصور سماعه منه، وهو ظاهر الفساد.

стр. 117

١١٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩): "قال ابن بطال: في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجها وهو من صفة ذاته، وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين .... ولو كانت صفة من صفات الفعل لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات وهو محال". وذلك في كلامه في كتاب التوحيد، باب ١٦. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: دلّت الآية والحديث في هذا الباب على أن لله تعالى وجهًا، وأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك ويقولون: لله تعالى وجه حقيقة لا كوجوه العباد موصوف بالجلال والإكرام وبالنور، وعلى هذا فما نقله الحافظ عن ابن بطال ظاهره جيد لولا قوله: "ليس بجارحة" فإن أهل السنة لا يطلقون لفظ الجارحة لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأن ذلك لم يرد، ولما فيه من الاحتمال والإجمال. وأما تفسير الوجه بالذات؛ فإن أريد به أنه عبَّر بالوجه عن الذات مع إثبات حقيقة الوجه، وأنه من صفات الذات فلا مانع من ذلك، وإن أريد به نفي حقيقة الوجه، فهذا مذهب المعطلة نفاة الصفات. وصفة الوجه لله هي من الصفات التي يتفق على نفيها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وأهل التأويل منهم يفسرون الوجه بالذات كما تقدم أو الثواب، وهذا من التأويل المذموم الذي حقيقته تحريف الكلم عن مواضعه؛ إذ ليس لهذا التعطيل والتأويل من حجة صحيحة. وانظر التعليق (٤٩)

стр. 118

١١٥ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٠): " قال ابن المنير: وجه الاستدلال على إثبات العين لله تعالى ... وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم، لا على معنى إثبات الجارحة". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٧، و ٧٤٠٨، كتاب التوحيد، باب ١٧. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: استدل البخاري بالآيتين والحديث على إثبات العين لله تعالى، وأهل السنة والجماعة يثبتون عينين لا تشبهان أعين المخلوقين، كقولهم في سائر الصفات، ويستدلون لذلك بمثل قوله تعالى:"تجري بأعيننا" وبحديث الدجال. ووجه الاستدلال أن تنزيه الله تعالى عن العور في قوله ﷺ : "إن ربكم ليس بأعور" يدل على إثبات العينين لله تعالى وسلامتهما؛ فإن العور هو عمى إحدى العينين، لا عدم العين، خلافًا لما قاله ابن المنير في بيانه لوجه الاستدلال؛ حيث قال: "العور عرفًا عدم العين، وضد العور ثبوت العين". وأما قوله: "وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى إثبات الجارحة": فمعناه نفي حقيقة العين عن الله تعالى، وهذا هو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشاعرة. ولفظ الجارحة لا يطلقه أهل السنة لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنه من الألفاظ المجملة المبتدعة، فلا يقولون: إن عينه جارحة، أو ليست جارحة. والنافون لحقيقة العين منهم من يفسرها بالبصر كأهل التأويل، ومنهم من لا يتعرض لها بتأويل بل يثبت اللفظ من غير فهم لمعناه، وهم أهل التفويض.

стр. 119

١١٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٠): "قال ابن بطال: احتجت المجسمة بهذا الحديث، وقالوا في قوله: (وأشار بيده إلى عينه) دلالة على أن عينه كسائر الأعين، وتعقب باستحالة الجسمية عليه؛ لأن الجسم حادث وهو قديم؛ فدل على أن المراد نفي النقص عنه" انتهى. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٨، كتاب التوحيد، باب ١٧. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله: "وأشار بيده إلى عينه": أي الرسول ﷺ ، بعد قوله ﷺ : "إن الله لا يخفى عليكم؛ إن الله ليس بأعور" هو نظير لما جاء في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قرأ هذه الآية: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... [إلى قوله تعالى] إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ... " [أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب (١٩) في الجهمية، ح ٤٧٢٨]، وهذه الإشارة من الرسول ﷺ عند أهل السنة المثبتين للعين، والسمع، والبصر، لبيان إرادة الحقيقة؛ فهو يسمع حقيقة ويبصر حقيقة، وكذلك له عين حقيقة، وكل ذلك على ما يليق به ويختص به سبحانه، لا يماثل في شيء من ذلك صفات المخلوق، وهذا هو الواجب في جميع ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ . ومثل هذه الإشارة ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ جعل يقبض يديه ويبسطهما لما ذكر أن الله تعالى يأخذ السماوات بيديه، وأن الله تعالى يقبض يديه ويبسطهما ويقول: "أنا الملك ... " الحديث، ومعلوم بالضرورة أن الرسول ﷺ لا يريد أن القبض والبسط من الله تعالى مثل قبضه ﷺ ﷺ وبسطه ليديه، وإنما أراد بيان أن الله يقبض يديه ويبسطهما حقيقة، وأما من لم يثبت العينين، ولا اليدين لله تعالى، فلا بد أن يتأول هذه النصوص بتأويلات تخرجها عن ظاهرها، أو يمسك عن تدبرها معتقدًا أنه لا سبيل إلى فهمها. وهي طريقة أهل التفويض من النفاة.

стр. 120

١١٧ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٠): " قال ـ أي: ابن المنير ـ: ولأهل الكلام في هذه الصفات – كالعين والوجه واليد – ثلاثة أقوال، أحدها: أنها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل. والثاني: أن العين كناية عن صفة البصر واليد كناية عن صفة القدرة والوجه كناية عن صفة الوجود. والثالث: إمرارها على ما جاءت مفوضا معناها إلى الله تعالى. وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله: الاستواء والنزول والنفس واليد والعين؛ فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل إذ لولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٧، و ٧٤٠٨، كتاب التوحيد، باب ١٧. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: الصواب من الأقوال الثلاثة التي حكاها ابن المنير هو القول الأول، ويتفق معه ما نقله الحافظ عن السهروردي، ومن بعده. وأما القول الثاني والثالث فهما مذهب التأويل وأهل التفويض - كما تقدمت الإشارة إليهما- وأنهما مذهبان للنفاة.

стр. 121

١١٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٠): " وقد سئلت هل يجوز لقارئ هذا الحديث أن يصنع كما يصنع رسول الله ﷺ ؟ فأجبت وبالله التوفيق: إنه إن حضر عنده من يوافقه على معتقده وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفات الحدوث وأراد التأسي محضا= جاز والأولى به الترك خشية أن يدخل على من يراه شبهة التشبيه تعالى الله عن ذلك، ولم أر في كلام أحد من الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خطر لي فيه إثبات التنزيه وحسم مادة التشبيه عنه وهو: أن الإشارة إلى عينه ﷺ إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٠٨، كتاب التوحيد، باب ١٧. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: حاصل جواب الحافظ عما سئل عنه أنه يجوز بشرطين: الأول: أن يكون من بحضرته يعتقد التنزيه. الثاني: أن يقصد بالإشارة محض التأسي. وفي هذا الجواب نظر من وجهين: أولاً: أن الإشارة إذا كان المراد بها محض التأسي لم يكن لها معنى بالنسبة للمخاطبين، ولا بالنسبة لمضمون الكلام. ثانيًا: أن لفظ تنزيه الله عن صفات الحدوث يريد به المعطلة ومن وافقهم نفي الصفات عن الله؛ لأن الصفات عندهم تستلزم الحدوث. وأما التنزيه الذي يقول به أهل السنة فهو تنزيهه سبحانه عن مماثلة المخلوقات مع إثبات الصفات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل. والأشبه بطريقة الحافظ أنه أراد بالتنزيه المعنى الأول، ولو اقتصر رحمه الله تعالى على قوله: "والأولى به الترك" لكان أسلم له. وأما المعنى الذي ذكر أنه خطر له في معنى الإشارة في الحديث، ولم يره من شراح الحديث، وهو: "أن الإشارة إلى عينه ﷺ إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال" فهو معنى باطل يرده أن النبي ﷺ إنما أشار بيده إلى عينه عند قوله: "إن الله ليس بأعور" لا عند قوله: "وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى". وكل هذا هروب من الاستدلال بالحديث على إثبات العين لله تعالى، وهو المعنى الذي قصده البخاري رحمه الله تعالى؛ فالبخاري في واد والحافظ في واد آخر؛ فهو في مثل هذه المواضع يخالف منهج البخاري وأهل السنة والجماعة. والأظهر في الجواب عن ذلك السؤال أن يقال: تجوز الإشارة عند ذكر هذه الأحاديث لنفس المعنى الذي أراده الرسول ﷺ بإشارته - وهو إرادة تأكيد الحقيقة كما تقدم - يدل لذلك عموم قوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فيدخل في ذلك طرق البيان التي بين فيها الرسول ﷺ ، وبلغ بها رسالة ربه، ويمكن إذا خشي أن يتوهم أحد من الإشارة التشبيه أن يقصد المتحدث بإشارته حكاية فعل النبي ﷺ ، كأن يقول: وأشار النبي ﷺ إلى عينه، فيشير إلى عينه ونحو ذلك، ويمكن رفع التوهم أيضًا ببيان مراد الرسول ﷺ بإشارته. وما كان السلف الصالح يستوحشون من ذكر آيات وأحاديث الأسماء والصفات لأنهم يؤمنون بما دلت عليه على الوجه اللائق به سبحانه، ويقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف. وأما الذين دخل عليهم مذهب التعطيل فإنهم يقفون من تلك النصوص موقف الرد إن أمكنهم، أو موقف التأويل أو التفويض؛ فهم لا يؤمنون بحقائقها، بل يرون أنه لا يجوز اعتقاد ظاهرها؛ فإن ظاهرها عندهم هو التشبيه، ومن عوفي فليحمد الله.

стр. 122

١١٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٤): "باب قول الله تعالى: لما خلقت بيدي، قال ابن بطال: في هذه الآيات إثبات اليدين لله، وهما صفتان من صفات ذاته، وليستا بجارحتين، خلافًا للمشبهة من المثبتة، وللجهمية من المعطلة .... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ١٩. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قول ابن بطال رحمه الله تعالى: "في هذه الآيات إثبات اليدين لله تعالى ... إلخ" فيه خطأ وصواب؛ فأصاب في أول كلامه بقوله: "في هذه الآيات إثبات اليدين لله تعالى وهما صفتان من صفات ذاته"، وأصاب في آخر كلامه في الرد على الجهمية في نفيهم للقدرة، وفي رده على من يتأول اليدين بالقدرة. ولكن قوله: "وليستا بجارحتين" من النفي المبتدع، ولفظ الجارحة لفظ مجمل؛ فإن أريد بنفي الجارحة نفي حقيقة اليدين التي يكون بهما الفعل، ومن شأنهما القبض والبسط فباطل، وإن أريد به نفي أن تكون يداه سبحانه مثل أيدينا كما يقول المشبه: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي، فهذا النفي حق. فالواجب إثبات اليدين لله تعالى مع نفي مماثلتهما للخلق، ونفي العلم بكيفيتهما مع إثبات ما ورد في صفاتهما كالقبض والبسط والأخذ والأصابع، والله أعلم.

стр. 123

١٢٠ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٤): "وقال غيره: هذا يساق مساق التمثيل للتقريب؛ لأنه عهد أن من اعتنى بشيء واهتم به باشره بيديه، فيستفاد من ذلك أن العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ١٩. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: معناه أن الله تعالى لم يخلق آدم ﵇ بيديه حقيقة من بين سائر المخلوقات، وهذا يقوله من ينفي حقيقة اليدين عن الله ، وهم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشاعرة وغيرهم. فمن هؤلاء من يجعل هذه الآية من قبيل المجاز التمثيلي الذي لا يقصد ظاهره، وإنما عبر به عن معنى آخر للمبالغة في تقريبه، وهذا أحد تأويلات أهل التأويل لهذه الآية، وذِكرُ الحافظ عفا الله عنه لمعاني اليدين والمبالغة في جمعها لا وجه له؛ فإن ذلك من طريقة النفاة لتشويش الفهم لنصوص الصفات بدعوى كثرة الاحتمالات، ونصوص الصفات بحمد الله تعالى هي نصوص لا تحتمل إلا ما أراده الله منها، وهي المعاني الثابتة له سبحانه، وهذه المعاني هي المعاني القريبة المتبادرة للأفهام السليمة التي لم تتكدر بشبه أهل التعطيل أو أهل التشبيه؛ فاليدان في الآية لا تحتمل إلا معنى واحدًا، وهي اليدان اللتان بهما الفعل والأخذ، ومن شأنهما القبض والبسط كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ .

стр. 124

١٢١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٨): "قال ابن بطال: لا يحمل ذكر الإصبع على الجارحة، بل يحمل أنه صفة من صفات الذات .... وعن ابن فورك: يجوز أن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فيحمله الله ما يحمل الإصبع، ويحتمل أن يراد به القدرة والسلطان ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٤، كتاب التوحيد، بآب ١٩. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: هذا الحديث يستدل به أهل السنة على إثبات الأصابع لله ، وأنها من صفة يديه؛ لأن هذا هو المفهوم من لفظ الإصبع في هذا السياق، وقد أقر النبي ﷺ اليهودي على قوله كما فهم ابن مسعود ﵁ بقوله: "فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له"، ويؤيد ذلك قراءة النبي ﷺ لقوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره". وقول أهل السنة في الأصابع لله تعالى كقولهم في اليدين والوجه وغير ذلك من الصفات؛ وهو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، ونفي العلم بالكيفية على حد قول الأئمة في الاستواء: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب". إذا ثبت هذا فما نقله الحافظ عن ابن بطال وابن فورك وابن التين دائر بين التفويض كما هو ظاهر قول ابن بطال، والتأويل كما هو ظاهر قول ابن فورك وابن التين. وأهل التفويض والتأويل لا يثبتون المعاني الظاهرة من نصوص الصفات بل ينفونها. ثم منهم من يوجب في تلك النصوص التفويض، ومنهم من يوجب التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف كما هو ظاهر في تأويلات ابن فورك للإصبع المذكور في هذا الحديث، فنعوذ بالله من الضلال.

стр. 125

١٢٢ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٨): " وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٤، كتاب التوحيد، باب ١٩. ــ التعليق ــ انظر التعليقين: (٢) (١٠٤)

стр. 126

١٢٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٨): قال الخطابي " ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي؛ فإن اليهود مشبهة وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين، وأما ضحكه ﷺ من قول الحبر فيحتمل الرضا والإنكار، وأما قول الراوي: "تصديقا له" فظن منه وحسبان، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل؛ ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة لأمر حدث في البدن كثوران الدم، والصفرة لثوران خلط من مرار وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظا فهو محمول على تأويل ... انتهى ملخصا وقد تعقب بعضهم إنكار ورود الأصابع لوروده في عدة أحاديث كالحديث الذي أخرجه مسلم: "إن قلب بن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، ولا يرد عليه لأنه انما نفى القطع. وقال القرطبي في المفهم: .. هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وأن الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة وضحك النبي ﷺ إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ... وأما من زاد "وتصديقا له" فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة؛ لأن النبي ﷺ لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حق الله محال؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا، فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها؛ إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته؛ لصحت للدجال وهو محال، فالمفضي إليه كذب، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله في الرد عليه: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ وإنما تعجب النبي ﷺ من جهله؛ فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك. فإن قيل: قد صح حديث: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" فالجواب أنه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه، مع القطع باستحالة ظاهره؛ لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه، وأما إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب؛ بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقا له في المعنى، بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه، ونقطع بأن ظاهره غير مراد انتهى ملخصا. وهذا الذي نحا إليه أخيرا أولى مما ابتدأ به لما فيه من الطعن على ثقات الرواة ورد الأخبار الثابتة". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٤، كتاب التوحيد، باب ١٩. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: من العجب إفراط الحافظ ـ عفا الله عنا وعنه ـ في نقل أقوال المتأولين من النفاة لحقائق كثير من الصفات مع ما فيها من التمحلات والتكلفات في صرف الكلام عن وجهه بشبهات واهية؛ مثل التشكيك في تفسير ابن مسعود ﵁ لضحك النبي ﷺ بقوله: "تصديقًا له"، وتخطئة ابن مسعود ﵁ في خبره ذلك عن النبي ﷺ ، وهو المشاهد للقصة والأعلم بدلالة حال النبي ﷺ ومقاله. هذا، ولو لم يرد هذا التفسير من ابن مسعود ﵁ لكان ضحك النبي ﷺ وتلاوته للآية كافيًا في تقرير ما قاله اليهودي من ذكر الأصابع، وجعل المخلوقات عليها. وأما الحمل في ذلك على اليهود، وأن اليهود مشبهة، فنعم اليهود مشبهة فيما نسبوه إلى الله تعالى من النقائص؛ كالفقر والإعياء والبكاء. وأما ما وصفوا الله به مما دل عليه القرآن والسنة فلا يجوز رده لوروده على بعض ألسنتهم؛ فلو لم يقرّ الرسول ﷺ اليهودي بما قال لما صح الاستدلال بقول اليهودي على إثبات الأصابع، بل كان الواجب التوقف فيه، كما هو الواجب في كل ما يحدث به بنو إسرائيل فيما لم يرد به دليل على ثبوته ولا نفيه. وفي كلام الخطابي والقرطبي عفا الله عنهما تخبطٌ حملهما عليه أصلهما الفاسد الذي استقر في عقليهما وعقول كثير ممن لم يفهم حقيقة مذهب السلف الصالح. وذلك الأصل الفاسد هو نفي حقائق هذه الصفات كالوجه واليدين والأصابع والعينين، وكالمحبة والرضا والغضب، والضحك والفرح إلى غير ذلك؛ بشبهة أن إثباتها يستلزم التشبيه، وهي عين الشبهة التي نفت بها الجهمية أسماء الله وصفاته. فما يرد به الأشاعرة - ونحوهم ممن يفرق بين الصفات - على الجهمية والمعتزلة هو ما يرد به أهل السنة عليهم فيما وافقوا فيه المعتزلة والجهمية. فلا بد للأشاعرة ونحوهم من الرجوع إلى المذهب الحق البريء من التناقض - وهو مذهب أهل السنة والجماعة - أو الخروج إلى مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، فلا مخلص لهم من تناقضهم إلا بأحد الأمرين، فالواجب الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح الذين مذهبهم هو الأسلم والأعلم والأحكم، خلافًا لما زعمه بعض الخلف، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وبعد فقد أحسن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تعقبه على من خطَّأ ابن مسعود في فهمه من ضحك النبي ﷺ تصديق قول اليهودي، وأحسن كذلك في إيراده تعقب ابن خزيمة لمن منع صفة الأصابع لله تعالى؛ ونص كلام ابن خزيمة كما ورد في كتاب التوحيد له: «وقد أجَلَّ الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا تبدو نواجزه تصديقًا وتعجبًا لقائله. لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته» [كتاب التوحيد ١/ ١٧٨ ط. الرشد] ويريد ابن خزيمة ﵀ بذلك أنه يلزم من ينفي صفة الأصابع لله مع ثبوت ضحك النبي ﷺ تصديقًا لوصف اليهود لله تعالى بذلك؛ يلزم هذا النافي أن يصف النبي ﷺ بالضحك وإقرار الباطل بدلاً من إنكار ذلك والغضب منه؛ فيصف النبي ﷺ بترك الواجب وقد أجلَّه الله عن ذلك.

стр. 127

١٢٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٣٩٩): " قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله إما ساكت عن التأويل وإما مؤول، والثاني يقول: المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة فأطلقت على سبيل المجاز كالملازمة، وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب ". وذلك في كلامه على باب قول النبي ﷺ لا شخص أغير من الله، كتاب التوحيد، باب ٢٠. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: يريد ابن دقيق العيد بالمنزهين نفاة حقائق كثير من الصفات؛ كالمحبة والرضا، والضحك والفرح، والغضب والكراهة، والغيرة، وأنهم في نصوص هذه الصفات طائفتان: إما مفوضة، وإما مؤولة. وهذا يصدق على الأشاعرة ونحوهم؛ فإنهم ينفون هذه الصفات ويوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لظاهر اللفظ. وإطلاق لفظ المنزهة عليهم يستلزم أن من يثبت هذه الصفات مشبه. وكذلك يسمون المثبتين لسائر الصفات - وهم أهل السنة - مشبهة، كما أن الجهمية والمعتزلة يسمون المثبتين لبعض الصفات كالأشاعرة مشبهة. والحق أن المنزهة على الحقيقة هم أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا لله جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات؛ فتسمية النفاة: منزهة، والمثبتين للصفات: مشبهة من المغالطات. وأما الكلام في الغيرة فقد سبق التعليق عليه. وانظر التعليقين (٥٧) و (١١١).

стр. 128

١٢٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٠١): "قال ابن بطال: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به ... وأما الخطابي فقال: إطلاق الشخص في صفات الله تعالى غير جائز؛ لأن الشخص لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا، فخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفًا من الراوي ... ". وذلك في كلامه على باب (٢٠) قول النبي ﷺ «لا شخص أغير من الله»، كتاب التوحيد. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: المنكرون لإطلاق لفظ الشخص على الله تعالى - كابن بطال والخطابي وابن فورك- لم يذكروا لهذا الإنكار دليلاً إلا أن إثبات ذلك عندهم يستلزم أن يكون الله تعالى جسمًا. وهذه عين الشبهة التي نفت بها المعتزلة جميع الصفات، ونفى بها الأشاعرة ما نفوا من الصفات. ومعلوم أن لفظ الجسم لم يرد في الكتاب والسنة نفيه ولا إثباته، وهو لفظ مجمل يحتمل حقًا وباطلاً، فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى في النفي ولا في الإثبات. فعلم أن المنع من إطلاق الشخص على الله تعالى مبني على هذه الشبهة الباطلة التي نفيت بها كثير من الصفات، وهي باطلة وما بني عليها باطل. ودعوى الإجماع على منع إطلاق الشخص على الله تعالى، ودعوى التصحيف كل ذلك ممنوع؛ فلا إجماع ولا تصحيف، ولفظ الشخص يدل على الظهور والارتفاع، والقيام بالنفس، فلو لم يرد في الحديث لما صحّ نفيه لعدم الموجب لذلك، بل لو قيل: يصح الإخبار به لصحةِ معناه لكان له وجه، فكيف وقد ورد في الحديث، ونقله الأئمة ولم يَرَوه مشكلاً. فنقول: إن الله شخص لا كالأشخاص كما نقول مثل ذلك فيما ورد من الأسماء والصفات، والله أعلم.

стр. 129

١٢٦ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٠١): "ثم قال ابن فورك: وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص أمور، أحدها: أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع، والثاني: الإجماع على المنع منه، والثالث: أن معناه الجسم المؤلف المركب، ثم قال: ومعنى الغيرة الزجر والتحريم". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٦، كتاب التوحيد، باب ٢٠. ــ التعليق ــ انظر التعليق السابق (١٢٥) في الرد على ابن فورك في المنع من إطلاق لفظ الشخص على الله تعالى. وأما قوله: "ومعنى الغيرة: الزجر والتحريم" فانظر للرد على ذلك التعليقين (٥٧) و (١١١)

стр. 130

١٢٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٠٢): "والمراد بالوجه الذات، وتوجيهه أنه عبر عن الجملة بأشهر ما فيها ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٦، كتاب التوحيد، باب ٢١. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: تقدم أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الوجه لله تعالى كما صرحت بذلك الآيات والأحاديث، وأنه موصوف بالجلال والإكرام، وبالأنوار، وأن القول فيه كالقول في سائر الصفات. وأما تأويل الوجه بالذات، وأنه في الآية مجاز، فهذا سبيل أهل التأويل من النفاة لحقائق الصفات من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشاعرة ونحوهم، ومذهبهم باطل ومخالف لمذهب السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. انظر التعليق (٤٩) و (١١٤)

стр. 131

١٢٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦): قوله: "باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود:٧] ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ .. قال أبو العالية: ﴿استوى إلى السماء﴾ [البقرة:٢٩] ارتفع ... " قال ابن بطال: "اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا .. وقالت الجسمية: معناه الاستقرار .. وقيل معنى الاستواء: التمام والفراغ من فعل الشيء ... " وقال إمام الحرمين في "الرسالة النظامية": "اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر؛ فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة .. ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: مقصود البخاري ﵀ بترجمة الباب تقرير علو الله بذاته على مخلوقاته واستوائه على عرشه، واكتفى بالإشارة إلى الاستواء بذكر العرش في الآية والأحاديث التي أوردها في الباب، لأن العرش متعلَّق الاستواء، وإن كان قد جاء التصريح بالاستواء على العرش في سبع آيات، وأشار إليها في نقل تفسير السلف للاستواء كأبي العالية، ومجاهد، واكتفى من أدلة العلو خاصة بحديث أنس ﵁ في شأن زينب ﵂، وقولها: "وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات" مع أن أدلة العلو في الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، وأهل السنة يثبتون ما دلت عليه هذه النصوص ويمرونها كما جاءت بلا كيف، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب". وأما المعطلة والجهمية ومن وافقهم، فإنهم ينفون علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، ثم منهم من يقول بالحلول العام، أو أنه - تعالى الله عن قولهم - لا داخل العالم ولا خارجه، وفي هذا غاية التنقص لله تعالى، أو ما يتضمن وصفه بالعدم. ثم يضطربون في جوابهم عن هذه النصوص؛ فأكثرهم يذهب إلى التأويل المخالف لظاهر اللفظ كتأويل الاستواء بالاستيلاء، أو الملك والقدرة، أو التمام كما ذكر ذلك الحافظ فيما حكاه عن ابن بطال. وهؤلاء يجمعون بين التعطيل والتحريف. ومن نفاة العلو والاستواء من الأشاعرة من يذهب إلى التفويض؛ وهو الإمساك عن تدبر هذه النصوص لأنه لا سبيل إلى فهم معناها، مع نفي أن يكون ظاهرها مرادًا، ويزعم بعض أولئك أن هذا هو مذهب السلف في نصوص الصفات كالعلو والاستواء كما نقله الحافظ عن إمام الحرمين بعد ذلك، وهو خطأ ظاهر وجهل بحقيقة مذهب السلف. ومما يدل على فساد مذهب المفوضة أن الله أمر بتدبر الكتاب كله، وما لا يفهم معناه لا يؤمر بتدبره ولا معنى لتدبره. وقد وصف الله كتابه بأنه هدى وشفاء وبيان، وما لا يفهم معناه لا يوصف بشيء من ذلك. فالمخرج من هذا الاضطراب هو الاعتصام بما دل عليه كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ وبما كان عليه السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان، والله الهادي إلى الصواب.

стр. 132

١٢٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٠٨): " قسم بعضهم أقوال الناس في هذا الباب [يعني باب الصفات] إلى ستة أقوال: قولان لمن يجريها على ظاهرها: أحدهما: من يعتقد أنها من جنس صفات المخلوقين وهم المشبهة ويتفرع من قولهم عدة آراء. والثاني: من ينفي عنها شبه صفة المخلوقين ... وقولان لمن يثبت كونها صفة، ولكن لا يجريها على ظاهرها: أحدهما: يقول: لا نؤول شيئا منها؛ بل نقول: الله أعلم بمراده. والآخر: يؤول .. وقولان لمن لا يجزم بأنها صفة: أحدهما: يقول: يجوز أن تكون صفة وظاهرها غير مراد، ويجوز أن لا تكون صفة. والآخر يقول: لا يخاض في شيء من هذا بل يجب الإيمان به لأنه من المتشابه الذي لا يدرك معناه. " وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: الصواب من هذه الأقوال هو القول الثاني من القولين الأولين، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها - أي إثبات ما تدل عليه من الصفات - مع نفي مماثلة المخلوقات، وأن القول في الصفات كالقول في الذات، وهذا قول أهل السنة والجماعة المثبتين لجميع الصفات، والقول الأول من القولين الأولين هو قول المشبهة كما ذكر المصنف. وأما الثالث فقول أهل التفويض، والرابع قول أهل التأويل. وكل منهما ينفي أن يكون ظاهر النصوص مرادًا، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشاعرة. وأما القولان الأخيران - الخامس والسادس - فهما مذهبان للواقفة وهم الشاكون الذين لا يجزمون بإثبات الصفات ولا بنفيها، وحكمهم حكم من يصرح بنفي الصفات؛ لأن حكم الشاك في الحق والمكذب واحد. واعلم أن الذي ذكر هذه الأقسام الستة هو شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الفتوى الحموية.

стр. 133

١٣٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤١٠): "قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله) تقدم في بدء الخلق بلفظ: "ولم يكن شيء غيره" وفي رواية أبي معاوية: "كان الله قبل كل شيء" وهو بمعنى: "كان الله ولا شيء معه"، وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت على كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها ... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٨، كتاب التوحيد، باب ٢٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله: "وفي رواية أبي معاوية: (كان الله قبل كل شيء) وهو بمعنى: (كان الله ولا شيء معه) ... إلخ": يرجح الحافظ هاتين الروايتين على رواية الباب: (كان الله ولم يكن شيء قبله)؛ وذلك من جهة المعنى الذي يرى أنهما تدلان عليه؛ وهو أن الله تعالى كان منفردًا لم يخلق شيئًا في الأزل ثم ابتدأ الخلق، وعليه فجنس المخلوقات له بداية لم يكن قبلها شيء من المخلوقات. وهذا قول من يقول بامتناع حوادث لا أول لها، وهم أكثر المتكلمين، وهو الذي يختاره المؤلف، ولهذا رجح الروايتين المشار إليهما آنفًا بناء على أنهما تدلان على مطلوبه، ولهذا قال: "وفي رواية أبي معاوية ... وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها" واستشنع من ابن تيمية القول بذلك، ولهذا ضعف ترجيح ابن تيمية لرواية: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وزعم أن الجمع بين هذه الروايات مقدم على الترجيح. وهذا ممنوع في الحديث الواحد الذي قصته واحدة كما في هذا الحديث؛ فإنه جاء بأربع روايات، ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يقل إلا أحد هذه الألفاظ، والأخريات رويت بالمعنى، فتعيَّن الترجيح. وكل هذه الروايات لا تدل على مطلوب المتكلمين وهو امتناع حوادث لا أول لها. ولكن بعض هذه الروايات فيه شبهة لهم مثل رواية: "ولم يكن شيء معه"، ولهذا رجحها الحافظ على رواية الباب، ورواية الباب أرجح منها؛ لأن لها شاهدًا عند مسلم، وهو قوله ﷺ : "أنت الأول فليس قبلك شيء" كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع وجوه أخرى من الترجيح. ومسألة تسلسل الحوادث - أي المخلوقات في الماضي وهو معنى حوادث لا أول لها - فيها للناس قولان: أحدهما: أن دوام الحوادث ممتنع؛ وهو قول أكثر المتكلمين. وشبهه هذا القول هي اعتقاد أن ذلك يستلزم قدم العالم الذي تقول به الفلاسفة، وهو باطل عقلاً وشرعًا. وهذا الاعتقاد خطأ؛ فإن معنى تسلسل الحوادث في الماضي أنه ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق إلى ما لا نهاية، ومعنى ذلك أن كل مخلوق فهو محدث بعد أن لم يكن، فهو مسبوق بعدم نفسه، والله تعالى مقدم على كل مخلوق تقدم لا أول له، وليس هذا بقول الفلاسفة؛ فإن حقيقة قولهم أن هذا العالم قديم بقدم علته الأولى لأنه صادر عنها صدور المعلول عن علته التامة، لا صدور المفعول عن فاعله؛ فإن المفعول لا بد أن يتأخر عن الفاعل. القول الثاني: أن تسلسل الحوادث في الماضي ممكن، وهو موجب دوام قدرة الرب تعالى وفاعليته؛ فكل من يثبت أن الله لم يزل فعالاً لما يريد وهو على كل شيء قدير، لا بد أن يقول بأن الخلق لم يزل ممكنًا. وهذا الحد لا يمكن النزول عنه؛ فإن من قال بامتناع حوادث لا أول لها منهم من يقول: إن الله لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، ومن قال منهم: إن الله لم يزل قادرًا كان متناقضًا؛ فإن المقدور لا يكون ممتنعًا لذاته. أما كون تسلسل المخلوقات واقعًا أو غير واقع فهذا يُبنى على الدليل؛ فمن قام عنده الدليل على أحدها فعليه القول بموجبه. فالقول المنكر الذي لا شك في بطلانه هو القول بامتناع حوادث لا أول لها؛ لما يستلزمه من تعجيز الرب سبحانه في الأزل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة فأجاد وأفاد، فأتى بالفرقان بين الحق والباطل في هذا المقام، وقد رماه خصومه والغالطون عليه بأنه يقول بقول الفلاسفة، وهو الذي يفند قول الفلاسفة بما لم يستطعه المنازعون له. ومن رد قول الفلاسفة بالقول بامتناع حوادث لا أول لها فقد رد باطلاً بباطل، والحق في خلافهما، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انظر: مجموع الفتاوى ١٨/ ٢١٠ - ٢٤٤، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ١٢١ - ١٢٧، ٣٠٣ - ٣٠٥، ٢/ ٣٤٤ - ٣٩٩.

стр. 134

١٣١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤١٢): "قال الكرماني: قوله: "في السماء" ظاهره غير مراد؛ إذ الله منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٢٠، كتاب التوحيد، باب ٢٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: وصفُ اللهِ تعالى بأنه في السماء جاء في القرآن في قوله: "أأمنتم من في السماء"، وفي السنة: قال ﷺ : "وأنا أمين من في السماء"، ومن هذا قول زينب ﵂: "إن الله أنكحني في السماء". ومعنى هذا كله أن الله تعالى في السماء أي في العلو فوق جميع المخلوقات، وليس ظاهره أن الله تعالى في داخل السماوات كما ظنه الكرماني، ولهذا قال: "ظاهره غير مراد". وقوله: "إذ الله منزه عن الحلول في المكان": إن أراد أنه تعالى لا يحويه شيء من مخلوقاته ويحيط به فهو حق؛ فإن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. وإن أراد أنه ليس في العلو الذي وراء العالم، ولا هو فوق العرش بذاته فهذا باطل؛ فإن هذا هو قول الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من نفاة العلو، وأكثرهم يقول بالحلول العام؛ أي أن - الله تعالى عن قولهم - في كل مكان. وقول الكرماني: "لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها ... ": هذا يقتضي أن الله تعالى ليس بذاته في العلو، وإنما وصف بذلك للتشريف؛ لأن السماء أشرف الجهات وفي ذلك إشارة إلى علو قدره في ذاته وصفاته. وليس هذا محل النزاع مع المبتدعة نفاة العلو، وإنما النزاع معهم في علوه سبحانه بذاته فوق مخلوقاته، وهو سبحانه العلي بكل معاني العلو، وله الفوقية بكل معانيها ذاتًا وقدرًا وقهرًا. وما ذكره الحافظ عن الراغب في مفردات القرآن إنما هو استعراض لمعاني الفوقية بحسب ما أضيفت إليه في القرآن، ولم يذكر من معاني الفوقية المضافة إلى الله تعالى إلا فوقية القهر، وأهمل الإشارة إلى فوقية ذاته سبحانه كما يدل عليها نصًا قوله تعالى:"يخافون ربهم من فوقهم". والحافظ عفا الله عنه يكثر من النقول في هذه المسائل ولا يحررها.

стр. 135

١٣٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤١٣): " قال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه كقوله تعالى ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ أي قضى ذلك. قال: ويكون معنى قوله "فوق العرش" أي: عنده علم ذلك فهو لا ينساه ولا يبدله ... وإما اللوح المحفوظ .. ويكون معنى "فهو عنده فوق العرش" أي: ذكره وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج ... وقوله: "فوق عرشه صفة الكتاب" وقال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش: أن الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملا لما شاء الله من أثر حكمة الله وقدرته وغامض غيبه؛ ليستأثر هو بذلك من طريق العلم والإحاطة ... وقد يكون ذلك تفسيرا لقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي: ما شاءه من قدرته، وهو كتابه الذي وضعه فوق العرش ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٢٢، كتاب التوحيد، باب ٢٢. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: هذا الحديث من أدلة أهل السنة على علو الله فوق خلقه واستوائه على عرشه، وهو يدل كذلك على أن الكتاب الذي كتبه كتب فيه على نفسه أن رحمته تغلب غضبه عنده فوق العرش، وهذه العندية؛ عندية مكان لقوله: "فوق العرش"، وهذا الكتاب يحتمل أن يكون هو اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب - وهو كتاب المقادير- ويحتمل أنه غيره فهو كتاب خاص، والله أعلم. وعلى كل فلا يمتنع أن يكون الكتاب المذكور عند الله تعالى فوق العرش كما هو ظاهر الحديث، ولا موجب لتأويله بصرفه عن ظاهره كما صنع ذلك الخطابي عندما قال: "المراد بالكتاب أحد الشيئين ... إلخ"، فنفى على كل من التقديرين أن يكون فوق العرش كتاب؛ إذ تأول الكتاب بعلم الله تعالى بما كتب على نفسه، أو أن الذي عنده ذكر الكتاب وعلمه، والحامل له على هذا التأويل إما اعتقاد أن الله ليس بذاته فوق العرش، فلا يكون شيء من المخلوقات عنده فوق العرش، وإما اعتقاد امتناع أن يكون شيء غير الله فوق العرش. والأول باطل بأدلة العلو والاستواء، والثاني لا دليل عليه. بل هذا الحديث بمجموع ألفاظه يدل على بطلانه؛ فقد دلّ الحديث على أن هذا الكتاب عند الله فوق العرش، والله تعالى أعلم بنفسه، والرسول الذي أخبر بذلك أعلم بربه، فليس لأحد أن يعارض خبره ﷺ . وأما ما نقله الحافظ عن ابن أبي جمرة فهو على النقيض من قول الخطابي؛ فإنه يثبت أن فوق العرش كتابًا وهو مما اقتضته حكمته وقدرته، ولكن من المنكر في كلامه قوله: "وقد يكون تفسيرًا لقوله: "الرحمن على العرش استوى" ... إلخ"؛ فإن ذلك يقتضي أن إضافة الاستواء إلى الله مجاز، وأن المراد به كون ذلك الكتاب فوق العرش، فيؤول معنى قوله: "الرحمن على العرش استوى" إلى معنى: " كتابه على العرش استوى" وهذا ظاهر الفساد؛ فإنه تحريف للكلم عن مواضعه.

стр. 136

١٣٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤١٦):" قال البيهقي: صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول، وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء، وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله: "إلى الله" فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض، وعن الأئمة بعدهم في التأويل، وقال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان ... ". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٣. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: فيما نقله الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب عن البيهقي وابن بطال تخبط وحيرة في فهم النصوص والآثار الدالة على علو الله تعالى على خلقه؛ فإن كلامهما يقتضي نفي علو الله على خلقه، فعلى هذا يجب عندهم في هذه النصوص: إما التفويض؛ وهو الإعراض عن فهمها مع اعتقاد بأن الأمر بخلاف ظاهرها، وإما التأويل. ويزعمون أن التفويض هو طريقة السلف. وهذا باطل؛ فالسلف من الصحابة والتابعين يتدبرون القرآن كله ويفهمونه كما أمرهم الله، ويؤمنون بما دلت عليه الآيات والأحاديث من صفاته تعالى. وحقيقة التأويل - وهو طريقة أكثر النفاة - صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف، ومن ذلك قول البيهقي: "صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول"، ومعنى ذلك أنه لا يصعد إلى الله شيء، وكذا قوله: "وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء"، ومعنى ذلك أنهم لا يعرجون إلى الله. وكذا قول ابن بطال: "وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف"، ومعناه أن الملائكة لا تعرج إليه حقيقة؛ لأن الله - عنده - ليس في السماء، وعبر عن ذلك بقوله: "وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه؛ فقد كان ولا مكان"، وهو يريد بذلك نفي أن يكون الله بذاته فوق المخلوقات ومستويًا على العرش، ولكن هذه الألفاظ الواردة في عبارته ألفاظ مبتدعة مجملة لا بد فيها من التفصيل والاستفصال؛ لأنها تحتمل حقًا وباطلاً. نعم الله سبحانه لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته: لا مكان ولا غيره. وإذا كان سبحانه فوق مخلوقاته على عرشه فلا يلزم من ذلك أن يكون مفتقرًا إلى العرش، ولا أنه يحيط به شيء من الموجودات، بل هو سبحانه فوق جميع الموجودات، وهو الممسك بالعرش وما دون العرش. وقول ابن بطال: "ومعنى الارتفاع إليه: اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان" كلام فيه قلق؛ فإنه فسر ارتفاع بعض المخلوقات إليه باعتلائه فأضاف إليه ما هو مضاف إلى المخلوق. وقوله: "مع تنزيهه عن المكان" فيه ما تقدم من الإجمال، وإرادة نفي علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وهذا هو المعنى الباطل المنافي لدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة، والله أعلم.

стр. 137

١٣٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤١٩): " قال ابن المنير: جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها الا حديث بن عباس؛ فليس فيه إلا قوله: "رب العرش" ومطابقته والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذا من قوله ﴿ذي المعارج﴾ ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى، فبين المصنف أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش؛ كل منهما مخلوق مربوب محدث، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة وقِدَمه يحيل وصفه بالتحيز فيها، والله أعلم ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٣، كتاب التوحيد، باب ٢٣. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قول ابن المنير في حديث ابن عباس: "ومطابقته والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة .... إلخ": يريد مطابقة الحديث للترجمة ومناسبته لها، ويزعم أن البخاري قصد بإيراد الحديث التنبيه على بطلان قول من أثبت الجهة. ويريد بمن أثبت الجهة من أثبت علو الله تعالى بذاته فوق عرشه وجميع مخلوقاته، وفي هذا غلط قبيح على البخاري؛ فإن البخاري من أئمة السنة المثبتين لعلو الله تعالى واستوائه على عرشه، وقد عقد عددًا من التراجم لتقرير هذا الأصل، فزعم ابن المنير أن قصد البخاري الرد على من أثبت العلو والاستواء على العرش قلبٌ لمقصود البخاري، بل أراد البخاري بذكر هذا الحديث إثبات علو الله تعالى واستوائه على العرش استنباطًا من ذكر العرش حيث إنه متعلق الاستواء. وقول ابن المنير: "فبين - أي البخاري - أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء، والجهة التي يصدق عليها أنها عرش كل منهما مخلوق مربوب محدث": فيه دعوى باطلة على البخاري أنه أراد ما ذكر، وفيه دعوى أن الجهة سواء أريد بها السماء أو العرش فإنها مخلوقة، وهذه الدعوى لا تصح في السماء على الإطلاق؛ فإن السماء يراد بها السماء المبنية - وهي السماوات السبع، وهذه مخلوقة - ويراد بها العلو مطلقًا، فتتناول ما فوق المخلوقات؛ وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى. فلا يلزم من كونه في السماء الذي وراء العالم أن يكون في ظرف وجودي يحيط به تعالى؛ لأنه ليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى. بل المخلوق إذا قيل إنه في السماء بمعنى العلو لا يلزم أن يكون في ظرف وجودي؛ كما إذا قيل العرش في السماء، ومن المعلوم أن العرش فوق السماوات فالله تعالى أولى أن لا يلزم فيه ذلك. وعلى هذا فلفظ الجهة لفظ مجمل قد يراد به شيء موجود مخلوق كما إذا أريد به نفس العرش، وقد يراد به ما ليس بموجود كما إذا أريد به ما وراء العالم؛ فإنه ليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى. وقول ابن المنير: "وقِدَمُه يحيل وصفه بالتحيز فيها": إن أراد أنه مستغن عن هذه المخلوقات من العرش وغيره فهذا حق، وإن أراد أن قدمه يحيل كونه بذاته فوق مخلوقاته مستو على عرشه فهذا باطل. بل هذا عين الكمال؛ فإن له سبحانه العلو بكل معانيه ذاتًا وقدرًا وقهرًا. ولفظ التحيز لفظ مجمل مبتدع لا يجوز إطلاقه نفيًا ولا إثباتًا، ولا يجوز الحكم على قائله إلا بعد معرفة مراده، فإن أراد حقًا قُبِل، وإن أراد باطلاً رُدّ، وإن أراد حقًا وباطلاً لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه.

стр. 138

١٣٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٦): "ومنع جمهور المعتزلة من الرؤية، متمسكين بأن من شرط المرئي أن يكون في جهة، والله منزه عن الجهة، واتفقوا على أنه يرى عباده؛ فهو راء لا من جهة، واختلف من أثبت الرؤية في معناها؛ فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب: "كما ترون القمر" إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية ... وقال ابن بطال: ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة". وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾: هي أصرح آية في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بأبصارهم؛ فإن النظر إذا عدي بإلى اختص بنظر العين، وقد اختلف الناس في مسألة الرؤية: فذهب أهل السنة إلى أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم عيانًا من فوقهم من غير إحاطة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة كهذه الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب. وذهبت المعتزلة إلى نفي الرؤية وتأولوا الآيات والأحاديث بصرفها عن ظاهرها، وردّ ما أمكنهم ردّه من السنة على أصولهم. وذهب الأشاعرة إلى إثبات الرؤية بالأبصار، لكن قالوا: إن الله تعالى يُرى لا في جهة بناء على مذهبهم في نفي العلو؛ فأثبتوا رؤية غير معقولة، فخالفوا بذلك العقل والشرع، وكانوا بذلك متذبذبين بين النفاة والمثبتين، بل كانوا أقرب إلى مذهب النفاة كالمعتزلة وغيرهم. وكل ما ذكر الحافظ في هذا المقام ونقله عن الشراح يدور حول مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة، وفيه من الحق ردّ مذهب المعتزلة، ومن الباطل نفي علو الله تعالى، ونفي أن يرى في جهة العلو بل يرى لا في جهة؛ مما أوجب لهم الحيرة والاضطراب، وظهور حجة المعتزلة عليهم. وليس لمذهب أهل السنة المحضة ذكر صريح. وقول ابن بطال: "وذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله تعالى في الآخرة ... إلخ" كلام مجمل، والظاهر أن مراده بأهل السنة: الأشاعرة.

стр. 139

١٣٦ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٧): "وقال البيهقي: سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمد الصعلوكي يقول في إملائه في قوله: "لا تضامون في رؤيته" بالضم والتشديد، معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة، ولا يضم بعضكم إلى بعض، ومعناه بفتح التاء كذلك، والأصل: لا تتضامون في رؤيته باجتماع في جهة. وبالتخفيف من الضيم، ومعناه: لا تظلمون فيه برؤيتكم بعضكم دون بعض؛ فإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو متعال عن الجهة". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٦، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قول الصعلوكي الذي نقله البيهقي ونقله عنه الحافظ جارٍ على مذهب الأشاعرة؛ وهو إثبات الرؤية مع نفي الجهة أي نفي العلو، ومعنى ذلك أن المؤمنين يرونه سبحانه لا من فوق ولا من أسفل، ولا من أمام ولا من خلف، ولا من يمين ولا من شمال، وتقدم قريبًا أن هذه الرؤية لا حقيقة لها في الواقع [انظر التعليق السابق]؛ فهي مع مخالفتها لنص السنة المتواترة مخالفة للعقل. وبناء على نفي الصعلوكي لعلو الله تعالى نفى أن يكون في جهة من العباد، ونفى أن يكونوا في جهة منه سبحانه حيث قال في: "تضامون" معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة. وأما قوله: "فإنكم ترونه في جهاتكم كلها" فيقتضي أنهم يرونه من فوقهم ومن تحتهم ومن الجهات الأربع، وهذا يتناقض مع نفيه الجهة عن الله بقوله بعده: "وهو متعال عن الجهة"، بل يناقض المعروف من قول الأشاعرة: إن الله تعالى يرى لا في جهة؛ فإنهم ينفون الجهة عن الله مطلقًا، وما يرى من جميع الجهات هو موجود في جميع الجهات، وتقدم في التعليق قريبًا [ص ٣١٤،هامش ١] ما في لفظ الجهة من الإجمال، وما يجب فيه من الاستفصال.

стр. 140

١٣٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٧): "وقال ابن بطال: تمسك به المجسمة فأثبتوا لله صورة .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "فيأتيهم الله في صورته التي تعرفون .... إلخ": يستدل أهل السنة به وبغيره على أن لله تعالى صورة هي أحسن الصور، وأنها لا تماثل صورة أحد من المخلوقين؛ فالقول فيها كالقول في الوجه وسائر الصفات، وما نقله الحافظ عن ابن قتيبة هو الصواب؛ فإنه جارٍ على مذهب أهل السنة، وأما ما نقله عن ابن بطال من نسبة إثبات الصورة إلى المجسمة فهو على طريقة الجهمية ومن تبعهم من وصف المثبتين للصفات بالتجسيم وهم برآء من التشبيه ومن إطلاق الجسم على الله نفيًا أو إثباتًا. وكذلك تفسيره الصورة في الحديث بالعلامة هو تحريف للكلم عن مواضعه، ومثله ما نقله الحافظ عن ابن التين من تفسير الصورة بالاعتقاد، وما نقله عن الخطابي من حمل الصورة على المشاكلة. وكل هذا التخبط حملهم عليه اعتقادهم امتناع أن يكون لله تعالى صورة، وليس لهم حجة على هذا الاعتقاد إلا ما هو من جنس حجة الجهمية على نفي جميع الصفات، وهم لا يوافقونهم على هذا، فأفضى بهم ذلك إلى التناقض والاضطراب، والله يغفر لمن كان مراده الحق، وهذا هو الظن في هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى. وانظر التعليق (١٧)

стр. 141

١٣٨ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٨): "وقال الخطابي: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة، وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن، وزاد: إذا خفي علكم شيء من القرآن [فابتغوه] من الشعر، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد: "في سنة قد كشفت عن ساقها .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله ﷺ في الحديث: "فيكشف عن ساقه" يدل على أن لله تعالى ساقًا كما أن له قدمًا، والقول فيهما كالقول في الوجه واليدين؛ وهو الإيمان بذلك على ما يليق به سبحانه وأن صفاته لا تماثل صفات خلقه، وأن كيفية هذه الصفات غير معقول لنا، وهذا الحديث أولى ما تفسر به الآية، وهي قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" ولولا هذا الحديث لما أمكن الاستدلال بالآية على إثبات الساق لأنها محتملة؛ وذلك أن ذكر الساق فيها غير مضاف، ولهذا جاء تفسير الآية عن ابن عباس ﵄ بشدة الأمر، والكشف عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة. والآية محتملة لذلك، ولا مانع من تفسير الآية بذلك وبما جاء في الحديث؛ فإنه لا منافاة بينهما، ولعل ابن عباس ﵄ لم يبلغه الحديث، وعلى هذا فلا موجب للعدول عن ظاهر الحديث بتأويل الساق بالقدرة أو النفس كما صنع الخطابي رحمه الله تعالى، وهذه طريقته في مثل هذه الصفات: لا يثبت حقائقها بل يتأولها على معانٍ تخالف ظواهر النصوص. والواجب إجراء النصوص على ظاهرها كما قال الأئمة: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ أي آمنوا بما دلت عليه ولا تعدلوا بها عنه، كما قال الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب".

стр. 142

١٣٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٩): "وقال ابن بطال: .. ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم، ومثله: "كلف أن يعقد شعيرة"؛ فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى. ولم يجب عن قصة أبي لهب. وقد ادعى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل ليس هذا موضع ذكرها". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ انظر التعليق على هذه المسألة (٦٤) و (٩١) قال الشيخ البراك: وأما احتجاج من قال به بتكليف أبي لهب بالإيمان مع أن الله أخبر أنه سيصلي نارًا ذات لهب، وأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وهما: أمره بالإيمان مع إخباره بأنه لا يؤمن؛ فالجواب: أنه بعد نزول السورة أصبح بمنزلة من عاين العذاب؛ فإنه لا ينفعهم إيمانهم لأنهم غير مأمورين به تلك الساعة؛ لأن التكليف والامتثال إنما ينفع قبل المعاينة كما قال تعالى: "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .... "الآية ومعنى هذا أن أبا لهب بعد نزول السورة لا يؤمر بالإيمان لانكشاف عاقبته كما قال الله تعالى لنوح في قومه: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن". وعلى هذا فيعلم بعد نزول السورة أن أبا لهب لن يؤمن كما أن قوم نوح بعد خبر الله له لن يؤمن أحد منهم، فانقضى بذلك وقت الدعوة والإنذار، وحق القول عليهم بأنهم من أصحاب النار.

стр. 143

١٤٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٢٩): "وقوله: فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، قال الخطابي: هذا يوهم المكان، والله منزه عن ذلك، وإنما معناه في داره التي اتخذها لأوليائه، وهي الجنة، وهي دار السلام، وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل: بيت الله وحرم الله". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٠، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قول الخطابي: "هذا يوهم المكان والله منزه عن ذلك": يقال في لفظ المكان ما يقال في لفظ الجهة بأنه لفظ مجمل؛ فإن أريد به أن الله تعالى في مكان موجود من المخلوقات يحيط به فالله منزه عن ذلك، وإن أريد به ما فوق جميع المخلوقات - وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى - فلا يلزم بإثبات المكان بهذا المعنى محذور. وقوله في الحديث: "في داره": لا ريب أن إضافة الدار إليه إضافة تشريف، ولا يلزم من ذلك أن يكون حالاً في هذه الدار؛ فإنه تعالى منزه عن الحلول في شيء من مخلوقاته. وأما المراد بهذه الدار فالله أعلم به، وإن كان المتبادر أنها الجنة. وانظر التعليقات (١٣٢) و (١٣٣) و (١٣٦)

стр. 144

١٤١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣١): " قال ابن بطال: "معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية .. " وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" المراد بالحاجب والحجاب: نفي المانع من الرؤية، كما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم، ثم استعار الحجاب للرد، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة. والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول؛ لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي: أن يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية؛ يحصل التخلص من مهاوي التجسم، قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لأن الحجاب حسي والمنع عقلي، قال: وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة والله منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم. ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه" فإن ظاهره ليس مرادا قطعا، فهي استعارة جزما، وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الأحاديث: الحجاب الحسي، لكنه بالنسبة للمخلوقين. والعلم عند الله تعالى". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٣، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "ولا حجاب يحجبه": يدل على أن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة كفاحًا بلا واسطة فيجتمع لهم التكليم والرؤية، والحجاب المنفي في هذا الحديث هو المثبت في قوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب". والحجاب إذا ذكر في مقام نفي الرؤية لا بد أن يكون خارجًا عن ذات الرائي ليكون مانعًا من الرؤية مع سلامة الحاسة. والحجاب الذي يمنع رؤية العباد لربهم قد يكون مخلوقًا، وقد يكون صفة لله تعالى كما في الحديث الذي بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ : "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" فالله يحتجب من عباده بما شاء وكيف شاء. وما يكون حاجبًا لعباده عن رؤيته لا يحجبه عن رؤيته لخلقه، ويشهد لهذا قوله ﷺ : "حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" والحديثان في صحيح مسلم. ومما تقدم يتبين خطأ ابن بطال في قوله: "معنى رفع حجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين ... إلخ"؛ فإن معناه أنه ليس هناك حجاب يرفع بين المؤمنين وربهم فينظرون إليه، بل المانع لهم من الرؤية أولاً قصور أبصارهم عن رؤيته فمتى منحهم الله القدرة على ذلك رأوه. وهذا المعنى يرتبط بقول الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى تعالى لا في جهة، وبقولهم: إنه حال في كل مكان. وما نقله الحافظ في شرح هذا الحديث عن العلائي من قوله: "ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية ... إلى قوله: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم": هذا الكلام جارٍ على مذهب من ينفي كثيرًا من الصفات كالأشاعرة، ويحمل نصوصها على المجاز إما بالاستعارة أو بالمجاز المرسل، أو العقلي؛ فهذه النصوص عندهم محمولة على خلاف ظاهرها لأن ظاهرها عندهم تجسيم وتشبيه، فمن أثبت هذا فهو عندهم مشبه مجسم، وأهل السنة يثبتون ما دلّت عليه هذه النصوص مع نفي مماثلة المخلوقات، ويقولون: القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض. وقول العلائي: "والله منزه عما يحجبه؛ إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس": إن أراد أنه تعالى منزه عما يحجبه عن خلقه فلا يراهم ولا يسمعهم، أو أراد أنه منزه عن حجاب مخلوق يحيط به فهذا حق، وإن أراد أنه تعالى منزه عن حجاب محسوس يحجب الخلق عن رؤيته مثل النور الذي ورد ذكره في الحديث فهذا ما دلت عليه النصوص الواردة في ذكر الحجاب، فنفيه باطل. وقوله: "إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس": كلام مخالف للواقع ومبني على باطل؛ فإنه لا يلزم أن يكون الحجاب محيطًا بالمحتجب عن غيره. وقوله: "بمقدر محسوس": يرجع عندهم إلى نفي العلو فوق المخلوقات والقول بالحلول، ونفي الرؤية الحقيقية، وكل ذلك باطل.

стр. 145

١٤٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣٢): "قال عياض: .. ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يؤولها ... " وقال الكرماني: "هذا الحديث من المتشابهات فإما مفوض، وإما متأول بأن المراد بالوجه الذات .... ". وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٤، كتاب التوحيد، باب ٢٤. ــ التعليق ــ قال الشيخ البراك: قوله ﷺ : "إلا رداء الكبرياء على وجهه": يدل على أن الحجاب قد يكون صفة كما تقدم تقرير ذلك في التعليق الذي قبل هذا، وما نقله الحافظ هنا عن المازري وعياض يقتضي نفي حقيقة الحجاب، وأن المانع من الرؤية ضعف أبصار العباد فقط، لا أن هناك حجابًا بينهم وبين الله تعالى، وهذا جارٍ على أصل الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى لا في جهة بناء على نفيهم للعلو. وكذا ما نقله بعد ذلك عن القرطبي وابن بطال هو جارٍ على هذا السَنَن، وكلام الرسول ﷺ أظهر من أن يحتاج إلى هذا التمحل الذي حمل عليه رعاية الأصول الفاسدة والمحافظة عليها.
следующие страницы →