بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فقد أذنت للشيخ عبد الرحمن بن صالح بن عبد الله السديس بإخراج ونشر ما أعده من شرحي العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والذي ألقيته في الدورة العلمية المقامة في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية في الرياض عام ١٤١٤ هـ.
نفع الله بجهود الشيخ عبد الرحمن السديس، وبارك فيه على ما قام به من عناية بالعقيدة الواسطية وشرحها.
قال ذلك وأملاه
عبد الرحمن بن ناصر البراك
[ختم]
стр. 2
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين.
أما بعد:
فهذه الطبعة الرابعة لهذا الكتاب قد صُحِّحَ ما وُجِدَ فيه من أغلاط وأُضيف للكتاب بعض الإضافات والتعديلات اليسيرة.
وقد أُعيد صفُّه من جديد، بإشراف مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك؛ فأصبح بحلَّة أجمل مما كان.
ويسرني أن أشكر كل من أرسل لي بملحوظة أو نبَّهني على غلط.
كما يسرني أن أشكر من ساهم في خفض قيمة الكتاب في طبعته الأولى والثانية، وأسأل الله أن يبارك في أموالهم وأن يخلفهم خيرًا.
كتبه
عبد الرحمن بن صالح السديس
assdais@gmail.com
١٩/ ١١/ ١٤٤٢ ه
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والصلاة والسلام على محمدٍ عبدِ الله ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا أما بعد:
فإن من نعم الله على هذه الأمة المرحومة أن هيَّأ لها بعد نبيها ﷺ أئمة ربانيين، قاموا بأمر الله خير قيام، فنصر الله بهم السنة، وقمع بهم البدعة، وجعلهم أئمة يُهتدى بهديهم، ويقتدى برأيهم؛ ومن هؤلاء الأئمة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، الذي أمضى عمره في الدعوة إلى الله، وتقرير العقيدة السلفية، ومحاربة البدع والضلالات، وكتب في ذلك كتبًا كثيرة، كان من أصغرها حجمًا، وأكثرها نفعًا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة «العقيدة الواسطية»، التي وقعت عند العلماء موقعًا حسنًا، فعنوا بها حفظًا، ودرسًا، وكتبت عليها شروح كثيرة؛ كشرح الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ فيصل آل مبارك، والشيخ محمد خليل هراس، والشيخ عبد العزيز الرشيد، والشيخ زيد الفياض، والشيخ عبد العزيز السلمان، والشيخ محمد العثيمين، والشيخ عبد الله الجبرين، والشيخ صالح الفوزان (١) وغيرِهم ﵏.
_________
(١) هذه الشروح كلها مطبوعة.
стр. 4
وكان ممن شرحها للطلاب في مجالس علمية فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله - وكان من ذلك شرحه لها في جامع شيخ الإسلام ابن تيمية بحي سلطانة في مدينة الرياض في صيف عام ١٤١٤ هـ ضمن الدورة العلمية المكثفة، وهذا الشرح مسجل متداول، وقد قام الإخوة الكرام القائمون على الجامع بتفريغ هذا الشرح، وكتابته، وإدخاله في موقع الجامع على الشبكة العنكبوتية، وعنه انتشر في كثير من المواقع. وهذه النسخة المتداولة في الشبكة لم تُقرَأ على الشيخ، ووقع فيها سقط، وغلط كثير، وخلت من أي عناية.
فعرضت على الشيخ - حفظه الله - فكرة العناية بهذا الشرح، وتهيئته للطباعة؛ فوافق على ذلك مشكورًا.
فاستعنت بالله على إخراجه، وسار العمل في إخراج هذا الشرح على ما يلي:
١ - كتابة الشرح المسموع، ثم مقابلة المسموع بالمكتوب للتأكد من عدم وجود غلط، أو سقط.
٢ - تهيئته، وتنسيقه ليتناسب مع الطباعة.
٣ - قراءة الشرح كاملًا على الشيخ - حفظه الله - لإضافة، أو حذف، أو تعديل، أو استدراك ما يراه مناسبًا.
٤ - اعتمدت في إثبات متن «العقيدة الواسطية» على نسختين خطيتين، والمطبوع ضمن مجموع الفتاوى بعناية الشيخ ابن قاسم ﵀.
стр. 5
٥ - عزوت الآيات إلى مواضعها من كتاب الله، وأثبتها على رواية حفص عن عاصم.
٦ - خرَّجت جميع الأحاديث، والآثار الواردة في المتن، أو الشرح.
والطريقة في ذلك ما يلي:
أ - إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما اقتصرت في العزو عليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظ المذكور لغيرهما.
ب - إذا كان الحديث في غير الصحيحين خرَّجته من أهمِّ المصادر، ونقلت ما تيسر من كلام أهل العلم عليه تصحيحًا، أو تضعيفًا باختصار لئلَّا يطول الكلام، وفي بعض المواضع أحلت إلى بعض المراجع لمن أراد التوسع، والزيادة.
ج - إذا كان الحديث في المصدر في عدة مواضع، فإني اقتصر على أحدها غالبًا.
٧ - وثَّقت جميع النقول الواردة، وأحلت في بعض المسائل إلى كتب الأئمة للتوثيق، وزيادة الفائدة.
٨ - ترجمت للأعلام غير المشهورين، وعرَّفت بالبلدان والمواضع.
٩ - وضعت عناوين في بداية المقاطع المشروحة من المتن وسط إطار للتوضيح.
١٠ - وضعت فهرسًا للأحاديث، وقائمة بالمراجع التي عزوت لها في الحاشية، وفهرسًا شاملًا لمسائل الكتاب، وفهرسًا إجماليًّا لموضوعات الكتاب.
стр. 6
معلومات النسخة الخطية
اجتمع عندي مجموعة من النسخ الخطية لكن أكثرها متأخِّرة فرأيت الاكتفاء في إثبات المتن على نسختين منها، والمطبوع ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام بعناية الشيخ ابن قاسم؛ لأن المتن الذي قُرِئَ على الشيخ وشَرَحَه مقارب له جدًّا.
وهذا بيان لمعلومات المخطوطتين:
المخطوطة الأولى: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق ضمن مجاميع المدرسة العمرية، برقم (٩١) الرسالة الرابعة، وهي في مكتبة الأسد برقم (٣٨٢٧)، تبدأ صفحاتها بعد العنوان من (٢٤ - ٣٥) فعدد الأوراق (١٢) ورقة، في كل ورقة صفحتان إلا خمس ورقات ليس بها إلا صفحة.
وعدد الأسطر في كل صفحة ما بين (٢٢ - ٢٣) إلا الأخيرة، ففيها (١٣) سطرًا، وكاتبها هو: محمد بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الرحمن، وكتبها عام (٧٣٦) هـ.
وهي نسخة نفيسة، من أقدم النسخ، وقد جعلتها أصلًا، ورمزت لها برمز (ظ).
المخطوطة الثانية: محفوظة في مكتبة برلين بألمانيا برقم (١٩٩٤)، وصورتها في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
стр. 7
بالرياض ضمن مجموع برقم (١٠٩٥ - ف) في (١١) ورقة، في كل ورقة صفحتان، وعدد الأسطر (٢٣) سطرًا عدا الأولى والأخيرة، ولم أجد اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، ورمزت لها برمز (ب).
طريقة العمل في إثبات النص:
جعلت نسخة المكتبة الظاهرية أصلًا، ووضعت أرقام صفحات المخطوط في المتن بين معكوفين [] لتسهيل الرجوع إليه، لكن إن جاء وسط آية جعلته قبلها أو بعدها، وذكرت فروق نسخة برلين إذا كان ثمَّ فائدة، أو اختلاف في المعنى، وربما أثبت بعض الألفاظ منها لأنها أحسن في السياق مع التنبيه على ذلك، وأعرضت عن ذكر الفروق غير المؤثِّرة، والأغلاط في الآيات؛ لئلَّا تشوِّش على القارئ، وتأخذ من وقته بلا فائدة.
أضفت من النسخة المطبوعة المواضع التي شرحها الشيخ، وليست في المخطوط، والمواضع التي فيها زيادة فائدة، وجعلت ذلك بين معكوفين [] ونبَّهت على ذلك في الحاشية.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبه
صالح بن عبد الرحمن بن عبد الله السديس
الرياض assdais@gmail.com
стр. 8
الورقة الأولى من نسخة (ظ)
стр. 9
الورقة الأخيرة من نسخة (ظ)
стр. 10
الورقة الأولى من نسخة (ب)
стр. 11
الورقة الأخيرة من نسخة (ب)
стр. 12
ترجمة الشارح
الشيخ عبد الرحمن البراك
اسمه ونسبه:
عبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العرينات من قبيلة سبيع.
ميلاده ونشأته:
ولد الشيخ في بلدة «البكيرية» من منطقة «القصيم» في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ.
وتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية.
ولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى «مكة»، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك.
وفي «مكة» التحق الشيخ بالمدرسة «الرحمانية»، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدَّر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره.
طلبه للعلم ومشايخه:
عاد من «مكة» إلى «البكيرية» مع أسرته، فشرع في حفظ القرآن على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم على الشيخ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا.
стр. 13
وفي حدود عام ١٣٦٤ - ١٣٦٥ هـ بدأ في حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل ﵀ جملة من كتاب «التوحيد»، و «الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل ﵀ «الأصول الثلاثة».
ثم سافر إلى «مكة» مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في «مكة» على إمام المسجد الحرام الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي ﵀ في «الآجرومية».
وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، وهو الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح مديرًا للمدرسة «العزيزية» في بلدة «الدلم» أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيًا في بلدة «الدلم»، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة «العزيزية» بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد «التجويد» الأساسية.
وفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة «العزيزية»، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ ابن باز، ولازم دروسه المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه ﵀ في «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «عمدة الأحكام»،
стр. 14
و «بلوغ المرام»، و «مسند أحمد»، و «تفسير ابن كثير»، و «الرحبية»، و «الآجرومية».
ومكث في «الدلم» في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيمًا معه في بيته، ودَرَس عليه علم «العَروض».
وحفظ في «الدلم»: «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «الآجرومية»، و «قطر الندى»، و «الرحبية»، وقدرًا من «ألفية ابن مالك» في النحو، و «ألفية العراقي» في علوم الحديث.
وبقي في «الدلم» إلى أواخر عام ١٣٧٠ هـ، وكانت إقامته هناك لها أثر كبير في حياته العلمية.
ولما فتح «المعهد العلمي» في الرياض في محرم ١٣٧١ هـ التحق الشيخ به في القسم الثانوي، وكانت مدة الدراسة الثانوية أربع سنوات، فتخرج فيه عام ١٣٧٤ هـ، ثم التحق ب «كلية الشريعة» بالرياض، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ.
ودرس في المعهد، والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم:
العلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ودرسهم في «المعهد» «التفسير»، و «أصول الفقه»، والعلامة عبد الرزاق عفيفي، ودرسهم «التوحيد»، و «النحو»، و «أصول الفقه»، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وعبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان في النحو، وغيرهم، ﵏ جميعًا.
стр. 15
وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.
وأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا بدءًا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم الشيخ صالح العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم «اللغة» من «نحو»، و «صرف»، و «عَروض».
الأعمال التي تولاها:
عُيِّن الشيخ مدرسًا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض سنة ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت «كلية أصول الدين» عام ١٣٩٦ هـ نقل إليها في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، وتولى تدريس العقيدة في الكُليتين إلى أن تقاعد عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية.
وبعد التقاعد رغبت «الكلية» التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارًا؛ فتمنَّع، ورضي منه شيخه أن ينيبه في «رئاسة الإفتاء» في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة «الطائف»، فأجاب الشيخ حياءً؛ إذ تولى العمل مرتين، ثم تركه.
стр. 16
وبعد وفاة العلامة ابن باز ﵀ طلب منه المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضو إفتاء، وألح عليه في ذلك؛ فامتنع، وآثر التفرغ للدعوة والتعليم.
جهوده في نشر العلم:
جلس الشيخ للتعليم في «مسجد الخليفي» بحي الفاروق مع توليه لإمامته، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث والمصطلح، والنحو، والعقيدة، وغيرها، كما أن له دروسًا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس في مساجد أخرى في «مدينة الرياض».
وله كذلك مشاركات متعددة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، كما ألقى عدة دروس عبر الهاتف لطلاب العلم في «اليمن»، و «بريطانيا»، و «أوكرانيا»، وغيرها، إضافة لإلقائه كثيرًا من المحاضرات في موضوعات متنوعة، وكذا الكلمات الدعوية في مختلف المناسبات، كما تُعرَض على الشيخ بعض الأسئلة من عدد من المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، ويجيب عليها.
طلابه:
بدأ الشيخ في تعليم العلم قبل نصف قرن تقريبًا، ودرس عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، ومنهم أكثر أساتذة جامعاتنا الشرعية، وقضاة المحاكم، والدعاة المعروفين، وبعد أن يسَّر الله جملة من الوسائل الحديثة؛ ك «الشبكة العالمية»، تمكن كثير من طلاب العلم
стр. 17
في خارج بلادنا من متابعة دروس الشيخ مباشرة عن طريق الشبكة العنكبوتية.
احتسابه:
وللشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤولين والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، وتحذير الناس من البدع وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى ومقالات كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين.
اهتمامه بأمور المسلمين:
للشيخ - حفظه الله - اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع أخبارهم ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم.
إنتاجه العلمي:
انصرف الشيخ عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سُجل بعضها وما لم يسجل أكثر، ودروسه قائمة اليوم كما كانت سابقًا.
وقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و «جواب في الإيمان ونواقضه»، و «موقف المسلم من الخلاف»،
стр. 18
و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري لابن حجر»، و «توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» وهو كتابنا هذا، و «شرح العقيدة الطحاوية»، و «توضيح المقصود بنظم ابن أبي داود»، و «الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية»، «والتعليق على القواعد المثلى»، و «شرح القصيدة الدالية»، و «شرح القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام، وكشف الشبهات»، و «إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد»، و «التوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و «التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي»، و «التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين: الفاتحة والبقرة»، و «العدة في فوائد أحاديث العمدة»، و «الجامع لفوائد بلوغ المرام»، و «توضيح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و «شرح كلمة الإخلاص»، و «أحكام وفوائد جزء الذريات»، و «أحكام وفوائد جزء عم»، و «أحكام وفوائد جزء تبارك»، و «أحكام وفوائد جزء قد سمع»، وهناك كتب أخرى في طريقها إلى الطبع إن شاء الله.
وفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره لي ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على طاعته، وينفع بعلمه المسلمين، إنه سميع مجيب.
* * * *
стр. 19
مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة
[٢٤/ ١] بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كُلِّه، وكفى باللَّه شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه (٢) وسلم تسليمًا مزيدًا.
اعتقاد (٣) الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
стр. 20
«الحمد لله»: هذه افتتاحية «العقيدة الواسطية» من تأليف الإمام الكبير الشهير بعلمه وجهاده وإحيائه للسنن ومحاربته للبدع: الإمام المعروف أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ﵀ (١).
وهذا الكتاب الموسوم ب «العقيدة الواسطية» نسبةً إلى من طلب من الشيخ كتابتها، وهو رجل من أهل العلم (٢) في نواحي «واسط» بلد معروف في «العراق» (٣)، فعُرِفت ب «العقيدة الواسطية».
ولا مشاحَّة في التسمية؛ فالمقصود التمييز، كما أن لشيخ الإسلام مؤلَّفات كثيرة في مسائل الاعتقاد، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن معظم مؤلفات شيخ الإسلام في مسائل الاعتقاد.
فقد ألَّف في مسائل الاعتقاد مؤلَّفات مطوَّلة ومختصرة، ومعظمها ألَّفها إجابة للسائلين، فهو لا يكاد يبتدئ التأليف ابتداءً، بل جُلُّ مؤلَّفاته إجابة لمسائل، وردود على المخالفين، ومن أمتع وأفضل ما ألَّف في
стр. 21
الاعتقاد هذه العقيدة: «العقيدة الواسطية» التي ذكر أنه كتبها، وهو قاعد بعد العصر في مجلس واحد (١).
وقد نُوظِر في شأنها وجُودِل؛ لأنه قرَّر فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين وأئمَّة الدِّين، ومن سلك سبيلهم.
وهذا يخالف ما عليه جمهور الناس فقد دخلت عليهم المذاهب المبتدعة؛ فلذلك ينكرون ويستنكرون ما يخالف ما هم عليه.
وقد أبان ﵀ في المناظرة التي كتبها (٢) أنه إنما يقرِّر في هذا الاعتقاد ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وما درج عليه أهل القرون المفضَّلة من الصحابة والتابعين، وأنه في هذه العقيدة يتحرَّى الألفاظ الشرعية.
وهذه العقيدة متميِّزة على سائر ما ألَّفه ﵀ فكثير من مؤلَّفاته في مسائل الاعتقاد مشتمل على ذكر شبهات المفترين، ومناقشتها مناقشةً عقليةً وشرعيةً، كما هو ظاهر في «الرسالة التدمرية».
أما «العقيدة الواسطية» فإنها خالصة، فيها تقرير لمعتقَد أهل السنة والجماعة وبيان أصولهم، مع التدليل على ذلك من القرآن والسنة، من غير تعرُّض لشبهات المخالفين؛ فلذلك كانت هذه العقيدة جديرة بالحفظ.
وقد عرض فيها ﵀ لأكثر المسائل التي وقع فيها الافتراق، والتي خالف فيها أهل السنة سائر فرق الأمة.
стр. 22
يقول ﵀ في خطبة هذه العقيدة:
«الحمد لله الَّذِي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدِّين كله وكفى بالله شهيدًا»: هذا الثناء مقتبس من القرآن كما في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح].
والهدى هو: العلم النافع، ودين الحق هو: العمل الصالح، وهذا جماع رسالة محمد ﷺ .
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾: كفى به مطَّلعًا على عباده، وأحوالهم الظاهرة والباطنة.
وفي هذا إشارة إلى دليل من أدلَّة صدق الرسول ﷺ ؛ فإن الإيمان باطِّلاعه تعالى على أحوال الخلق يستلزم الإيمان بصدق محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد (٥٣)﴾ [فصلت].
فكفى دليلًا على صدق الرسول ﷺ ، وصدق ما جاء به من القرآن والحكمة، أنه تعالى على كل شيء شهيد: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح].
«وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا»:
هذه كلمة التوحيد المركَّبة من نفي وإثبات، من نفي إلهيَّة ما سوى الله، وإثبات الإلهيَّة له تعالى وحده.
стр. 23
«وأشهد أن لا إله إلا الله وحده»: ف «وحده» هذه حال مؤكِّدة لمدلول الإثبات «إلا الله».
«لا شريك له»: هذه أيضًا جملة مؤكِّدة لمدلول النفي «لا إله».
«إقرارًا به وتوحيدًا»: وهذا تأكيد بعد توكيد: إقرارًا به وتوحيدًا له في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.
«وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»: وهكذا يجب أن يشهد الإنسان للنبي ﷺ بأنه عبد الله ورسوله، يجب أن يجمع في الشهادة للرسول ﷺ بأنه عبد عابد لله مربوب مدبَّر، ليس بإله، وليس له شيء من خصائص الإلهيَّة، بل رسول من عند الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وهذا هو الصراط المستقيم فيما يجب اعتقاده في الرسول ﷺ فإن الناس فيه ﷺ طرفان ووسط، فمن الناس من فرَّط في حقه؛ فكذَّبه، أو قصَّر في اتِّباعه.
ومنهم من غلا فيه، ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، وهذا ما حذَّر منه ﷺ في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١).
يعني: لا تبالغوا في مدحي ولا تغلوا فيَّ.
стр. 24
«وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ »: كما في التشهد (١)، «صلى الله عليه»: وهذه صفة صلاتنا عليه: أن نسأل الله أن يصلي عليه، كما قال ﷺ لما قال له الصحابة: «كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» الحديثَ (٢).
فصلاتنا على الرسول ﷺ هي: دعاؤنا، وسؤالنا الله بأن يصلي عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].
وأحسن ما قيل في هذا المقام: إن الصلاة من الله ثناؤه على عبده عند الملائكة (٣).
ولنبينا ﷺ من ثناء الله أكمل ثناء أثنى الله به على عبد من عباده؛ لأنه ﷺ هو سيد ولد آدم، فحظه من صلاة الله، ومن ثنائه أوفر حظ ونصيب.
«وعلى آله وصحبه»: الآل هنا هم أتباعه ﷺ ، وعَطفُ الصحابة على الآل في هذا المقام من عطف الخاص على العام، وقد درج أهل السنة على ذكر الصحابة في الصلاة على الرسول ﷺ خارج الصلاة، أما في الصلاة فيتقيد بنص ما ورد.
стр. 25
وهذا كله دعاء له ﷺ بأن يصلي الله عليه، وأن يسلم عليه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب]، وصلاتنا، وسلامنا عليه بأن نسأل الله أن يصلِّي، ويسلِّم عليه، ومن صفة السلام ما جاء في التشهُّد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» (١).
هذه الخطبة اشتملت على حمد الله، فله الحمد كلُّه، وله المدح، والثناء كلُّه؛ لأنه الموصوف بجميع المحامد، الموصوف بكلِّ كمال، فلا يستحق الحمد كله، والثناء كله إلا المستحق لكل كمال، الموصوف بجميع نعوت الجلال، وليس ذلك إلا الله وحده، فهو الذي له الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله .
يقول الشيخ ﵀: «صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم»: يعني: وسلَّم الله عليه.
«تسليمًا»: هذا مصدر مؤكِّد. «مزيدًا»: موصولًا بالزيادة مستمرًا دائمًا.
«أما بعد»: هذه جملة يُؤتَى بها للانتقال من المقدمة إلى المقصود، كان من هديه ﷺ أنه يقول في خطبه: أما بعد (٢)، ومعناها عند أهل اللغة (٣): مهما يذكر من شيء بعد فهو: كذا وكذا.
стр. 26
«فهذا اعتقاد»: إشارة إلى ما هو حاضر ممَّا سيذكره الشيخ في هذه العقيدة، وبهذا يتبيَّن أن الشيخ قصد في هذا التأليف إلى بيان اعتقاد الفرقة الناجية في ربهم، واعتقادهم فيما أمر الله بالإيمان به.
«الفرقة الناجية المنصورة»: وصفها بالصفتين: الناجية والمنصورة أخذًا من الحديث المشهور المرويِّ في المسانيد، والسنن عن النبي ﷺ : «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي» (١) وفي لفظ: «وهي الجماعة» (٢) هذه هي الفرقة الناجية.
فالفرقة المستقيمة على ما كان عليه الرسول ﷺ تُوصَف بأنها الناجية أخذًا من هذا الحديث؛ لقوله ﷺ : «كلها في النار إلا واحدة».
وهي المنصورة؛ لقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٣). فهي موصوفة بالنجاة، وبالنصر.
стр. 27
والفرقة الناجية المنصورة هم أهل السنة والجماعة الذين التزموا طريقة الرسول ﷺ ، وما عليه جماعة المسلمين، واعتصَموا بحبل الله جميعًا، وجانبوا الفُرقة وأسبابها.
والفرقة، والطائفة معناهما متقارب.
ثم بيَّن الشيخ هذا الاعتقاد إجمالًا بقوله:
«وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره»:
هذه هي أصول الإيمان التي فسَّر بها النبي ﷺ الإيمان، في حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ «فقال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١).
هذه أصول الإيمان الستة، فجميع مسائل الاعتقاد راجعة إلى هذه الأصول.
إذًا؛ هذا هو اعتقاد الفرقة الناجية بهذه الأصول على سبيل الإجمال، والإيمان بها فرض عين على كل مكلف.
الأصل الأول: الإيمان بالله: ويشمل ثلاثة أمور:
الإيمان به ربًّا - يعني -: مالكًا مدبِّرًا منعمًا متفضِّلًا خالقًا رازقًا.
والإيمان به إلهًا معبودًا لا يستحق العبادة غيره.
والإيمان به مستحقًّا لجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال.
стр. 28
فالإيمان بالله يشمل الإيمان بربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته على سبيل الإجمال.
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة: كما أخبر الله عنهم في كتابه، أنهم مخلوقون موجودون، عباد مكرَّمون، خيار اختارهم الله، واصطفاهم، وفضَّلهم، وجعلهم عبادًا طائعين خاضعين: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وفي هذا رد على من زعم أن الملائكة بنات الله، فجعلوهم ولدًا لله، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨﴾ [فصلت]، وفي الآية الأخرى ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون * (٢٠٦)﴾ [الأعراف].
والآيات في ذكر الملائكة، وصفاتهم وعبادتهم لربهم، ودوام خضوعهم وتسليمهم كثيرة، فهم عباد، ليسوا آلهة ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين (٢٩)﴾ [الأنبياء]، وحاشا أن يقول أحد منهم ذلك فهم معصومون.
والأصل الثالث: الإيمان بالكتب، ويتضمَّن الإيمان بكل ما أنزله الله من كتبه على من شاء من رسله، ما علمنا منها، وما لم نعلم، فيجب أن نؤمن بأن الله أنزل كتبًا على من شاء من رسله، منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وهو أعظم كتب الله.
стр. 29
والأصل الرابع: الإيمان بالرسل، فيجب الإيمان برسل الله إجمالًا، وأن الله أرسل إلى عباده رسلًا يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحذِّرون من عبادة ما سواه، يدعون إلى كلِّ خير، ويحذِّرون من كل شر.
وقد سمَّى الله من شاء منهم في كتابه، وذكر أنه قصَّ منهم ما قصَّ، وطوى علم آخرين: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء].
والأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر، ويعبَّر عنه بالبعث؛ لأن البعث بعد الموت، هو الذي يكون به الانتقال من دار البرزخ إلى الدار الآخرة، فهذا أصل من أصول الإيمان يجب الإيمان به.
وهذه الأصول ذكرها الله تعالى في كتابه مفرَّقة، ومجتمعة قال : ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وذكر أربعة في قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾ [البقرة].
والإيمان بالقدر يندرج في الإيمان بالله، وله أدلَّة مفصَّلة في القرآن، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر].
ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج].
стр. 30
ومنها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢)﴾ [الحديد].
ويأتي الكلام على بعض هذه الأصول مفصَّلًا فيما ذكره الشيخ في هذه الرسالة.
* * * *
стр. 31
مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة
في باب الأسماء والصفات
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلِم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفو له، ولا نِدَّ له، ولا يُقاس بخلقه ؛ فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه.
بعدما ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة إجمالًا، شرع في ذكر اعتقادهم تفصيلًا، فقال: «ومن الإيمان بالله»؛ أي: مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، وبما وصفه به الرسول ﷺ فيما صحَّ من سنَّته، والإيمان بذلك يكون بإثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ، وبنفي ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ .
فالإيمان بهذا يكون بإثبات ونفي.
стр. 32
يقول الشيخ: «من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل»:
يؤمنون بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، من غير تحريف، يعني: من غير تحريف للنصوص عن وجهها، ومن غير تحريف للكلم عن مواضعه، وهو ما ذمَّ الله به أعداءه اليهود ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].
والتحريف معناه العام: التغيير، وهو يشمل التغيير اللفظي، والتغيير المعنوي، فالتحريف اللفظي يكون بالزيادة على النص، أو النقص منه، أو تغيير الشكل.
فلا يجوز تحريف النصوص، ولا سيما آيات القرآن، فإنه يجب الالتزام بلفظها، فلا يُغيَّر لفظها زيادةً ولا نقصًا، ولا شكلًا.
وكذلك سنَّة الرسول ﷺ لا يجوز تغيير لفظها بما يستلزم تغيير معناها، فإن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه، بل يجب إجراء النصوص على ظاهرها.
«ولا تعطيل»: التعطيل مأخوذ من العطل بمعنى: الخلو، فمعناه إخلاء الرب عمَّا وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ .
وتعطيل أسماء الرب وصفاته، وتعطيل الرب عن صفات كماله؛ إنما يكون بجحدها ونفيها.
فالمعطِّلة: ينفون ما وصف الله به نفسه، وما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، فيعطِّلون الرب عن كماله المقدَّس، فينفون استواءه على عرشه، وينفون حقيقة اليدين، كما سيأتي مفصلًا (١).
стр. 33
«ومن غير تكييف»: من غير بحث عن كيفيَّة صفات الرب، ولا تعرُّض لتحديد كُنْهِ صفاته، فأهل السُّنَّة والجماعة يصفون الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله، من غير تحريف لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ولا تعطيل للنصوص عما دلَّت عليه، ولا تعطيل للرب عمَّا يجب إثباته له، ولا تكييف لصفاته، ولا تمثيل لصفاته بصفات خلقه.
إذًا؛ اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات قائم على الإثبات والنفي، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا - له تعالى عن كل نقص وعيب - بلا تعطيل، خلافًا لأهل الضلال، الذين غلوا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاته بصفات خلقه، فيقول قائلهم: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيَدي، وخلافًا لمن غلا في التنزيه، حتى سلب الله صفات كماله، زعمًا منه أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه.
فلهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة بريئًا من التشبيه، وبريئًا من التعطيل، فلا ينفون ما وصف الله به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته.
فإن الله ذمَّ الملحدين في أسمائه كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠].
والإلحاد في أسماء الله يكون بنفيها، أو بنفي معانيها، أو بتسمية الله بغير ما سمَّى به نفسه، أو بتسمية بعض المخلوقين بما هو من خصائصه .
стр. 34
يقول الشيخ ﵀: «ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه»:
كل هذا تأكيد لما سبق، وأن مذهب أهل السنة والجماعة بريء من هذه الأباطيل: بريء من التعطيل، ومن الإلحاد، ومن التكييف، ومن التحريف، ومن التمثيل.
ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ فإنه لا سَميَّ له، ولا نِدَّ له، ولا كفو له، وهذا كله منفي في كتابه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، والسميُّ، والكفو، والندُّ؛ ألفاظ متقاربة، كلها تُفسَّر: بالمثيل والنظير، فهو لا مثيل، ولا نظير له من خلقه، ولا سميَّ، ولا كفو، ولا ندَّ، ولا يُقاس بخلقه .
وهو: «أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه»:
هو أعلم بنفسه كما قال المسيح ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦)﴾ [المائدة]، فهو أعلم بنفسه.
فالعباد لا سبيل لهم إلى معرفة أسمائه وصفاته إلا ببيانه وتعريفه وتعليمه سبحانه، فهو أعلم بنفسه وبغيره؛ لأن علمه محيط بكل شيء، وهو تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا (١٢٢)﴾ [النساء].
стр. 35
فإذا كان تعالى هو أعلم بنفسه، وهو أصدق الصادقين؛ فكيف يُكَذَّب ما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ؟ كيف لا يُثْبَت ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ؟
فالمعطِّلة قد كذَّبوا بما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أسمائه تعالى وصفاته، وكأنهم ادَّعوا لأنفسهم أنهم أعلم بالله من الله، وأعلم بالله من رسول الله ﷺ ، وهذا من أبطل الباطل، وأسفه السفه، وأعظم الجهل، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا (١٢٢)﴾ [النساء].
* * * *
стр. 36
بعث الله رسله في صفاته بالنفي والإثبات
ثم رسله صادقون مُصَدَّقون (١)، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]، فسبَّح نفسه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عمَّا جاءت به المرسلون؛ فإنَّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص [٢٤/ ٢] التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾.
وما وصف به نفسه في أعظم آية من كتابه حيث يقول: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ
стр. 37
حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾ [البقرة]، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
بعدما ذكر الشيخ ﵀ ما يجب في صفاته تعالى، وأن الواجب أن يُوصَف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وأن هذا من الإيمان بالله، وأن هذه هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات يعتمدون في ذلك على كتاب الله إيمانًا بالله، وكتابه ورسوله ﷺ .
ولهذا قال الأئمة في بعض الصفات: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب» (١).
فالإيمان به هو حقيقة تصديق الله، وتصديق رسوله ﷺ وهو مقتضى الإيمان بالله ورسوله ﷺ وكتابه.
يقول الشيخ بعدما ذكر هذا: «ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»: في بعض النسخ: «مَصْدُوقون».
стр. 38
الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم جاؤوا في باب الأسماء والصفات - وغيره - بالحق المبين، فقولهم هو الحق، وما جاؤوا به هو الحق الذي يجب الإيمان به، والالتزام به.
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس، وقد عصمهم الله من الكذب؛ لأنه اصطفاهم لتبليغ رسالاته، ولا يصطفي لتبليغ رسالاته وتبليغ شرائعه إلا الصادقين.
«ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»:
وهم مَصْدُوقون، فالله تعالى يصدقهم، ويقيم الأدلَّة، والخوارق الدالَّة على صدقهم، وشهد بصدقهم في كلامه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (٣)﴾ [يس]، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِين (٧٩)﴾ [النمل].
وهم مُصَدّقُون عند الموفقين؛ بل إن أعداء الله الكفرة هم مُصَدِّقون للرسل في الباطن كما قال : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام]، وكما قال عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين (١٤)﴾ [النمل]، ف لا يكذب الرسل ظاهرًا، وباطنًا إلا من لا عقل له.
أما العقلاء فإنهم - وإن جحدوا ظاهرًا عنادًا، وحسدًا، وكبرًا، وما إلى ذلك - مُصدِّقون لهم في الباطن، وإن كان هذا التصديق لا ينفعهم، فمن صدَّق الرسل في الباطن، وأظهر تكذيبهم؛ فهو الكفور، ولا ينفعه تصديقه في الباطن.
стр. 39
أما معنى «مَصْدُوقُون»: المصدوق هو: المخبَر بالصدق، والصادق: هو المخبِر بالصدق.
فالرسل صادقون لأنهم قد أَخبروا بالصدق، وهم مَصْدُوقُون لأنهم مخبَرون بالحق، فهم يتلقَّون علومهم، وما يبلِّغونه عن الله بواسطة وحيه، ورسوله من الملائكة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠)﴾ [التكوير].
إذًا؛ فما قالته الرسل في الله هو الحق نفيًا وإثباتًا، ولصدق الرسل، وأن ما قالوه في رب العالمين هو الحق، قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات].
فسبَّح نفسه سبحانه وتعالى عمَّا يصفه به الجاهلون، والمفترون والمشركون، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
«سبحان» هذه الكلمة تدلُّ على التنزيه، وعلى نفي المعائب، والنقائص قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون (٣١)﴾ [التوبة].
«وسلَّم على المرسلين»: سلام من الله على رسله ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١)﴾ [الصافات]. وإنما سلَّم عليهم؛ لأنهم أولياؤه الصادقون فيما أخبروا به عنه، المحقُّون فيما يصفون به ربهم، ولهذا يقول الشيخ: «وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب»، ومن الشرك والإفك.
стр. 40
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]. ثناءٌ من الله على نفسه بإثبات الحمد كله له؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وبديع المخلوقات.
فهذه الآيات فيها تنزيه، وتحميد، وتمجيد، وثناء على المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، فالرسل هم الأئمة، وهم القدوة، ولنا فيهم أسوة، وسبيلنا سبيلهم، ولا سيما نبينا خاتم النبيين ﷺ .
يقول الشيخ: «وقد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات»:
وهذه قاعدة في باب الأسماءِ والصفات «الجَمْع بين النفي والإثبات» معناها أنه موصوف بإثبات الفضائل، والكمالات، وموصوف بنفي النقائص والآفات، والمدح لا يكون بالإثبات فقط، ولا بالنفي فقط، وإنما يكون بالنفي، والإثبات.
وممَّا ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن النفي والإثبات الذي جاء في النصوص القاعدةُ فيه هي:
«الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»؛ فالإثبات يأتي مفصَّلًا في: تعداد الأسماء، وتعداد الصفات، وتعيينها.
أمَّا النفي؛ فيكون عامًّا مطلقًا، وهو ما يعبَّر عنه بالإجمال، هذا هو الغالب على طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.