← Акыда

Акыда · id 17773

توضيح مقاصد العقيدة الواسطية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأهل السُّنة والجماعة يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، فيدخل في ذلك إثبات المحبة لله، وأهل السُّنة يثبتون لله المحبة، من الجانبين فيقولون: إنه تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ، يحبُّ المؤمنين، والمجاهدين، والمقسطين - كما في الآيات -، ويحبُّه أولياؤه المؤمنون كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله سبحانه يختصُّ بمحبته من يشاء - كما ذكر في هذه الآيات -، بل إنه يفضِّل بعض عباده في هذه المحبة، ولهذا اتَّخذ من عباده من اتَّخذه خليلًا؛ كإبراهيم، ومحمد (١) صلوات الله وسلامه عليهما، وسائر النبيين. ومن الأدلَّة على إثبات صفة المحبة لله سبحانه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُود (١٤)﴾ [البروج] ودود من المودة قيل: ودود: كثير المودة لأوليائه، كغفور - يعني - كثير المغفرة، وقيل: ودود بمعنى مودود، أو محبوب، والأول هو الراجح في تفسير هذا الاسم. ورجَّحه العلَّامة ابن القيم (٢) إجراءً لهذا الاسم مجرى غفور، وشكور، وما أشبه ذلك من الأسماء الحسنى. * * * *

стр. 72

إثبات صفة الرحمةِ لله وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٣٠)﴾ [النمل]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]، [وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]] (١)، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (١٠٧)﴾ [يونس]، ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف]. هذه الآيات دالَّة على بعض أسماء الله تعالى وصفاته، وهي مشتملة على إثبات هذه الأسماء: الرحمن الرحيم الغفور أرحم الراحمين، وهذه الأسماء تدلُّ على إثبات صفة الرحمة على ما هو مقرَّر في القاعدة المشهورة وهي: أن كل اسم متضمن لصفة، فالله الرحمن الرحيم كما في هذه الآية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ هذه بعض آية في سورة النمل بإجماع أهل العلم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٣٠)﴾ [النمل]، وأما البسملة التي تُفتتَح بها السور ففيها خلاف، قيل: إنها آية من كل سورة، وقيل: إنها آية أنزلت للفصل بين السور، والدلالة

стр. 73

على ابتدائها، وهذا أظهر، أَي: أنها آية من القرآن أنزلت للدلالة على أوائل السور، والفصل بينها (١). وهذان الاسمان: الرحمن الرحيم قد جاءا في مواضع كثيرة من القرآن مقترنين كما في البسملة، وفي الآية الثانية من الفاتحة، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]. وجاءا مُتفرِّقَيْن فذُكِر الرحمن في مواضع وحده، والرحيم ذكر وحده، أو مع اسم آخر، فالرحيم قُرِن باسم آخر كالغفور، والرؤوف، ﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]، وهذان الاسمان من أسماء الله الحسنى فهو الرحمن، وهو الرحيم. والمشهور في الفرق بينهما: أن الرحمن يدلُّ على الرحمة العامة، والرحيم يدلُّ على الرحمة الخاصة بالمؤمنين. وقال بعضهم: الرحمن - يعني -: في الدنيا، والآخرة، والرحيم - يعني -: في الآخرة. وهذا قريب من الذي قبله، والحق أنه الرحمن الرحيم في الدنيا، والآخرة (٢). وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «الرحمن الرحيم اسمان رقيقان» (٣) يعني: يدلان على الرحمة، وهي معنى فيه رِقَّة، وتقتضي الإحسان، والإنعام، والإكرام، ولا يقال: إن هذا تفسير للرحمة؛ لأنها صفة معقولة المعنى، وضد الرحمة القسوة، وضد الرحمة العذاب:

стр. 74

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا (٥٤)﴾ [الإسراء]، ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُون (٢١)﴾ [العنكبوت]. وفرَّق ابن القيم (١) بين هذين الاسمين: بأن الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالٌّ على تعلُّقها بالمرحوم، فكان الأول: للوصف، والثاني: للفعل، فالأول: دالٌّ على أن الرحمة صفته، والثاني: دالٌّ على أنه يرحم خلقه برحمته. اه. والرحمة من صفاته الذاتية فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا بالرحمة، وهو موصوف بالرحمة الفعلية التي تتعلق بها مشيئته، وهي صفة فعلية يرحم مَنْ يشاء، فلا يزال يرحم مَنْ يشاء كيف يشاء. وقد أنكر المشركون اسمه الرحمن، فأنكر الله عليهم ذلك، وكفَّرهم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَاب (٣٠)﴾ [الرعد]. إذا الرحمن الرحيم اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على صفة الرحمة، وفي بعض الآيات التصريح بصفة الرحمة قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف].

стр. 75

والعباد يوصفون بالرحمة، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن» (١). فالعباد يُوصَفون بالرحمة، وليس هذا من التشبيه في شيء، فللمخلوق الرحمة التي تناسبه، وللرب الرحمة التي تناسبه وتليق به، وليست الرحمة كالرحمة، ولا الرحيم كالرحيم، فالله تعالى رحيم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (٩)﴾ [الحديد]، وكذلك المخلوق يسمَّى رحيمًا كما قال الله عن النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]، وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم. فللمخلوق من هذه الأسماء، وهذه الصفات ما يناسبه وله تعالى ما يناسبه، ويليق بعظمته، وجلاله، وكبريائه. وأهل السُّنة والجماعة منهجهم في هذه الصفات، وهذه الأسماء منهج واحد: إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، وهذا معنى قول السلف: - في نصوص الصفات - «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف».

стр. 76

يعني: أمِرُّوها كما جاءت مثبتين لما تدلُّ عليه مؤمنين بها غير محرِّفين لها، ولا مكيِّفين لما تدلُّ عليه. فأهل السُّنة والجماعة يثبتون لله صفة الرحمة على حقيقتها، وأما أهلُ الكلام أهلُ البدع، والضلال من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة؛ فينفون حقيقية الرحمة (١)؛ لأنهم يقولون: إن الرحمة رِقَّة تعتري من قامتْ به الرحمةُ، وهذا لا يليق به سبحانه، فالرقة فيها ضَعْف. وهذا خطأ؛ لأنه تفسير لرحمة المخلوق، فهي التي يمكن أن يعبَّر عنها بأنها رقَّة، وانفعال تعتري مَنْ قامت به، ولما توهَّموا من إثبات صفة الرحمة أنها مثل رحمة المخلوق نفوا حقيقة الرحمة، وفسَّروها أما بالإرادة؛ فقالوا: الرحمة من الله إرادة الإنعام، والإحسان على عباده، أو إن المراد بها: ما يخلقه سبحانه من النعم التي ينعم الله بها على عباده. نعم هناك رحمة مخلوقة، لكنها غير صفة الرحمة التي هي صفة الرب تعالى، فالرحمة تضاف إلى الله صفة له، كما في هذه الآيات: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف]، فهذه الرحمة هي صفة الرب قائمة به، كعلمه، وسمعه. أما الرحمة المخلوقة فإضافتها إليه كإضافة المخلوق إلى خالقه كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن، والإنس، والبهائم، والهوام، فبها يتعاطفون، وبها

стр. 77

يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» (١). ومن الرحمة المخلوقة لله الجنة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (١٠٧)﴾ [آل عمران]. وإذا قلتَ: أدخلني برحمتك فهذا توسل إلى الله؛ فهذه صفة ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠]، هذه الرحمة المخلوقة. فالرحمة المضافة لله نوعان: صفة له سبحانه، ورحمة مخلوقة. فالأولى: إضافتها إلى الله من إضافة الصفة إلى الموصوف. والثاني: من إضافة المخلوق إلى خالقه. قال تعالى - بعد ما ذكر إنزال الغيث بعد يأس مِنْ العباد -: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، فالمطر رحمة، ونِعَم الله هي رحمةٌ منه بعباده. فالمقصود أن هذه الآيات دالَّة على إثبات ما اشتملت عليه من أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، فيجب إثبات ذلك له على ما يليق به، ويختصُّ به بلا تحريفٍ، وصرفٍ للنصوص عن ظاهرها كما

стр. 78

يفعل أهل التعطيل، والضلال، ولا تكييف، ولا تمثيل، فالمنهج واحد في كل النصوص هذا منهج أهل السُّنة والجماعة. وأما المعطِّلة فينفون حقيقة الصفات، ثم يؤولون النصوص، هذا هو الغالب عليهم، ومنهم المفوِّض الذي يقول: هذه النصوص لا نقول فيها شيئًا، بل نمرُّها ألفاظًا دون تفسيرٍ لها، ودون فهم لمعناها، فهي نصوص لا تدلُّ على شيء، ولا يُفهَم منها شيء، وكلا القولين - قول: أهل التفويض وأهل التأويل - باطلٌ، بل هذه النصوص دالَّة على معانٍ معقولة، ويفهمها من وفَّقه الله فهي تدلُّ على إثبات هذه الأسماء، وهذه الصفات لربنا تعالى، وبهذا عرفنا أنه تعالى رحمن، وأنه رحيم، وأن رحمته واسعة، وأنه وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأنه لم يزل رؤوفًا رحيمًا . وهذا العلم والإيمان يوجب التوجُّه إلى الله بطلب رحمته، ويبعثُ الرجاء في قلوب المؤمنين، إذا تدبَّر المسلم هذه الآيات تعلَّق قلبه بربه، وقوي أمله ورجاؤه فيه، فصار يرجو رحمته، كما قال الله في صفة المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]، وبناءً على هذا العلم يضرع المؤمن إلى ربه: اللهم ارحمني، وارحم عبادك المؤمنين، فيدعو لنفسه بالرحمة، ويدعو لإخوانه المؤمنين، وإذا رحمه ربه أنعم عليه بأنواع النعم، وأعظمُ رحمة يرحم الله بها عبده أنه يوفِّقه للإيمان، والعمل الصالح، والاستقامة على ذلك.

стр. 79

إثبات الرضا والغضب لله تعالى [وقوله: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]] (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون (٣)﴾ [الصف]. هذه الآيات اشتملت على إثبات بعض صفات الله ، وهي: الرضا، والغضب، والكراهية، والمقت؛ فالله تعالى موصوف بهذه الصفات، فقد وَصف تعالى نفسه بالرضا عن بعض عباده: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وبالغضب والسخط على أعدائه كما قال تعالى في اليهود: ﴿فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ وهم اليهود، وقال تعالى في

стр. 80

المنافقين: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ فهو تعالى يكره، وفي الحديث: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١). وقال : ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء]، وكذلك وصف نفسه بالمقت للكافرين ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، والمقت هو: أشد البغض، فكما أنه تعالى يحبُّ أولياءه المؤمنين، ويحبُّ المقسطين، والتوَّابين، والمتطهِّرين، ويحبُّ المتوكلين عليه، كذلك يمقتُ الكافرين، ويبغضهم، ويكرههم. وأهل السُّنة والجماعة يثبتون هذه الصفات، ويمرُّونها كما جاءت، يؤمنون بأن الله تعالى يرضى، ويغضب ويكره، ويمقت حقيقةً، على ما يليق به ، والمخلوق يُوصَف بهذه الصفات، فيُوصَف بالرضا ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آية واحدة، وليس الرضا كالرضا، ويُوصَف المخلوق بالغضب ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وليس غضب المخلوق كغضب الخالق سبحانه، وكذلك المقت في آية واحدة ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، والمخلوق يُوصَف بأنه يكره ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. وليست صفة الخالق كصفة المخلوق، ولا صفة المخلوق كصفة الخالق، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه مع نفي التمثيل، ونفي العلم

стр. 81

بالكيفية، ومذهب أهل السُّنة والجماعة في نصوص الصفات قائم على هذه الأصول الثلاثة: ١ - إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ . ٢ - نفي التمثيل - أي - نفي مماثلته تعالى لخلقه، وأن صفاته لا تماثل صفات المخلوق. ٣ - نفي العلم بالكيفيَّة، فصفاته لا يعلم أحد من الخلق كيفيتها. وهل لصفة الرب تعالى كيفية؟ نعم لها كيفية لكن يجب علينا ألا نبحث عن كيفية صفات الرب؛ لأن ذلك قد استأثر الله بعلمه، فلا علم لنا بكيفية ذاته وصفاته. ولهذا نقول: نفي العلم بالكيفية، ولا نقول: نفي الكيفية. وقول السلف: تمرُّ كما جاءت بلا كيف - يعني - بلا تكييف لصفاته، وبلا بحث عن كيفية صفاته سبحانه. وأمَّا المعطِّلة من الجهميةِ، والمعتزلة، والأشاعرة في هذه الصفات فإنهم ينفون حقيقةَ الرِّضا، ويفسِّرونه بإرادة الإنعام نحو تفسير المحبة، والرحمة. وينفون حقيقة الغضب، والكراهة، والْمَقت، ويفسِّرون ذلك إما: بإرادة الانتقام، وإما ببعض المفعولات، وهي: ما يخلقه تعالى من العقوبات، يعني: نفس المقت، فالعقوبة التي يخلقها الله هي الكراهة،

стр. 82

وهي الغضب، وهي كذا، وكذا، ويدَّعون أن الغضب - مثلًا - هو: غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وهذا المعنى لا يليق بالله (١). فيقال لهم: هذا تفسير لغضب المخلوق، وهذه حقيقة غضب المخلوق، فهو الذي يمكن أن يفسَّر بأنه غليان دم القلب، أما غضب الرب سبحانه فلا يفسَّر هذا التفسير، غضب الرب معنى معقول ضده الرحمة من آثاره: الانتقام، وإنزال العقاب بمن غضب الله عليه - نعوذ بالله من غضب الله -، فيجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من هذه الصفات. والإيمانُ بأنه تعالى يرضى، ويغضب، ويكره، ويمقت يوجب للعبد خوفًا، ورجاءً، ويوجب له أن يطلب رضا الله، وأن ترغب نفسه في ذلك ورضوان الله أكبر ما يمنُّ الله به على أوليائه ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : «إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقك، فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (٢). فهذا أفضل ما يعطي الله أولياءه قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، رضوان من الله يُحلُّه على

стр. 83

أوليائه، هو أكبر من نعيم الجنَّة - أي - أكبر ممَّا في الجنَّة من أنواع النعيم من المطاعم، والمشارب، والملابس، ونحوها. والإيمان بأنه تعالى يغضب يوجب للعبد أن يخاف من غضب الله، ويستعيذ منه، وفي الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (١). فللعلم والإيمان بأسماء الرب وصفاته آثارٌ على القلب، وآثارٌ على سلوك العبد تورث الموفَّقين من عباد الله محبته سبحانه، وخوفه، ورجاءه، والتوكُّل عليه كل هذا من آثار الإيمان بأسمائه وصفاته. * * * *

стр. 84

إثبات الإتيان والمجيء لله تعالى وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً (٢٥)﴾ [الفرقان]. هذه أربع آيات من نصوص الصفات تدلُّ على إثباتِ صفةٍ فعليَّةٍ هي: المجيء والإتيان، والمجيءُ، والإتيانُ معناهما متقارب ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ أي: هل ينتظر هؤلاء الكفار إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وذلك يوم القيامة، وهذا اليوم الذي يأتيهم الله فيه يوم عصيب عليهم، ماذا تكون حالهم إذا لقوا الله، وقد كفروا به، وبرسله، وأشركوا به، وأعرضوا عن هداه؟ إنه لموقف ذلٍّ، وهوانٍ، وحسرةٍ إذا جاء وهذه حالهم، والملائكة يأتون، قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]، وقوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ

стр. 85

أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، وكل هذا حاصل سيأتي. ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (٢٢)﴾ - إلى أن قال تعالى -: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً (٢٥)﴾ [الفرقان]. والقرآن متشابه يُصَدِّق بعضه بعضًا، ففي الآية الأولى قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، هناك ظلل من الغمام وهي: السحاب الذي الله أعلم بمقداره، وبصفته، أمور غيبيَّة لا تحيط بها عقول العباد، تنزل الأملاك بأمر الله، وتفعل ما تُؤمَر به ممَّا يشاء ، فالملائكة في الدنيا وفي الآخرة هم رسل الله يُوكلون بما يشاء سبحانه، ملائكة موكَّلون بالوحي، بالقَطْر، بقبض الأرواح، بالجبال … بما شاء ، ويوم القيامة يأتون ويفعلون ما يُؤمَرون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٦)﴾ [التحريم]. قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ متى؟ يوم القيامة. أو يأتي بعض آيات ربِّك، قد جاء تفسير هذا البعض بطلوع الشمس مِنْ مغربها، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (١).

стр. 86

فيجب إثبات ما دلَّت عليه هذه الآيات بأنه يجيء كيف شاء، لا يصلح أن يتخيَّل العباد كيفية مجيء الرب ونزوله ، ولا نفكر في هذا أبدًا؛ لأنه لا سبيل لعقول العباد إلى أن يتصوَّروا كيفية نزوله، وكيفية مجيئه ؛ بل ينزل كيف شاء، ويجيء كيف شاء ؛ فالعقول قاصرة عن تكييف ذاته، وصفاته، بل هي قاصرة عن تكييف بعض المخلوقات، وهي عن تكييف الرب تعالى وصفاته أعجز، وأهل السُّنة والجماعة يثبتون ذلك، ويؤمنون به، ويعلمون أنه تعالى سيأتي يوم القيامة للفصل بين عباده، والحكم بينهم ليجزي العاملين بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، في ذلك اليوم الذي هو يوم الدين. وأما المعطِّلة للصفات من الجهمية، والمعتزلة، ومن تبعهم من نفاة الأفعال الاختيارية، فلا يثبتون ما جاء في هذه الآيات (١)، فإن المجيء، والإتيان من الأفعال الاختيارية التي تكون بمشيئته سبحانه، وعند هؤلاء النفاة إثبات ذلك يستلزم حلول الحوادث في ذات الرب سبحانه، وهو ممتنع عندهم. وحلول الحوادث من الألفاظ المحدثة التي لم يأتِ بها كتاب، ولا سنَّة، وهو لفظ مجمل يحتمل حقًّا، وباطلًا، فإن أريد بنفيه أنه تعالى لا يحلُّ في ذاته شيء من مخلوقاته؛ فهو حقٌّ، وإن أريد نفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته؛ فهو باطلٌ؛ لأنه تعالى أخبر أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وأنه ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج]، وأخبر عن بعض

стр. 87

أفعاله كاستوائه على عرشه، ونزوله، ومجيئه، فوجب الإيمان بما أخبر به تعالى عن نفسه، فإنه أعلم بنفسه. ومن يفعل أكمل ممَّن لا يفعل، فلذلك أجرى أهل السُّنة هذه النصوص على ظاهرها، وأثبتوا ما دلَّت عليه بلا كيف. وأما النفاة فمنهم: من يفوِّض معانيها فلا يفهمها، ولا يفسِّرها. ومنهم: من يفسِّرها بخلاف ظاهرها كقولهم: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] معناه: وجاء أمر ربك، فيجمعون بين التعطيل، والتحريف، فظاهر النصوص عند هؤلاء كفر وباطل؛ فيجب فيها: إما التفويض، وإما التأويل. وكفى بهذا ضلالًا عن سواء السبيل. والإيمان باليوم الآخر، وما يكون فيه من مجيء الله والأملاك؛ يوجب الإعداد لذلك اليوم، فإن من الناس من يلقى ربه وهو عنه راضٍ؛ فيلقاه مسرورًا، ويتلقَّاه ربه بأنواع الكرامات، ومن الناس من يلقى ربه، وهو عليه غضبان، نعوذ بالله من ذلك، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، ونسأله تعالى أن يجعلنا ممَّن يسعد بلقائه، ويكون فائزًا مسرورًا بذلك إنه تعالى سميع الدعاء. * * * *

стр. 88

إثبات الوجه واليدين والعينين لله تعالى وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾ [الرحمن]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِر (١٤)﴾ [القمر] [٢٦/ ٢]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه]. هذه الآيات ساقها المؤلِّف شواهد وأدلَّة على إثبات بعض صفات الرَّب فهي من نصوص الصفات، فدلَّت الآيتان الأُوْلَيان على إثبات الوجه له ، والآيتان الأُخريان على إثبات اليدين، والثلاث الأخيرة على إثبات العينين له ، وأهل السُّنة والجماعة يثبتون هذا كلَّه لله على ما يليق به سبحانه مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، يثبتون الوجه واليدين والعينين لله، وأن وجهه تعالى ليس كوجوه العباد، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢)﴾ [القيامة]، العباد لهم وجوه، وليس

стр. 89

وجه الخالق كوجه أحد من الخلق، ولا يعلم العباد كيفية وجهه كما لا يعلمون كيفية ذاته، وهكذا يثبت أهل السُّنة اليدين له تعالى تصديقًا لخبره يدين يفعل بهما، ويخلق ما يشاء، وليست كأيدي العباد، ولا يعلم العباد كيفيتهما. وهكذا أهل السُّنة يؤمنون بأن لله عينين يرى بهما كما في الآيات ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. وأهل الضلال الذين أصَّلوا أصولهم الباطلة، ومنها: أنه تعالى لا تقوم به أيُّ صفة بل هو ذات مجرَّدة، فهؤلاء ينفون حقيقة الوجه، واليدين، والعينين، ويزعمون أن إثباتها لله تشبيه فينفون عن الله الوجه فليس لله وجه عندهم، ولا يدان يفعل بهما، ويخلق بهما، ولا عينان؛ ينفون هذا كله، وهذا ردٌّ لما أخبر الله به، ورسوله ﷺ ويسلكون في هذه النصوص كما تقدَّم (١) إما طريقة التفويض يقولون: هذه النصوص تُقرَأ، ولا يُتدبَّر معناها، ولا يُفهَم منها شيء، ولا تدلُّ على إثبات هذه الصفات له تقرأ ألفاظًا فقط، ولا يُوقَف عندها. وآخرون: يتأوَّلون هذه النصوص ففي صفة الوجه (٢) مثلاً يقولون: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، الوجه هذه كلمة زائدة صلة ليس لها معنى، المعنى: ويبقى ربك. فيصبح حذفها أولى بالكلام تعالى الله عن ذلك، أو المراد بالوجه نفس الذات فيبقى وجه ربك يعني ذات ربك، أو الثواب ويبقى ثواب ربك، وهذه من تأويلاتهم الباطلة السمجة، ولا موجب لهذا إلا

стр. 90

أصلهم الباطل: وهو نفي صفات الرب ، فلما أصَّلوا الأصل الباطل لا بد أن يقفوا من هذه النصوص موقفًا يدفعون معارضتها لمذهبهم الباطل فيحرِّفونها. وهكذا صفة اليدين يؤوِّلونها بالقدرة أو النعمة (١)، وهذه تأويلات تخالف سياق الكلام، وليس لهذه التأويلات أصل من لغة، ولا شرع، ويكون قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: بقُدْرَتَيَّ على زعمهم، وهذا يردُّه أن الله تعالى له قدرة، ولا يقال: لله قدرتان. بل قدرة تامَّة لا يعجزها، ولا يستعصي عليها شيءٌ. ونِعَمُهُ تعالى ليستْ نعمتين، بل نِعمٌ كثيرة لا تُحصَى. ولو كان معنى قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: بقدرَتِيْ لما كان لآدم خصوصية، فآدم كغيره، الكل مخلوق بقدرته . وهكذا يتأوَّلون العينين بنفس البصر، أو الرؤية عند من يثبتها كالأشاعرة يثبتون البصر، والرؤية؛ لأنها بمعناهما، أو قريبة من معناهما، ولكنهم لا يثبتون العينين له سبحانه، وأمَّا أهل السُّنة فمجمِعون على إثبات هذه الصفات، وقد دلَّ على إثبات هذه الصفات الكتاب، والسُّنة، والإجماع. قال : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (٢٦)﴾ [الرحمن]. يخبر أن كل ما على هذه الأرض سيفنى، ويذهب: من نبات، وحيوان، ثم يبعث الله الموتى من قبورهم بعدما يفنيهم

стр. 91

جميعًا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وهكذا قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، كل شيء هالك، وذاهب، وميت: الإنس، والجن، والملائكة؛ الكل ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ، وتَدُلُّ هاتان الآيتان على إثبات الوجه له تعالى، وتدلُّ على بقائه، فهو الباقي الذي لا يفنى كما يفنى غيره، له البقاء والدوام، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فلا يجوز عليه الفناء، ولا يجوز عليه الموت هو الحي الذي لا يموت، والقوي الذي لا يَضعُف والقدير الذي لا يعجز . وليس لقائل أن يقول في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ إن الآية إنما تدلُّ على بقاء الوجه، فتحتاج إلى تأويل كما توهَّم هذا بعضهم، فلا يتوهَّم هذا إلا جاهل بدلالات الكلام، فكل عاقل يعرف أساليب الكلام، ولا سيما اللغة العربية يُدرك أن قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ يدلُّ على بقائه تعالى، وعلى أنَّ له وجهًا، ولا تدلُّ الآية بظاهرها أبدًا على أن البقاء لوجهه فقط، هذا فهم ساذج، وسمج، وساقط. والتأويل هو: صرف الكلام عن ظاهره إلى معنىً آخر، - أو -: عن احتمال راجح إلى احتمال مرجوح. فنسأل: هل هاتان الآيتان تحتاجان إلى تأويل؟ بحيث نقول: إن ظاهرهما أن البقاء لوجهه فقط! أعوذ بالله هل هذا ظاهرهما؟

стр. 92

لا ليس ظاهر الآيتين هذا، بل ظاهرهما أنه الباقي ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، كل عاقل يعرف دلالات الكلام يفهم من هاتين الآيتين أنه الباقي الذي لا يفنى وأن له وجهًا. فأفاد التركيب إثبات البقاء له تعالى، وإثبات الوجه له ، ولا يفيد أن البقاء مخصوص، أو خاصٌّ بالوجه دون ذاته، تعالى الله عن فهم الخاطئين الغالطين. فدلَّت الآيتان على أن له وجهًا، وقد وصف وجهه بالجلال والإكرام ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾، فوجهه موصوف بالجلال والعظمة، والكبرياء، وبالإكرام، فهو تعالى الذي يكرم عباده، وهو المستحقُّ من عباده أن يكرموه بطاعته، وبتقواه، وبتعظيمه، وإجلاله ثناءً عليه، وتمجيدًا له، وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقصٍ، وعيبٍ. وهو تعالى يُوصَف بالجلال والإكرام كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن]. كما تدلُّ الآيتان على أن كل عمل لغير الله فهو باطل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، فإذا كان كل شيء ذاهبًا، وأن البقاء له وحده، فهو الذي يبقى، ولا يفنى، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾، فإن ذلك يتضمَّن أنه الإله الحق الذي لا يستحقُّ العبادة سواه، وأن كل عمل لغيره فهو فانٍ هالك ذاهب، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، ولا يبقى إلا ما كان خالصًا لوجهه، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.

стр. 93

قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ توبيخ من الله لإبليس عندما امتنع عن السجود لآدم، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أظهر الله تعالى فَضْل آدم حيث فضَّله بفضائل: خلقه بيده من بين سائر المخلوقات، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له الملائكة. وكل الموجودات هي خلقه سبحانه خلقها بقدرته، ومشيئته، وأمره ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾، وآدم خلقه الله بمشيئته، وبأمره، ولكن خصَّه بأن خلقه بيديه تعالى كيف شاء، والله يفعل بيديه ما شاء ويأخذ بيده ما شاء كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟» (١). وهذا الحديث يفسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، نؤمن بأن لله يدين حقيقةً يفعل ويخلق ويأخذ بهما ما شاء كيف شاء ، ولا نكيِّفها، ولا نتخيَّلها أبدًا، ولا نقول: له يدان، وليستا جارحتين، فإن هذه العبارة يطلقها بعضهم، وهي عبارة مبتدعة موهمة، وقد تتضمَّن نفي حقيقة اليدين، فلفظة «جارحة» تحتاج إلى تفسير. له تعالى يدان حقيقةً، وإذا قلنا: له يدان حقيقةً فلا يُفهَم أنهما كأيدي المخلوقين.

стр. 94

وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ الآيات .. هذا إخبارٌ من الله عن سفينة نوح عندما أمره الله بصنعها ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، فصنعها نوح ﵇ على عين الله، ومرأى من الله، وجرت به، وبمن معه من المؤمنين أيضًا بمرأى من الله، وإذا قال المفسِّرون من أهل السُّنة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ الآيات .. أي: بمرأى مِنّا، فليس هذا من التأويل في شيء، هذا تعبير عن دلالة الكلام، ومعنى: تجري بمرأى منَّا: تجري والله يرعاها، ويراها بعينه التي لا تنام، فمن قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بمرأى مِنّا فقد عبَّر عن المعنى تعبيرًا صحيحًا، وليس هذا تأويلًا للعين، ولا نفيًا للعين؛ بل هذا يتضمَّن إثبات العين؛ لأن العين بها تكون الرؤية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه تصبير للرسول ﷺ ، وتثبيت لقلبه على أذى أعدائه. ومن كان الله يراه، ويرعاه، ويحفظه، ويحرسه فإنه لا خوف عليه، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]، و يقول أهل السُّنة (١): إن لله عينين، وإن كان لفظ العينين لم يرد في القرآن، ولم يصحَّ به حديث فيما أعلم، وإنْ ذُكِر فيه حديث لكن في ثبوته نظر (٢)، لكن أهل السُّنة فهموا من كلام الله، وسنَّة رسوله ﷺ أن لله عينين كما يدلُّ عليه مفهوم

стр. 95

ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : «إن الله ﵎ ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» (١). ولا يجوز الخروج عن سبيل المؤمنين فسبيل المؤمنين هو هذا. وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ في موسى ﵇ يُرَبّى في بيت فرعون على عين الله، والله تعالى يرعاه، ويحفظه، ويحرسه من كيد الكائدين، وهذه الآية تدل على إثبات العين لله، لكن لا يصح أن يقال: إنها تدل على أنه ليس لله إلا عين، هذا فهم خاطئ لا يصدر إلا من جاهل بدلالات الكلام، فكما أن قوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ لا يدل على أنه ليس لله إلا يد واحدة، لا كما يقوله المغالطون الغالطون المتحذلقون: ليس لله إلا يد واحدة. مَنْ كان له يدان يقال: أخذ هذا بيده، ولا يدل إفراد اليد على أنه ليس لله إلا يد؛ إذا قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ لا يدل على أنه ليس لله إلا عين، ولا يَفهم مَنْ كانت فطرته نقية سليمة من الشبهات، ووساوس الشيطان من هذا الكلام أنه ليس لله إلا عين واحدة. وهكذا قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ هذا الأسلوب لا يدل على أن لله أعينًا، كما أن قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لا يدل على أن لله أيدي كثيرة، والحقيقة أنه

стр. 96

لولا وجود بعض الأفكار، والوساوس، والتساؤلات لما كان هناك داعٍ لهذا التوقُّف، لكن هناك إلقاءات شيطانية تكلم بها مَنْ تكلم من أهل البدع، وتكلم بها من تكلم من جهَّال الناس. إذًا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ لا يدل على أن لله أعينًا؛ لأن من قواعد اللسان العربي أن المثنى إذا أضيف إلى الجمع أو صيغة الجمع أو صيغة المثنى؛ فإنه يذكر بلفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. والسارق والسارقة هل تُقطَع لهما أربع أيدٍ؟ يدان من السارق، ويدان من السارقة؟ الجواب: لا بل من السارق يد، ومن السارقة يد. وهكذا قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] للمرأتين قلوب؟ أم قلبان؟ وهذه قصة عائشة، وحفصة (١) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؛ إذًا: الجمع لا يدل على عدد كبير من القلوب. ولا يجوز التوقُّف في هذا البتَّة، لا يتوقَّف بهذا إلا جاهل بما عليه السلف الصالح، فيجب الإيمان بكل هذه الصفات على ما يليق به سبحانه، فلا تشبه صفة من صفاته صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يعلم العباد كيفيَّة شيء من هذه الصفات.

стр. 97

فلا يجوز أن نتخيَّل كيفيَّة وجهه، أو كيفيَّة العينين له تعالى، لا تُفكِّر فيما لا سبيل إليه، فهذا من العبث والهوس، نؤمن بأنه تعالى ذو سمع، وذو بصر، فهو سميع، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وذو بصر واسع نافذ لجميع المخلوقات، وأن لله تعالى عينين تليقان به حقيقة يرى بهما كيف يشاء، كما أن له يدين حقيقة، كما أن له علمًا، وقدرةً، وحياةً حقيقةً كل ذلك للرب تعالى على ما يليق به، ويختصُّ به لا يماثله شيء من صفات خلقه. * * * *

стр. 98

إثبات السمع والرؤية والقدرة والعزة وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقوله: ﴿شَدِيدُ الْمِحَال (١٣)﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ [وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين (٥٤)﴾ [آل عمران] (١)، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (٥٠)﴾ [النمل]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق]، وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء]، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢)﴾ [النور]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، [وقوله عن إبليس:] (٢) ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢)﴾ [ص].

стр. 99

هذه الآيات كنظائرها التي تقدَّمت اشتملت على إثبات العديد من أسماء الله، وصفاته ، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، من أسمائه وصفاته مع الإيمان بأنه تعالى لا مثيل له في شيء من ذلك، وأنه لا يَعلم كيفية شيء من صفاته أحد من خلقه، فلا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم أحد من العباد كُنْهَ هذه الصفات، بل ذلك مما استأثرَ الله به، وهذه الصفات التي اشتملت عليها الآيات، منها من الأسماء: السميع، والبصير، والعفو، والغفور، والقدير؛ كلها أسماء ثابتة لله، وكل اسم من هذه الأسماء متضمِّن لصفة من صفاته ، وليست كما تقول المعتزلة: إنها مجرَّد أعلام محضة، لا تدلُّ على معانٍ. لا بل هي أسماء تدلُّ على صفات، فهو تعالى: السميع، وهو يسمع أقوال العباد حسنها، وقبيحها. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] المرأة التي ظاهر منها زوجها، جاءت تجادل النبي ﷺ ، وتشتكي حالها، وعيالها إلى الله، وقد كان الظهار في الجاهلية طلاقًا تحرم به المرأة، وليس لهذا حَلٌّ، ولكن الله أنزل هذه الآيات في شأنها، فأبان تعالى أن الظهار ليس طلاقًا، ولا تحرم به المرأة، ولكن تجب فيه الكفارة، وأن الظهار منكر من القول وزور، وجاء في قصة هذه المرأة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: إني في جانب البيت، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها، وتقول ﵂: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات» (١).

стр. 100

المرأة تجادل الرسول ﷺ ، وعائشة قريبة منهم يخفى عليها بعض كلامها، والله العلي الأعلى يسمع كلامها. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ (قد): تفيد التحقيق، سمع كلامها حين مجادلتها الرسول ﷺ ، ثم علَّل سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وكذلك يسمع كلام المفترين المجترئين على الله من الكفار، لكنه يحلم عليهم ويمهلهم ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾، هذه مقالة لبعض اليهودِ، واليهودُ أهل جرأة على الله وتنقُّص ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، سمع الله قول هذا الكافر العنيد المجترئ على الله، لما أنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ﴿البقرة ٢٤٥﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال هذا الخبيث: الله فقير يستقرضنا أموالنا (١). والله يخبرنا بأنه سمع، وليس المراد الإخبار فقط، بل في ضمن هذا الإخبار التهديد. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ لقد: اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: والله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ فيه تهديد، كما أن من هذا القبيل ما جاء في قوله تعالى مهدِّدًا للمكذبين بالرسل: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، الله يسمع سرهم، ونجواهم، وسيجزيهم على ما يدور في هذا السر والنجوى، فالله يسمع

стр. 101

كلام المتآمرين على رسل الله، والمتناجين بالإثم والعدوان، والرسل الملائكة الموكَّلون بكتابة الأعمال تكتب. إذًا: هذه الأقوال الخفية التي يستسر بها أهلها، هي مسموعة للرب، ومكتوبة بأيدي الحفظة الكرام الكاتبين، وكذلك من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، هذا خطاب من الله لموسى وهارون لما أرسلهما الله إلى فرعونَ - وفرعونُ طاغيةٌ -، وهما بشر فخافا، قال الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، فلما خافا ثبتهما بوعدهما بمعيَّته لهما، وبأنه يسمع ويرى ما يدور بينهما، وبين فرعون وقومه، وفي هذا وعد ووعيد، ولكن جانب الوعد أظهر؛ لأنه جاء خطابًا لموسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ومن صفاته تعالى الرؤية، فهو سميع بصير. واسمه البصير ليس اسمًا مجرَّدًا عن المعنى، بل اسم يدلُّ على أنه تعالى ذو بصر نافذ لجميع المخلوقات، والله تعالى ينوع الأدلة على إثبات صفة الرؤية ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾، والله تعالى يرى ما يجري بين الرسل، وأعدائهم المكذبين، يرى العباد في مساجدهم، ومحاريبهم، يراك أيها العبد، فاحذر أن يراك ربك حيث نهاك. وفي ذكر السمع والرؤية في هذه المواطن تثبيت لقلوب الرسل، وأتباعهم، وتقوية لعزمات العابدين، فإذا استحضر العبد وهو يعبد ربه

стр. 102

أن الله يراه، فهذا مقام من مقامات الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (١). ومن الآيات الدالة على الرؤية قوله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وفي هذا تهديد للمنافقين بأن ما تعملون سيراه الله، ويراه الرسول، ويراه المؤمنون، وفي آية قبلها ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَّ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٩٤)﴾ [التوبة]، هذه صريحة في المنافقين، فالله يرى أعمال المؤمنين من: صلاتهم، وصدقاتهم وحجهم، وجهادهم، ويرى أعمال الكافرين من: شركهم، وظلمهم، وعدوانهم، وجرائمهم، يرى هؤلاء وهؤلاء. ومن الصفات التي اشتملت عليها هذه الآيات المتقدمة: صفة المكرِ، والكيدِ، والمكرُ والكيدُ معناهما متقارب، وكذلك المحال ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، يعني: شديد المكر بأعدائه من: الكافرين، والمنافقين، فَمَنْ مَكَرَ اللهُ به فهو المغلوب؛ ولهذا قال في الكافرين: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾، وفي قوم صالح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾، فالله يكيد الكافرين والمنافقين، ويمكر بهم، وهو

стр. 103

خير الماكرين، والعباد يمكرون ويكيدون، وليس المكرُ كالمكرِ، ولا الكيدُ كالكيدِ، ولكنه تعالى يمكر بأعدائه حقيقة، ويكيدهم حقيقة. والمكرُ والكيدُ: تدبير خفي يتضمَّن إيصال الضرر من حيث يظن النفع. فالذي يريد أن يمكر يظهر المحبة، ويظهر الإحسان، وهو يتَّخذ ذلك وسيلة للإيقاع بخصمه وعدوه. والمكر من الناس منه: المحمود والمذموم، فإذا كان على وجه العدل؛ فهو محمود، وإذا كان على وجه الظلم، والعدوان؛ فهو مذموم، فمن المحمود: المكر مجازاة، أو المكر بالكفار بالتدابير الخفية للإيقاع بهم، هذا كله من أنواع الجهاد في سبيل الله؛ ف «الحربُ خَدْعَة» (١). لكن المكرَ بالمؤمنين بغيرِ حقٍ؛ ظلمٌ وعدوانٌ. أما مكر الله، فهو كله محمود، وعدل، وحكمة، هو تعالى يمكر بالكافرين مكرًا حقيقيًّا، ويدبر تدبيرًا خفيًّا، يوصل به العقاب من حيث يُظن الإنعام، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون (١٨٢)﴾ [الأعراف]، الاستدراج هذا هو المكر، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين (١٧٨)﴾ [آل عمران]، إملاء الله للكافرين هو من مكره بهم، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يشتهونه، ويفرحون به ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ أليس هذا مكرًا؟

стр. 104

يفتح الله عليهم أبواب المسرَّات، والنعم، والخيرات، ويصبُّ عليهم ما يشتهون حتى إذا فرحوا بما أوتوا أحلَّ بهم النقمة ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٤٥)﴾ [الأنعام]، إي والله مكر، والآن ما تتمتع به أمم الكفر من الحضارة القائمة، والرقي والتقدم المادي، والسلطان والقوة على سائر أمم الأرض، هذا والله من مكر الله بهذه الأمم الطاغية، فهم يعيشون في مكر من الله، فهذه الفتوح المادية أدَّت بهم إلى الاغترار، والزهو، والغطرسة، والكبرياء، والتسلط، والظلم .. هل انتفعوا بهذه الحضارة؟ لا والله، بل ازدادوا بها إثمًا، «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (١). فالواجب على المسلمين ألا يغتروا بما يعيشه الكفار من مظاهر عز، وتقدم، ورقي، وعلوم، ومعارف، وعلى المسلمين أن يسعوا فيما ينفعهم، لكن من غير أن يعجبوا بالكفار، أو يعظموهم، أو يسيروا في ركابهم، أو يقلدوهم في التوافه، وفيما يضر، ولا ينفع. المقصود أن هذا من مكر الله، ومن مكر الله بالمنافقين أن شرع قبول علانيتهم، فمن أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، فقد أمر الله أن نقبل علانيته، ونترك سريرته، فيظن المنافق أن نفاقه قد راج على الله، وأنه بهذا قد خدع الله ﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون (٩)﴾ [البقرة].

стр. 105

ومن الصفات التي اشتملت عليها هذه الآيات المتقدمة صفة: العَفْوَ، والقدرة، ومن أسمائه تعالى العَفُوّ، والقدير، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾، في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله تعالى العَفُوّ، والقدير، وكل اسم متضمِّن لصفة، فمن صفاته: العفو والتجاوز عن السيئات، وإزالة آثارها، ومن صفاته القدرة. والعفو إنما يكون كمالًا إذا كان مع قدرة؛ ولهذا قرن الله بين هذين الاسمين العفو والقدير، فعفوه تعالى لا عن عجز، بل مع كمال القدرة. وهكذا قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، فيه إثبات اسمين من أسمائه، وهما: الغفور الرحيم. والغفور صيغة تدل على كثرة مغفرته للذنوب، فهو سبحانه: الغفور، والغفار، وهو غافر الذنب. وهو الرحيم ذو الرحمة الواسعة، الذي لم يزل موصوفًا بالرحمة، وفي هاتين الآيتين ترغيب في العفو، والرحمة، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عفا الله عنه، ومن غفر غفر الله له ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾، ومن سنة الله في الجزاء أن يجازيَ كُلًّا بجنس عمله، ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان (٦٠)﴾ [الرحمن]، وفي الدعاء الذي علمه النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة حين سألته: أرأيت إن وافقت ليلة

стр. 106

القدر ما أقول؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني» (١). فالله يحبُّ لعباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، وهذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح ابن بنت خالته، فلما أنزل الله هذه الآية قال: «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي»، فَرَدَّ على مسطح نفقته (٢). ومن الصفات التي ورد بعض الأدلة والشواهد عليها العزة، فمن صفاته تعالى العزة، والعزة تفسر: بالقوة، والغلبة، ومن أسمائه العزيز، فله العزة جميعا بكل معانيها، وهو الذي منه العزة، فيعز من يشاء، ويذل من يشاء، وقد جعل العزة الحقة للرسول ﷺ ، وللمؤمنين، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وكلما كان حظُّ الإنسان من الإيمان أكبر كان حظه من العزة، والنَصْر، والنجاة أوفر، فاسمه العزيز يدل على صفة العزة، فليس اسمًا محضًا مجردًا خاليًا عن المعنى.

стр. 107

وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢)﴾ [ص]، فأقسم إبليس بعزة الله، وهدد آدم وذريته بالإغواء، نعوذ بالله من إبليس، وجنوده من شياطين الإنس والجن. فلله تعالى الغلبة على كل شيء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّين (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز (٢١)﴾ [المجادلة]، وهو سبحانه العزيز - أي -: الذي لا مثيل له، فله تعالى العزة بكل معانيها على أكمل وجه، وإن كان المخلوق قد يسمى عزيزًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]، فله عزة تناسبه، وليس العزيز كالعزيز، ولا العزة كالعزة، فسبحان الله العظيم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وله المثل الأعلى. * * * *

стр. 108

نفي النقائص عن الله كالكفء والند والولد والشريك وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [التغابن]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٩٢)﴾ [المؤمنون] [٢٧/ ١]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (٣٣)﴾ [الأعراف].

стр. 109

هذه الآيات التي ساقها المؤلف ﵀ تختلف عن الآيات السابقة، فإن هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. هذه الآيات تتضمَّن وصف الله بنفي تلك النقائص عنه سبحانه، فالله موصوفٌ بالإثبات وبالنفي، ومن صفات النفي التي يُوصَف الله بها تعالى أنه منزَّه عن: الولد، والوالد، والكفء، والنِّدِّ، والشريك، والولي من الذل. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه نفي الولد، ونفيُ الولد نَجده في القرآن كثيرًا كما في هذه الآيات التي فيها التنديد بالذين ينسبون إليه الولد، وذلك لأن كثيرًا من الأمم نسبوا إليه ذلك تعالى الله عمّا يقولون، فاليهود قالت: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله؛ ولهذا كثر التنديد بمقالتهم ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُون (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون (١٥١)﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُون (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِين (١٥٦)﴾ [الصافات]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ

стр. 110

وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم]. توبيخٌ لهم وتقريعٌ وإفحامٌ، وأنه لا حجَّة لهم من عقلٍ ولا شرعٍ ولا حسٍّ، ما هو إلا الكذب والافتراء الذي زينه الشيطان لهم. وكل من أشرك مع الله غيره فقد جعل له مثلًا، وجعل له ندًّا؛ ولهذا أنكر الله عليهم ذلك ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ لا تجعلوا له أشباهًا، ونظراء؛ فإنه لا نظير له، لا تجعلوا له أندادًا في العبادة، فإنه الإله الحق الذي لا يستحقُّ العبادة سواه، فلا مثيل له في ذاته، ولا في صفاته، ليس كمثله شيء. وهذه الآيات الغالب فيها النفي، وإن كان فيها إثبات، لكن الشيخ ﵀ ساقها للاستشهاد بها على الصفات السلبية، فالله تعالى موصوفٌ بنفي النقائص، والعيوب، كنفي الشريك، ففي القرآن: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٤٣)﴾ [الطور] ونفي الولد، والصاحبة ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن]، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ونفي المِثْل ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فذمَّ الذين اتخذوا من دون الله أندادًا في المحبة يحبونهم كحبهم لله. والسمي، والندّ، والكفء أو الكفو، والمثل؛ كلها ألفاظ متقاربة تفسر بالمثل، والشبه، والشبيه، والنظير، فإنه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه، ونفي هذه النقائص يستلزم إثبات
следующие страницы →