← Акыда

Акыда · id 17774

شرح الأصول الثلاثة - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (58 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٠٢)﴾ [آل عمران]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فهذا شرح مختصر على «الأصول الثلاثة» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ألقاه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، في أحد مساجد مدينة الرياض. وكان المنهج الذي سُلِك في إخراج هذا الشرح كما يلي: ١ - مراجعة النص والتأكد منه. ٢ - تهيئته وتنسيقه ليتناسب مع الطباعة.

стр. 2

٣ - عزو الآيات إلى أماكنها من المصحف. ٤ - تخريج الأحاديث وذلك باختصار، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفي بذلك، وإن كان في غيرهما فإنه يقتصر في الغالب على الكتب الستة، مع ذكر كلام المحدثين في صحة الحديث وضعفه، ولا يستقصى ذلك. ٥ - عزو الأقوال إلى قائليها وأماكنها. ٦ - ضبط المتن على طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، وجعله بين قوسين، بلون أحمر. ٧ - قراءة الشرح على الشيخ لتعديل أو حذف أو إضافة أو إصلاح ما يراه مناسبًا. وفي الختام نحمد الله ﷻ أن يسر إتمام خدمة هذا الكتاب، ونسأل الله أن نكون قد وفقنا لهذه الغاية، وبالله التوفيق فهو نعم المعين. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه الرسالة القيمة المعروفة ب «الأصول الثلاثة»: «اعلم» هذا خطاب لطالب العلم؛ والمعنى: تعلم، واجتهد في العلم. وقوله: «رحمك الله» هذا من تلطف الشيخ بطلاب العلم بالدعاء لهم، ومن ﵀ أفلح وسعِد، ونال خير الدنيا والآخرة. وقوله: «أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل» أي: أربع مسائل يجب علينا معرفتها. «الأولى: العلم»، والعلم منه ما هو فرض عين على كل مكلف، ومنه ما هو فرض كفاية. «وهو: معرفة الله» بأسمائه وصفاته، «ومعرفة نبيه» محمد ﷺ ، «ومعرفة دين الإسلام بالأدلة». وهذه المعارف الثلاثة هي: الأصول الثلاثة التي سيتكلم عنها الشيخ إجمالًا وتفصيلًا. «الثانية: العمل به»؛ لأن هذا هو المقصود من تعلم العلم، وليس المقصود مجرد تحصيل معلومات في الذهن، وإنما المقصود بالعلم

стр. 4

الشرعي: هو تحقيق الإيمان، والعمل الصالح؛ فالعلم بلا عمل يكون وبالًا على صاحبه، وحجة عليه - نعوذ بالله -. «الثالثة: الدعوة إليه» فإذا اجتهد الإنسان وحصَّل علمًا، وعمل به فعليه - أيضًا - أن يُعلِّم، ويدعو، ويأمر وينهى، وينفع الآخرين؛ لأنَّ هذه وظيفة الرسل وأتباعهم. «الرابعة: الصبر على الأذى فيه»؛ لأن من تصدى لدعوة الناس وأمْرِهم ونهيهم عمَّا تعودوه؛ لابد أن يحصل له منهم أذى بالكلام وبالفعل، فلا بد له من الصبر على ذلك، وهكذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]. فالصبر هو أساس القيام بالمهمات والأعمال الصالحة. قال الشيخ: «والدليل» على هذه المسائل «قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر]»، فهذه السورة ثلاث آيات: الأولى قوله تعالى: «﴿وَالْعَصْر (١)﴾» وهذا قسمٌ من الله، والله يقسم بما شاء من خلقه، والعصر هو: الدهر المكون من الليالي والأيام، والشهور والأعوام (١)، وهو عمر الإنسان، وهو ميدان العمل.

стр. 5

الآية الثانية: قوله تعالى: «﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢)﴾» هذا هو المقسم عليه، و «ال» هنا للجنس؛ والمعنى: أن كل إنسان في خسارة، والخُسر: ضد الربح، إلا من استثنى الله بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ فمن حقق هذه الأركان الأربعة؛ فاز بالربح العظيم، ونجا من الخسران؛ فحظ الإنسان من الربح بحسب حظه من هذه الخصال الأربعة. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان لا يكون إلا بعلم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا ثمرة العلم والإيمان، فمن رزقه الله العلم والإيمان؛ عمِلَ الصالحات. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: نصح بعضهم بعضًا، وذكَّر بعضهم بعضًا، والحق: يشمل العلم والإيمان، والعمل الصالح. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر. والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما من جملة العمل الصالح، وهو يدخل في الإيمان، فهذه الأمور الأربعة بعضها يدخل في بعض، فعطف الأعمال الصالحة على الإيمان، وعطف التواصي على عمل الصالحات، كلها من عطف الخاص على العام. فدلت هذه السورة على المسائل الأربع التي ذكرها الشيخ: ١ - مسألة العلم يدل لها قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ٢ - ومسألة العمل يدل لها قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

стр. 6

٣ - ومسألة الدعوة يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. ٤ - ومسألة الصبر يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾. «قال الشافعي رحمه الله تعالى:» الإمام المعروف محمد بن إدريس أحد الأئمة الأربعة المتبوعين. «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم (١)». ومراده أنها سورة موجزة مختصرة، إلا أن لها دلالة عظيمة، حيث إنها دلت على أن الناس فريقين: خاسر ورابح، وفيها ذِكر أسباب الربح والفوز والفلاح. «وقال البخاري رحمه الله تعالى» الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح في كتابه: «الجامع الصحيح» في «كتاب العلم»: «بابٌ: العلمُ قبل القول والعمل. والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (٢)». قال الشيخ: «فبدأ بالعلم قبل القول والعمل» أي: بدأ الله في الآية بالعلم قبل القول والعمل، وهو: الاستغفار، فأمر الله أولًا: بالعلم بالتوحيد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ثم أمر ثانيًا: بالاستغفار فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ وهو من العمل.

стр. 7

يقول الشيخ ﵀: «اعلم رحمك الله» هذا من جنس ما قبله. «أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن»؛ معناه: أن العلم بمسائل الدين فرض على كل مسلم ومسلمة، على الرجال والنساء، فرض عين أو فرض كفاية، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٩٧)﴾ [النحل]. «الأولى»؛ أي: المسألة الأولى من المسائل الثلاث؛ أن نعلم «أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملًا»؛ أي مهملين لا نؤمر ولا نُنهى، ولا نسير على منهج قويم، «بل» إنه قد «أرسل إلينا رسولًا» بالهدى ودين الحق «فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار». هذه المسألة الأولى، ومعناها: الإقرار بتوحيد الربوبية، ومن ربوبيته تعالى إنعامه على عباده، وأعظم نعمه على عباده إرسال الرسل، وإنزال الكتب لتعريف العباد بربهم، وبحقه عليهم. قال: «والدليل» على هذه المسألة: «قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً (١٦)﴾ [المزمل]»، فاستدل على الرسالة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ أي: أرسل تعالى إلى الناس محمدًا ﷺ . ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)﴾، وهو: موسى وهارون ﵉ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾؛ أي: كذَّب فرعونُ موسى وهارون، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات]، قال الله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً (١٦)﴾ أخذه

стр. 8

الله أخذًا وبيلًا؛ أي: شديدًا، بأن أغرقه وجنوده في البحر؛ فالمعنى: فاحذروا أن تكذِّبوا رسولكم فيأخذكم كما أخذ فرعون ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥)﴾. والدليل على أن الله خلقنا ورزقنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠]. «الثانية: أن الله لا يرضى أن يُشرَك معه أحد في عبادته؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل». وهذه المسألة هي مسألة توحيد العبادة، وهو: إخلاص الدين لله، وإفراد الله بالعبادة، وصرف جميع أنواع العبادة له ، فلا يجوز أن يُشرك معه في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وما دونهما من باب أولى. «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]». فنهى عن دعاء غيره سبحانه. فتضمنت المسألة الأولى توحيد الربوبية، وتضمنت المسألة الثانية توحيد العبادة، ولا يكون الإنسان مسلمًا حتى يقر بالتوحيدين جميعًا، فلا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام. المسألة «الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحَّد الله» أن من أطاع الرسول كما في المسألة الأولى، ووحد الله كما في المسألة الثانية «لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب» لا يجوز

стр. 9

له أن يحب أعداء الله، وأن يحتفي بهم، وأن يكرمهم وأن يعظمهم، فلا تجوز موالاة من حاد الله ورسوله من الكفار والفجار، والمحادَّة تطلق على: المعاداة والمخالفة الشديدة، ويُعبَّر عنها بالمشاقَّة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٤)﴾ [الحشر]. «والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون (٢٢)﴾ [المجادلة]». لا تجد قومًا مؤمنين يوالون الكافرين؛ لأنَّ الإيمان يمنع من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء﴾ [المائدة: ٨١]؛ ولكنهم لا يؤمنون بهذه الثلاثة، فاتخذوهم أولياء، وهذا الكلام يعود إلى الذين قال الله فيهم:﴾ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون (٨٠)﴾ [المائدة]، وهنا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظم الكافرين المحادين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن؛ لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، قال الله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٣)﴾ [التوبة]، ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾.

стр. 10

فهؤلاء المؤمنون الصادقون المعادون لأعداء الله؛ هم الذين كتب الله الإيمان في قلوبهم، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ وهؤلاء هم حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، وقد ذكر الله هؤلاء في مقابل حزب الشيطان، وهم: الكفار والمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُون (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون (١٩)﴾ [المجادلة]، هما حزبان، فعاقبة حزب الشيطان الخسارة، وعاقبة حزب الرحمن الفلاح والفوز، والظفر بالمطلوب والمحبوب والنجاة من المرهوب. ثم قال الشيخ: «اعلم» أمر بالعلم وفيه توجيه وتنبيه وتعليم، «أرشدك الله لطاعته»؛ أي: وفقك الله وهداك لطاعته، وهذه عادة الشيخ يصدر بعض الدروس بالدعوة لطالب العلم. «أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين». الحنيفية نسبة إلى الحنيف، والله وصف إبراهيم ﵇ بأنه حنيف، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، وجاء في الحديث: «بُعثت بالحنيفية السمحة» (١)، قال : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين (١٢٣)﴾

стр. 11

[النحل]، فالملة الحنيفية ملة إبراهيم هي: عبادة الله وحده لا شريك له، بإخلاص الدين له . يقول الشيخ: «وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها»؛ أمر الله جميع الناس بإخلاص العبادة له، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، فالله أمر جميع الناس أن يعبدوه وحده لا شريك له، وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له «كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]». قال الشيخ: «ومعنى يعبدون: يوحدون» أي يعبدوه وحده لا شريك له، والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، فإذا دخلها الشرك أفسدها، ولم تكن عبادة، فمن عبد مع الله غيره، فإنه لا يعد عابدًا لله. قال الشيخ: «وأعظم ما أمر الله به التوحيد» فأوجب الواجبات على الإطلاق هو توحيد الله بالعبادة، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وهي أول واجب على العبد. وأعظم الذنوب هو الشرك الأكبر، ويختص من بين سائر الذنوب بثلاثة أشياء:

стр. 12

أولًا: أنه لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]. ثانيًا: أنه يحبط جميع الأعمال، فمن عبد مع الله غيره حبطت سائر أعماله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام]. ثالثًا: أنه موجب للخلود في النار لمن مات عليه، فمن مات على الشرك الأكبر؛ فهو مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة (٦)﴾ [البينة]. قال الشيخ: «وهو» أي: التوحيد «إفراد الله بالعبادة». «وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه» واتخاذ الند له، قال ابن مسعود ﵁: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» (١) أي: مِثلًا. «والدليل» على هذا «قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]». فأمر بعبادته ونهى عن الشرك به، فيجب على كل مسلم أن يجتهد في تحقيق التوحيد، وأن يحذر من الشرك الأكبر، يقول ابن القيم: والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهرٌ … ذا القسم ليس بقابلِ الغفرانِ وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا … كان من حجر ومن إنسان

стр. 13

يدعوه بل يرجوه ثم يخافه … ويحبه كمحبة الديان (١) يقول الشيخ ﵀: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا ﷺ »، هذه هي الأصول التي سميت بها هذه الرسالة «الأصول الثلاثة»، وهي أصول العلم الشرعي، أو أصول المعرفة الصحيحة. الأصل الأول: معرفة العبد ربه: بأنه الله الخالق لكل شيء المتفضل على عباده بجميع النعم، المستحق للعبادة. الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ بما يشتمل عليه من عقائد وأحكام. الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ ؛ أنه رسول من عند الله إلى الناس كافة جاء بالهدى ودين الحق. وهذه الأصول الثلاثة هي التي يُسأل عنها الإنسان في قبره، وهي فتنة القبر؛ كما جاء في حديث البراء الطويل في صفة قبض روح المؤمن والكافر، وأن المؤمن إذا وُضِع في القبر: «يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟» قال: «فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء؛ أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة

стр. 14

وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة» قال: «فيأتيه من روحها وطيبها» قال: «ويفسح له في قبره مد بصره» قال: «وإن الكافر إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار» قال: «فيأتيه من حرها وسمومها» قال: «ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (١). ويمكن أن يقال عن هذه الأصول الثلاثة: معرفة الرسول والمرسل والرسالة، فالله هو المرسِل، ومحمد رسوله، ودين الإسلام هو الرسالة التي جاء بها. وقد ذكر الشيخ هذه الأصول مجملة، وسيتكلم عنها بالتفصيل واحدًا واحدًا بطريقة السؤالِ والجوابِ، وطريقةُ السؤال والجواب طريقة تعليمية جيدة ومفيدة.

стр. 15

ثم شرع الشيخ - رحمه الله تعالى - في تفصيل الأصل الأول فقال: «فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني»؛ أي خلقني وأنشأني «وربى جميع العالمين بنعمه» فهو المنعم على العباد بكل ما لديهم من النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣]،

стр. 16

وهذا المعنى مأخوذ من معنى الرب، فالرب - كما سيأتي - من معناه: المالك والمنعم، والمعبود. قال: «وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾» الشاهد قوله: «رب العالمين»، ﴿الْحَمْدُ للّهِ﴾ الثناء كله يستحقه هو ، وهو ﴿رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾. قال الشيخ: «وكل ما سوى الله عَالَم، وأنا واحد من ذلك العالم»، وأنا واحد مخلوق من جملة المخلوقات، فالسماوات والأرض وما فيهن عالَم، وقيل: سميت الموجودات عالمًا؛ لأنها علامة على خالقها، ومدبرها . «فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟» أي: بأي طريقة عرفت ربك «فقل» عرفته «بآياته ومخلوقاته». وأراد الشيخ بقوله: «بآياته ومخلوقاته» الآيات الكونية، والآياتُ الكونية: هي مخلوقاته، والعطف في قوله: «آياته ومخلوقاته» لا يدل على المغايرة في الوصف، فالآيات الكونية مخلوقات. قال: «ومن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع، وما فيهن وما بينهما» ولا يخفى أن الليل والنهار والشمس والقمر هي آيات ومخلوقات، والسماوات والأرض ومن فيهن هي آيات ومخلوقات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٢]، ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠)﴾

стр. 17

[الذاريات]، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون (٣٢)﴾ [الأنبياء]، فهذه الآيات الكونية. «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (٣٧)﴾ [فصلت]». إذًا، هن مخلوقات، وآيات؛ أي: علامات على خالقها وصانعها ومُحكِم نظامها. «وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٥٤)﴾ [الأعراف]» فهو خالق هذه العوالم، وله الأمر، فهو الذي يدبر هذه العوالم بأمره . ومعرفة العباد ربهم بآياته معرفة عقلية؛ لأن من ينظر في هذه الآيات ويتدبرها يدرك أن لها خالقًا، وأن الذي خلقها حكيم وعليم وقدير وعظيم . والطريق الثاني لمعرفة الله هو: الوحي الذي بعث الله به رسله، فنعرف ربنا بأسمائه وصفاته بما بيَّن لنا في كتابه، ومنها أنه ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٤)﴾ [الحشر]، هذا تعريف من ربنا لنا بطريق الوحي والشرع، فالله عرَّف عباده بنفسه بآياته الكونية، وهي المخلوقات؛ وبآياته الشرعية، وهي آيات القرآن.

стр. 18

يقول الشيخ ﵀: «والرب: هو المعبود». والرب الخالق لكل شيء المربي لعباده بنعمه هو المستحق للعبادة . «والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]». فأمر الله جميع الناس أن يعبدوه ويتركوا عبادة ما سواه، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وذكر المعاني المقتضية لعبادته وهي: أنه خالقهم وخالق آبائهم وخالق السماوات والأرض، وهو الذي ينزِّل الغيث ويخرج الأرزاق، ومَن هذا شأنه فهو المستحق للعبادة، فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هذا يتضمن إثبات العبادة لله، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢] يتضمن نفي إلهية من سوى الله؛ لأنه تعالى لا ند له. «قال ابن كثير رحمه الله تعالى:» المفسر الشهير في «تفسير القرآن العظيم» «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة» (١). نعم، خالق السماوات والأرض، الذي جعل ﴿السَّمَاء بِنَاء وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢] أرزاقًا للعباد، هو الذي يستحق أن يُعبد، هذا موجَب العقل، فمن عبد مع الله غيره؛ فقد ضل عن الصراط المستقيم، وعدل بالله العظيم مَنْ ليس مِثله، والله تعالى لا مِثل له، ومن عبد مع الله غيره؛ فقد جعله ندًا لله، ومثيلًا لله.

стр. 19

ثم قال الشيخ: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى» هذه العبادة بأنواعها كلها لله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: لا نعبد غيرك. والعبادة أنواع كثيرة: منها أعمال قلبية: مثل: الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشية. ومنها أعمال ظاهرة: وهي: أعمال الجوارح؛ كالاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، ومنها: الركوع والسجود والصيام والحج والجهاد، وهناك أنواع أخرى، وإنما ذكر الشيخ هذه على سبيل المثال ولهذا قال: «وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله» فالعبادة محض حقه . «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]». السجود والصلاة لله وحده، والمساجد إنما تبنى لعبادته وحده لا شريك له، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾؛ أي: لا تعبدوا مع الله غيره، ولا تتوجهوا بطلب الحوائج إلا إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ

стр. 20

وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِين (١٠٦)﴾ [يونس]، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (٥٥)﴾ [الأعراف]. «فمن صرف منها شيئًا لغير الله؛ فهو مشرك كافر»؛ لأنه أشرك بالله، أي: عبد مع الله غيره، وجعله ندًا لله في عبادته. «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون (١١٧)﴾ [المؤمنون]». وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام]، ف من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله؛ فهو مشرك كافر، وعمله حابط. وبعد أن ذكر الشيخ أنواع العبادة، ذكر دليل كل واحد منها. قال: «وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (١)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين (٦٠)﴾ [غافر]». والآيات التي فيها الأمر بالدعاء والثناء على الداعين كثيرة، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي

стр. 21

وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة]، وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة». واستدل الشيخ بالآية والحديث على أن الدعاء من العبادة؛ لأنه تعالى قال في نفس الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، والحديث الثابت لفظه عن النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١). وقسَّم العلماء الدعاء إلى قسمين (٢): ١ - دعاء المسألة، هو الطلب الصريح؛ كقول العبد: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اهدني، مثل قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦)﴾. ٢ - ودعاء عبادة، وهي: سائر العبادات. فالصلاة دعاء، والصيام دعاء، والحج دعاء، والذكر كله دعاء؛ أي: دعاء عبادة، وسميت العبادة دعاء؛ لأن العبد طالب للثواب. قال: «ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]» فأمر الله بالخوف منه، وخوف الله من أجَلِّ أحوال القلوب وأفضلها؛ لأنه يمنع صاحبه من الإقدام على معصية الله. وفي معنى الخوف: الخشية والرهبة فمعانيها متقاربة، وكلها جاء ذكرها في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ

стр. 22

مُشْفِقُون (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون (٥٨)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُون (٥١)﴾ [النحل]، والآيات في ذكر الخوف كثيرة. و الخوف من الخلق أنواع: منه ما هو شرك؛ كالخوف من الأوثان والأموات، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يؤثرون بالنفع والضر، ومنه ما هو معصية؛ كالقعود عن الجهاد خوفًا من العدو وجبنًا، وكترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا من أذى الناس. وأما خوف الإنسان من الأسباب المؤذية؛ كخوفه من العدو أو من السبع أو من غير ذلك من الأمور التي تضره، فهذا خوف طبيعي لا يأثم به ولا يذم. «ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]» والرجاء: هو الطمع في الفضل والعفو والرحمة. وقد جمع الله بين هذين الوصفين - الخوف والرجاء - في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، والطمع هو: الرجاء. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. فالرجاء: هو طلب المحبوب.

стр. 23

والخوف: هو الحذر من المرهوب والمكروه، فالخوف من الله: خوف من عذابه ومن سخطه. ومن أنواع العبادة التوكل، وهو: اعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور كلها إليه. «ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]»، وأثنى على المؤمنين بالتوكل عليه: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢)﴾ [الأنفال]. وهكذا يجب على المؤمن أن يتوكل على الله، ولا يتوكل على سواه. قال: «ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣].» وتقدم. قال الشيخ: «ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]» والإنابة هي: الرجوع إلى الله في كل الأمور، والإقبال عليه بعبادته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 24

«ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، وفي الحديث: «وإذا استعنت فاستعن بالله» (١). ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾. ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]». فالاستعانة: طلب العون، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ بمعنى: أطلب العون منك يا الله. والاستعاذة: طلب العياذ والعصمة، تقول: أستعيذ بالله، أو: أعوذ بالله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. والاستغاثة: طلب الغوث، والسين والتاء للطلب. ومن أنواع العبادة الذبح تقربًا وتعظيمًا، «ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام]» وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فقرن الله بين الصلاة

стр. 25

والذبح، وهما يحصلان من المؤمن في يوم، في مثل يوم الأضحى؛ يصلي صلاة العيد ويذبح القربان، فيحقق الأمرين. «ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله» (١)». والذبح تقربًا إلى الله أنواع: - الأضحية. - والهدي في الحج أو العمرة. - والعقيقة، وكلها من القرابين والأنساك التي جاءت بها الشريعة. «ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان]». فأثنى الله في هذه الآية على الموفين بالنذر، والمراد: نذر الطاعة؛ لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به؛ لقوله ﷺ : «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٢) فإذا نذر الإنسان أن يفعل طاعة وجب عليه أن يفي؛ كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم يومًا، أو لله عليَّ أن أتصدق بكذا من المال، لكن ينبغي للإنسان أن لا ينذر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» (٣). وقد ذم الله الذين يخلفون الوعد؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم

стр. 26

مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُّعْرِضُون (٧٦)﴾ [التوبة]، فمن قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بكذا، فإذا شُفي مريضه أو حصل له المطلوب بخل، فهذا تلبس بصفة من صفات المنافقين التي ذكرها الله في هذه الآية.

стр. 27

ثم قال الشيخ: «الأصل الثاني» من الأصول الثلاثة التي تجب على العبد معرفتها: «معرفة دين الإسلام بالأدلة»، والإسلام: هو دين الله الذي بعث به رسله من لدن نوح ﷺ إلى محمد ﷺ . قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾ [يونس]، وقال تعالى في إبراهيم ويعقوب ﵈: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة]، وقال الحواريون أتباع عيسى ﵇: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون (٥٢)﴾ [آل عمران]. «وهو»: أي الإسلام «الاستسلام لله بالتوحيد»؛ أي بعبادته وحده لا شريك له بالتوحيد، «والانقياد له بالطاعة»، «و» هذا الاستسلام والانقياد لا بد معه من «البراءة من الشرك وأهله» وهذه هي حقيقة الإسلام، الذي هو دين الرسل كلهم. قال الشيخ: «وهو» أي دين الإسلام «ثلاث مراتب» أي: درجات، وبعضها أكمل من بعض وأعلى من بعض. المرتبة الأولى: «الإسلام». «و» الثانية: «الإيمان».

стр. 28

«و» الثالثة: «الإحسان». وهذه المراتب مستفادة من حديث جبريل ﵇ كما سيأتي. قال الشيخ: «وكل مرتبة لها أركان». «فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام». فهذه هي أصول الدين الظاهرة، ثم ذكر الدليل على كل ركن من هذه الأركان، فقال: «فدليل الشهادة»؛ أي: فدليل شهادة أن لا إله إلا الله، «قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران]»، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، والأدلة على هذا كثيرة. قال الشيخ: «ومعناها»؛ أي: شهادة أن لا إله إلا الله: «لا معبود بحق إلا الله»؛ أي أن كل معبود سوى الله باطل. فآلهة المشركين معبودة بغير حق، فهي باطلة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، ولما قال لهم النبي ﷺ : «قولوا: لا إله إلا الله»، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] (١).

стр. 29

ثم بيَّن الشيخ أن «لا إله إلا الله» مركبة من نفي وإثبات، وهما ركنا شهادة أن «لا إله إلا الله»، فقوله: «لا إله» نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، «(لا إله) نافيًا جميع ما يعبد من دون الله»، وإثبات في قوله: «(إلا الله) مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه»، فإذا كان هو الذي له الملك كله، وهو خالق كل شيء؛ فيجب أن يكون هو المعبود وحده. قال الشيخ: «وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧)﴾ ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢٨)﴾ [الزخرف]» هذه الآية دلت على أن كلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]، فكلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، وما يعبدون من دون الله. «و» مما يُفسرها «قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾ [آل عمران]»، فعُلم أن كلمة التوحيد تتضمن إفراده تعالى بالربوبية والألوهية، فلا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ولا يعبد الناس أحدًا غير الله، فإذا أعرض الكفار والمكذبون عن هذا الأمر: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾، مستسلمون لله عابدون له لا نشرك به شيئًا.

стр. 30

قال الشيخ ﵀: «ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]»، يخبر الله ممتنًا على عباده بإرسال محمد ﷺ ، وهو رجل منهم يعرفون نسبه وسيرته، ويشق عليه الذي يشق عليهم، وهو حريص على هدايتهم حتى أنه كان يتحسر إذا لم يستجيبوا، ولهذا قال الله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِين (٣)﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾؛ أي: رحيم بالمؤمنين، والله تعالى قد خصهم بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الحجر]. «ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله»، أي حقيقة الإقرار والتصديق واليقين بأنه رسول من عند الله إلى جميع الناس، ومقتضى هذه الشهادة: «طاعته فيما أمر»، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] في مواضع كثيرة، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (١٣٢)﴾ [آل عمران]، ويقول تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف]. «وتصديقه فيما أخبر»، فهو أصدق الناس. «واجتناب ما عنه نهى وزجر». «وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فعبادة الله لا بد فيها من شرطين: - الإخلاص لوجه الله.

стр. 31

- وموافقة أمر الله ورسوله، وهو المقصود بقوله: «وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فمن عبد الله بغير ما جاء به الرسول ﷺ فعمله باطل؛ لأنه عمل مبتدع. قال الشيخ: «ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة (٥)﴾ [البينة]»، فهذه الثلاثة هي أعظم أركان الإسلام، والكتاب والسنة تجمع بينها في مواضع متعددة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (١١)﴾ [التوبة]، فأعظم هذه الأصول عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله، وبعد ذلك إقام الصلاة، فالصلوات الخمس هي عمود الإسلام، وهي أوجب الواجبات بعد التوحيد، والزكاة قرينتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالصلاة هي حق الله على عباده في كل يوم وليلة، والزكاة حق الله على عباده في أموالهم، قال النبي ﷺ في حديث معاذ: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (١). قال الشيخ: «ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة]».

стр. 32

أي: فرض عليكم الصيام، والمراد: «صيام شهر رمضان» كما بين ذلك في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال ﷺ : «بني الإسلام على خمس» (١)، وذكر: صيام رمضان، فصيام شهر رمضان هو أحد مباني الإسلام. قال الشيخ: «ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران]». هذا هو الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ فرضه الله على المستطيع من عباده مرة في العمر. يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثانية»: من مراتب الدين، «الإيمان»، وهي أعلى من التي قبلها؛ لأنها تتعلق باعتقاد القلب. قال الشيخ: «وهو» أي؛ الإيمان: «بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٢)». فالإيمان له شعب كثيرة ظاهرة وباطنة، أفضلها كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وهي أصل دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهي مع شهادة «أن محمدًا رسول الله»، أصل هذا الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ ، فهما جميعًا أصل واحد وبناء واحد، وأدنى هذه الشعب

стр. 33

إزالة الأذى عن طريق الناس، وهذا يدل على أن الإيمان قول وعمل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. قال الشيخ: «وأركانه»؛ أي: الإيمان «ستة»، وهي: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». هذا طرف من حديث جبريل، كما سيذكره الشيخ، والمراد من الإيمان هنا: الاعتقاد، والإيمان بهذه الأصول الستة إجمالًا فرض عين على كل مكلف، وأما معرفتها والإيمان بها تفصيلًا، فهو فرض كفاية، ولكن من علم شيئًا من ذلك التفصيل وجب عليه الإيمان به عينًا. الأصل الأول: الإيمان بالله: ويشمل: - الإيمان بوجوده. - والإيمان بربوبيته. - والإيمان بإلهيته. - والإيمان بأسمائه وصفاته. الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة: ويشمل: - الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عن الملائكة من أسمائهم وصفاتهم وأعمالهم. وهذا في القرآن كثير، فمنهم الحفظة الكاتبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١)﴾ [الانفطار]، ومنهم الحفظة للعبد من بين يديه ومن خلفه؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ

стр. 34

خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١]، ومنهم الموكلون بقبض أرواح العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون (٦١)﴾ [الأنعام]، ومنهم الموكل بإبلاغ الوحي إلى الرسل، كجبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤)﴾ [الشعراء]. الأصل الثالث: الإيمان بالكتب: ويتناول الإيمان بكل ما أنزل الله من كتب ما علمنا منها، وما لم نعلم، وقد علمنا أن من كتب الله المنزلة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وهو: أفضلها، والمصدق لها، والمهيمن عليها. الأصل الرابع: الإيمان بالرسل: وهو قسمان: - إيمان مجمل بجميع رسل الله؛ من قص علينا منهم ومن لم يقصص ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، فنؤمن بأن الله أرسل رسلًا إلى العباد ليأمروهم بعبادته وحده لا شريك له، وينهوهم عن الشرك به. - إيمان مفصل بالرسل الذين قصّ الله علينا شيئًا من أخبارهم. الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة، و الإيمان باليوم الآخر يشمل كل ما يكون بعد الموت ؛ من عذاب القبر ونعيمه، وما بعد ذلك من البعث والنشور والحشر والعرض والميزان، وآخر ذلك الجنة والنار.

стр. 35

الأصل السادس: الإيمان بالقدر: وهو الإيمان بأن الله قدّر مقادير الخلق، وكتب كل ما سيكون. والإيمان بالقدر أربع مراتب: ١ - الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، ومن ذلك علمه بأفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم. ٢ - الإيمان بكتابته للمقادير. ٣ - الإيمان بعموم مشيئته وأنه لا يخرج عن مشيئته شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ٤ - الإيمان بأنه تعالى خالق كل شيء. ولا يكون الإنسان مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بهذه المراتب. «والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر]». يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثالثة» من مراتب الدين «الإحسان»، وهو «ركن واحد». والإحسان أعلى مرتبة من مراتب الدين، ويشمل الإيمان والإسلام، ولهذا يقول العلماء: كل مؤمن مسلم، ولا عكس، وكل محسن مؤمن، ولا عكس.

стр. 36

والإحسان فسره الشيخ بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل، والإحسان الذي أمر الله به عباده وأثنى على أهله في كتابه نوعان: الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء]. الإحسان في العمل: وهذا هو المقصود هنا، والمراد إتقانه وإيقاعه على أكمل الوجوه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. قال: «وهو»: أي الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه»، والمعنى: أن تقبل على عبادة الله كأنك تراه. والعباد لا يرون ربهم في الدنيا، وإنما يرونه يوم القيامة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث، ولكن المؤمن الصادق يحسن في عبادته لربه، فيعبده كأنه يراه خائفًا راجيًا مقبلًا خاضعًا لربه متذللًا، ومن كان على هذه الحال؛ فمعلوم أنه سيكون في غاية من الإقبال والصدق في العبادة. قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبد لا يرى ربه، ولكن الله يراه، فينبغي للمسلم أن يستحضر إطلاع الله عليه وشهوده له، فيوجب له ذلك تحقيق العبودية، وكمال الإقبال.

стр. 37

قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]»؛ اتقوا ربهم وأحسنوا في تقواهم، وهذه هي: معية الله الخاصة قيدها بالمتقين، ونظير ذلك قوله سبحانه عن نبيه ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وهذه المعية تقتضي: التأييد والحفظ والنصر. «وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]» والمعنى: اعتمد بقلبك وفوض جميع أمورك إلى من يراك وأنت قائم في عبادته، وأنت بين الساجدين ومعهم؛ فإن توكلت عليه فإنه كافيك، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وهذا ظاهر الدلالة على معنى قوله ﷺ : «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). «وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]»، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾؛ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، وهذا أخص من قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، وخصها بالذكر؛ لأن تلاوته للقرآن من أعظم شؤونه ﷺ ، ﴿إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ هذا هو الشاهد؛ والمعنى: إلا كنا حاضرين وقت شروعكم فيه واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم

стр. 38

وأدوها على وجه النصيحة والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكرهه الله تعالى، فإنه مطلع عليكم عالم بظواهركم وبواطنكم. وكل هذه الآيات تدل على مقام الإحسان، وأن الله يرى عبده في جميع أموره، وفي جميع أحواله، فهو حاضر يسمع كلام العبد ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون (٦٩)﴾ [القصص]، فإذا استحضر العبد ذلك كان من أسباب إقباله على ربه، وصدقه في عبادته، وتكميله لها، ولكن بسبب الغفلة والذهول عن هذا الأمر يؤدي الإنسان العبادة بفتور، والمؤمن يؤمن بأن الله يراه، ولكن فرْقٌ بين الإيمان بهذا الأمر، وبين الشعور به واستحضاره. وكثير من الناس لا يستحضر هذا الأمر، فهذا مقام عظيم، إنما يحققه الكُمَّل من المؤمنين. وتقدم أن دين الإسلام ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد ذكرها الشيخ، وذكر أركانها ومعناها، وأدلتها من القرآن، ثم قال: «والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر ﵁»؛ أي: الدليل على ما تقدم كله من السنة النبوية، وإذا أطلق حديث جبريل يراد به هذا الحديث، وقد روى هذا الحديث مسلم عن عمر ﵁ (١)، ورواه أيضًا هو والبخاري بلفظ مختلف قليلًا عن أبي هريرة ﵁ (٢) «قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد»

стр. 39

ظهر علينا من طريق أو من باب بهيئة طيبة وجميلة، ولكنه غير معروف، يقول: «حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه»؛ يعني: جلس قريبًا منه، فأسند السائل ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ، ويديه على فخذي النبي ﷺ مبالغة في القرب، ومبالغة في السؤال، «وقال: يا محمد» خاطبه باسمه؛ لإظهار أنه جاهل لا يعرف حسن الخطاب؛ لأن عادة الأعراب إذا جاءوا إلى الرسول ﷺ يقولون: يا محمد! أما الصحابة الذين حسن إسلامهم لا يقولون للرسول: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله! أو يا نبي الله! وهذا أشرف ما يدعى به ﷺ ، كما خاطبه الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]. «أخبرني عن الإسلام»؛ أي: ما هو الإسلام؟ «فقال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». «قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» العادة أن السائل لا يقول: صدقت، بل يقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، ونحوها، ولكن قوله: «صدقت» يدل على أن عنده خبرًا، وهذا هو محل العجب. ثم «قال: فأخبرني عن الإيمان» هذا هو السؤال الثاني، ما هو الإيمان؟

стр. 40

«قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»؛ فسر الإيمان بهذه الأصول الستة، وهذه كما تقدم هي أصول الاعتقاد، فجميع مسائل الاعتقاد ترجع إلى هذه الأصول؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … » (١). «قال: صدقت» مثل ما قال في الأول «قال: فأخبرني عن الإحسان»، ما هو الإحسان؟ «قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والمراد إحسان العمل وإتقانه بتحقيق المراقبة، وكمال الإخلاص. «قال فأخبرني عن الساعة؟» متى الساعة؟ أي: القيامة، «قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»؛ أي: علمي وعلمك بها سواء، فإذا كنتَ لا تعلمها، فأنا كذلك لا أعلمها. «قال: فأخبرني عن أمارتها»؛ أي: علامات قيامها «قال: أن تلد الأمة ربتها» وفي لفظ «ربها»، الأمة: هي الأنثى المملوكة تلد ربها أو تلد ربتها، اختلف في معنى ذلك، وأحسن ما قيل: إنه إذا كثر الرقيق فربما ولدت المرأة ابنًا ثم فارقته بسبب الرق، ثم اشتراها ولدها وهو لا يدري أنها أُمُّه، فيصير سيدًا لها، وقيل: إن الأَمَة إذا وطئها سيدها فولدتْ، فولدُ سيدِها سيدٌ لها.
следующие страницы →