والإحسان فسره الشيخ بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل، والإحسان الذي أمر الله به عباده وأثنى على أهله في كتابه نوعان:
الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء].
الإحسان في العمل: وهذا هو المقصود هنا، والمراد إتقانه وإيقاعه على أكمل الوجوه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
قال: «وهو»: أي الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه»، والمعنى: أن تقبل على عبادة الله كأنك تراه.
والعباد لا يرون ربهم في الدنيا، وإنما يرونه يوم القيامة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث، ولكن المؤمن الصادق يحسن في عبادته لربه، فيعبده كأنه يراه خائفًا راجيًا مقبلًا خاضعًا لربه متذللًا، ومن كان على هذه الحال؛ فمعلوم أنه سيكون في غاية من الإقبال والصدق في العبادة.
قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبد لا يرى ربه، ولكن الله يراه، فينبغي للمسلم أن يستحضر إطلاع الله عليه وشهوده له، فيوجب له ذلك تحقيق العبودية، وكمال الإقبال.
стр. 37
قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]»؛ اتقوا ربهم وأحسنوا في تقواهم، وهذه هي: معية الله الخاصة قيدها بالمتقين، ونظير ذلك قوله سبحانه عن نبيه ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وهذه المعية تقتضي: التأييد والحفظ والنصر.
«وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]» والمعنى: اعتمد بقلبك وفوض جميع أمورك إلى من يراك وأنت قائم في عبادته، وأنت بين الساجدين ومعهم؛ فإن توكلت عليه فإنه كافيك، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وهذا ظاهر الدلالة على معنى قوله ﷺ : «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١).
«وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]»، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾؛ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، وهذا أخص من قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، وخصها بالذكر؛ لأن تلاوته للقرآن من أعظم شؤونه ﷺ ، ﴿إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ هذا هو الشاهد؛ والمعنى: إلا كنا حاضرين وقت شروعكم فيه واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم
стр. 38
وأدوها على وجه النصيحة والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكرهه الله تعالى، فإنه مطلع عليكم عالم بظواهركم وبواطنكم.
وكل هذه الآيات تدل على مقام الإحسان، وأن الله يرى عبده في جميع أموره، وفي جميع أحواله، فهو حاضر يسمع كلام العبد ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون (٦٩)﴾ [القصص]، فإذا استحضر العبد ذلك كان من أسباب إقباله على ربه، وصدقه في عبادته، وتكميله لها، ولكن بسبب الغفلة والذهول عن هذا الأمر يؤدي الإنسان العبادة بفتور، والمؤمن يؤمن بأن الله يراه، ولكن فرْقٌ بين الإيمان بهذا الأمر، وبين الشعور به واستحضاره.
وكثير من الناس لا يستحضر هذا الأمر، فهذا مقام عظيم، إنما يحققه الكُمَّل من المؤمنين.
وتقدم أن دين الإسلام ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد ذكرها الشيخ، وذكر أركانها ومعناها، وأدلتها من القرآن، ثم قال: «والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر ﵁»؛ أي: الدليل على ما تقدم كله من السنة النبوية، وإذا أطلق حديث جبريل يراد به هذا الحديث، وقد روى هذا الحديث مسلم عن عمر ﵁ (١)، ورواه أيضًا هو والبخاري بلفظ مختلف قليلًا عن أبي هريرة ﵁ (٢) «قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد»
стр. 39
ظهر علينا من طريق أو من باب بهيئة طيبة وجميلة، ولكنه غير معروف، يقول: «حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه»؛ يعني: جلس قريبًا منه، فأسند السائل ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ، ويديه على فخذي النبي ﷺ مبالغة في القرب، ومبالغة في السؤال، «وقال: يا محمد» خاطبه باسمه؛ لإظهار أنه جاهل لا يعرف حسن الخطاب؛ لأن عادة الأعراب إذا جاءوا إلى الرسول ﷺ يقولون: يا محمد! أما الصحابة الذين حسن إسلامهم لا يقولون للرسول: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله! أو يا نبي الله! وهذا أشرف ما يدعى به ﷺ ، كما خاطبه الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١].
«أخبرني عن الإسلام»؛ أي: ما هو الإسلام؟ «فقال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
«قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» العادة أن السائل لا يقول: صدقت، بل يقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، ونحوها، ولكن قوله: «صدقت» يدل على أن عنده خبرًا، وهذا هو محل العجب.
ثم «قال: فأخبرني عن الإيمان» هذا هو السؤال الثاني، ما هو الإيمان؟
стр. 40
«قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»؛ فسر الإيمان بهذه الأصول الستة، وهذه كما تقدم هي أصول الاعتقاد، فجميع مسائل الاعتقاد ترجع إلى هذه الأصول؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … » (١).
«قال: صدقت» مثل ما قال في الأول «قال: فأخبرني عن الإحسان»، ما هو الإحسان؟
«قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والمراد إحسان العمل وإتقانه بتحقيق المراقبة، وكمال الإخلاص.
«قال فأخبرني عن الساعة؟» متى الساعة؟ أي: القيامة، «قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»؛ أي: علمي وعلمك بها سواء، فإذا كنتَ لا تعلمها، فأنا كذلك لا أعلمها.
«قال: فأخبرني عن أمارتها»؛ أي: علامات قيامها «قال: أن تلد الأمة ربتها» وفي لفظ «ربها»، الأمة: هي الأنثى المملوكة تلد ربها أو تلد ربتها، اختلف في معنى ذلك، وأحسن ما قيل: إنه إذا كثر الرقيق فربما ولدت المرأة ابنًا ثم فارقته بسبب الرق، ثم اشتراها ولدها وهو لا يدري أنها أُمُّه، فيصير سيدًا لها، وقيل: إن الأَمَة إذا وطئها سيدها فولدتْ، فولدُ سيدِها سيدٌ لها.
стр. 41
«وأن ترى الحفاة العراة العالة» الحفاة: غير المنتعلين، والعراة: غير المكتسين، والعالة: الفقراء «رِعَاء الشَّاء» الذين من عادتهم رعي الغنم «يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»، والمراد: إذا رأيت سكان الصحراء يهبطون إلى القرى، ويبنون فيها المساكن ويتنافسون في طول البنيان، فهذا من علاماتها. وعلامات قيام الساعة كثيرة، كما جاءت الأدلة بذكرها.
«قال: فمضى»؛ أي: خرج الرجل ومشى قال: «فلبثنا مليًا»؛ أي: زمنًا، وفي رواية: «فلبثت ثلاثًا» (١)، «فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم».
فهذا الحديث العظيم اشتمل على فوائد كثيرة، فقد اشتمل على ذِكر أصول الدين الاعتقادية والعملية، وذكر مقامات الدين ومراتبه، وفيه الدلالة على أن الساعة مما استأثر الله بعلمه، وفيه دليل على بعض علاماتها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها.
стр. 42
قال: «الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ﷺ » من الأصول الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها، وهي مدار العلم.
وتقدم ذكر المرسِل: وهو الله تعالى، والرسالة: وهي دين الإسلام، والآن يتحدث الشيخ عن المرسَل أو الرسول، وهو محمد ﷺ ، فمعرفته واجبة.
стр. 43
ثم ذكر الشيخ تعريفًا موجزًا عن النبي ﷺ ، ومن ذلك ذكر نسبه قال: «وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش»؛ ولهذا يُقال له هو وقبيلته: بنو هاشم، وهاشم من قريش، وهو: هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، إلى أن ينتهي نسب النبي ﷺ إلى عدنان.
يقول: «وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام». إذًا؛ نبينا محمد ﷺ ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وقد قال ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١).
ثم ذكر الشيخ عُمر الرسول ﷺ ، فقال: «وله من العمر: ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا»؛ مضى عليه أربعون وهو لا يعلم شيئًا مما جاءه ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين (٣)﴾ [يوسف]، ﴿قُلْ لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُون (١٦)﴾ [يونس]، وثلاثة وعشرون سنة كان نبيًّا رسولًا ﷺ .
ثم ذكر الشيخ ما نُبئ به وأرسل به من القرآن، فيقول ﵀: «نبئ ب ﴿اقْرَأ﴾» أي أنه أوحي إليه فصار نبيًا بنزول أوائل سورة العلق؛ جاءه جبريل ﵇ وهو يتعبد في غار حراء - فقال: «اقرأ، فقال: ما أنا
стр. 44
بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم (٣)﴾» (١)، وبهذا صار نبيًا.
«وأرسل ب ﴿الْمُدَّثِّر﴾»؛ لأن فيها التنصيص على الأمر بالنذارة.
«وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة» ثم ذكر الشيخ بلد الرسول ﷺ ، وهي مكة؛ البلد الحرام وأفضل بلاد الله، وأحب البلاد إلى الله.
إذًا؛ فالله تعالى اصطفى أفضل الرسل من أفضل البلاد، وأفضل الشعوب وأشرف القبائل ﷺ .
قال الشيخ: «بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنذِر (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّر (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّر (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُر (٥) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِر (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر (٧)﴾ [المدثر]، ومعنى: ﴿قُمْ فَأَنذِر (٢)﴾: ينذر عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر (٣)﴾: أي عظمه بالتوحيد، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر (٤)﴾: أي طهر أعمالك عن الشرك، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر (٥)﴾؛ الرجز: الأصنام، وهجرها: تركها والبراءة منها وأهلها».
المدثر هو: الملتحف؛ لأنه جاءه الملك وهو على هذه الحال، وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِر (٢)﴾ أنذر الناس عذاب الله وحذرهم من أسبابه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر (٣)﴾: عظمه بتوحيده وإخلاص الدين له وطاعته، ﴿وَثِيَابَكَ
стр. 45
فَطَهِّر (٤)﴾؛ أي طهر أعمالك من الشرك والمعاصي، ونزه أخلاقك عن الأخلاق الرذيلة، وقيل: طهِّر ثيابك من النجاسات.
يقول الشيخ: «أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرج به إلى السماء» عشر سنين وهو يدعو إلى التوحيد، ويأمر بالأخلاق والعفاف والصلة والصدقة، ثم أُسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به من هناك إلى السماء، وشاهد ما شاهد، ولقي من لقي من الأنبياء «وفرضت عليه الصلوات الخمس» فرضت خمسين ثم لم يزل يطلب من ربه التخفيف حتى صارت خمسًا، «وصلى في مكة ثلاث سنين» بعد ما فرضت عليه الصلوات الخمس «وبعدها؛ أُمر بالهجرة إلى المدينة»؛ لأنه أُوذي ﷺ هو وأصحابه في مكة، فهاجر بعض أصحابه إلى الحبشة مرتين، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، بعدما انتشر الإسلام فيها وصارت دار إسلام، وبعد أن وفد إليه الأنصار وبايعوه على أنه إذا أتاهم يحمونه وينصرونه، فهاجر ﷺ هو وأبو بكر ﵁.
قال: «والهجرة» حقيقتها «الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام».
والهجر في اللغة: الترك، فالانتقال فيه ترك، الانتقال ترك للبلد التي ينتقل منها إلى بلد آخر، وهذه الهجرة الخاصة. أما الهجرة العامة فهي هجر ما نهى الله عنه؛ كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١)، من كل المعاصي.
стр. 46
يقول الشيخ: «والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء]».
ففي هذه الآية دلالة على أن الملائكة توبخ الذين أسلموا وبقوا مستخفين لا يظهرون دينهم بل يُظهِرون أنهم على دين قومهم من غير ضرورة ولا إكراه ومع قدرتهم على الهجرة، وتنذرهم سوء المصير؛ لأن الأرض واسعة يمكن للمضطهد والمستذل والمظلوم أن يتحول إلى نواحي أرض الله الواسعة ليجد مكانًا يراغم فيه الأعداء، واستثنى من الوعيد المستضعفين، فقال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨)﴾، «و» كذلك من الأدلة «قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون (٥٦)﴾ [العنكبوت]». وهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيها على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، وأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم.
«قال البغوي رحمه الله تعالى» المفسر المعروف، حسين بن مسعود صاحب تفسير «معالم التنزيل»: «سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان» (١)، فإذا كان الإنسان
стр. 47
في بلد الشرك والكفر، وهو لا يستطيع أن يظهر دينه وجب عليه أن يهاجر ويفارق أرض المشركين وأرض الكفار.
«والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)»، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق باب التوبة، فلا يمكن لأحد أن يتوب؛ لا الكافر من كفره، ولا العاصي من معصيته، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن مَنْ عليها، فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]» (٢).
وتقدم أنه ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة، «فلما استقر بالمدينة أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام»؛ لأنه في مكة أول ما فرض عليه من أركان الإسلام العملية: الصلوات الخمس، وفي المدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام، وبعضهم يقول: إن الزكاة فرضت في مكة، ولكن تفاصيل أحكامها كان في المدينة، وفُرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات فقط.
стр. 48
وفرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة على الصحيح، وأُمر بالأذان للصلاة ولم يكن مشروعًا قبل ذلك، وشُرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد فسُيَّرت السرايا والجيوش من المدينة لغزو الكفار وحربهم؛ لأن الدولة النبوية تكونت في المدينة.
يقول الشيخ: «أخذ على هذا عشر سنين» وهو في المدينة، «وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه»، في ربيع الأول من السنة العاشرة؛ بل على التاريخ المعروف تكون في السنة الحادية عشرة، فتم له عشر سنين في المدينة لأنه قدم في ربيع الأول وتوفي في ربيع الأول، فهذه عشر سنين.
يقول الشيخ: «ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه: التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه» وقد توفي ﷺ ، ولكن دين الله باق محفوظ؛ لأن الله قد ضمن حفظه، ولما مات وفُجع الناس بموته صلوات الله وسلامه عليه، وطاشت العقول، جاء أبو بكر ﵁ وخطب الناس وبين لهم أنه بشر، وأنه سيموت، وقال: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وتلا عليهم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١) الآية [آل عمران: ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُون (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون (٣١)﴾ [الزمر].
стр. 49
قال الشيخ: «بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]».
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]. فهو رسول الله إلى جميع الناس، إلى اليهود والنصارى والوثنيين وسائر البشر، إلى العرب والعجم، ومن قال: إنه رسول إلى العرب دون غيرهم؛ فهو كافر لم يشهد أن محمدًا رسول الله، كما يزعم بعض النصارى ويقول: صحيح أن محمدًا رسول، لكنه رسول إلى العرب. ومن يظن هذا من المسلمين أو يعتقده، فهو مرتد عن الإسلام.
فكل من خرج عن شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وفي نار جهنم إن مات على ذلك كما في الحديث الصحيح؛ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١)؛ وذلك لأن دين اليهود والنصارى الذي يتدينون به الآن دين باطل.
يقول الشيخ: «وأكمل الله به الدين» أكمل الله برسالته ﷺ الدين، فقد جاء بالشريعة الخالدة الكاملة.
«والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]».
стр. 50
وهذا الدين محفوظ باقٍ ببقاء أهله أن تقوم الساعة، في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (١)، «والدليل على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُون (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون (٣١)﴾ [الزمر]».
يقول الشيخ ﵀: «والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح]، وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]».
بعد ما ذكر الأصول الثلاثة أتبع ذلك بذكر أصل من أصول الإيمان، وهو: الإيمان بالبعث بعد الموت، وهذا هو الذي كفَر به أعداء الرسل الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيب (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد (٣)﴾ [ق]، وقد أمر الله نبيه أن يقسم بربه على وقوع البعث، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِين (٥٣)﴾ [يونس].
стр. 51
فالإيمان بالبعث أصل من أصول الإيمان ويُعبر عنه باليوم الآخر، والآيات في ذكر البعث كثيرة جدًا، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه]، فالله خلق الناس من تراب ثم يعيدهم في التراب ثم يخرجهم تارة أخرى، وقال تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون (٢٥)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِير (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِير (٤٤)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون (١٦)﴾ [المؤمنون].
يقول الشيخ: «ومن كذَّب بالبعث كفر» حتى لو آمن بالله؛ لأنه أنكر أصلًا من أصول الإيمان، والتكذيب بالبعث يتضمن تكذيب الرسل كلهم «والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧)﴾ [التغابن]». إذًا؛ إنكار البعث هو من عقائد أهل الكفر، كما في هذه الآيات.
والبعث: المراد به إخراج الناس من قبورهم ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت (٤)﴾ [الانفطار].
والبعث له غاية، وهو: الحساب والجزاء، فالناس بعد البعث محاسبون ومجزيون على أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾ [الزلزلة]، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون (١٥)﴾ [الجاثية].
стр. 52
ويوم القيامة له أسماء كثيرة، منها:
يوم القيامة، ويُقال له الساعة، ويوم النشور، ويوم الحساب، ويوم الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين (١٨)﴾ [الانفطار].
فهذه الحياة الدنيا ليست كما يظنها الكافرون دائمة، وأنها أجيال تنقرض وتذهب، وأجيال تظهر وتنشأ إلى ما لا نهاية؛ لا، الأمر ليس كذلك؛ فهذه الدنيا لها عمر، ولها نهاية وأجل، وأجلها هو: قيام القيامة الذي استأثر الله بعلمه، وكتمه عن خلقه فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم إذا قامت القيامة وبُعث الناس من قبورهم، جمع الله الأولين والآخرين، ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُوم (٥٠)﴾ الآيات [الواقعة].
واليهود والنصارى يؤمنون بالبعث، لكن ليس على الوجه الذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة، وإذا آمنوا به وآمنوا بالجنة والنار، فلهم عقائد في البعث وفي الجنة والنار باطلة، ولو آمنوا به إيمانًا صحيحًا لكانوا كفارًا بتكذيبهم رسالة محمد ﷺ .
فالكفر: يكون باعتقاد الشخص عقيدة واحدة من عقائد الكفر أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فالمشركون كفروا بأشياء كثيرة: بالشرك وبتكذيب الرسول ﷺ وبجحد اليوم الآخر، فعندهم أنواع من الكفر.
стр. 53
ولا يجازى الإنسان على العمل السيئ بأكثر مما عمله، وإنما يجزى بمثل عمله قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون (١٦٠)﴾ [الأنعام]، وهذا من كمال عدل الله وفضله وإحسانه، واستدل الشيخ لذلك بقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا﴾، أما المحسنون فقال الله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]، فهم يجزون بأفضل مما عملوا، وبأكثر من أعمالهم، والحسنى «فعلى» بمعنى: الأحسن، كما قال : ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِين (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون (٣٥)﴾ [الزمر]، هذا الشاهد: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون (٣٥)﴾.
يقول الشيخ ﵀: «وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين» بعد ما ذكر الشيخ من أصول الإيمان البعث والحساب والجزاء؛ ذكر أصلًا آخر من أصول الإيمان وهو الإيمان بالرسل.
فالله أرسل الرسل لقطع العذر وإقامة الحجة، حتى لا يقول قائل: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤]، فهم مرسلون ليبشروا من أطاعهم بوعد الله وثوابه وكرامته، وينذروا من عصاهم بالعقاب.
«والدليل قوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]».
«و» هؤلاء الرسل «أولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ » بعث الله نوحًا إلى قومه، وهم أهل الأرض إذ ذاك لما حدث فيهم الشرك،
стр. 54
فأقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم، ثم أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون (٣٦)﴾ [هود]، وقال : ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيل (٤٠)﴾ [هود].
وآخر هؤلاء الرسل هو نبينا محمد ﷺ ، خُتمت به النبوة والرسالة فلا نبي بعده، وهو نبي الساعة؛ لأنه بُعث بين يدي الساعة، يقول النبي ﷺ : «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبَد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (١).
يقول الشيخ: «والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]» فذكر الله في هذه الآية أول الرسل وآخرهم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الخطاب لمحمد ﷺ وهو آخرهم، ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ وهو أولهم، فجمع الله في هذه الآية بين طرفي سلسلة الرسل.
قال: «وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد ﷺ ؛ يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]».
стр. 55
دين الرسل كلهم واحد هو الإسلام، فكل رسول بعثه الله إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة الطاغوت، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فهذا يدل على أن دعوة الرسل واحدة، ودينهم واحد هو: الإسلام، لكن الشرائع وكيفية العبادات تتنوع وتختلف، وهناك عبادات في الشرائع الماضية موجودة في هذه الشريعة، فهي مشتركة، كالصلاة والزكاة والصيام، بل والحج، كما دلت على ذلك النصوص.
وإرسال الرسل رحمة من الله للبشر، ولولا ذلك لتخبَّطوا في الظلمات ولَمَا اهتدوا إلى الطريق القويم، ولكن رسل الله جاءت تترا واحد بعد واحد؛ أرسل الله نوحًا ثم هودًا ثم صالحًا، وكان آخرهم خاتم النبيين محمد ﷺ ؛ أرسله الله إلى الناس أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
قال الشيخ: «وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله» وهذا هو أول واجب على العبد، فالكفر بالطاغوت البراءة من كل ما يُعبد من دون الله، والإيمان بالله هو: الإيمان بربوبيته وإلهيته.
ثم نقل الشيخ تفسير ابن القيم لمعنى الطاغوت فقال:
«قال ابن القيم رحمه الله تعالى»: - وهو الإمام المعروف بالعلم والتحقيق والاجتهاد، وصاحب المؤلفات الكثيرة - يقول: «الطاغوت ما
стр. 56
تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (١)؛ أي أن كل من غلا فيه الإنسان وتجاوز به الحد، فرفعه عن منزلته فهذا هو الطغيان والغلو.
يقول: «من معبود أو متبوع أو مطاع» فمن عبد غير الله، فقد تجاوز به الحد، فإن المخلوق عبد لا يرتفع إلى منزلة الإلهية «أو متبوع»؛ أي: إمام له أتباع، فمن اتخذ له إمامًا وتجاوز به الحد بأن جعله بمنزلة الرسول ﷺ ، وأنه معصوم؛ فهذا المتبوع إذا كان راضيًا بما يفعله هؤلاء الأتباع؛ فهو طاغوت.
وكذلك من له سلطان على الناس إذا غلا فيه الناس حتى جعلوا طاعته لازمة كطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ، فقد تجاوز الإنسان بهذا المطاع حده.
يقول الشيخ: «والطواغيت كثيرة» هناك كمٌّ هائل يُعبد من دون الله «ورؤوسهم خمسة»؛ أي: كبارهم ورؤسائهم «إبليس لعنه الله» هذا هو طاغوت الطواغيت، إبليس اللعين، وينبغي أن تقول: اللعين ولا تقول: لعنه الله؛ لأننا لم نتعبد بالدعاء عليه، إنما تُعبدنا بالاستعاذة بالله من شره في مواضع كثيرة: في افتتاح الصلاة، وقبل تلاوة القرآن، وعند دخول الخلاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وفي مواضع كثيرة ذكرتها النصوص.
«ومن عُبد وهو راضٍ» احترازًا من الأنبياء والملائكة، فإن بعض المشركين يعبدهم، ولكنهم غير راضين بذلك، بل يتبرءون من عابديهم
стр. 57
«ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه»؛ أيُّ طغيان فوق هذا الطغيان أن يدعو الناس إلى أن يعبدوه؟! ومن أطاعه فقد تجاوز به الحد «ومن ادعى شيئًا من علم الغيب»، فإن ذلك يناقض قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت.
«ومن حكم بغير ما أنزل الله»، فهو طاغوت، وقد يكون كافرًا، وقد لا يكون كافرًا، لكنه طاغوت؛ لأنه تجاوز بهذا الحكم حده، ومن أطاعه في ذلك ووافقه في ذلك؛ فقد غلا فيه وتجاوز به حده.
ثم ذكر الشيخ الدليل على وجوب الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، يقول: «والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]».
يقول الشيخ: «وهذا معنى: لا إله إلا الله»؛ أي: أن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، هو: معنى لا إله إلا الله.
قال الشيخ: «وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»» (١)، هذا طرف من حديث معاذ الطويل الذي رواه الترمذي وغيره، قال: قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» - إلى أن قال النبي ﷺ لمعاذ: - «ألا أُخبرك برأس الأمر كله، وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى
стр. 58
يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام»؛ أي: رأس الأمر وأوله وأعلاه هو الإسلام، الذي هو: معنى لا إله إلا الله.
قال: «وعموده الصلاة» التي هي: أوجب الواجبات على المسلمين بعد التوحيد.
قال: «وذروة سنامه الجهاد»؛ أي: أعلاه، فإذا كانت سوق الجهاد قائمة، وراية الجهاد مرفوعة، فهذا عنوان العز - عز الإسلام وأهله -، ومتى ترك الناس الجهاد - كما هو الواقع - ذلوا وهانوا.
«والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم».
تمَّ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* * *