Полный текст (176 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٣٣ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٦/ ٤٣٦ على حديث رقم (٣٤٠٢)
قال: " وكانوا يرون أنه الخضر ... إلخ ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: الخضر عبد من عباد الله الصالحين، وهذا الذي ذكره الله خبره مع موسى ﵇ في سورة الكهف في قوله تعالى: " فوجدا عبدا من عبدنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ".
وصح في خبره حديث ابن عباس، عن أُبي ﵄ كما رواه البخاري وغيره.
وقد اختلف الناس فيه هل هو نبي أو غير نبي على قولين أصحهما أنه نبي كما أوضح ذلك الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان (٤/ ١٦٢)، ولابن حجر نفسه رسالة في إثبات ذلك اسمها: "الزهر النضر في نبأ الخضر".
كما اختلف الناس في حياته ووجوده في حياة النبي ﷺ وبعده، والذي رجحه الأئمة المتقدمون أنه قد مات، ولم يدرك عصر النبي ﷺ ، وقال كثير من المتأخرين بأنه حي، ولم يذكروا على ذلك دليلا يعول عليه في معارضة أدلة أهل القول الأول، بل كل ما ذكروه آثار لم يصح منها شيء، كما أوضح ذلك الحافظ رحمه الله تعالى في هذا الموضع، فالصواب، والله اعلم هو قول الأئمة كالبخاري وغيره.
وانظر أيضا تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ..
стр. 37
٣٤ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٦/ ٤٤٤ على حديث رقم (٣٤٠٨) قال: " لأن الأنبياء أحياء عند الله، وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا .... إلخ ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: " لأن الأنبياء أحياء عند الله ..... إلخ ": إن أراد أنهم أحياء حياة برزخية تخالف في حقيقتها وأحكامها حياتهم في الدنيا وحياتهم بعد البعث فهذا حق، ولا يخرجون بذلك عن الوصف بالموت الذي هو مفارقة هذه الحياة الدنيا، كما لا تثبت لهم بهذه الحياة البرزخية أحكام الحياة التي بعد البعث، كما لم نثبت لهم أحكام الحياة الدنيا.
وإن أراد أنهم أحياء في قبورهم كحياتهم في الدنيا إلا أنهم في صور الأموات بالنظر لأهل الدنيا فهذا باطل؛ فإن الشهداء تنكح نساؤهم، ويقسم ميراثهم، وينقطع تكليفهم، وهذه أحكام الميت.
стр. 38
٣٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٦/ ٤٨٨ على حديث رقم (٣٤٤١) وإذا ثبت أنهم أحياء ـ الأنبياء ـ من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء .... إلخ ".
ــ التعليق ــ
انظر: التعليق السابق (٣٤)
стр. 39
٣٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٦/ ٦٠٠ على حديث رقم (٣٥٨١)
قال: " وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء .... إلخ ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: " وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء ... ": ليس في القصة تبرك بطعام الأولياء؛ فإن الضيف لم يقصد بأكله التبرك بطعام أبي بكر، وأبو بكر لم يقصد بأكله التبرك بأثر ذلك الضيف، وإنما الذي في الحديث أن الله بارك في طعام أبي بكر ﵁ بأن كثَّره كرامة لأبي بكر ﵁ حيث أضاف بعض أهل الصفة طاعة للرسول ﷺ . وفيه معجزة للنبي ﷺ كما جرى مثل ذلك وأعظم منه من تكثير الطعام والشراب على يده ﷺ .
وانظر في حكم التبرك بآثار الصالحين تعليق الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ في هامش ١/ ٥٢٥
стр. 40
٣٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (٧/ ٨) على حديث (٣٦٥٠)
"واقتضى هذا الحديث [حديث عمران: "خير أمتي قرني"] أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول بن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئا من ماله بسببه= لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: أظهر الأقوال في المفاضلة بين الصحابة من جاء بعدهم هو التفصيل؛ فأما تفضيل قرن الصحابة على من بعدهم فهو نص قول النبي ﷺ :"خير الناس قرني .. " الحديث.
وأما تفضيل الأفراد فالصحابة في هذا درجات، فأفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر وبيعة الرضوان ﵃ أجمعين؛ فهؤلاء لا ريب أن الواحد منهم أفضل من كل من جاء بعدهم حتى من الصحابة ممن تأخر إسلامهم يدل لذلك قول النبي ﷺ لخالد بن الوليد ﵁: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". وهذا لا يستلزم أن كل واحد ممن ثبت له مطلق الصحبة يكون أفضل من كل من جاء بعده؛ فالفضل المطلق للسابقين من المهاجرين والأنصار وأما من جاء بعدهم، سواء كان من الصحابة أو لم يكن؛ فهو على مراتبهم بحسب اتباعهم لهم بإحسان؛ فمن كان من الصحابة دخل في التفضيل العام للصحابة، ولا يفضل بعينه على كل من جاء بعد الصحابة، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة:١٠٠] وهذا شامل لمن اتبعهم إلى يوم القيامة، والله أعلم.
стр. 41
٣٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٧/ ٢٣ على حديث رقم (٣٦٥٨) قال:" ... أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته .... إلخ ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: في هذا صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل. وانظر التعليق (٣٢)
стр. 42
٣٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ ٧/ ٢٩ على حديث رقم (٣٦٦٧)
قال: " والأنبياء أحياء في قبورهم .... إلخ ".
ــ التعليق ــ
انظر التعليق (٣٤)
стр. 43
٤٠ – قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٧/ ١٢٤) على حديث رقم (٣٨٠٣) قال: " وليس العرش بموضع استقرار الله .. ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: لا وجه لهذا النفي؛ فإن الله مستو على عرشه كما أخبر سبحانه في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش. ومن عبارات السلف في تفسير (استوى): استقر. ولكن نفي أن يكون العرش موضع استقرار الله مبني على نفي حقيقة الاستواء، وهو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة؛ فعندهم أن الله في كل مكان، أو يقال: إنه لا خارج العالم ولا داخله، ثم الواجب عندهم في نصوص الاستواء إما التفويض وإما التأويل؛ مثل أن يقال في معنى (استوى): استولى. وهذا هو الغالب عليهم، فيجمعون بين التعطيل والتحريف. وكل هذا بلا حجة من عقل ولا سمع.
ومذهب أهل السنة إثبات الاستواء بمعناه المعلوم في اللغة مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول".
ومعلوم أن استواء الله على عرشه لا يستلزم حاجته سبحانه إليه؛ لأنه الغني عن كل ما سواه، وهو سبحانه الممسك للعرش وما دون العرش.
стр. 44
٤١ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٧/ ١٥٦ على حديث رقم (٣٨٠٣) قال: " ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شيء ... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: " أن الله منزه عن الحركة والتحول .... ": لفظ الحركة والتحول مما لم يرد في كتاب ولا سنة، فلا يجوز الجزم بنفيه، ونسبة نفيه إلى السلف والأئمة من أهل السنة والجماعة لا تصح. بل منهم من يجوز ذلك ويثبت معناه ويمسك عن إطلاق لفظه، ومنهم من يثبت لفظ الحركة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل السنة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة كالمجيء، والنزول، والدنو، والصعود، مما جاء في الكتاب والسنة. والأولى: الوقوف مع ألفاظ النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: " وكذلك لفظ الحركة: أثبته طوائف من أهل السنة ... وقال: والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك، ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة، وإن أثبت أنواعًا قد يدرجها المثبت في جنس الحركة" الاستقامة: ١/ ٧١ - ٧٢.
ثم ذكر قول الفضيل بن عياض: " إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء " الاستقامة: ١/ ٧٧.
ونفي الحركة يتفق مع مذهب نفاة الأفعال الاختيارية من الأشاعرة وغيرهم، وهو الذي يقتضيه كلام الحافظ ﵀، وأما لفظ التحول فالقول فيه يشبه القول في لفظ الحركة.
стр. 45
٤٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (٧/ ١٤٥) على حديث رقم (٣٨٢٧) قال: " والمراد بغضب الله إرادة إيصال العقاب ... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: الواجب إثبات حقيقة الغضب، وحقيقة اللعن قولا وفعلا على ما يليق به سبحانه كسائر الصفات والأفعال، وتأويل الغضب بإرادة العقاب هي طريقة أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم ممن يثبت بعض الصفات وينفي بعضها، فيلزمهم القول فيما نفوه نظير قولهم فيما أثبتوه، وإلا كانوا متناقضين مفرقين بين المتماثلات.
وانظر: التعليق (٢٨)
стр. 46
٤٣ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٧/ ٤١٢ على حديث رقم (٤١٢١) قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة" وأرقعة بالقاف جمع رقيع، وهو من أسماء السماء، قيل: سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم، وهذا كله يدفع ما وقع عن الكرماني (بحكم الملك) بفتح اللام وفسّره بجبريل؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام.
قال السهيلي: قوله: "من فوق سبع سماوات" معناه أن الحكم نزل من فوق، قال: ومثله قول زينب بنت جحش: "زوجني الله من نبيه من فوق سبع سماوات" أي نزل تزويجها من فوق، قال: ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه ... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قول السهيلي: "ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق ..... ": هذا يتضمن أن الفوقية منها ما يستحيل على الرب سبحانه فيجب نفيه، ومنها ما لا يستحيل عليه فلا مانع من إثباته، وعليه يحمل ما جاء من وصف الله تعالى بالفوقية. وهذا التفصيل مبني على نفي علو الله تعالى بذاته على خلقه واستوائه على عرشه؛ فالفوقية ثلاثة أنواع: فوقية الذات، وفوقية القدر، وفوقية القهر؛ فنفاة العلو من الجهمية ومن تبعهم يثبتون فوقية القدر والقهر دون فوقية الذات، وأهل السنة والجماعة يثبتون له سبحانه الفوقية بكل معانيها؛ كما قال تعالى: "وهو القاهر فوق عباده"، كما يقولون مثل ذلك في العلو؛ فعندهم أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه.
стр. 47
٤٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀:: ٨/ ١٥٥ في كلامه على مقدمة كتاب التفسير قوله: "الرحمن الرحيم: اسمان من الرحمة" أي: مشتقان من الرحمة، والرحمة لغة: الرقة والانعطاف، وعلى هذا فوصفه بها تعالى مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات ..
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: مضمون هذا نفي حقيقة الرحمة عن الله تعالى، وحمل ما ورد في ذلك على المجاز، وتفسير الرحمة من الله إما بإرادة الإنعام أو بالإنعام، وهذا جمع بين التعطيل والتحريف، وهو سبيل الجهمية ومن تبعهم.
والصواب أن الله موصوف بالرحمة حقيقة كما دل على ذلك إسماه تعالى: الرحمن الرحيم.
والقول في الرحمة في حقه تعالى كالقول في سائر صفاته من علمه وسمعه وبصره تُثبت له على ما يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل.
وتفسير الرحمة بالرقة يناسب رحمة المخلوق، ورحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالواجب اتباع سبيلهم، فإنه سبيل المؤمنين الذي قال الله فيه: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا".
стр. 48
٤٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٣٣٦ على حديث ٤٦٧٠: (قال: إنه منافق فصلى عليه) أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقوله وصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدم تقريره واستصحابا لظاهر الحكم ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة .. الخ
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: الصواب أن النبي ﷺ أراد بالصلاة على ابن أبي بن سلول، بل وتكفينه بقميصه، الاستجابة لرغبة ولده، وتطييب قلبه، وتأليف عشيرته؛ إذ كان النبي ﷺ مخيرًا بين الاستغفار وتركه كما في قوله تعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" فلما جاءه النهي انتهى؛ قال الله تعالى: "ولاتصل على أحد منهم".
стр. 49
٤٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀:: ٨/ ٣٣٦ على حديث رقم ٤٦٧٠ قال: "وتعقبه ابن المنير بأن الإيمان لا يتبعض، وهو كما قال .. ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: هذا مبني على أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل ليس من مسمى الإيمان؛ وهو مذهب المرجئة، وهو باطل، بل الإيمان كما قال أئمة السنة: قول وعمل، أو هو: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
وعلى هذا فالإيمان شعب كما قال ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة" وهذا يقتضي أنه يتبعض؛ فقد يترك العبد بعض تلك الشعب، أو كثيرا منها، وكذلك التصديق يتبعض باعتبار التفاوت في العلم بما أخبر به النبي ﷺ .
وأما التصديق بما علم من خبر النبي ﷺ فإنه لا يتبعض ضرورة أنه يجب الإيمان بكل ما جاء به النبي ﷺ ، ولكن هذا التصديق يتفاوت في القوة والضعف.
وبهذا يتبين أن إطلاق القول بأن الإيمان لا يتبعض لفظ مجمل يحتاج إلى تفصيل واستفصال عن مراد المتكلم، ولكن إذا عرف مذهبه في الإيمان عرف مراده، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 50
٤٧ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٣٤٠ على حديث رقم (٤٦٧٢) قال: "وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجى بركته شيئا من ماله لضرورة دينية".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: في هذا الاستنباط نظر؛ فإن عبد الله ﵁ لم يقصد مطلق المال، وإنما قصد ما فيه أثر بركة النبي ﷺ وهو القميص - رجاء أن ينتفع والده بذلك، فموضع الاستدلال أخص من الاستنباط الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، وهو جار على سنن ما قبله من الاستدلال بمثل ذلك على التبرك بآثار الصالحين، وتقدم أن ذلك من خصائص النبي ﷺ فلا يقاس عليه غيره.
وانظر التعليق (١٩ و ٣٦).
стр. 51
٤٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀:: ٨/ ٤٢٩ على حديث رقم (٤٧٣١) قال: " وحكى ابن التين للداودي في هذا الموضع كلاما في استشكال نزول الوحي في القضايا الحادثة، مع أن القرآن قديم .... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: " فإن القرآن قديم ... ": هذا من إطلاقات الأشاعرة؛ فإن من مذهبهم أن كلام الله معنى نفسي واحد قديم، ومعنى ذلك أنه لا تتعلق به المشيئة، ولا بداية لشيء منه؛ فهذا القرآن المسموع المتلو عبارة عن ذلك المعنى النفسي، فإذا قالوا: القرآن قديم، فإنهم يريدون ذلك المعنى. وهذا مذهب باطل؛ لأن مقتضاه أن القرآن المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف ليس كلام الله حقيقة. وهذا خلاف ما عليه أهل السنة من أن القرآن كلام الله حقيقة كيفما تصرف متلوًا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا. والله تكلم به بمشيئته، وكثير منه يتعلق بحوادث في عصر النبوة، فنزل في شأنها القرآن خبرًا وأمرًا كالسور والآيات المتعلقة بالغزوات كبدر وأحد والأحزاب.
وانظر: التعليق (١٨)
стр. 52
٤٩ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٥٠٥:والمراد بالوجه الذات، والعرب تعبر بالأشرف عن الجملة .. ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: إن أراد بذلك التفسير نفي حقيقة الوجه الموصوف بالجلال والإكرام وبالأنوار فهو باطل، وهو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ووافقهم على ذلك متأخرو الأشاعرة، لذلك يتأولون كل ما ورد في الوجه لله ، ومن ذلك قولهم: المراد بالوجه الذات، وهذا هو الجاري على طريقة الحافظ في أكثر المواضع.
وإن أراد بهذا التفسير بيان أن المراد بالكلام إثبات وصف البقاء، وعدم الهلاك للرب سبحانه بذاته وصفاته، لا لخصوص الوجه، فتكون دالة على بقائه سبحانه، وعلى إثبات وجهه، فهذا هو الحق، وهو يستلزم بقاء ما أريد به وجهه، وسياق الآية يرشد إلى هذا المعنى، وذلك في قوله تعالى: "ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه".
стр. 53
٥٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٥٥١ قال: "والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه". حديث (٤٨١١)
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك قوله "والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل .. ": المراد بـ (ـهذه الأشياء): الصفات الخبرية كالإصبع واليد والعين.
وقوله: "الكف عن التأويل": يقال: بل الواجب في جميع صفات الله تعالى الكف عن تأويلها الذي هو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها بغير دليل؛ فإن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه، فما ذهب إليه ابن فورك من تأويل الإصبع هو من ذلك، فهو باطل، بل هو من أقبح التحريف.
وقوله في العبارة: "مع اعتقاد التنزيه": إن أراد بالكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه إثبات هذه الصفات لله تعالى على ما يليق به فهو حق، وإن أراد نفي حقائقها مع تفويض معاني ما ورد في النصوص من ذلك فيكون مراده بهذا القول ترجيح طريقة التفويض على طريقة التأويل، وكلاهما باطل؛ لأن مبناهما على نفي حقائق هذه الصفات، وهو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشاعرة وغيرهم.
وهذا التقدير هو الغالب على طريقة الحافظ والنووي - رحمهما الله - وأهل السنة والجماعة يثبتون الأصابع لله تعالى على ما دل عليه هذا الحديث وأنها من صفة اليد، وقولهم في الأصابع كقولهم في سائر الصفات؛ وهو: الإثبات ونفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
стр. 54
٥١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٥٨٠ قال: " قوله: (فأخذت) كذا للأكثر بحذف مفعول أخذت، وفي رواية ابن السكن: " فأخذت بحقو الرحمن "، وفي رواية الطبري: " بحقوي الرحمن " بالتثنية، قال القابسي: أبى أبو زيد المروزي أن يقرأ لنا هذا الحرف لإشكاله ... وقال عياض: الحقو معقد الإزار، وهو الموضع الذي يستجار به ويحتزم على عادة العرب، لأنه من أحق ما يحامى عنه ويدفع، كما قالوا: نمنعه مما نمنع منه أزرنا، فاستعير ذلك مجازا للرحم من استعاذتها بالله القطيعة. انتهى، وقد يطلق الحقو على الإزار نفسه ..
والمعنى على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة، قال الطيبي: هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية؛ كأنه شبه حال الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذب عنها بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم للمشبه به من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو، فهو استعارة أخرى، والتثنية فيه للتأكيد؛ لأن الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة ". حديث (٤٨٣٠)
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: ومن خير ما يقال في هذا المقام: قول الشافعي رحمه الله تعالى: " آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله".
وقول شيخ الإسلام في نقض التأسيس (٣/ ١٢٧): "هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه".
стр. 55
٥٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٥٩٦ قال: " واختلف في المراد في القدم .. ، وقيل: المراد بالقدم الفرط السابق .. وقيل: المراد بالقدم قدم بعض المخلوقين. أو المراد بالقدم الأخير .. حتى يضع الرب فيها موضعًا .. وأنه يجعل مكان كل واحد منهم واحدا من الكفار بأن يعظم حتى يسد مكانه ومكان الذي خرج، وحينئذ فالقدم سبب للعظم المذكور .. قال: المراد بالقدم قدم إبليس .. يكون المراد بالرجل إن كانت محفوظة الجماعة .... ".على حديث (٤٨٤٨)
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: لم يختلف أهل السنة والجماعة في المراد بالقدم المذكور في الحديث؛ فالقدم عندهم هو قدم الرب سبحانه، والرجل كذلك؛ فالله تعالى موصوف بأن له قدمًا ورجلاً كما جاء في الحديث الصحيح، وكما جاء عن ابن عباس ﵄ في الكرسي أنه موضع قدمي الرب سبحانه. وقول أهل السنة في القدم لله تعالى كقولهم في العينين واليدين والوجه؛ وهو الإثبات لحقائقها اللائقة به سبحانه، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولا يعلم العباد كنهها؛ فمعانيها معلومة وكيفياتها مجهولة. ويقولون في النصوص الواردة فيها: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ ومرادهم الإيمان بها، وبما تدل عليه من إثبات الصفات من غير تفسير لها بما يخالف ظاهرها، وهو التأويل المذموم الذي حقيقته التحريف.
والحافظ عفا الله عنه أكثر من نقل أقوال الشراح في تأويل القدم والرجل، وكلها أقوال مخالفة لظاهر الحديث ولمذهب السلف. ومبناها كلها على أنه ليس لله قدم حقيقة، كما أنه ليس له يدان حقيقة، ولا عينان حقيقة، ولا وجه، وهو مذهب المعطلة من الجهمية ومن تبعهم في تعطيل الصفات كلها أو بعضها، وليت الحافظ رحمه الله تعالى ضرب عن هذه الأقوال صفحًا؛ لأنها مخالفة كلها لظاهر الحديث، والمقصود منها دفع ظاهر الحديث - وهو إثبات القدم لله حقيقة - وهو مستحيل على الله عند النفاة؛ لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه، ولكن الحافظ ذكر أن مذهب السلف هو إمرار الحديث على ظاهره دون التعرض لتأويله.
ويظهر من سياق كلامه ترجيح هذه الطريقة. والغالب أن الحافظ يريد بطريقة السلف: التفويض في معاني النصوص لا إثبات ما تدل عليه من الصفات، فترجيحه لطريقة السلف لا يدل على أنه يثبت القدم لله حقيقة؛ يدل على ذلك قوله: (بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله).
وعند النفاة إثبات كل هذه الصفات نقص، فإضافتها إلى الله تعالى في هذه النصوص يوهم النقص عندهم، فيوجبون نفي ظاهرها، ثم يوجبون فيها:
إما التفويض، وإما التأويل مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهو مخالف لمذهب السلف كما أسلفنا.
стр. 56
٥٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٦٣٢ - ٦٣٣: قال: "قال الخطابي": إطلاق العجب على الله محال، ومعناه الرضا؛ فكأنه قال: إن ذلك الصنيع حل من الرضا عند الله حلول العجب عندكم، قال: وقد يكون المراد بالعجب هنا أن الله يعجب ملائكته من صنيعهما لندور ما وقع منهما في العادة، قال: وقال أبو عبد الله: معنى الضحك هنا الرحمة.
قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري.
قال الخطابي: وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة؛ لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا؛ فإنهم يوصفون بالبشر عند السؤال ... ". على حديث رقم ٤٨٨٩
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: القول في العجب والرضا والضحك كالقول في سائر الصفات، والواجب إثباتها لله حقيقة على ما يليق به سبحانه.
وقول الخطابي: "إطلاق العجب على الله محال" يقتضي نفي صفة العجب عن الله تعالى، وصفة العجب ثابتة في الكتاب والسنة كما قال تعالى: " بل عجبتُ " بضم التاء على إحدى القراءتين، ومن السنة هذا الحديث، والعجب المثبت لله تعالى ليس كعجب المخلوق الذي منشأه أحيانا خفاء السبب؛ كما قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهذا النوع من العجب ممتنع على الله تعالى؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولكن العجب من الله تعالى يدل على عظم الشيء وتميزه على أمثاله فيما يوجب مدحًا أو ذمًا.
وانظر التعليق (٢١) و (٢٥).
стр. 57
٥٤ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٦٦٤: قال: " لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء ".
حديث رقم ٤٩١٩
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: لفظ الأعضاء والجوارح من الألفاظ المحدثة في صفات الله تعالى، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة إطلاق نفيها ولا إثباتها، ونفيها من الألفاظ المجملة؛ فمن أراد بذلك نفي التجزؤ عن الله تعالى فهو حق، ولكن اللفظ محدث، ومن أراد نفي حقيقة اليدين والعينين والساق والقدم فهو مبطل، وهذه الصفات لله تعالى لا يقال لها أعضاء ولا جوارح؛ لما في هذا اللفظ من الاحتمال الذي يتوصل به المعطل إلى مراده.
وقوله في هذا الحديث: "يكشف ربنا عن ساقه" نص في إثبات الساق لله تعالى، والقول فيه كالقول في سائر صفاته تعالى، والآية وإن لم تكن نصا في إثبات صفة الساق لأنها جاءت بلفظ التنكير فالحديث مفسر لها.
وإن صح أن يُختلف في دلالة الآية، فلا يصح أن يختلف في دلالة الحديث. وتأويل الساق في الحديث بالقدرة هو من سبيل أهل التأويل من النفاة لتلك الصفات، وهم بهذا التأويل يجمعون بين التعطيل والتحريف. وأهل السنة يمرون هذه الصفات على ظاهرها مؤمنين بما دلت عليه، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته سبحانه بصفات خلقه.
стр. 58
٥٥ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٨/ ٧٠٣: قال: "وإسناد الاطمئنان إلى الله من مجاز المشاكلة، والمراد به لازمه من إيصال الخير ونحو ذلك ... ".
وذلك في كلامه في كتاب التفسير، سورة والفجر، باب ٨٩.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: يقال: إسناد الاطمئنان إلى الله تعالى هو من لفظ الحسن البصري رحمه الله تعالى، والبخاري رحمه الله تعالى مقرر له، وخير ما يحمل عليه هذا اللفظ ما جاء في الحديث الصحيح: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"؛ وذلك عند الموت كما بينه النبي ﷺ في جوابه لعائشة ﵂، وعلى هذا فلا وجه لدعوى المجاز.
стр. 59
٥٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٩/ ٦٩: قال: " وقال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين أن المستمتع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء ... ".
حديث رقم ٥٠٢٣
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: الأذن في معناه ثلاثة وجوه: منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ لأنه صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل، ومنها ما لا يصح الجزم بإثباته ولا نفيه.
فالأول: هو الاستماع؛ وهو ثابت بالقرآن لقوله تعالى: "إنّا معكم مستمعون" وهذا هو الصواب في تفسير الأذن؛ فمعنى: "ما أذن الله " أي: ما استمع.
والثاني: تفسير الأذَن بإكرام القارئ؛ فإنه يتضمن نفي حقيقة الاستماع إلى الله ، مع مخالفته لمعنى الأذن في اللغة.
والثالث: تفسير الأذَن بالإصغاء بالأذُن؛ فإن الأذُن لم يقم دليل على إثباتها ولا نفيها، فيجب الإمساك عن إضافتها إلى الله تعالى نفيًا وإثباتًا.
واقتصار القرطبي - والحافظ تبعًا له - على ذكر الثاني والثالث مع الجزم بإثبات الثاني ونفي الثالث غلط ظاهر، ولعل الحامل لهما على ذلك نفيهما للصفات الفعلية كما هو مذهب الأشاعرة؛ فإن الاستماع وفي معناه الأذن من الصفات الفعلية.
стр. 60
٥٧ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ٩/ ٣٢٠: قال: " قال عياض: ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل الحمية والأنفة، وهو تفسير بلازم التغير فيرجع إلى الغضب، وقد نسب إلى نفسه في كتابه الغضب والرضا.
وقال ابن العربي: التغير محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله بلازمه، كالوعيد أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك".
وذلك في كلامه على كتاب النكاح، باب ١٠٧.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: دل حديث ابن مسعود على إثبات صفة الغيرة لله تعالى، وأن غيرته أكمل وأعظم من غيرة كل أحد، فيجب أن يكون القول فيها كالقول في سائر الصفات؛ وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار حقيقة، وأن غيرته ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة الله تليق به سبحانه. ويدل على أن الغيرة من الله حقيقة قوله ﷺ في حديث سعد المذكور مع ترجمة الباب: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" والغيرة في مثل هذا السياق تتضمن الغضب لانتهاك الحرمة.
والله سبحانه يبغض ما حرم، ويغضب إذا انتهكت حرماته، وقول عياض: "ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك" هو من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة، والحامل عليه الحذر من إضافة التغير إلى الله تعالى الذي يُشعِر به لفظ الغيرة، وهو ممتنع عنده وعند ابن العربي؛ ولهذا قال فيما نقله الحافظ ابن حجر: "التغير محال على الله بالدلالة القطعية". والحق أن التغير من الألفاظ المجملة المبتدعة في باب صفات الله تعالى؛ إذ لم يرد إطلاقه على الله تعالى نفيًا ولا إثباتًا، والواجب في مثل هذا التفصيل والاستفصال؛ فمن أراد بالإثبات أو النفي حقاً قُبل، وإن أراد باطلا رد؛ فالتغير إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص فهو ممتنع على الله ؛ لأنه منزه عن النقص أزلا وأبداً، وإن أريد به التغير في أفعاله تبعاً لمشيئته وحكمته - مثل أنه يحب ويبغض، ويغضب ويرضى - فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيراً في ذاته ممنوع وباطل، والأسماء لا تغير الحقائق، والمعول في الأحكام على الحقائق والمعاني لا على الألفاظ والعبارات.
стр. 61
٥٨ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ١٠/ ١٠٠: قال: "والتبرك بآثار الصالحين .... ".
حديث رقم ٥٦٣٧
ــ التعليق ــ
ينظر التعليق رقم (١٩ و ٣٦ و ٥٩) وتعليق الشيخ ابن باز في هامش الفتح ١/ ٣٢٧
стр. 62
٥٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: ١٠/ ١٩٨: قال: " ... وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه، وخصوصا اليد اليمنى". حديث ٥٧٣٥
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: تقدم في مواضع أن ما جعل الله في بدنه ﷺ وآثاره من البركة، وما يتعلق بذلك من التبرك به هو من خصائصه، فلا يقاس عليه غيره من الصالحين مهما بلغ صلاحًا وتقوى؛ يدل على ذلك أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يفعلون مع أبي بكر الصديق ﵁ وغيره من الصحابة والقرابة ما كانوا يفعلونه مع النبي ﷺ من التبرك بآثاره المباركة.
وقول الحافظ: "وخصوصا اليد اليمنى" بأن المسح منه ? كان باليد اليمنى خاصة، وليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا.
стр. 63
٦٠ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٢٠٧) على حديث رقم ٥٧٤٢
" قوله " أنت الشافي " يؤخذ منه جواز تسمية الله بما ليس في القرآن بشرطين: أحدهما: ألا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا، والثاني: أن يكون له أصل في القرآن. وهذا من ذاك، فإن في القرآن " وإذا مرضت فهو يشفين ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: يريد ﵀ أن أسماء الله تثبت بالسنة كما تثبت بالقرآن، وهذا حق، ولكن لا وجه للشرطين الذين ذكرهما؛ فكل ما سمى الرسول ?به ربه وجب أن نؤمن به ونثبته، ونسمي الله به ولو لم يكن للفظه أصل في القرآن؛ كالجميل والرفيق. وتوهم النقص لا يصلح أن يكون ضابطًا في ما ينفى عن الله تعالى؛ فقد يتوهم بعض الناس ما ليس بنقص نقصًا لقصور في إدراكه، أو لمذهب باطل بنى اعتقاده عليه.
стр. 64
٦١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٢٣٣) على حديث رقم ٥٧٦٥: وأخرجه الطبري في التهذيب من طريق يزيد بن زريع، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب" أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح" .. الخ
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: تمسك بعض الناس بقول سعيد هذا: حل السحر بسحر مثله؛ وذلك بذهاب المسحور إلى ساحر يحل السحر عنه.
وقول سعيد ﵀ تعالى ليس صريحا في هذا، بل هو مجمل؛ فإن النشرة، وهي حل السحر عن المسحور، نوعان كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
الأول: حل بسحر مثله، وعليه يحمل قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر؛ فيتقرَّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، وهذا النوع من النشرة حرام، وهي من عمل الشيطان كما في الحديث.
والثاني: حل السحر بالأدعية والتعويذات والأدوية المباحة؛ فهذا جائز بلا خلاف، وينبغي أن يحمل قول سعيد على هذا النوع. ومما يدل على تحريم الذهاب إلى الساحر لحل السحر قوله ?: "من أتى كاهنا أو عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ?" [رواه الإمام أحمد، والأربعة]، والساحر من جنس الكاهن والعراف.
стр. 65
٦٢ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٢٥٨) على حديث رقم ٥٧٨٨
"قوله: (لا ينظر الله) أي لا يرحمه؛ فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة .. الخ
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: النظر إلى الشيء يدل في اللغة على مجرد الرؤية عن إرادة، وقد يدل مع ذلك على العناية والمحبة والإكرام. وقد جاء مضافًا إلى الله تعالى على الوجه الأول في سياق الإثبات كما في قوله ﷺ : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب".
ويشبه هذا النوع قوله سبحانه: "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" [يونس ١٤]، كما يوضح ذلك قوله تعالى: "فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" [التوبة ١٠٥].
وجاء مضافًا إلى الله تعالى على الوجه الثاني في سياق النفي؛ كما في قوله تعالى: "ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم" [آل عمران ٧٧]، وفي السنة من هذا النوع كثير، ومن ذلك هذا الحديث، ويشبه هذا النوع قوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
والواجب في ذلك كله: إثباته لله تعالى على ما يليق به كسائر صفاته؛ كعلمه وسمعه وبصره وإرادته وحياته، وكل صفاته؛ فهو تعالى ينظر إلى ما شاء ومن شاء كيف شاء.
وما ذكره الحافظ أو نقله عن الشراح في معنى النظر من الله كله من التأويل الباطل الذي حقيقته صرف الكلام عن ظاهره بغير حجة، والحامل لهم على ذلك أن من مذهبهم نفي حقيقة العينين عن الله تعالى، ونفي الأفعال الاختيارية التابعة لمشيئته ومنها النظر.
ومما تقدم يتبين أن معنى ﷺ : "لا ينظر الله" أي نظر محبة وإكرام. وقريب من هذا ما جعله الحافظ احتمالا، وهو أقرب إلى الصواب؛ حيث قال: "ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة"، والله أعلم.
стр. 66
٦٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٣٣٠) على حديث رقم ٥٨٧٩ "وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها".
ــ التعليق ــ
تقدم في مواضع التنبيه على أن مثل هذا من خصائصه ﷺ .
التعليق رقم (١٩) و (٣٦) و (٥٩)
стр. 67
٦٤ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٣٩٤) على حديث رقم ٥٩٦٣
" واستدل به على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، للحوق الوعيد بمن تشبه بالخالق ... ". واستدل به على جواز التكليف بما لا يطاق. والجواب ما تقدم، وأيضا فنفخ الروح في الجماد قد ورد معجزة للنبي ﷺ ؛ فهو يمكن وإن كان في وقوعه خرق عادة، والحق أنه خطاب تعجيز لا تكليف كما تقدم والله أعلم ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "واستدل به على جواز التكليف بما لا يطاق": في هذا الاستدلال نظر؛ فإن الأمر بنفخ الروح المذكور في الحديث أمر تعجيز لا تكليف كما ذكر الحافظ ﵀، وهو كما قال. وما لا يطاق قد يراد به: الممتنع لذاته؛ كالجمع بين النقيضين والضدين، فهذا لا يجوز التكليف به؛ لأنه لا يتصور.
وقد يراد به: الممتنع لغيره، وإن كان في ذاته ممكنا؛ كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، واعتبار هذا مما لا يطاق هو مذهب الجبرية. وقد يراد به: ما يشق مشقة عظيمة فوق الوسع؛ فالتكليف بهذين جائز وواقع كما قال تعالى: "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به .... الآية" [البقرة ٢٨٦].
وقد يراد بما لا يطاق: ما لا قدرة للعبد عليه أصلا؛ كالمشي من المقعد، والكتابة من أقطع اليد، وهذا جائز عقلاً غير واقع شرعًا.
стр. 68
٦٥ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٤١٧) على حديث رقم ٥٩٨٧
"إن المراد بالحجزة هنا قائمة العرش .... ".
ــ التعليق ــ
انظر التعليق رقم (٥١).
стр. 69
٦٦ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٤١٨) على حديث رقم ٥٩٨٧
"قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال، وهو القرب منه، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه، وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده.
قال: وكذا القول في القطع هو كناية عن حرمان الإحسان ... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله تعالى: "أن أصل من وصلك .. " الوصل من الله لمن يصل رحمه يدل على أن الجزاء من جنس العمل، وهذه سنة الله في جزائه ثوابًا وعقابًا. والوصل من الله تعالى يكون بما شاء مما يدخل في معنى الوصل اللائق به سبحانه، وكلها تدخل في الإحسان، وهو سبحانه يحسن إلى المحسنين بمحبته وتقربه، وبأنواع المنافع والمحبوبات؛ قال تعالى: "وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" [البقرة ١٩٥]، وقال في الحديث القدسي: "ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا"، وقال تعالى: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" [الرحمن ٦٠].
وقصر معنى الوصل من الله تعالى على بعض أنواعه تقييد وتخصيص بغير حجة.
وقول ابن أبي جمرة: "الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه ... إلخ" هذا كلام متناقض؛ فقد أثبت أن الوصل كناية عن الإحسان، ونفى أن يكون منه قرب الله من عبده، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه. وزعم أن ذلك مستحيل في حق الله تعالى، وهذه الأنواع من أعظم أنواع الإحسان التي يكرم الله بها أولياءه كما في حديث الولي؛ يقول الله تعالى: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".
стр. 70
٦٧ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٤٣٢) على حديث رقم ٦٠٠٠
"قلت: وحاصل كلامه أن الرحمة رحمتان، رحمة من صفة الذات وهي لا تتعدد، ورحمة من صفة الفعل وهي المشار إليه هنا .... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان:
١ - رحمة هي صفته؛ وصفاته غير مخلوقة، وإضافتها إلى الله هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى عن نبي الله سليمان ﵇: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" [النمل ١٩]، وقال تعالى: "وربك الغفور ذو الرحمة" [الكهف ٥٨]، وقال تعالى: "الرحمن الرحيم"؛ فهذان الاسمان متضمنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدل على الرحمة الذاتية التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدل على الرحمة الفعلية التابعة لمشيئته ؛ كما قال تعالى: "إن يشأ يرحمكم" [الإسراء ٥٤]، وقال تعالى: "ويرحم من يشاء" [العنكبوت ٢١].
وأهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله تعالى صفة قائمة به سبحانه، والمعطلة ومن تبعهم ينفون حقيقة الرحمة عن الله تعالى - ومنهم الأشاعرة - ويؤولونها بالإرادة أو النعمة.
٢ - والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قوله تعالى: "فانظر إلى آثار رحمة الله" [الروم ٥٠]، وقوله تعالى: "وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون" [آل عمران ١٠٧]، وقوله سبحانه للجنة كما في الحديث القدسي: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء".
والرحمة المذكورة في الحديث هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها الله في مائة جزء. والرحمة
المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته ومقتضاها.
стр. 71
٦٨ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٤٦٢) على حديث رقم ٦٠٤٠
" والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة والميل والرضا عنه .. ، والمراد بمحبة الله إرادة الخير .... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله"والمراد بمحبة الله إرادة الخير .. ": هذا صرف للفظ عن ظاهره بغير حجة صحيحة، وهذا هو التأويل المذموم الذي يسلكه نفاة الصفات، أو بعضهم كالأشاعرة؛ فإن مذهبهم نفي حقيقة المحبة عن الله تعالى زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه. لكن الأشاعرة لما كانوا يثبتون الإرادة لله تعالى صار كثير منهم يَرُدُّ بعض الصفات إليها ويؤولها بها، مع أنه يلزمهم في الإرادة نظير ما فروا منه في المحبة، فلم يستفيدوا بهذا التأويل إلا التناقض والجمع بين التعطيل والتحريف.
والواجب إثبات كل ما أثبته الله تعالى لنفسه وأن الله سبحانه موصوف به حقيقة على الوجه الذي لا يماثل فيه أحدًا من خلقه. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فيمرون النصوص مؤمنين بها، بلا تكييف ولا تمثيل لمعانيها.
стр. 72
٦٩ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١٠/ ٤٨٨) على حديث رقم ٦٠٧٠
"ويدنو المؤمن من ربه أي يقرب منه قرب كرامة، وعلو منزلة".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: يريد بقوله: "قرب كرامة وعلو منزلة" أن دنو المؤمن من ربه المذكور في الحديث دنو معنوي، لا أنه دنو بقرب المكان، بحيث يكون في مكان هو فيه أقرب إلى ربه. والأصل في القرب والدنو قرب المكان، وهذا هو المعنى المتبادر من لفظ الحديث وسياقه.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه بذاته في العلو فوق كل شيء، وأنه سبحانه يقرب من بعض خلقه إذا شاء، كيف شاء، ويدني ويقرب من عباده من شاء، وأن من الملائكة ملائكة مقربين، فهم عنده.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله لا يتأولون شيئا منه على خلاف ظاهره. وأما نفاة العلو القائلون بالحلول من الجهمية ومن وافقهم - ومنهم الأشاعرة - فعندهم أنه تعالى لا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، وأن نسبة جميع المخلوقات إليه نسبة واحدة. لذلك يلجأون إلى تأويل النصوص المخالفة لأصولهم، ومن ذلك دنو المؤمن من ربه أو إدناؤه له؛ فيؤولونه بقرب المكانة والمنزلة. وهذا هو الذي ذكره الحافظ، ومشى عليه في هذا الحديث ونحوه.
стр. 73
٧٠ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١١/ ٣) قال: "والمراد بالصورة: الصفة .... ". على حديث رقم ٦٢٢٧
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: " وقيل: الضمير لله ... ": هذا هو الذي عليه أئمة السنة، ومن مذهبهم إثبات الصورة لله حقيقة، وأنها لا تماثل صورة أحد من المخلوقات.
وانظر التعليق (١٧)
стр. 74
٧١ – قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١١/ ١٠١) على حديث رقم ٦٣٠٧: "وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ ، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية.
وأجيب بعدة أجوبة: منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر، كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضا .... ".
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "والراجح عصمتهم من الصغائر أيضاً": في هذا الترجيح نظر، بل الراجح جواز بل وقوع الصغائر منهم، والسهو والنسيان من باب أولى؛ فهذا آدم ﵇ نسي وعصى، فقال تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما" [طه ١١٥]، وقال تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" [طه ١٢١]، وهذا نوح ﵇ سأله ربه ما ليس له أن يسأله كما قال تعالى: "فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال ربي إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين" [هود ٤٦،٤٧]، وهذا موسى ﵇ قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها فندم وقال: "رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم" [القصص ١٦].
وإن كان هذا قبل الإرسال فهو وارد على القائلين بالعصمة مطلقًا، وقد عاتب الله نبيه في مواضع من القرآن فقال: "عفا الله عنك لم أذنت لهم" [التوبة ٤٣]، وقال: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" [الأنفال ٦٧]، وقال: "عبس وتولى" [عبس ١].
والمقطوع به أنهم صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، ومن الإقرار على شيء من الذنوب أو الخطأ، ومعصومون من الذنوب التي تنفر عن دعوتهم. والمقتضي للاستغفار أعم من أن يكون ذنبًا، بل قد يكون تقصيرًا عما يطلب من الكمال، وقد يكون شعورًا بالتقصير وإن لم يكن، وهذا من الكمال، وبهذا يتحقق لهم كمال العبودية في سائر مقامات الدين والله أعلم.
стр. 75
٧٢ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: (١١/ ١٠٦): " .. وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه". على حديث رقم ٦٣٠٨
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله: "وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه ... " إلى آخر ما ذكره وأورده من النقول في تأويل الفرح: كل ما ذكره الحافظ ونقله في هذا الموضع جار على مذهب النفاة، وأهل التأويل منهم، وفي هذا كله صرف للفظ (الفرح) عن ظاهره؛ فمن المعلوم أن الفرح غير الرضا، والرضا غير المحبة، وكلها غير الإرادة؛ فإن الفرح ضده الحزن، والرضا ضده السخط، والمحبة ضدها البغض، وكل هذه الصفات التي وردت في النصوص إضافتها إلى الله تعالى تنفيها الأشاعرة، وأهل التأويل منهم يفسرونها بالإرادة.
وأهل السنة والجماعة لا يفرقون بين الصفات الواردة في الكتاب والسنة، بل يثبتونها لله على ما يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل، ويردون على الأشاعرة بأن حكم الصفات واحد، والتفريق بينها تفريق بين المتماثلات، ولهذا يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فيما نفوه.
* وقول ابن العربي: "كل صفة تقتضي التغير لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها"
تقدم التعليق عليه، وبيان ما يحتمله لفظ التغير. انظر: التعليق (٥٧).
следующие страницы →