ـ[شرح ألفية العراقي]ـ
المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: ٨٠٦هـ)
المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين فحل
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد:
الحمد لله ثُمَّ الحمد لله الذي مَنَّ علينا بتحقيق كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " للإمام العلاّمة الحافظ العراقي، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بالصحة والتمكين حتَّى أنهينا هذا السفر العظيم المبارك، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بمعرفة السُّنَّة النبوية وخدمتها، والله وحده عليم بالجهد الذي بذلناه في خدمة هذا الكتاب النفيس، الذي نعدّه موسوعة في مصطلح الحديث؛إذ أن لهذا الكِتَاب أهمية بالغة بَيْنَ بقية كتب مصطلح الْحَدِيْث؛ لِمَا فِيْهِ من دراسات قلَّ نظيرها، ولِمَا فِيْهِ من استدراكات وإضافات عَلَى أعظم إمام كَتَبَ في المصطلح ألاَ وَهُوَ ابن الصَّلاَح، إذ يعدّ عمل ابن الصَّلاَح في كتابه " مَعْرِفَة أنواع علم الحديث " نواة لكتاب الحافظ العراقي هذا، إذ قام الحافظ بإضافات واستدراكات، وأوضح ما خفي وشرح ما كان يستحق الشرح، حتَّى أصبح هذا الكتاب أنفس كتاب في مصطلح الحديث وأحسنها.
ومن العجب أنّ كُتُباً أقلّ شأناً منه قد عني بها المحقّقون، غير أن أحداً منهم لم يأخذ على عاتقه خدمة هذا السفر العظيم، من هنا شمّرنا عن ساعد الجدّ وأخذنا على
стр. 3
أنفسنا تحقيق هذا الكتاب الفريد، وقطعنا دونه جميع الأعمال والأشغال حتَّى خرج بهذه الحُلّة التي بين يديك.
طبعات الكتاب
طبع الكتاب عدة طبعات، بلغت - حسب علمنا - ثلاثاً، فيما يأتي وصف موجز لكلّ منها:
أ. الطبعة المصرية القديمة: طبعة خطأً باسم " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث "، صحّحها رجال جمعية النشر والتأليف الأزهرية، وعلَّق عليها محمود ربيع، سنة ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٧ م. ولم يتيسر لنا الاطلاع عليها.
ب. الطبعة الفاسية: وهي الطبعة التي حقّقها الأستاذ محمد بن الحسين العراقي الحسيني، في سنة ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٧ م، وطبعت بالمطبعة الجديدة بفاس في المغرب.
وهي طبعة تكاد تخلو من علامات الترقيم والشكل سواء لمتن الألفية أو لشرحها، علاوة على ما فيها من التصحيف والتحريف والخطأ والذهول، والخلط في تعيين الرجل المقصود بالكلام، ومن غير تخريج للأحاديث والآثار، ولا مراجعة لموارد العراقي في شرحه، ... إلى غير ذلك مما لا يخفى على لبيب.
جـ. طبعة دار الكتب العلمية: وهي طبعة مُخْرَجَةٌ عن الطبعة الفاسية، لم يكن فيها جديد إلاّ إعادة تنضيد حروفها.
فلمّا رأينا الأمر زاد عن حدّه، حتّى انقلب الصواب إلى ضدّه، مع حاجة الناس إليه، وكثرة تعويلهم عليه، استخرنا الله تعالى في إعادة العمل في خدمته بما ييسره لنا جلّ ذكره، فكان هذا الذي يراه القرّاء الكرام أمام أنظارهم وبين أياديهم الكريمة، محتسبين لله ما صرفناه فيه من الجهد والمال ابتغاء للمثوبة ورجاء الفوز يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.
اللهم فأحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
стр. 4
القسم الأول: الدراسة
الباب الأول: ابن الصلاح ومقدمته
الباب الثاني: العراقي وكتابه " شرح التبصرة والتذكرة "
стр. 5
الباب الأول: ابن الصلاح ومقدمته
ويشمل:
الفصل الأول: دراسة تحليلية لسيرة ابن الصَّلاَح.
الفصل الثاني: دراسة عن مقدمة ابن الصَّلاَح.
стр. 6
الفصل الأول:
دراسة تحليلية لسيرة ابن الصلاح
المبحث الأول:
اسمه ونسبه وولادته:
هو تقي الدين، أبو عَمْرو، عثمان بن صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الأهل الشرخاني الشهرزوري الأصل، الموصلي النشأة، الدمشقي الموطن والوفاة، الشافعي المذهب. ولد سنة (٥٧٧) هـ، بشهرزور.
المبحث الثاني
أسرته ونشأته وطلبه للعلم:
نشأ ابنُ الصلاح في بيت عِلم وورع ورئاسة في الفقه، إذ كان والده إماماً مُفتياً رأساً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵀، وولي فيما بعد التدريس في إحدى المدارس بحلب، فكان والده أوّل مشايخه وأبرزهم.
كما تلقّى ابن الصلاح علومه على مشايخه في مسقط رأسه، والذين كان أغلبهم من الأكراد، ومما يدلّ على نباهته وعلو همته ونشاطه في طلب العلم-وَهُوَ لم يزل في مقتبل العمر- ما يذكر من أنّه أعاد على والده قراءة كتاب " المهذب " أكثر من مرة، ولم يختطّ شاربه بعدُ. ومن ثَمَّ انتقل به والده إلى مدينة الموصل، فاشتغل بها مدة وسمع بها.
стр. 7
ولم تقرّ عين أبي عمرو بأن يأخذ العلم عن شيوخ بلده فقط، فارتحل في طلب بغيته، وسافر إلى بغداد، وإلى قزوين، فلازم بها الإمام الرافعي، حتى أتقن عليه جملة من العلوم، وإلى بلاد خراسان وأقام هناك زمناً، وأكثر فيها من سماع الحديث وتحصيله.
ومن ثَمَّ ألقى ابن الصلاح عصا ترحاله في بلاد الشام، وكان أوّل مقامه في مدينة القدس، ثُمَّ ورد دمشق بصحبة أبيه وأسرته فاتخذها سكناً، وذلك في سنة٦٣٠هـ.
ولا يفوتنا أنْ نذكر أنّه سافر إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحجّ.
المبحث الثالث
شيوخه:
... تتلمذَ ابنُ الصلاح على عدّة من الشيوخ، سواء كانوا من مسقط رأسه، أو من البلد التي استوطنها، أو من البلاد الأخرى خلال أسفاره ورحلاته، وكانت السمة المميزة لمشايخه أن أكثرهم كانوا من أهل الحديث، وأبرزهم:
١ - أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن السمين.
٢ - ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن أبي منصور علي بن علي البغدادي المعروف ابن سكينة، ت ٦٠٧ هـ.
٣ - عماد الدين أبو حامد محمد بن يونس بن محمد الموصلي الفقيه ت ٦٠٨ هـ.
٤ - أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الرافعي ت ٦٢٤ هـ، وغيرهم.
стр. 8
المبحث الرابع
تلامذته
... رُزِق أبو عمرو القبول بين الناس، فتسابق طلاب العلم على التتلمذ عليه، والانتهال من معين ما أوتيه من العلوم، ومن أبرز تلامذته:
١ - شمس الدين عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي. ت ٦٥٤ هـ.
٢ - شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلّكان الإربليت (٦٨١) هـ.
٣ - الحَافِظ أمين الدين عَبْد الصمد بن عَبْد الوهاب بن الحسن بن عساكر الدمشقي، ثُمَّ المكي. ت (٦٨٦) هـ.
٤- تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري المشهور بالفركاح. ت (٦٩٠) هـوغيرهم
المبحث الخامس
تدريسه
كان أبو عمرو ملماً بجوانب متعددة من فنون العلوم المختلفة، زيادةً إلى طيب خلقه وكرم أصله، مع الزهد والتواضع وحب الخير، فوقع عليه الاختيار ليتولى التدريس في العديد من المدارس آنذاك، منها:
١ ـ المدرسة الناصرية بالقدس.
٢ ـ المدرسة الرواحية بدمشق.
٣ ـ دار الحديث الأشرفية، وهو أول من وليها ودرّس فيها من أهل الحديث، وبقي في مشيختها ثلاث عشرة سنة، وفيها أملى كتابه " علوم
стр. 9
الحديث ".
٤ ـ مدرسة ست الشام (زمرد خاتون بنت أيوب) ت ٦١٦ هـ.
... ولقد أدّى ما أسند إليه حقّ القيام، وكان يتحمل أعباء المدارس ثلاثتها (الرواحية، وست الشام، ودار الحديث الأشرفية) من غير إخلال أو تقصير.
المبحث السادس
آثاره العلمية
لَمَّا كان ابن الصلاح متضلِّعاً من تلك العلوم، استطاع بفضل الله أولاً، ثُمَّ بما تمتع به من ذكاء وحافظة وجودة فَهْم، أنْ يصنف العديد من المؤلفات، منها:
١ - أدب المفتي والمستفتي.
٢ - شرح الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه.
٣ - صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته عن الإسقاط والسقط.
٤ - فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه.
٥ - علوم الحديث، أو مقدمة ابن الصلاح. وغيرها.
المبحث السابع
وفاته
... بعد عمر مِلْؤُهُ العلم والخير والصلاح، انتقل الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح إلى جوار ربه الكريم، وذلك صباح يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٣ هـبدمشق، ودُفن في مقابر الصوفية خارج دمشق - تغمده الله برحمته -.
стр. 10
الفصل الثاني
دراسة عن مقدمة ابن الصلاح
المبحث الأول
آراء العلماء في الكتاب
لقد كتب الله لهذا الكتاب - أعني علوم الحديث لابن الصلاح - القبول لدى الناس، ولابد لمصنَّف ألّفه مثل هذا الإمام أن يصبح مَدْرَسَ أهل العلم وطلبته وفلكهم الذي لا يجاوزوه، ومنهلهم الذي لا يصدرون إلا عنه ولا يردون إلا منه، فهو الحَكَم لمشكلاتهم، والفصل لمعضلاتهم أبان لهم عن جوهر معانيه، واستزادهم فائدة عما فيه، فأقبل الناس عليه، وأصبح أحد دعائم مسلماتهم، وانتهى إليه المتعلِّمون، وبه استنار المستبصرون. وليس أدلّ على ما قدّمناه ممّا سطّرته أياديهم، إشادة بهذا المصنَّف والمصنِّف، فقد قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) : ((هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد، قد نبَّه المصنِّف ﵀ في مواضع من الكتاب وغيره، على عظم شأنه، وزيادة حسنه وبيانه، وكفى بالمشاهدة دليلاً قاطعاً، وبرهاناً صادعاً)) .
وقال الخويي (ت ٦٩٣ هـ) في منظومته:
وخير ما صنف فيها واشتهر ... كتاب شيخنا الإمام المعتبر
وهو الذي بابن الصلاح يعرف ... فليس من مثله مصنف
وقال ابن رشيد (ت ٧٢١ هـ) : ((الذي وقفت عليه وتحصل عندي من تصانيف هذا الإمام الأوحد أبي عمرو ابن الصلاح ﵀ كتابه البارع في معرفة أنواع علم الحديث وإنّه كلّما كتبت عليه متمثلاً:
لكل أناس جوهر متنافس ... وأنت طراز الآنسات الملائح))
وقال ابن جماعة (ت٧٣٣هـ) : ((واقتفى آثارهم الشيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع)) .
стр. 11
وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) : ((وجاء بعدهم الإمام أبو عمرو بن الصلاح فجمع مفرّقهم، وحقّق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حتى استوجب أن يكتب بذوب الذهب)) .
وقال الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) : ((وأحسن تصنيف فيه وأبدع، وأكثر فائدة
وأنفع: "علوم الحديث" للشيخ العلاّمة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنّه فتح مغلق كنوزه، وحلّ مشكل رموزه)) .
وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) : ((ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح - سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه - فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها)) .
وقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ) : ((أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب " علوم الحديث " لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعاً)) .
وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) : ((فجمع شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)) .
وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) : ((عكف الناس عليه، واتخذوه أصلاً يرجع إليه)) .
وبهذا نكاد أن ننقل إجماع الأئمة، منذ أن رأى كتاب " علوم الحديث " النور إلى يوم الناس هذا، دليلاً على مكانته، وغزارة علمه وفوائده شاهداً على علوِّ كعبه ونصرة حزبه، فرحم الله مؤلفه وجامعه، وأسبل عليه نعمه وفضائله، إنّه سميع مجيب.
стр. 12
المبحث الثاني
توظيف العلماء جهودهم خدمة لكتاب ابن الصلاح:
لعلّ كتاباً في مصطلح الحديث لم يخدم كما خدم كتاب ابن الصلاح؛ إذ كَانَ هُوَ المحرك الفعلي الَّذِي تولدت عَنْهُ عشرات، بل مئات المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وساهمت بمجموعها في إكمال حلقات هذا العلم المبارك.
وقد اختلفت اتجاهات المؤلفين في طبيعة بحوثهم لتطوير وتعزيز القيمة العلمية لهذا الكتاب فمنهم الناظم، ومنهم الشارح، ومنهم المختصر، ومنهم المنكت توضيحاً واستدراكاً فلهذا ارتأينا - خدمة لتقسيمات البحث العلمي المنظم - أن نوزعها على النحو الآتي، وبالله التوفيق.
أ. المختصرات:
لعلّ هذا الطابع من التصنيف الذي كان كتاب ابن الصلاح المحفِّز لها هو الأكثر نظراً إلى أن من ألّف في هذا اللون يبغي تقليص حجم الكتاب الأصلي؛ وذلك باختزال الألفاظ وتكثيف الفكر والمعاني، وحذف الأمثلة التي لا حاجة لها والابتعاد عن المناقشات غير الضرورية، وزيادة الفوائد والآراء، مع مخالفة ترتيب الأصل أحياناً، تسهيلاً لطلبة العلم وغيرهم.
ومن أبرز تلك المختصرات:
١- إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) .
٢- التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، للإمام النووي أيضاً وهو اختصار لكتابه السابق.
٣- المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع، لقطب الدين القسطلاني (ت ٦٨٦ هـ) .
стр. 13
٤- أصول علم الحديث، لعلي بن أبي الحزم القرشي الطبيب المشهور بابن النفيس
(ت ٦٨٩ هـ) .
٥- الاقتراح، للإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) .
٦- الملخص، لرضي الدين الطبري (ت ٧٢٢ هـ) .
٧- رسوم التحديث، للجعبري (ت ٧٣٢هـ) .
٨- المنهل الروي، لبدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) .
٩- مشكاة الأنوار، للبارزي (ت ٧٣٨ هـ) .
١٠- الخلاصة في علوم الحديث، للطيبي (ت ٧٤٣ هـ) .
١١ - الكافي، لتاج الدين التبريزي (ت ٧٤٦ هـ) .
١٢ - الموقظة، للإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) .
١٣ - المختصر، لعلاء الدين المارديني المشهور بابن التركماني (ت ٧٥٠ هـ) .
١٤ - مختصر، لشهاب الدين الأندرشي الأندلسي (ت ٧٥٠ هـ) .
١٥ - مختصر، للحافظ العلائي (ت ٧٦١ هـ) .
стр. 14
١٦ - الإقناع، لعز الدين بن جماعة (ت ٧٦٧ هـ) .
١٧ - اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) .
١٨ - التذكرة في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) .
١٩ - المقنع في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن أيضاً.
٢٠ - نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) .
٢١ - المختصر، للكافيجي (ت ٨٧٩ هـ) .
٢٢ - مختصر بهاء الدين الأندلسي ( ... ؟) .
ب. المنظومات:
ظهر منذ عهد مبكر نسبياً، تيّار في الشعر العربي، انتقل إلى علماء الفنون المختلفة يسمى: الشعر التعليمي، خصّص نطاق عمله في نظم الكتب المهمة في مجالات العلم تسهيلاً لطالبي العلوم في حفظها، ومن ثَمَّ الغوص في معانيها. وعلى أي حال فقد كان نصيب كتاب " علوم الحديث " لابن الصلاح عدداً من المنظومات التي لا يستهان بها، وسواء أكانت تلك المنظومات ذات جدة وحداثة أم لا؟ فإنّها مثّلت جانباً من جوانب اهتمام العلماء واعتنائهم بهذا السفر العظيم. والذي يهمنا هنا أن نسلِّط الضوء عليها كوَصَلاَتٍ في تاريخ هذا العلم المبارك، وليس من شرطنا أن تكون هذه المنظومة قد احتوت كل المادة العلمية لكتاب ابن الصلاح، بل يكفي أن يكون هذا الكتاب هو المرجع الأول بالنسبة لها، وعلى هذا نجد أن بعض هذه المنظومات مطوّلة، وبعضها مختصرة، وبعضها متوسطة، ولعلّ من أبرز من نظمه:
١. شمس الدين الخُوَيي (ت ٦٩٣ هـ) ، وسمّى منظومته باسم " أقصى الأمل والسول في علوم حديث الرسول "، توجد منه عدة نسخ خطية.
стр. 15
٢. أبو عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبي (ت ٧٥٠ هـ) .
٣. زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) المسمّى: التبصرة والتذكرة.
٤. محمد بن عبد الرحمن بن عبد الخالق المصري البرشنسي (ت ٨٠٨ هـ) وسمّى منظومته: " المورد الأصفى في علم حديث المصطفى ".
٥. شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الدمشقي المعروف بابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) وسمّى منظومته " الهداية في علم الرواية ".
٦. جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) ومنظومته مشهورة باسم " الألفية ".
٧. رضي الدين محمد بن محمد الغزي (ت ٩٣٥ هـ) ، وسمّى نظمه " سلك الدرر في مصطلح أهل الأثر ".
٨. منصور سبط الناصر الطبلاوي (ت ١٠١٤ هـ) .
ج. الشروح:
قد كان للجانب الشمولي في كتاب ابن الصلاح أثره الواضح في أن أحداً لم يتصدَّ لشرح الكتاب نفسه، وإنما انعكس هذا الجانب على شرح مختصراته ومنظوماته، لذا سنتناول أبرزها على اعتبار أن أصلها الأصيل هو كتاب ابن الصلاح، ومن ذلك:
١- شروح ألفية العراقي.
٢- نزهة النظر، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وما يتعلق بها.
стр. 16
٣- تدريب الراوي للسيوطي (ت ٩١١ هـ) .
٤- البحر الذي زخر، للسيوطي (ت ٩١١ هـ) شرح فيه ألفيته.
د. التنكيت:
النُّكَت: جمع نُكْتَةٍ، وهي مشتقة من الفعل الثلاثي الصحيح (نَكَت) ، وهو ذو اشتقاقات مختلفة، أجملها ابن فارس فقال: ((النون والكاف والتاء أصل واحد يدلّ على تأثير يسير في الشيء كالنكتة ونحوها، ونكت في الأرض بقضيبه ينكت: إذا أثر فيها))
أما في الاصطلاح فالنكتة: مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتةً؛ لتأثير الخواطر في استنباطها.
وقد كان نصيب ابن الصلاح من كتب النكت شيئاً دلّ على مدى تعمّق الدارسين في فهم معانيه ومدلولاته، حسب اللون العلمي الذي يغلب على ذلك المنكت، فنرى الأصولي يُغَلِّب المباحث الأصولية في طريق تقرير مسائل الكتاب المهمة، وهذا ما نلمسه جلياً في نكت الزركشي، والْمُحَدِّث يجعل همّه المباحثات الحديثية، وهو منهج واضح نراه في نكت العراقي وشيخه مغلطاي، وهكذا بالنسبة إلى الفقيه كما وقع للبلقيني وابن جماعة وغيرهم.
وعلّ الفطن من القرّاء عرف من العرض السابق أسماء بعض من كتب نكتاً على كتاب ابن الصلاح، ولكننا نودّ أن نجعل الأمر استقصائياً استقرائياً، فجمعنا مَن وقع في علمنا أنه ساهم في هذا الجانب، سواء عن طريق الكتابة والبحث المباشر على كتاب ابن الصلاح أو العمل غير المباشر عن طريق التعليق على فروع كتاب ابن الصلاح، وأهم هذه الكتب:
١. إصلاح كتاب ابن الصلاح، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي الدمشقي ثُمَّ المصري المشهور بابن اللبان (ت ٧٤٩ هـ) .
стр. 17
٢. إصلاح كتاب ابن الصلاح، للإمام العلاّمة علاء الدين أبي عبد الله مغلطاي بن قليج ابن عبد الله البكجري الحنفي (ت ٧٦٢ هـ) .
٣. النكت على مقدمة ابن الصلاح، للإمام بدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) .
٤. الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للشيخ برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) .
٥. محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصَّلاَح، لسراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) .
٦. التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) .
٧. شرح علوم الحديث، لعز الدين محمد ابن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي (٨١٩ هـ) .
٨. النكت على كتاب ابن الصلاح، للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) .
стр. 18
الباب الثاني
الحافظ العراقي
وكتابه " شرح التبصرة والتذكرة "
стр. 19
الفصل الأول
دراسة تحليلية لسيرة الحافظ العراقي
لا بد لنا وقد خضنا غمرة تحقيق كتاب شرح التبصرة والتذكرة أن نعرج على تعريف موجز بمؤلف الكتاب، ليس بالطويل المملّ ولا بالقصير المخلّ، لا سيّما أن هذا العمل يُعدّ مفتاحاً للولوج إلى معرفة أكثر بالمؤلف، تعين القارئ على تكوين صورة مجملة عنه، توضح مكانته العلمية والمدة الزمنية التي عاشها.
ويشتمل هذا الفصل على ثمانية مباحث نوردها تباعاً:
المبحث الأول
اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته:
هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الرازياني العراقي الأصل المهراني المصري المولد الشافعي المذهب. كنيته: أبو الفضل، ويلقّب بـ (زين الدين) . وُلِدَ في اليوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (٧٢٥ هـ) .
المبحث الثاني
أسرته:
أقام أسلاف الحافظ العراقي في قرية رازيان - من أعمال إربل - إلى أن انتقل والده وهو صغير مع بعض أقربائه إلى مصر، إذ استقر فيها وتزوج من امرأة
стр. 20
مصرية ولدت له الحافظ العراقي. وكانت أسرته ممن عُرفوا بالزهد والصلاح والتقوى، وقد كان لأسلافه مناقب ومفاخر، وكانت والدته ممن اشتهرن بالاجتهاد في العبادات والقربات مع الصبر والقناعة.
أمّا والدُه فقد اختصَّ - منذ قدومه مصر - بخدمة الصالحين، ولعلَّ من أبرز الذين اختصَّ والده بخدمتهم الشيخ القناوي. ومن ثَمَّ ولد للمتَرجَمِ ابنٌ أسماه: أحمد وكنَّاه: أبا زرعة، ولقَّبه: بولي الدين، وكذلك بنت تدعى: خديجة، صاهره عليها: الحافظ نور الدين الهيثمي ورزق منها بأولاد، وأشارت بعض المصادر أنَّ له ابنتين أخريين: جويرية وزينب.
المبحث الثالث
نشأته:
وُلِد الحافظ العراقي - كما سبق - في مصر، وحمله والده صغيراً إلى الشيخ القناوي؛ ليباركه، إذ كان الشيخ هو البشير بولادة الحافظ، وهو الذي سمَّاه أيضاً؛ ولكنَّ الوالد لَمْ يقم طويلاً مَعَ ولده، إذ إنَّ يدَ المنونِ تخطَّفته والطفل لَمْ يزل بَعْد طريَّ العود، غضَّ البنية لَمْ يُكمل الثالثة من عمره، وَلَمْ نقف عَلَى ذكر لِمَن كفله بَعْدَ رحيل والده، والذي يغلب عَلَى ظننا أنّ الشَّيْخ القناوي هُوَ الَّذِي كفله وأسمعه؛
стр. 21
وذلك لأن أقدم سماع وجد له كان سنة (٧٣٧ هـ) بمعرفة القناوي وكان يُتَوقّعُ أن يكون له حضور أو سماع من الشيخ، إذ كان كثير التردد إليه سواء في حياة والده أو بعده، وأصحاب الحديث عند الشيخ يسمعون منه؛ لعلوِّ إسناده.
وحفظ الزينُ القرآنَ الكريمَ والتنبيه وأكثر الحاوي مَعَ بلوغه الثامنة من عمره، واشتغل في بدء طلبه بدرس وتحصيل علم القراءات، وَلَمْ يثنِ عزمه عَنْهَا إلا نصيحة شيخه العزّ بن جَمَاعَة، إذ قَالَ لَهُ: ((إنَّهُ علم كَثِيْر التعب قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن فاصرف همَّتك إِلَى الْحَدِيْث)) . وكان قد سبق له أن حضر دروس الفقه على ابن عدلان ولازم العماد محمد بن إسحاق البلبيسي، وأخذ عن الشمس بن اللبان، وجمال الدين الإسنوي الأصولَ وكان الأخير كثير الثناء على فهمه، ويقول: ((إنَّ ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ)) ، وكان الشيخ القناوي في سنة سبع وثلاثين - وهي السنة التي مات فيها - قد أسمعه على الأمير سنجر الجاولي، والقاضي تقي الدين بن الأخنائي المالكي، وغيرهما ممّن لم يكونوا من أصحاب العلوِّ.
ثمَّ ابتدأ الطلب بنفسه، وكان قد سمع على عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا، وصرف همَّته إلى التخريج وكان كثير اللهج بتخريج أحاديث " الإحياء " وله من العمر -آنذاك- عشرون سنة وقد فاته إدراك العوالي مما يمكن لأترابه ومَن هو في مثل سنّه إدراكه، ففاته يحيى بن المصري - آخر مَن روى حديث السِّلَفي عالياً بالإجازة - والكثير من أصحاب ابن
стр. 22
عبد الدائم والنجيب بن العلاّق، وكان أوّل مَن طلب عليه الحافظ علاء الدين بن التركماني في القاهرة وبه تخرّج وانتفع، وأدرك بالقاهرة أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسناداً، ولم يلقَ من أصحاب النجيب غيره، ومن ناصر الدين محمد بن إسماعيل الأيوبي، ومن ثَمَّ شدَّ رحاله - على عادة أهل الحديث - إلى الشام قاصداً دمشق فدخلها سنة (٧٥٤ هـ) ، ثُمَّ عادَ إليها بعد ذلك سنة (٧٥٨ هـ) ، وثالثة في سنة (٧٥٩ هـ) ، ولم تقتصر رحلته الأخيرة على دمشق بل رحل إلى غالب مدن بلاد الشام، ومنذ أول رحلة له سنة (٧٥٤ هـ) لم تخلُ سنة بعدها من الرحلة إمّا في الحديث وإمّا في الحجّ، فسمع بمصر ابن عبد الهادي، ومحمد بن علي القطرواني، وبمكة أحمد بن قاسم الحرازي، والفقيه خليل إمام المالكية بها، وبالمدينة العفيف المطري، وببيت المقدس العلائي، وبالخليل خليل بن عيسى القيمري، وبدمشق ابن الخباز، وبصالحيتها ابن قيم الضيائية، والشهاب المرداوي، وبحلب سليمان بن إبراهيم بن المطوع، والجمال إبراهيم بن الشهاب محمود في آخرين بهذه البلاد وغيرها كالإسكندرية، وبعلبك، وحماة، وحمص، وصفد، وطرابلس، وغزّة، ونابلس ... تمام ستة وثلاثين مدينة.
وهكذا أصبح الحديث ديدنه وأقبل عليه بكليته، وتضلّع فيه رواية ودراية وصار المعول عليه في إيضاح مشكلاته وحلّ معضلاته، واستقامت له الرئاسة فيه، والتفرد بفنونه، حتّى إنّ كثيراً من أشياخه كانوا
стр. 23
يرجعون إليه، وينقلون عنه - كما سيأتي - حتَّى قال ابن حجر: ((صار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الأسنائي ... وهلمَّ جرّاً، ولم نرَ في هذا الفنّ أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره)) .
المبحث الرابع
مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه:
مما تقدّم تبيّنت المكانة العلمية التي تبوّأها الحافظ العراقي، والتي كانت من توفيق الله تعالى له، إذ أعانه بسعة الاطلاع، وجودة القريحة وصفاء الذهن وقوة الحفظ وسرعة الاستحضار، فلم يكن أمام مَن عاصره إلاّ أن يخضع له سواء من شيوخه أو تلامذته. ولعلّ ما يزيد هذا الأمر وضوحاً عرض جملة من أقوال العلماء فيه، من ذلك:
١. قال شيخه العزُّ بن جماعة: ((كلّ مَن يدّعي الحديث في الديار المصرية سواه فهو مدَّعٍ)) .
٢. قال التقي بن رافع السلامي: ((ما في القاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ هذا، والقاضي عزّ الدين ابن جماعة)) ، فلمَّا بلغته وفاة العزّ قال: ((ما بقي الآن بالقاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ الشيخ زين الدين العراقي)) .
٣. قال ابن الجزري: ((حافظ الديار المصرية ومُحَدِّثُها وشيخها)) .
٤. قال ابن ناصر الدين: ((الشيخ الإمام العلاّمة الأوحد، شيخ العصر حافظ الوقت ... شيخ الْمُحَدِّثِيْن عَلَم الناقدين عُمْدَة المخرِّجِين)) .
٥. قال ابن قاضي شهبة: ((الحافظ الكبير المفيد المتقن المحرّر الناقد، محَدِّث الديار
المصرية، ذو التصانيف المفيدة)) .
٦. قال التقي الفاسي: ((الحافظ المعتمد، ... ، وكان حافظاً متقناً عارفاً بفنون الحديث وبالفقه والعربية وغير ذلك، ... ، وكان كثير الفضائل والمحاسن)) .
стр. 24
٧. وقال ابن حجر: حافظ العصر، وقال: ((الحافظ الكبير شيخنا الشهير)) .
٨. وقال ابن تغري بردي: ((الحافظ، ... شيخ الحديث بالديار المصرية، ... وانتهت إليه رئاسة علم الحديث في زمانه)) .
٩. وقال ابن فهد: ((الإمام الأوحد، العلاّمة الحجة الحبر الناقد، عمدة الأنام حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له في التفرّد في فنه أئمة عصره وأوانه)) . وأطال النفس في الثناء عليه.
١٠. وقال السيوطي: ((الحافظ الإمام الكبير الشهير، ... حافظ العصر)) .
ويبدو أنّ الأمر الأكثر إيضاحاً لمكانة الحافظ العراقي، نقولات شيوخه عنه وعودتهم إليه، والصدور عن رأيه، وكانوا يكثرون من الثناء عليه، ويصفونه بالمعرفة، من أمثال السبكي والعلائي وابن جماعة وابن كثير والإسنوي.
ونقل الإسنوي عنه في " المهمات " وغيرها، وترجم له في طبقاته ولم يترجم لأحد من الأحياء سواه، وصرّح ابن كثير بالإفادة منه في تخريج بعض الشيء.
ومن بين الأمور التي توضّح مكانة الحافظ العراقي العلمية تلك المناصب التي تولاها، والتي لا يمكن أن تسند إليه لولا اتفاق عصرييه على أولويته لها، ومن بين ذلك:
تدريسه في العديد من مدارس مصر والقاهرة مثل: دار الحديث
الكاملية، والظاهرية القديمة، والقراسنقرية، وجامع ابن
стр. 25
طولون والفاضلية، وجاور مدةً بالحرمين.
كما أنّه تولّى قضاء المدينة المنورة، والخطابة والإمامة فيها، منذ الثاني عشر من جُمَادَى الأولى سنة (٧٨٨ هـ) ، حتى الثالث عشر من شوال سنة (٧٩١ هـ) ، فكانت المدة ثلاث سنين وخمسة أشهر.
وفي سبيل جعل شخصية الحافظ العراقي بينة للعيان من جميع جوانبها، ننقل ما زَبَّره قلم تلميذه وخِصِّيصه الحافظ ابن حجر في وصفه شيخه، إذ قال في مجمعه:
((كان الشيخ منور الشيبة، جميل الصورة، كثير الوقار، نزر الكلام، طارحاً للتكلف، ضيق العيش، شديد التوقي في الطهارة، لطيف المزاج، سليم الصدر، كثير الحياء، قلَّما يواجه أحداً بما يكرهه ولو آذاه، متواضعاً منجمعاً، حسن النادرة والفكاهة، وقد لازمته مدّة فلم أره ترك قيام الليل، بل صار له كالمألوف، وإذا صلَّى الصبح استمر غالباً في مجلسه، مستقبل القبلة، تالياً ذاكراً إلى أن تطلع الشمس، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر وستة شوال، كثير التلاوة إذا ركب ... )) ، ثُمَّ ختم كلامه قائلاً: ((وليس العيان في ذلك كالخبر)) .
المبحث الخامس
شيوخه:
عرفنا فيما مضى أنَّ الحافظ العراقي منذ أن أكبَّ على علم الحديث؛ كان حريصاً على التلقي عن مشايخه، وقد وفّرت له رحلاته المتواصلة سواء إلى الحج أو إلى بلاد الشام فرصة التنويع في فنون مشايخه والإكثار منهم.
والباحث في ترجمته وترجمة شيوخه يجد نفسه أمام حقيقة لا مناص عنها، وهي أنَّ سمة الحديث كانت الطابع المميز لأولئك المشايخ، مما أدَّى بالنتيجة إلى تنّوع معارف الحافظ العراقي وتضلّعه في فنون علوم الحديث، فمنهم من كان ضليعاً بأسماء الرجال،
стр. 26
ومنهم من كان التخريج صناعته، ومنهم من كان عارفاً بوفيات الرواة، ومنهم من كانت في لغة الحديث براعته ... وهكذا. وهذا شيء نلمسه جلياً في شرحه هذا بجميع مباحثه، وذلك من خلال استدراكاته وتعقباته وإيضاحاته والفوائد التي كان يطالعنا بها على مرِّ صفحات شرحه الحافل.
ومسألة استقصاء جميع مشايخه - هي من نافلة القول - فضلاً عن كونها شبه متعذرة سلفاً، لاسيّما أنه لم يؤلف معجماً بأسماء مشايخه على غير عادة المحدّثين، خلافاً لقول البرهان الحلبي من أنه خرّج لنفسه معجماً.
لذا نقتصر على أبرزهم، مع التزامنا بعدم إطالة تراجمهم:
١ - الإمام الحافظ قاضي القضاة علي بن عثمان بن إبراهيم المارديني، المشهور بـ ((ابن التركماني)) الحنفي، مولده سنة (٦٨٣ هـ) ، وتوفي سنة (٧٥٠ هـ) ، له من التآليف: " الجوهر النقي في الرد على البيهقي، وغيره.
٢ - الشيخ المُسْنِد المعمر صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي المصري، ولد سنة (٦٦٤ هـ) ، وهو آخر من روى عن النجيب الحراني، وابن العلاق، وابن عزون، وتوفي سنة (٧٥٤ هـ) .
٣ - الإمام الحافظ العلاّمة علاء الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي ثم المقدسي، ولد سنة (٦٩٤ هـ) ، وتوفي سنة (٧٦١ هـ) ، له من التصانيف: " جامع التحصيل "، و" الوشي المعلم "، و" نظم الفرائد " وغيرها.
٤ - الإمام الحافظ العلاّمة علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن قُليج بن عبد الله البكجري الحكري الحنفي، مولده سنة (٦٨٩ هـ) ، وقيل غيرها، برع في فنون الحديث، وتوفي سنة (٧٦٢ هـ) ، من تصانيفه: ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام وسمّاه: " منارة الإسلام "، ورتّب المبهمات على أبواب الفقه، وله شرح على صحيح البخاري، وتعقّبات على المزي، وغيرها.
стр. 27
٥ - الإمام العلاّمة جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي، شيخ الشافعية، ولد سنة (٧٠٤ هـ) ، وتوفي سنة (٧٧٧ هـ) ، له من التصانيف: طبقات الشافعية، والمهمات، والتنقيح وغيرها.
المبحث السادس
تلامذته:
تبين مما تقدّم أنّ الحافظ العراقي بعد أن تبوأ مكان الصدارة في الحديث وعلومه وأصبح المعوّل عليه في فنونه بدأت أفواج طلاب الحديث تتقاطر نحوه، ووفود الناهلين من معينه تتجه صوبه، لاسيّما وقد أقرَّ له الجميع بالتفرد بالمعرفة في هذا الباب، لذا كانت فرصة التتلمذ له شيئاً يعدّه الناس من المفاخر، والطلبة من الحسنات التي لا تجود بها الأيام دوماً.
والأمر الآخر الذي يستدعي كثرة طلبة الحافظ العراقي كثرة مفرطة، أنه أحيا سنة إملاء الحديث - على عادة المحدّثين - بعد أن كان درس عهدها منذ عهد ابن الصلاح فأملى مجالس أربت على الأربعمائة مجلس، أتى فيها بفوائد ومستجدات ((وكان يمليها من حفظه متقنة مهذّبة محرّرة كثيرة الفوائد الحديثية)) على حد تعبير ابن حجر.
لذا فليس من المستغرب أن يبلغوا كثرة كاثرة يكاد يستعصي على الباحث
سردها، إن لم نقل أنها استعصت فعلاً، فضلاً عن ذكر تراجمهم، ولكن القاعدة تقول: ((ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه)) وانسجاماً معها نعرّف تعريفاً موجزاً بخمسة من تلامذته كانوا بحقّ مفخرة أيامهم وهم:
١ - الإمام برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي، مولده سنة (٧٢٥ هـ) ، وهو من أقران العراقي، برع في الفقه، وله مشاركة في باقي الفنون، توفي سنة (٨٠٢ هـ) ، من تصانيفه: الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، وغيره.
стр. 28
٢ - الإمام الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي القاهري، ولد سنة (٧٣٥ هـ) ، وهو في عداد أقرانه أيضاً، ولكنه اختص به وسمع معه، وتخرّج به، وهو الذي كان يعلّمه كيفية التخريج، ويقترح عليه مواضيعها، ولازم الهيثمي خدمته ومصاحبته، وصاهره فتزوج ابنة الحافظ العراقي، توفي سنة (٨٠٧ هـ) ، من تصانيفه: مجمع الزوائد، وبغية الباحث، والمقصد العلي، وكشف الأستار، ومجمع البحرين، وموارد الظمآن، وغيرها.
٣ - ولده: الإمام العلاّمة الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأصل المصري الشافعي المذهب، ولد سنة (٧٦٢ هـ) ، وبكّر به والده بالسماع فأدرك العوالي، وانتفع بأبيه غاية الانتفاع، ودرّس في حياته، توفي سنة (٨٢٦ هـ) ، من تصانيفه: " الإطراف بأوهام الأطراف " و" تكملة طرح التثريب " و" تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل "، وغيرها.
٤ - الإمام الحافظ برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي المشهور بسبط ابن العجمي، مولده سنة (٧٥٣ هـ) ، رحل وطلب وحصّل، وله كلام لطيف على الرجال، توفي سنة (٨٤١ هـ) ، من تصانيفه: " حاشية على الكاشف " للذهبي و" نثل الهميان " و" التبيين في أسماء المدلّسين " و" الاغتباط فيمن رمي بالاختلاط " وغيرها.
٥ - الإمام العلاّمة الحافظ الأوحد شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني المعروف بابن حجر، ولد سنة (٧٧٣ هـ) ، طلب ورحل، وألقي إليه الحديث والعلم بمقاليده، والتفرد بفنونه، توفي سنة (٨٥٢ هـ) ، من تصانيفه: "فتح الباري" و"تهذيب التهذيب" وتقريبه و" نزهة الألباب "، وغيرها.
стр. 29
المبحث السابع
آثاره العلمية:
لقد عرف الحافظ العراقي أهمية الوقت في حياة المسلم، لذا فقد عمل جاهداً على توظيف الوقت بما يخدم السنة العزيزة، بحثاً منه أو مباحثة مع غيره فكانت ((غالب أوقاته في تصنيف أو إسماع)) كما يقول السخاوي، لذا كثرت تصانيفه وتنوعت، مما حدا بنا - من أجل جعل البحث أكثر تخصصاً - إلى تقسيمها على قسمين: قسم خاصّ بمؤلفاته التي تتعلق بالحديث وعلومه، وقسم يتضمن مؤلفاته في العلوم الأخرى، وسنبحث كلاً منهما في مطلب مستقل.
المطلب الأول
مؤلفاته فيما عدا الحديث وعلومه:
تنوعت طبيعة هذه المؤلفات ما بين الفقه وأصوله وعلوم القرآن، غير أنَّ أغلبها كان ذا طابع فقهي، يمتاز الحافظ فيه بالتحقيق، وبروز شخصيته مدافعاً مرجّحاً موازناً بين الآراء.
على أنَّ الأمر الذي نأسف عليه هو أنَّ أكثر مصنفاته فُقدت، ولسنا نعلم سبب ذلك، وقد حفظ لنا مَنْ ترجم له بعض أسماء كتبه، تعين الباحث على امتلاك رؤية أكثر وضوحاً لشخص هذا الحافظ الجليل، وإلماماً بجوانب ثقافته المتنوعة المواضيع.
ومن بين تلك الكتب:
١ - أجوبة ابن العربي.
٢ - إحياء القلب الميت بدخول البيت.
٣ - الاستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد.
стр. 30
٤ - أسماء الله الحسنى.
٥ - ألفية في غريب القرآن.
٦ - تتمات المهمات.
٧ - تاريخ تحريم الربا.
٨ - التحرير في أصول الفقه.
٩ - ترجمة الإسنوي.
١٠ - تفضيل زمزم على كلّ ماء قليل زمزم.
١١ - الرد على من انتقد أبياتاً للصرصري في المدح النبوي.
١٢ - العدد المعتبر في الأوجه التي بين السور.
١٣ - فضل غار حراء.
١٤ - القرب في محبة العرب.
١٥ - قرة العين بوفاء الدين.
١٦ - الكلام على مسألة السجود لترك الصلاة (١) .
стр. 31
١٧ - مسألة الشرب قائماً.
١٨ - مسألة قصّ الشارب.
١٩ - منظومة في الضوء المستحب.
٢٠ - المورد الهني في المولد السني.
٢١ - النجم الوهاج في نظم المنهاج.
٢٢ - نظم السيرة النبوية.
٢٣ - النكت على منهاج البيضاوي.
٢٤ - هل يوزن في الميزان أعمال الأولياء والأنبياء أم لا؟.
المطلب الثاني
مؤلفاته في الحديث وعلومه:
هذه الناحية من التصنيف كانت المجال الرحب أمام الحافظ العراقي ليظهر إمكاناته وبراعته في علوم الحديث ظهوراً بارزاً، يَتَجلَّى لنا ذلك من تنوع هذه التصانيف، التي بلغت (٤٢) مصنفاً تتراوح حجماً ما بين مجلدات إلى أوراق معدودة، وهذه التصانيف هي:
١ - الأحاديث المخرّجة في الصحيحين التي تُكُلِّمَ فيها بضعف أو انقطاع.
٢ - الأربعون البلدانية.
стр. 32
٣ - أطراف صحيح ابن حبان.
٤ - الأمالي.
٥ - الباعث على الخلاص من حوادث القصاص.
٦ - بيان ما ليس بموضوع من الأحاديث.
٧ - تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي.
٨ - ترتيب من له ذكر أو تجريح أو تعديل في بيان الوهم والإيهام.
٩ - تخريج أحاديث منهاج البيضاوي.
١٠- تساعيات الميدومي.
١١- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد.
١٢- التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح.
١٣- تكملة شرح الترمذي لابن سيد الناس.
١٤- جامع التحصيل في معرفة رواة المراسيل.
стр. 33
١٥- ذيل على ذيل العبر للذهبي.
١٦- ذيل على كتاب أُسد الغابة.
١٧- ذيل مشيخة البياني.
١٨- ذيل مشيخة القلانسي.
١٩ - ذيل ميزان الاعتدال للذهبي.
٢٠- ذيل على وفيات ابن أيبك.
٢١- رجال سنن الدارقطني.
٢٢- رجال صحيح ابن حبان.
٢٣- شرح التبصرة والتذكرة.
٢٤- شرح تقريب النووي.
٢٥- طرح التثريب في شرح التقريب.
٢٦- عوالي ابن الشيخة.
٢٧- عشاريات العراقي (١) .
٢٨- فهرست مرويات البياني (٢) .
стр. 34
٢٩- الكلام على الأحاديث التي تُكُلِّمَ فيها بالوضع، وهي في مسند الإمام أحمد.
٣٠ - الكلام على حديث: التوسعة على العيال يوم عاشوراء.
٣١- الكلام على حديث: صوم ستٍّ من شوال.
٣٢- الكلام على حديث: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
٣٣- الكلام على حديث: الموت كفّارة لكل مسلم.
٣٤- الكلام على الحديث الوارد في أقل الحيض وأكثره.
٣٥- المستخرج على مستدرك الحاكم.
٣٦- معجم مشتمل على تراجم جماعة من القرن الثامن.
٣٧- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بتخريج ما في الإحياء من الأحاديث والآثار.
٣٨- مشيخة عبد الرحمن بن علي المصري المشهور بابن القارئ.
٣٩- مشيخة محمد بن محمد المربعي التونسي وذيلها.
٤٠- من روى عن عمرو بن شعيب من التابعين.
٤١- من لم يروِ عنهم إلا واحد (١) .
٤٢- نظم الاقتراح (٢) .
стр. 35
المبحث الثامن
وفاته:
تتفق المصادر التي بين أيدينا على أنَّه في يوم الأربعاء الثامن من شعبان سنة (٨٠٦هـ) فاظت روح الحافظ العراقي عقيب خروجه من الحمام عن عمر ناهز الإحدى وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، صلّى عليه الشيخ شهاب الدين الذهبي ودفن خارج القاهرة ﵀.
ولما تمتع به الحافظ العراقي في نفوس الناس، فقد توجع لفقده الجميع، ومن صور ذلك التوجع أن العديد من محبيه قد رثاه بغرر القصائد، ومنها قول ابن الجزري:
رحمة الله للعراقي تترى ... حافظ الأرض حبرها باتفاق
إنني مقسم أليَّة صدق ... لم يكن في البلاد مثل العراقي
ومنها قصيدة ابن حجر ومطلعها:
مصاب لم ينفس للخناق ... أصار الدمع جاراً للمآقي
ومن غرر شعر ابن حجر في رثاء شيخه العراقي قوله في رائيته التي رثا بها شيخه البلقيني:
نعم ويا طول حزني ما حييت على ... عبد الرحيم فخري غير مقتصر
لَهْفِيْ على حافظ العصر الذي اشتهرت ... أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر
علم الحديث انقضى لَمَّا قضى ومضى ... والدهر يفجع بعد العين بالأثر
لَهْفِيْ على فَقْدِ شيخَيَّ اللذان هما ... أعزّ عنديَ من سمعي ومن بصري
لَهْفِيْ على من حديثي عن كمالهما ... يحيي الرميم ويلهي الحي عن سمر
اثنانِ لم يرتقِ النسران ما ارتقيا ... نسر السما إن يلح والأرض إن يطر
стр. 36
ذا شبه فرخ عقاب حجة صدقت ... وذا جهينة إن يسأل عن الخبر
لا ينقضي عجبي من وفق عمرهما ... العام كالعام حتى الشهر كالشهر
عاشا ثمانين عاما بعدها سنة ... وربع عام سوى نقص لمعتبر
الدين تتبعه الدنيا مضت بهما ... رزية لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه ... بدر الدياجي زين الدين في الأثر
стр. 37
الفصل الثاني: دراسة كتاب شرح التبصرة والتذكرة
المبحث الأول
منهجه في شرحه
لم يلتزم المؤلفون القدامى - لاسيّما الشرّاح منهم - بنهج واحد يسيرون عليه في أثناء شروحهم، بل كانت ثمّة خطوط عريضة يضعها الشارح نصب عينيه، من غير التفات إلى الجزئيات، ومما يزيد الطين بلّة - كما يقولون - أن السواد الأعظم منهم لم يفصحوا عن مناهجهم، وتركوا الباب مشرعاً على مصراعيه للباحثين في الإدلاء بدلائهم لاستنباط منهج الشارح.
وقد كان من بين هؤلاء: الحافظ العراقي، فلم يوضّح لنا منهج شرحه، ولا أسلوب كتابته إلا أننا وبعد هذا الوقت الطويل الذي قضيناه برفقته استطعنا أن نتلمس بعض الأسس التي اعتمدها الحافظ العراقي في شرحه، والتي يمكن إيجازها بما يأتي:
١- تعددت شروح الألفية - كما سيأتي الكلام عنها - ولكن جميعها التزمت منهج البسط وهو الكلام عن البيت الشعري مقطّعاً؛ وذلك من خلال إيضاح معاني مفرداته ومن ثم معناه العام. في حين انفرد العراقي في شرحه بأن كانت طريقته تمتاز بجمع الأبيات ذات الموضوع والمغزى المتحد في مكان واحد، ومن ثَمَّ توضيح المراد بها من حيث المعنى والدلالة اللغوية والإعرابية. وهذا نهج مستفيض في أثناء شرحه - يلحظه كلّ متأنٍ - فليس بحاجة إلى تمثيل.
٢- بروز المنحى القائم على إيراد الأمثلة، إذ لا يكاد يورد شرحاً إلا مع التمثيل كتمثيله للتعليق المجزوم به (١) ، وتمثيله لتسمية غير المجزوم به معلقاً (٢) ، وغيرها (٣) .
٣- التنبيه على المواقع الإعرابية التي تحتلها بعض مفردات النظم، وتغيُّر موقعها الإعرابي بتغيُّر حركتها، نحو: إعرابه لكلمة: ((معتصماً)) (٤) ، وكلمة: ((موقوف)) (٥) ،
стр. 38
وكلمة: ((ظناً)) (١) ، وغيرها (٢) .
٤- جمعه أقوال العلماء وإيرادات بعضهم على بعض، وأجوبة تلك الاعتراضات، وتوظيفها بما يخدم منهجه في الشرح؛ بغية التوصل إلى نتيجة أقرب ما تكون إلى السلامة من الانتقاد، مدعمة بالأدلة، مقنعة للمحاجج.
ونجد ذلك واضحاً في مباحث تعريف الحسن (٣) . وفي مبحث تحقيق ما يستفاد من سكوت أبي داود (٤) وفي مباحث معنى قول الترمذي وغيره: حسن صحيح (٥) ، وفي مباحثات تعليل حديث البسملة (٦) ، وغيرها (٧) .
٥- لم يكن نظم الحافظ العراقي وشرحه مجرد تضمين لكتاب ابن الصلاح، خالياً عن الفوائد، بل كان خلاصة جهود ابن الصلاح مضافاً إليها ما أفاده العراقي خلال رحلته العلمية الممتدّة على طول سني حياته. لذا فلم يخلُ هذا المصنَّف من استدراكات وتعقبات على صاحب الأصل (ابن الصلاح) هذا خلا زوائده التي سنبحثها مستقلة فيما بعد، ومن ذلك: استدراكه على ابن الصلاح فيما يتعلق بزيادات الحميدي على الصحيحين (٨) ، واستدراكه على تمثيل ابن الصلاح بعفان والقعنبي على ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٩) . واستدراكه عليه في ذكر الخلاف في مرسل الصحابي (١٠) . وغيرها (١١) .
стр. 39
٦- تعقباته على أقوال وتصرفات بعض الأئمة تأييداً أو استدراكاً، مثل: ردّه على قول ابن طاهر في شرط الشيخين (١) . وردّه على صنيع ابن دقيق العيد والذهبي فيما يتعلق بـ" المستدرك " (٢) . ومثل تنبيهه على أن أبا الفتح اليعمري لا يشترط في كل حسن أن يأتي من وجه آخر (٣) . وغيرها (٤) .
٧- تنبيهه على ضبط بعض المفردات الواردة في نَظْمِه، لإصابة الغرض المقصود منه، مثل ضبطه للفظة: ((مبهماً)) (٥) ، وضبطه للفظة: ((معتصماً)) (٦) ، وغيرهما.
٨- بدا منهج الشرح اللغوي للمفردات واضحاً، مثل بيانه لمعاني: المرحمة (٧) ، والرسم (٨) ، والجفلى (٩) ، وغيرها.
٩- بيانه بعض قيود ومحترزات بعض التعريفات التي يرى إمكان الإيراد عليه عند مَن لم يفهم الخارج بتلك المحترزات (١٠) .
١٠- فيما يختص بالنصوص التي ينقلها، كان له إزاءها منهجان:
الأول: التدليل على انتهائه بقوله: انتهى بعد النص (١١) ، وهذا القسم أقل من الثاني وقد لجأ إليه الحافظ في أثناء مناقشاته، أو عندما يروم تعقب ذلك القول، أو غير ذلك من الأسباب، والدواعي الحاملة له على هذا الصنيع.
الثاني: عدم تدليله على انتهاء النص - وهو الأكثر - وذلك إما لكون النص ظاهر الانتهاء، أو لكونه أورده باختزال أو غير ذلك.
стр. 40
١١- فيما يتعلق بحرفية النص المنقول، لم يلتزم العراقي كثيراً من الأحيان بحرفيته، فكان كثير التصرف حذفاً وإضافةً، وقد أشرنا إلى بعض ذلك وأغفلنا الكثير لما رأينا الأمر قد تفاقم خشية إثقال الحواشي.
١٢- كان طابع النقاش العلمي آنذاك يمتاز بعرض النتيجة ومن ثم ملاحظة الاعتراضات عليها والتي تسمى إيرادات أو اعتراضات، ومما يشيد تلك النتيجة أن يجاب عن اعتراضاتها المتوقعة مسبقاً، وهذا ما انتهجه العراقي في شرحه (١) .
١٣- توضيحه لمصادر كلام بعض العلماء، مثل بيانه لمصدر تحديد النووي لمعنى مصطلح: على شرط الشيخين (٢) . ومثل بيانه لمصدر كلام ابن الصلاح في تصحيح حديث ((لولا أن أشق ... )) من طريق محمد بن عمرو (٣) .
١٤- كان الحافظ العراقي حريصاً على إفادة القارئ: وبما أنه التزم أن يكون شرحه مختصراً؛ لذا كان من منهجه أن يحيل إلى كتبه الأخرى في المواطن التي تحتاج إلى إسهاب ولا يحتمل المقام ذلك (٤) .
١٥- نقل أقوال الأئمة التي تعضد ما يروم التدليل عليه، وتوظيفها بمثابة ركائز تعزّز مراده (٥) .
١٦- وضع العراقي الأمانة العلمية نصب عينيه، فكان حريصاً على نسبة كل قول وفائدة إلى صاحبها إيماناً منه بأن بركة العلم نسبته إلى أهله، إلا أنه خالف هذا النهج في موطن واحد فقط نقل فيه بضعة عشر نصاً عن جامع الخطيب حذف أسانيد الخطيب منها وساقها تباعاً من غير نسبة إليه (٦) وكان هذا من الحافظ العراقي لسببين اثنين:
الأول: طول أسانيد الخطيب - لاسيما مع بضعة عشر نصاً - والتزامه الاختصار غير المخل في شرحه.
الثاني: أنه لم يغفل قرينة تدل على عدم كون النص له، وهي قوله قبل سياقته النص: " روينا " وهذا إمعان منه في العمل بمقتضى أمانته العلمية.