← Акыда

Акыда · id 17773

توضيح مقاصد العقيدة الواسطية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (295 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بعث الله رسله في صفاته بالنفي والإثبات ثم رسله صادقون مُصَدَّقون (١)، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]، فسبَّح نفسه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عمَّا جاءت به المرسلون؛ فإنَّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص [٢٤/ ٢] التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾. وما وصف به نفسه في أعظم آية من كتابه حيث يقول: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ

стр. 37

حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾ [البقرة]، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. بعدما ذكر الشيخ ﵀ ما يجب في صفاته تعالى، وأن الواجب أن يُوصَف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وأن هذا من الإيمان بالله، وأن هذه هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات يعتمدون في ذلك على كتاب الله إيمانًا بالله، وكتابه ورسوله ﷺ . ولهذا قال الأئمة في بعض الصفات: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب» (١). فالإيمان به هو حقيقة تصديق الله، وتصديق رسوله ﷺ وهو مقتضى الإيمان بالله ورسوله ﷺ وكتابه. يقول الشيخ بعدما ذكر هذا: «ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»: في بعض النسخ: «مَصْدُوقون».

стр. 38

الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم جاؤوا في باب الأسماء والصفات - وغيره - بالحق المبين، فقولهم هو الحق، وما جاؤوا به هو الحق الذي يجب الإيمان به، والالتزام به. والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس، وقد عصمهم الله من الكذب؛ لأنه اصطفاهم لتبليغ رسالاته، ولا يصطفي لتبليغ رسالاته وتبليغ شرائعه إلا الصادقين. «ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»: وهم مَصْدُوقون، فالله تعالى يصدقهم، ويقيم الأدلَّة، والخوارق الدالَّة على صدقهم، وشهد بصدقهم في كلامه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (٣)﴾ [يس]، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِين (٧٩)﴾ [النمل]. وهم مُصَدّقُون عند الموفقين؛ بل إن أعداء الله الكفرة هم مُصَدِّقون للرسل في الباطن كما قال : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام]، وكما قال عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين (١٤)﴾ [النمل]، ف لا يكذب الرسل ظاهرًا، وباطنًا إلا من لا عقل له. أما العقلاء فإنهم - وإن جحدوا ظاهرًا عنادًا، وحسدًا، وكبرًا، وما إلى ذلك - مُصدِّقون لهم في الباطن، وإن كان هذا التصديق لا ينفعهم، فمن صدَّق الرسل في الباطن، وأظهر تكذيبهم؛ فهو الكفور، ولا ينفعه تصديقه في الباطن.

стр. 39

أما معنى «مَصْدُوقُون»: المصدوق هو: المخبَر بالصدق، والصادق: هو المخبِر بالصدق. فالرسل صادقون لأنهم قد أَخبروا بالصدق، وهم مَصْدُوقُون لأنهم مخبَرون بالحق، فهم يتلقَّون علومهم، وما يبلِّغونه عن الله بواسطة وحيه، ورسوله من الملائكة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠)﴾ [التكوير]. إذًا؛ فما قالته الرسل في الله هو الحق نفيًا وإثباتًا، ولصدق الرسل، وأن ما قالوه في رب العالمين هو الحق، قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]. فسبَّح نفسه سبحانه وتعالى عمَّا يصفه به الجاهلون، والمفترون والمشركون، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون. «سبحان» هذه الكلمة تدلُّ على التنزيه، وعلى نفي المعائب، والنقائص قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون (٣١)﴾ [التوبة]. «وسلَّم على المرسلين»: سلام من الله على رسله ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١)﴾ [الصافات]. وإنما سلَّم عليهم؛ لأنهم أولياؤه الصادقون فيما أخبروا به عنه، المحقُّون فيما يصفون به ربهم، ولهذا يقول الشيخ: «وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب»، ومن الشرك والإفك.

стр. 40

﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]. ثناءٌ من الله على نفسه بإثبات الحمد كله له؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وبديع المخلوقات. فهذه الآيات فيها تنزيه، وتحميد، وتمجيد، وثناء على المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، فالرسل هم الأئمة، وهم القدوة، ولنا فيهم أسوة، وسبيلنا سبيلهم، ولا سيما نبينا خاتم النبيين ﷺ . يقول الشيخ: «وقد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات»: وهذه قاعدة في باب الأسماءِ والصفات «الجَمْع بين النفي والإثبات» معناها أنه موصوف بإثبات الفضائل، والكمالات، وموصوف بنفي النقائص والآفات، والمدح لا يكون بالإثبات فقط، ولا بالنفي فقط، وإنما يكون بالنفي، والإثبات. وممَّا ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن النفي والإثبات الذي جاء في النصوص القاعدةُ فيه هي: «الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»؛ فالإثبات يأتي مفصَّلًا في: تعداد الأسماء، وتعداد الصفات، وتعيينها. أمَّا النفي؛ فيكون عامًّا مطلقًا، وهو ما يعبَّر عنه بالإجمال، هذا هو الغالب على طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 41

فالرسل جاؤوا في صفات الله بإثبات مفصَّل، وبنفي مُجمَل، ولكن قد يأتي الإثبات مجملًا، كما قد يأتي النفي مفصَّلًا، لكن القاعدة الغالبة هي: التفصيل في الإثبات، والإجمال في النفي. وسيأتي لهذا المعنى مزيد إيضاح عندما نصل إلى شواهد النفي (١)، فيحصل تطبيق هذه القاعدة، وإيضاحها. وهذا النفي الذي يُوصَف الله به هو: النفي المتضمن لإثبات كمال، فكلُّ نفي ورد في صفاته سبحانه؛ فإنه متضمن لإثبات كمال ضدِّه. أما النفي المحض الذي لا يتضمَّن ثبوت كمال؛ فهذا لم يصف الله به نفسه؛ لأن النفي الذي لا يتضمَّن ثبوت كمال لا يكون مدحًا، ولا كمالًا. وإذا كان هذا ما جاءت به الرسل فلا عدول لأهل السُّنة والجماعة عمَّا جاء به المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم، بل هم مقتفون لآثار الرسل لا سيما خاتمهم الذي له على أمته من واجب الإيمان، والمحبة، والاتِّباع ما ليس لغيره ﷺ . يقول الشيخ: «فلا عدول لأهل السُّنة عما جاءت به المرسلون»: أهل السُّنة الفرقة الناجية المنصورة، لا محيد لهم، ولا عدول لهم عن طريق المرسلين. قال لنبيه بعدما ذكر الأنبياء والمرسلين إجمالًا وتفصيلًا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فالصحابة

стр. 42

والتابعون ماضون على سبيل الرسول ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وسبيل الرسول ﷺ هو سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]. وما جاء به المرسلون في صفاته تعالى، وغيرها هو الصِّراط المستقيم. قال الشيخ: «فإنه الصراط المستقيم»: ما جاء به المرسَلون هو الصراط المستقيم، و الصراط هو الطريق الذي يجمع معانٍ، فليس كل طريق صراطًا. والصِّراط هو: الطَّريق المستقيم، الموصِل إلى المقصود، القريب، الوسع، المسلوك. هذا معنى ما ذكره ابن القيم في بيان خصائص الصِّراط في كلامه على سورة الفاتحة في «مدارج السالكين» (١)، وصراط الله مسلوك؛ سالكوه هم المُنعَم عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين. وأهل السُّنة داخلون في طريق المُنعَم عليهم على حسب مراتبهم في العلم والدين والفضل. والصراط المستقيم هو: دين الله الذي بَعَث به رسوله ﷺ في كل باب من أبواب العلم: في مسائل الاعتقاد؛ كالأسماء والصفات، واليوم الآخر، وسائر أصول الإيمان، والشرائع، والأوامر، والنواهي.

стр. 43

بعد هذا يقول الشيخ: «وقد دخل في هذه الجملة»: المشار إليه - القاعدة - قد دخل في هذه الجملة ما وَصَف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تَعْدِل ثُلُث القرآن، وهي قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾. هذه سورة الإخلاص؛ لأنها متضمِّنة للتوحيد العلمي الخبري المستلزم لتوحيد العبادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن» (١). تعدل ثلث القرآن من حيث الثواب، فتلاوتها مرةً واحدةً تعدل ثلث القرآن. ولكن هذا لا يعني الاكتفاء بها عن تلاوة القرآن، فلا بدَّ من تلاوة سائره، وتدبُّر سائر النصوص، لكن هذا دليل على فضْل هذه السورة، وفضْل تلاوتها، وذَكَر بعض أهل العلم (٢) أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن ثلاثة أثلاث: الأول: خبرٌ عن الله - يعني - خبرٌ عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله. والثاني: خبرٌ، وقصصٌ وهو: خبرٌ عن الخلق: عن الرسل، وأممهم، وبَدْء الخلق، واليوم الآخر. والثالث: الأوامر، والنواهي.

стр. 44

فالقرآن توحيدٌ، وقصصٌ، وشرائعُ: أوامرٌ، ونواهٍ. وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ هذه خالصة للتوحيد ليس فيها إلا صفة الرب تعالى، ولهذا كان أحد الصحابة أميرًا على سريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك» فسألوه؛ فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه» (١)، ونحوه في خبر ثانٍ: «إن حبها أدخلك الجنة» (٢). وهذه السورة فيها نفي وإثبات؛ فهي جارية على القاعدة. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ إثبات، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ هذه ثلاث جُمَل كلُّها دالَّةٌ على نفي. ودلَّت هذه السورة على اسمين من أسمائه الحسنى: «الأحد، والصمد»، وهذان الاسمان لم يُذكَرا في غير هذه السورة، فأما اسمه «الأحد» فيدلُّ على وحدانيَّته، وهو يتضمَّن نفي الشريك، والشبيه فلا شريك له، ولا شبيه، واسمه «الصمد» فُسِّر بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، وهو تعالى لا يأكل ولا يشرب؛ لأن هذا هو موجب غناه فهو

стр. 45

الغني بذاته عن كل ما سواه، والآكل والشارب مفتقِر إلى ما يأكل وما يشرب وهو سبحانه الذي ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، وهو الذي يرزق ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات]. وقيل: معنى الصمد: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا من لوازم غناه وفَقْر العباد ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (١٥)﴾ [فاطر]. وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبَّار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلَّا له» (١). يعني: الصمد هو الكامل في جميع صفات الكمال، فهذان اسمان من أسمائه الحسنى ذُكرا على وجه التعيين، وبالتفصيل والتنصيص عليهما، فهذا من الإثبات المفصَّل. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾، لم يلد ردٌّ، وإبطال لما نسبه إليه المفترون من اليهود، والنصارى، والمشركين، والفلاسفة، وغيرهم ممَّن نسب إليه الولد - تعالى الله عمَّا يقولون -.

стр. 46

﴿وَلَمْ يُولَد﴾، لا أعلم أن أحدًا من الطوائف الْمُقِرَّة بوجوده سبحانه قال: إنه وُلِد (١)، لكن لمَّا نفى الله الولد عنه؛ اقتضى ذلك - والله أعلم - نفي الولادة عن الله - أي: أن يكون له والد -، فإنه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾، فهو: الأول الذي ليس قبله شيء، فلا بداية لوجوده، والمولود مُحْدَث، وهو: جزء من والده والله صمد لا تجزُّؤَ في ذاته، ولم يكن له كفوًا أحد، ليس له نظير، وهذا النفي يتضمَّن نفي الولد، والوالد. ونفي الكفو يتضمَّن كمال أحديَّته وصمديَّته. ولما أثبت لنفسه أنه الأحد الصمد أكَّد ذلك بنفي الولد، والوالد، والكفو وهذا نفي متضمِّن لإثبات كماله تعالى. يقول الشيخ: ودخل فيها «ما وصف الله به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﴿﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الآية، وهذه الآية هي أعظم آيةٍ في كتاب الله»: كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأُبي بن كعب ﵁: «أيُّ آيةٍ في كتاب الله أعظم؟» فقال: آية الكرسي: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» (٢). وأشار الشيخ ﵀ إلى ما ورد في فضلها، وأن مِنْ فضلها: أنه ما قرأها عبدٌ في ليلةٍ إلَّا لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى

стр. 47

يُصبح كما جاء هذا في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ . قال: إني محتاج، وعليَّ عيالٌ، ولي حاجةٌ شديدةٌ. قال: فخلَّيت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجةً شديدةً، وعيالًا، فرحمته، فخلَّيت سبيله. قال: «أما إنه قد كذبك، وسيعود» - إلى أن جاء في الثالثة - قال: دعني أعلِّمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. فخلَّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها، فخلَّيت سبيله. قال: «ما هي؟» قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ : «أما إنه قد صدقك، وهو كذوبٌ تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان» (١). وبقول الرسول ﷺ صدقك ثبت هذا الفضل، فهذا القول لم يستفده أبو هريرة ﵁، ولم نستفده من خبر الشيطان، إنما من تصديق الرسول ﷺ .

стр. 48

والشيطان قد يعلم شيئًا من الفضائل، والعلوم الشرعية التي يمكن أن يخدع بها بعض الناس، فهنا تعلَّل بهذه المعرفة، واتَّخذ منها وسيلةً للتخلص من قبضة أبي هريرة ﵁. وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة (١)، وهذا من أصح ما ورد في فضلها، فإذا أوى الإنسان إلى فراشه، فإنه يُشرَع له أن يقرأها، فإنه لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وورد في سورة البقرة عمومًا قول النبي ﷺ : «إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرَأ فيه سورة البقرة» (٢). ومن أسباب ذلك أنها مشتملة على هذه الآية العظيمة. وهذه الآية اشتملت أيضًا على العديد من أسماء الرب، وصفاته، ولهذا قال الشيخ: «وما وصف الله»؛ - أي وقد دخل في هذه الجملة - ما وصف الله به نفسه في أعظم آية في كتابه ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ فاشتملت على إثبات وحدانيَّته ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ هذه كلمة التوحيد؛ ففي هذا إثبات إلهيَّته، ونفي الإلهيَّة عمَّا سواه، وهذا تحقيق التوحيد. ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسمان من أسمائه الحسنى؛ فهو الحي الذي لا يموت. قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ﴿الْحَيُّ﴾ الحياة الكاملة التي لا يعتريها نقصٌ، وكمال حياته يستلزم ثبوت جميع صفاته الذاتية له سبحانه، ومن أسمائه ﴿الْقَيُّومُ﴾، وهو: القائم بنفسه

стр. 49

الغني عما سواه، والقائم بغيره، فلا قيام لشيء من الموجودات إلا به، فهو ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وخُتِمت هذه الآية باسمين آخرين وهما: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ ففيها خمسة أسماء هذه الأربعة، و: الله، وهو الاسم الجامع لمعاني سائر الأسماء، وسائر الصفات. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ هذا نفي، وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إثبات فهذه الآية فيها إثبات مفصَّل، ونفي مفصَّل. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا تعرض له السِّنة، وهي: النعاس، والوسن، ولا النوم، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١). وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ نفي يتضمَّن تأكيدًا لكمال حياته؛ لأن النوم أخو الموت، والسِنة هي بدايات النوم. فالله تعالى: الحي الذي لا يموت، ولا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، في هذا إثبات لكمال ملكه على كل شيءٍ.

стр. 50

وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ هذا نفي؛ أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وهذا يتضمَّن كمال ملكه، فَلِكَمَالِ ملكه لا أحد يشفع عنده إلَّا بإذنه، بخلاف المخلوقين، كالملوك، والكبراء الذين يشفع عندهم مقرَّبوهم بغير إذنهم، وينزلون على رغبتهم، وإن كانوا كارهين. المقصود: أن هذه الآية اشتملت على العديد من أسماء الرب - كما تقدَّم - والعديد من صفاته، وقد اشتملت على نفي: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، وهذا لكمال عظمته لا يحيط العباد به علمًا؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]. ومن النفي الذي اشتملت عليه هذه الآية ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، جمهور أهل السُّنة على أن الكرسي: موضع قدمي الرب (١). وهو: مخلوق عظيم لا يقدر قدره إلا الله، والعرش أعظم منه، والكرسي قد وسع السموات، والأرض، فهو أعظم من السموات والأرض. ﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾: لا يشقُّ على الله تعالى، ولا يعجزه، ولا يكرثه، ولا يثقله حفظ هذه العوالم العلوية، والسفلية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر].

стр. 51

وهو ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾: العلي بكل معاني العلو: ذاتًا وقَدْرًا وقهرًا، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، والعوالم كلها في غاية الصغر والضآلة في جانب عظمته، ومما يدل على كمال عظمته ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٦٧)﴾ [الزمر]. ثم مضى الشيخ بذكر الشواهد من القرآن على ما وصف الله به نفسه من النفي، والإثبات، وسنمضي معه مستعرضين لهذه الشواهد، ونقف معها حسب ما يقتضيه المقام، والله المستعان. * * * *

стр. 52

جملة من آيات الصفات إثبات العلم لله تعالى وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام] (١)، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].

стр. 53

ومن النصوص القرآنية المشتملة على أسماء الرب، وصفاته التي فيها النفي والإثبات - ممَّا يدخل في الجملة المتقدِّمة «ما وصف الله به نفسه» - هذه الآيات التي منها: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: اعتمد، وفوِّض أمرك إلى الحي الذي لا يموت، فمن توكَّل عليه فهو حسبه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة]. والشاهد: الحي، فالحي: اسم من أسمائه، والحياة صفة من صفاته. وقوله: ﴿لَا يَمُوتُ﴾ نفي مؤكِّد لكمال حياته، فحياته سبحانه حياة لا يطرأ عليها الموت. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد] هذه الآية فيها إثبات أربعة أسماء من أسمائه الحسنى. الأول، والآخر، والظاهر، والباطن. وأحسن ما قيل في تفسير هذه الأسماء ما جاء في دعاء النبي ﷺ الذي كان يقوله إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك

стр. 54

شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدَّين، وأغنِنا من الفقر» (١). فهذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الأسماء، الأول: هذا اسم من أسمائه، والأول: المتقدم على كل شيء، فكل ما سوى الله فإنه محدَث بعد أن لم يكن. والله تعالى هو: الأول الذي ليس قبله شيء؛ لأنه لا بداية لوجوده ؛ فهو قديم، ولفظ القديم لم يرد في النصوص فلا يعد من أسمائه تعالى، فلا يقال: من أسماء الله القديم، لكن معناه صحيح، فيصحُّ الإخبار عن الله، فيقال: الله قديم متقدِّم في وجوده على كل شيء لا بداية لوجوده، فهذا المعنى حقٌّ ثابتٌ للرب سبحانه، لكن يغني عنه اسمه الأول، فالأول من أسماء الله الحسنى. واسمه سبحانه «الآخر» يتضمَّن دوامه ، وبقاءه الذي لا نهاية له، فكل مخلوق يفنى، والله تعالى لا يفنى كما قال الإمام الطحاوي- ﵀ في عقيدته: «قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء لا يفنى، ولا يبيد ولا يكون إلَّا ما يريد» (٢) . وما كتب الله له البقاء مثل الجنة والنار، فدوامهما، وبقاؤهما ليس ذاتيًا لهما، بل بقاؤهما بإبقاء الله لهما، أما بقاء الرب، فهو ذاتي لا يجوز عليه الفناء ألبتة.

стр. 55

فهذان اسمان دالان على أزليته، وأبديته - يعني - على دوام وجوده في الماضي، والمستقبل. واسمه سبحانه «الظاهر» يعني: العالي، والظهور من معانيه العلو، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، بل هو فوق كل شيء ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام]. وهو «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فبصره نافذ لجميع المخلوقات، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وعلمه محيط بكل شيء لا يحجب سمعه شيء، ولا يحجب بصره حجاب، بصره نافذ يرى عباده، وعلمه محيط بكل شيء. وليس معنى الباطن أنه تعالى داخل في المخلوقات، بل هو بائن من خلقه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام]، اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على كمال حكمته، وخبرته، فهو خبير بدقائق الأشياء، وهو أخصُّ في المعنى من اسمه العليم. وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُور (٢)﴾ [سبأ]، كأن هذه الجمل تفصيل لمضمون اسمه الخبير. و ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ما: صيغة عموم؛ - يعني -: يعلم كلَّ ما يلج في الأرض: من الأحياء؛ كالحيوانات التي لها مساكن تأوي إليها

стр. 56

في الأرض، ومن النباتات، ومن الناس، وما يدخل فيها من الجمادات، كالمياه التي تغور في الأرض. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من هذه الأمور. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة، ومن الأمر الذي ينزل من عنده . يعلم هذا كله، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ عنده خزائن الغيب التي استأثر بعلمها، ومنها الخمس التي لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، فهذه خمس تفرَّد الله بعلمها لا يعلمها ملك مقرَّب، ولا نبي مرسَل (١). ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾، ما: صيغة عموم؛ أي: كل ما في البر يعلمه الله. ﴿وَالْبَحْرِ﴾، أي: ويعلم ما في البحر، عام يشمل ما فيه من الحيوانات، والنباتات، والجمادات التي لا يحصيها إلا خالقها. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ يشمل كل رطبٍ ويابسٍ؛ لأن هذه كلها نكرات في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعمُّ. كل هذه الدقائق وكل هذه المخلوقات معلومة للرب ، والله محيط بها، وهي مثبتة في الكتاب المبين - كتاب المقادير -.

стр. 57

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى﴾ أنثى من بني آدم، أو غيرهم من الأحياء، أيُّ أنثى. ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ كل ذلك قد أحاط به علمه، وكتابه. فكل هذه الآيات دالَّة على إثبات علمه ، وأنه الموصوف بالعلم المحيط بكل شيء فهو تعالى: العليم، والعلم صفته، وعلمه لا يعزب عنه شيء. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، وفيها دليلٌ على إحاطة علمه بكل صغيرٍ، وكبيرٍ؛ بالجزئيات، ودقائق المخلوقات خلافًا للملاحدة الذين يقولون: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها، أو لا يعلم الجزئيَّات، وإنما يعلم المعاني الكلية. وفي هذه الآيات ردٌّ عليهم. بل يعلم ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨٢] والمعطِّلة؛ كالجهميَّة، والمعتزلة، والفلاسفة ينفون صفة العلم عن الله، وهذا إلحاد في أسماء الله تعالى، وصفاته، وتنقُّص لرب العالمين، فإذا كان المخلوق يُوصَف بالعلم؛ فكيف لا يُوصَف الخالق وهو أحقُّ بكل كمال؟ فعلمه تعالى ثابت بالعقل، وبالسمع أي: النصوص الشرعية.

стр. 58

وقد نبَّه على الدليل العقلي في مواضعَ منها قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ٤١]. إذًا: وجود هذه المخلوقات في غاية الإحكام دليل على علمه سبحانه، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه، فيؤمنون بما في هذه الآيات من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، فيثبتون علمه بالأشياء قبل وجودها، ويثبتون علمه بالجزئيَّات، ويؤمنون بأنه تعالى عليم، وأن هذا الاسم دالٌّ على معنى، فهو عليم بعلم، والعلم صفته ، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق]. * * * *

стр. 59

إثبات القوة والسمع والبصر والإرادة وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات]. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، ﴿إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]. وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة]، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد (١)﴾ [المائدة] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ [٢٥/ ١] يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥].

стр. 60

هذه أيضًا جملة من الآيات المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته، وهي داخلةٌ في الجملة التي أشار إليها الشيخ، وهو الآن بصدد تقريرها بشواهدها، وهي أن الله تعالى: جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات. فوصف نفسه بإثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وبنفي الآفات، والعيوب، والنقائص، فمِن هذه النصوص القرآنية المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات] ففي هذه الآية إثبات اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الرزاق. والرزاق: صيغة تدلُّ على كمال الرَّزق، وكثرته. فكل ما يحصل للعباد من رِزق مادي، أو معنوي من: علم، أو مال، أو أي منفعة فمنه سبحانه. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٦٠)﴾ [العنكبوت]. والنصوص المفسِّرة لهذا الاسم، والمفصِّلة له كثيرة فهو تعالى: خير الرازقين ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فكل ما يتقلَّب فيه العباد من النعم، فهي منه سبحانه هو الذي أعانهم عليها، وأمدَّهم بها. والله تعالى هو: الرزَّاق، و ما يحصل على أيدي الناس من رزق فهم فيه أسباب فقط.

стр. 61

فالإنسان يَرزُق أولادَه، يكدُّ، ويكدح، وينفق عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] أمر برزقهم يعني: بالإنفاق عليهم. لكن الرزَّاق حقيقة، والمطعِم حقيقة هو: الله. وقد دلَّت هذه الآية أيضًا على صفة من صفاته، وهي القوة ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨] القوَّة التي لا تشبه قوى المخلوق، فالمخلوق يُوصَف بالقوة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] ولكن ليست قوة المخلوق كقوة الخالق تعالى؛ فهو القوي، ومن أسمائه القوي، ومن صفاته القوة، فهو ذو القوة المتين - يعني -: الشديد القوة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فيجب الإيمان بذلك، والإيمان بهذه الأسماء له آثاره السلوكية إذا علم الإنسان أن كلَّ الخير بيده، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما مَنَع توجَّه بقلبه لربه في كل حوائجه، فهو الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو يوجب له ذلك الرغبة إلى الله، ورجاءه، وتوكُّله عليه في حصول الخير، ومنافع الدنيا، والآخرة. وإذا علم العبد أنه تعالى: القوي، وأنه ذو القوة أيضًا ازداد تعظيمًا لربه، ورجاءً له، وخوفًا منه، فقوته لا يقاومها قوة، ولا يعتريها ضعف. ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] نفي وإثبات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا نفي مجمَل، نفي للمثيل

стр. 62

عن الله فلا شيء مثله، ليس شيء في الوجود مثله لا في علمه، ولا في سمعه، ولا في بصره، ولا في قدرته، ولا في رزقه، ولا في قوته، ولا في عزته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ فيه إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، فهو السميع وهو البصير. وفي هذا إثبات لصفتين من صفات الله: السمع والبصر، فهو: السميع، وهو ذو سمع؛ خلافًا للمعطِّلة الذين ينفون أسماءه، أو يعطِّلون صفاته، كالمعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهذا جهل وضلال، وإلحاد في أسماء الله، بل هو سميع بسمع، وسمعه واسع لجميع الأصوات ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] مهما أسرَّ الإنسان في حديثه، ومحادثته، ومهما تناجى المتناجون، فالله يسمع نجواهم، ويعلم ما جرى بينهم. وسَمعُ اللهِ ليس كسمع المخلوق، سمع المخلوق محدود، وموهوب له من الله. أما سمع الخالق؛ فليس بمخلوق سمعه تعالى صفة ذاتية له لم يزل، ولا يزال سميعًا، ولم يزل، ولا يزال بصيرًا، ما زال بصفاته قبل خَلْقه «لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته»، هكذا يقول الإمام الطحاوي في عقيدته (١) فصفاته تعالى أزلية.

стр. 63

والإيمان بذلك له أثر، إذا وقر في القلب الشعور بأنه تعالى: سميع بصير؛ أحدث له المراقبة، لكن تضعف هذه المراقبة عند ضعف الشعور والاستحضار لسمع الرب وبصره، أما من استحضر أن الله يسمع كلامه سوف يَحْسُب حِسابًا لما يتكلَّم به؛ لأنه يستحضر أن الله يسمعه، لكن يُؤتَى الإنسان من غفلته عن اطِّلاع الله عليه، وسمعه. وتفصيل صفتي السمع والبصر كثير في القرآن. والله تعالى يسمع كلام المؤمنين، وكلام الكافرين، وكلام الناس العادي، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] هذا من الكلام العادي تحاور في قضيتها، ويسمع المتنقِّصين لربهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] ويسمع كلام الرسل في دعوتهم، وما يرد عليهم قومهم، كما قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف] بصير ببصر، وبصره نافذ بجميع المخلوقات، فهو السميع البصير، ولما قرأ النبي ﷺ هذه الآية (١) «وضع إبهامه على أذنه، والسبابة على عينه» (٢).

стр. 64

قال أهل العلم: لبيان أن المراد بالسمع والبصر حقيقتهما أنه ذو سمع حقيقة، وذو بصر حقيقة. ثم ذكر المؤلف الآيات الدالة على إثبات المشيئة والإرادة ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] هكذا يقول الرجل الصالح المؤمن لصاحبه الكافر المغرور بجنَّته حين سمعه يقول: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف]. يقول: لو أنك عندما دخلت جنَّتك تذكَّرت أنَّها إنما حصلت بمشيئة الله، وتذكَّرت أنه لا قوة لك ولا لغيرك إلا بالله، وكان الواجب عليك أن تقول: ما شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا باللَّه، أما أن تقول: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً، فهذا كفر، وإنكار للبعث، وإنكار لفضل الله ، وإنكار لربوبيته سبحانه؛ لأنه هو المنعم المتفضِّل هو الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء. وقوله: ﴿مَا شَاء اللَّهُ﴾ يعني: هذا ما شاء الله - أي - هذا كائن بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ما شاء الله لا بد منه، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما يحصل في الوجود من: الذوات، والصفات، والحركات؛ فبمشيئته سبحانه لا يخرج عنها شيء أبدًا.

стр. 65

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة] أخبر الله سبحانه عن نفسه بأنه مريد، وهو فعَّال لما يريد ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فمن صفاته سبحانه الإرادة، فهو يريد، قال أهل العلم (١): الإرادة المضافة لله تعالى نوعان: إرادة كونية، وإرادة شرعية؛ أما الإرادة الكونية، فهي بمعنى: المشيئة، ومن شواهدها قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج] هذه إرادة كونية، كل ما شاء سبحانه أن يفعله فعله؛ لأنه لا معارض له، ولا يستعصي عليه شيء. ومن شواهد الإرادة الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يعني من يشأ الله أن يهديه بشرح صدره للإسلام يوسع صدره، ويقذف النور فيه، ويجعل فيه القبول للحق، فيقبل الحق بانشراح، وسرور، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ - نعوذ بالله - يجعل صدره ضيقًا حرجًا، ينفر من الحق ويشمئزُّ منه، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٥)﴾ [الزمر]، والله تعالى يَمُنُّ على من يشاء يهدي من يشاء بفضله،

стр. 66

ورحمته، ويضلُّ من يشاء بحكمته وعدله، يعطي ويمنع، يهدي ويضل، ويعزُّ ويذلُّ. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٦)﴾ [آل عمران]. وأما الإرادة الشرعيَّة؛ فمتعلِّقة بما أمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه. ومن شواهدها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب]. فهاتان إرادتان، قال أهل العلم (١): إن الفرق بين الإرادتين من وجهين: أما الإرادة الكونية فإنها عامة لكل الموجودات فهي شاملة لما يحبُّ سبحانه وما لا يحبُّ، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية؛ سواء في ذلك ما يحبه الله، أو يبغضه، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية التي هي بمعنى المشيئة، فإنه لا يخرج عن مشيئته، أو إرادته الكونية شيء ألبتة. أما الإرادة الشرعية فهي تختص بما يحبه سبحانه، فالطاعات مرادة لله شرعًا، أما المعاصي فليست مرادة شرعًا، وما يقع من الطاعات، كالصلاة مثلًا نقول: هذه الصلاة تتعلَّق بها الإرادتان: الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية.

стр. 67

وهكذا سائر الطاعات واقعة بالإرادة الكونية، ومتعلِّقة كذلك بالإرادة الشرعية، فهي مرادة لله كونًا وشرعًا. أما ما يقع من المعاصي فهي مرادة لله كونًا؛ لأنه لا يقع في الوجود شيء البتة إلا بإرادته، ومشيئته سبحانه. لكن هل المعاصي محبوبة لله؟ لا بل هي مُبْغَضَة، وإن كانت واقعة بإرادته. فالفرق بين الإرادتين من وجهين: الأول: أن الإرادة الكونية عامة فكل ما في الوجود فهو مراد لله كونًا. أما الإرادة الشرعية فإنها إنَّما تتعلق بما يحب . قال أهل العلم: فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، وطاعة المطيع. وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر، فالكافر مطلوب منه الإيمان لكنه لم يحصل، فهو مراد لله شرعًا، لكنه غير مراد كونًا، إذ لو شاء الله لاهتدى ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وكذلك الطاعة التي أُمِرَ بها العبد، ولم يفعلها مرادة لله شرعًا، لكنها لم تتعلق بها الإرادة الكونية؛ إذ لو تعلَّقت بها الإرادة الكونية لحصلت. وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي. الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدًا، أما الإرادة الشرعية فقد يقع مرادها، وقد لا يقع، فالله أراد الإيمان من الناس كلهم أراده

стр. 68

شرعًا - يعني - أمرهم به، وأحبَّ ذلك منهم، ولكن منهم من آمن، ومنهم من كفر. هذا ما يتعلَّق بالآيات التي ذكر المؤلِّف، وكلها فيها إثبات الإرادة: إما الإرادة الكونية، أو الإرادة الشرعية. وهل للمخلوق إرادة ومشيئة؟ نعم، قال : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. لكن إرادة المخلوق ومشيئة المخلوق مخلوقة، ومقيَّدة، وتابعة لمشيئة الله تعالى. ومشيئة المخلوق قد يحصل مقتضاها، وقد لا يحصل، فقد يشاء الإنسان ما لا يكون، وقد يكون ما لا يشاء، وهذا شأن المخلوق، أمَّا الخالق فما شاءه فلا بد أن يكون، وما لا يشاؤه فلا يكون ألبتة؛ لأنه لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء فما شاء أن يفعله فعله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]. * * * *

стр. 69

إثبات صفة المحبة لله وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (١٩٥)﴾ [البقرة]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٩)﴾ [الحجرات]، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين (٧)﴾ [التوبة]، ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾ [البقرة]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَّرْصُوص (٤)﴾ [الصف]، ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (١)، [وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُود (١٤)﴾ [البروج]] (٢). وهذه جملة من الآيات الدالَّة على صفة المحبة للرب ، فهو سبحانه يحبُّ، والمحبة صفة من صفاته، كما قلنا في القوة، والسمع، والبصر، والإرادة كلها صفات أخبر الله بها عن نفسه، كذلك أخبر بأنه يحبُّ بعض عباده: يحبُّ المحسنين لإحسانهم إلى عباد الله، يحبُّ المقسطين الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا، ويحب

стр. 70

التوَّابين الرجَّاعين إليه عن الذنوب والتقصير، يحب المتطهِّرين كما أُمِروا، يحبُّ المتَّقين، يحبُّ المجاهدين في سبيله، كله إخبارٌ عن الله ، فوجب الإيمان بأن من صفاته سبحانه المحبة، وفي هذا غاية الترغيب في هذه الأعمال. ومحبَّة الله للعبد هي فوق ما ينال من الثواب، فالمؤمنون المخلصون أولياء الله يتطلَّعون للفوز بهذه المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾. والمخلوق يُوصَف بالمحبَّة، ولكن مع الفرق، فللمخلوق محبَّةٌ تليق به، وتناسبه يمكن أن يُعَبَّر عنها: بميل الإنسان إلى ما يناسبه، أو ما أشبه ذلك، والله يُوصَف بالمحبَّة، وليست محبَّة الخالق كمحبة المخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ لكن محبة الخالق محبة حقيقية لا كما يقول المعطِّلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ينفون وينكرون حقيقة المحبة (١)، ويقولون: الله لا يُحِبُّ، ولا تليق به صفة المحبة، ويحرِّفون ما جاء في النصوص، ويفسِّرونها: إما بالإرادة، وإما بالثواب، أو إرادة الثواب، ويقولون: يحبُّ المقسطين، يحبُّ المتقين - يعني -: يريد أن ينعم عليهم، أو يقولون: يحبُّ المقسطين - يعني -: يثيبهم، فينفون عن الله حقيقة المحبة، وهذا مبنيٌّ على أصولهم الفاسدة أن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه، فيقعون في التناقض، ويفرُّون من شيء؛ فيقعون في نظيره، أو في شرٍّ منه.

стр. 71

وأهل السُّنة والجماعة يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، فيدخل في ذلك إثبات المحبة لله، وأهل السُّنة يثبتون لله المحبة، من الجانبين فيقولون: إنه تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ، يحبُّ المؤمنين، والمجاهدين، والمقسطين - كما في الآيات -، ويحبُّه أولياؤه المؤمنون كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله سبحانه يختصُّ بمحبته من يشاء - كما ذكر في هذه الآيات -، بل إنه يفضِّل بعض عباده في هذه المحبة، ولهذا اتَّخذ من عباده من اتَّخذه خليلًا؛ كإبراهيم، ومحمد (١) صلوات الله وسلامه عليهما، وسائر النبيين. ومن الأدلَّة على إثبات صفة المحبة لله سبحانه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُود (١٤)﴾ [البروج] ودود من المودة قيل: ودود: كثير المودة لأوليائه، كغفور - يعني - كثير المغفرة، وقيل: ودود بمعنى مودود، أو محبوب، والأول هو الراجح في تفسير هذا الاسم. ورجَّحه العلَّامة ابن القيم (٢) إجراءً لهذا الاسم مجرى غفور، وشكور، وما أشبه ذلك من الأسماء الحسنى. * * * *

стр. 72

إثبات صفة الرحمةِ لله وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٣٠)﴾ [النمل]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]، [وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]] (١)، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (١٠٧)﴾ [يونس]، ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف]. هذه الآيات دالَّة على بعض أسماء الله تعالى وصفاته، وهي مشتملة على إثبات هذه الأسماء: الرحمن الرحيم الغفور أرحم الراحمين، وهذه الأسماء تدلُّ على إثبات صفة الرحمة على ما هو مقرَّر في القاعدة المشهورة وهي: أن كل اسم متضمن لصفة، فالله الرحمن الرحيم كما في هذه الآية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ هذه بعض آية في سورة النمل بإجماع أهل العلم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٣٠)﴾ [النمل]، وأما البسملة التي تُفتتَح بها السور ففيها خلاف، قيل: إنها آية من كل سورة، وقيل: إنها آية أنزلت للفصل بين السور، والدلالة

стр. 73

على ابتدائها، وهذا أظهر، أَي: أنها آية من القرآن أنزلت للدلالة على أوائل السور، والفصل بينها (١). وهذان الاسمان: الرحمن الرحيم قد جاءا في مواضع كثيرة من القرآن مقترنين كما في البسملة، وفي الآية الثانية من الفاتحة، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]. وجاءا مُتفرِّقَيْن فذُكِر الرحمن في مواضع وحده، والرحيم ذكر وحده، أو مع اسم آخر، فالرحيم قُرِن باسم آخر كالغفور، والرؤوف، ﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]، وهذان الاسمان من أسماء الله الحسنى فهو الرحمن، وهو الرحيم. والمشهور في الفرق بينهما: أن الرحمن يدلُّ على الرحمة العامة، والرحيم يدلُّ على الرحمة الخاصة بالمؤمنين. وقال بعضهم: الرحمن - يعني -: في الدنيا، والآخرة، والرحيم - يعني -: في الآخرة. وهذا قريب من الذي قبله، والحق أنه الرحمن الرحيم في الدنيا، والآخرة (٢). وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «الرحمن الرحيم اسمان رقيقان» (٣) يعني: يدلان على الرحمة، وهي معنى فيه رِقَّة، وتقتضي الإحسان، والإنعام، والإكرام، ولا يقال: إن هذا تفسير للرحمة؛ لأنها صفة معقولة المعنى، وضد الرحمة القسوة، وضد الرحمة العذاب:

стр. 74

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا (٥٤)﴾ [الإسراء]، ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُون (٢١)﴾ [العنكبوت]. وفرَّق ابن القيم (١) بين هذين الاسمين: بأن الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالٌّ على تعلُّقها بالمرحوم، فكان الأول: للوصف، والثاني: للفعل، فالأول: دالٌّ على أن الرحمة صفته، والثاني: دالٌّ على أنه يرحم خلقه برحمته. اه. والرحمة من صفاته الذاتية فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا بالرحمة، وهو موصوف بالرحمة الفعلية التي تتعلق بها مشيئته، وهي صفة فعلية يرحم مَنْ يشاء، فلا يزال يرحم مَنْ يشاء كيف يشاء. وقد أنكر المشركون اسمه الرحمن، فأنكر الله عليهم ذلك، وكفَّرهم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَاب (٣٠)﴾ [الرعد]. إذا الرحمن الرحيم اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على صفة الرحمة، وفي بعض الآيات التصريح بصفة الرحمة قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف].

стр. 75

والعباد يوصفون بالرحمة، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن» (١). فالعباد يُوصَفون بالرحمة، وليس هذا من التشبيه في شيء، فللمخلوق الرحمة التي تناسبه، وللرب الرحمة التي تناسبه وتليق به، وليست الرحمة كالرحمة، ولا الرحيم كالرحيم، فالله تعالى رحيم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (٩)﴾ [الحديد]، وكذلك المخلوق يسمَّى رحيمًا كما قال الله عن النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]، وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم. فللمخلوق من هذه الأسماء، وهذه الصفات ما يناسبه وله تعالى ما يناسبه، ويليق بعظمته، وجلاله، وكبريائه. وأهل السُّنة والجماعة منهجهم في هذه الصفات، وهذه الأسماء منهج واحد: إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، وهذا معنى قول السلف: - في نصوص الصفات - «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف».
следующие страницы →