كقلْبٍ واحدٍ يُصرِّفُه كيفَ يشاءُ" ثمّ قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهمَّ! مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبنا على طاعَتِكَ" رواهُ عبد الله بن عمرو.
"وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين" إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، قيل: هذا استعارة تخييلية والمستعارُ له التقليب؛ أي: تقليب القلوب في قدرته يسيرٌ.
وقيل: معناه: بين أثرين من آثار رحمته وقهره؛ أي: هو قادر على أن يقلِّبها من حال إلى حال، من الإيمان، والكفر، والطاعة، والعصيان، والغلظ، واللين، وغير ذلك.
"من أصابع الرحمن": وفي إضافة الأصابع إلى الرحمن إشعار بأنَّ الله تعالى من كمال رحمته على عباده تولى بنفسه أمر القلوب، ولم يكل ذلك إلى أحد من ملائكته كيلا يطَّلع على سرائرهم، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم.
"كقلب واحد يصرفه كيف يشاء"؛ يعني: يتصرف في جميع القلوب كتصرفه في قلب واحد لا يشغله قلب عن قلب.
"ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم": أصله: يا الله، فحذف (يا) من أوله وأدخل ميم مشددة في آخره عوضاً عنه.
"مصرف القلوب" بالإضافة، نصب صفة (اللهم) عند المبرد والأخفش، ومنادى برأسه عند سيبويه، وقد حذف منه النداء.
"صرف قلوبنا إلى طاعتك" وإنَّما قال ﵊ ذلك إرشاداً للأمة التعوذ بالله في جميع أحوالهم من تحول النعمة إلى النقمة، يعني: اطلبوا من الله توفيق الإيمان والطاعة والثبات والدوام على الخيرات، ولا تأمنوا مكر الله.
* * *
стр. 142
٦٩ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مَولودٍ إلَّا يُولَدُ على الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أو يُنصرانِهِ أو يُمَجِّسانِه، كما تُنْتَجُ البَهيمَةُ بَهيمةً جَمْعاء، هل تُحِسُّونَ فيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تكونُوا أنتمْ تَجدعونهَا؟ "، ثم يقول: " ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة"؛ أي: على استعداد قبول الإسلام الذي خلقه الله تعالى في الإنسان من العقل والتمييز بين الحق والباطل والخير والشر بواسطة الشريعة، ولو لم تعترضه آفة من جهة أبويه لاستمر عليها، ولم يختر غير دين الإسلام.
"فأبواه يهودانه"؛ أي: يعلمانه اليهودية، ويجعلانه يهودياً.
"أو ينصرانه"؛ أي: يجعلانه نصرانياً.
"أو يمجسانه"؛ أي: يجعلانه مجوسياً، أو غير ذلك من الأديان ومذاهب البدعة، فإن [طبيعة] الإنسان مخلوقة على قبول ما عرض عليها من الاعتقاد والأفعال والأقوال.
"كما تنتج البهيمة": صفة لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية؛ أي: يولد على الفطرة ولادةً مثلَ إنتاج البهيمة.
"بهيمة جمعاء" الجمعاء من البهيمة هي التي لم يذهب من بدنها شيء، صفة لبهيمة، و (بهيمة) منصوب على الحال على تقدير كون (تنتج) مجهولاً؛ أي: ولدت في حال كونها بهيمة سليمة الأعضاء، أو على أنه مفعول ثان لتنتج معروفاً من أنتج: إذا ولد.
"هل تحسون فيها"؛ أي: هل تجدون وتبصرون في تلك البهيمة "من جدعاء": تأنيث الأجدع، وهو مقطوع الأنف أو الأذن أو الشفة، صفة أخرى لبهيمة بتقدير: مقولاً في حقها.
стр. 143
"حتَّى تكونوا أنتم تجدعونها"؛ أي: حتَّى يكون جادعها أنتم لا غيركم، ولولا تعرضكم لها بالجدع لبقيت سليمة كما ولدت، شبه النَّبيّ ﷺ ولادته على الفطرة السليمة بولادة البهيمة السليمة عن العيوب، غير أن المراد فيها سلامتها عن العيوب الظاهرة، وهنا سلامتها عن العيوب المعنوية.
"ثم يقول": بمعنى قال؛ أي: قرأ رسول الله ﷺ :
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا فطرة الله وداوموا عليها ولا تغيروها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾؛ أي: خلقهم ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ": هذا نفي بمعنى النَّهي؛ أي: لا تبدلوا ولا تغيروا ما خلق الله فيكم من قبول الإسلام.
* * *
٧٠ - وعن أبي مُوسَى الأَشعَري ﵁ قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ بخمسِ كلِماتٍ، فقال: "إنَّ الله تعالى لا يَنامُ، ولا ينبغي له أَنْ يَنامَ، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".
"وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ "؛ أي: خطبنا وذكَّرنا.
"بخمس كلمات": جمع كلمة، والمراد بها الكلام المفيد المستقل.
"فقال: إن الله لا ينام": لأنَّ النوم استراحة القوى والحواس، تعالى الله عن ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
"ولا ينبغي له أن ينام"؛ أي: يستحيل عليه ذلك؛ لأنَّه المتصرف في ملكه أبدًا بميزان العدل، والأولى تدل على عدم صدور النوم عنه، والثانية على نفي
стр. 144
جوازه عنه مؤكِّدة للأولى.
"يخفض القسط ويرفعه" المراد بالقسط: الميزان؛ يعني: يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، يقللها لمن يشاء، ويكثرها لمن يشاء، كمن بيده الميزان يخفض تارة ويرفع أخرى، وميزان أرزاقهم النازلة من عنده، قال تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
وقيل: المراد به العدل؛ يعني: ينقص العدل في الأرض بغلبة الجور وأهله، ويرفعه تارة بغلبة العدل وأهله.
"يرفع إليه"؛ أي: إلى مخزنه.
"عمل الليل قبل عمل النهار"؛ أي: قبل أن يشرع العامل في عمل النهار.
"وعمل النهار قبل عمل الليل"؛ أي: قبل أن يشرع في عمل الليل، هكذا إلى يوم الجزاء؛ يعني: يعرض عمل كل منهما على حدة قبل عرض الآخر؛ لأنه تعالى وكّل كل واحد منهما إلى ملائكة يتعاقبون في الناس تعاقب الليل والنهار ليكتبوا أعمالهم، كما قال ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار".
وإنما رفعت إليه وإن كان أعلمَ بها ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاء له على فعله.
وقيل: معناه: يقبل الله أعمال المؤمنين في ليلهم قبل النهار، وفي نهارهم قبل الليل، فيكون عبارة عن سرعة الإجابة.
"حجابه النور" هذا استئناف جواب عمن قال: لم لا نشاهد الله؟ يعني: هو محتجب بنور عظمته فلا يشاهد، وهذا بالنسبة إلى العباد.
"لو كشفه" استئناف أيضًا جواب عمن قال: لم لا يكشف ذلك الحجاب؟ يعني: لو رفع ذلك الحجاب "لأحرقت سبحات وجهه": جمع سبحة وهي العظمة، وقيل: أي: أنوار وجهه، ووجهه ذاته.
стр. 145
"ما انتهى" (ما) موصولة مفعول به لـ (أحرقت)؛ أي: لأحرقت ما وصل "إليه بصره"؛ أي: عِلمه "من خلقه" بيان للموصول أو متعلق بـ (أحرقت)، والمراد جميع الموجودات؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الكائنات ومنتهٍ إليه، يعني: لاضمحل جميع الموجودات من هيبته وفنوا.
* * *
٧١ - وقال: "يَدُ الله مَلأَى، لا تَغِيضُها نفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتُمْ ما أنفقَ منذ خَلَقَ السماءَ والأرضَ؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يديه، وكانَ عرشُهُ على الماء، وبيدهِ الميزانُ، يَخفِضُ ويَرْفَعُ"، رواه أبو هريرة ﵁.
وفي روايةٍ أُخرى: "يمينُ الرَّحمنِ مَلأَى سَحَّاءُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يد الله" هذا كناية عن محل عطائه؛ أي: خزائنه.
"ملأى" تأنيث الملآن.
"لا تغيضها نفقة"؛ أي: لا ينقصها إنفاقٌ وإعطاءُ رزق لمخلوقاته أبداً؛ لأن له القدرة على إيجاد المعدوم.
"سحاء الليل والنهار" من سح: إذا سال من فوق؛ أي: دائمةُ الصبِّ في الليل والنهار، صفة لـ (يد).
"أرأيتم"؛ أي: أتعلمون وتبصرون.
"ما أنفق" (ما) مصدرية؛ أي: إنفاق الله تعالى على عباده.
"مذ خلق السماء والأرض، فإنه"؛ أي: الإنفاق "لم يغض"؛ أي: لم ينقص "ما في يده" (ما) هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول (لم يغض).
"وكان عرشه على الماء وبيده الميزان"؛ أي: ميزانُ الأرزاق والأعمال
стр. 146
بقدرته. "يخفض ويرفع"
"وفي رواية: يمين الرحمن ملأى سحاء" خص اليمين؛ لأنها مظنة العطاء، وأشار إلى أنها المعطية عن ظهر غنًى؛ لأن الماء إذا انصب من فوق انصب بسهولة، وإلى جزالة عطاياه؛ لأن السح يستعمل فيما بلغ وارتفع عن القطر حد السيلان، وإلى أنه لا مانع لعطائه؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب لم يستطع أحد أن يرده.
* * *
٧٢ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عنْ ذَرَارِي المشركينَ فقال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلين".
"وعنه أنه قال: سئل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ذراري المشركين": جمع ذرية؛ أي: سئل عن حكم أطفالهم أنهم من أهل الجنة أو من أهل النار.
"فقال ﵊: الله أعلم بما كانوا عاملين" من الكفر والإيمان، يعني: من علم الله أنه إن عاش وبلغ يصدر منه الكفر يدخله النار، ومن علم الله أنه لو عاش وبلغ يصدر منه الإيمان يدخله الجنة، فلم يقطع ﵊ بكونهم من أهل الجنة، ولا بكونهم من أهل النار، بل أمرهم بالاعتقاد الذي عليه أكثر أهل السنة من التوقف في أمرهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٣ - عن عُبادة بن الصَّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أوَّلَ ما خلَقَ الله تعالى القلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ما أكتبُ؟ قال: القَدَر، ما كانَ
стр. 147
وما هو كائن إلى الأَبَدِ"، غريب.
"من الحسان".
" عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أول ما خلق الله القلم" معناه: أول ما خلق الله من جنس الأقلام ذلك القلم؛ لا أنه أولُ من جميع الأشياء، وكذا تأويل قوله ﵊ في حديث آخر: "أول ما خلق الله نوري"؛ أي: أنه أولُ من جنس الأنوار، إذ الأوَّلية من الأمور الإضافية.
"فقال"؛ أي: الله للقلم: "اكتب، فقال"؛ أي: القلم: "وما أكتب؟ " (ما) استفهامية مفعولٌ مقدمٌ على الفعل.
"قال: القدر" منصوب بفعل مقدَّر؛ أي: اكتب القدر؛ أي: المقدَّر المقضيَّ.
"ما كان، بدل من (القدر)، أو عطفُ بيان له، "وما هو كائن إلى الأبد".
"غريب".
* * *
٧٤ - وسُئلَ عمرُ بن الخطَّاب عنْ هذهِ الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال عمر ﵁: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُسأَلُ عنها، فقال: "إنَّ الله خلقَ آدمَ، ثمَّ مسحَ ظهرَهُ بيمينهِ، فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَّةً، فقال: خلقْتُ هؤلاء للجنّةِ، وبعملِ أهل الجنةِ يعملون، ثم مَسَحَ ظهرَهُ، فاستخرجَ منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلقْتُ هؤلاء للنَّارِ، وبعملِ أهلِ النارِ يعملونَ"، فقالَ رجلٌ: ففيمَ العملُ يا رسولَ الله؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ للجنَّةِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عمَلٍ مِنْ أَعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُهُ بِهِ الجنَّة، وإذا خلقَ العبدَ للنَّارِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ النَّارِ، حتى يموتَ على عمَلٍ
стр. 148
مِنْ أَعْمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُهُ بِهِ النَّارَ".
"وسئل عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية"؛ أي: عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم عن ظهورهم، المذكورِ في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾؛ أي: أخرج ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بدلَ البعض من الكل؛ أي: من ظهور بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ [عَلَى أَنْفُسِهِمْ]﴾؛ أي: أشهد بعضهم على بعض على هذا الإقرار وعلى هذه الحالة، وقال للذرية: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهام تقرير.
﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الزمر: ٧١] أنت ربنا. "الآية"
قيل: كان ذلك قبل الدخول في الجنة بين مكة والطائف. وقيل: ببطن نعمان وادٍ بقرب عرفة. وقيل: كان في الجنة. وقيل: بعد النزول منها بأرض هند.
"قال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ : يسأل عنها"؛ أي: عن هذه الآية.
"فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره" والماسح إما الملك الموكَّل على تصوير الأجنة، فإسناده إلى الله بأنه هو الآمر به والمتصرف في عباده بما يشاء، كإسناد التوفِّي إليه في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي لها الملائكة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]، وإما البارئ تعالى فالمسح من باب التمثيل.
وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير، كأنه قال: قدَّر وبيَّن ما في ظهره من الذرية.
"بيمينه"؛ أي: بقدرته، وفي التنصيص على لفظ اليمين دون اليد تنبيهٌ على تخصيص آدم بالكرامة.
стр. 149
"فاستخرج منه ذريته" قيل: أخرجهم كأمثال الذر وجعلهم على هيئة الرجال والنساء، وجعل فيهم العقول ثم كلمهم.
"فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" قيل: الآية تدل على أخذ الذرية من ظهور بني آدم، والحديث يدل على أخذها من ظهر آدم، فالتوفيق أنه كان بعض الذر في ظهر بعض الذرية، والكل في ظهر آدم.
"فقال رجل: ففيم العمل" الفاء في (ففيم) جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا كان الأمر كما ذكرت "يا رسول الله" فأي شيء يفيد العمل؟ أو بأي شيء يتعلق العمل؟
"فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله"؛ أي: ألزم العمل عليه وأمره "بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به"؛ أي: بسبب ذلك العمل "الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار".
* * *
٧٥ - وقال عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ وفي يديهِ كتابانِ، فقال للذي في يدهِ اليُمنى: "هذا كتاب مِنْ رَبِّ العالمينَ، فيهِ أسماءُ أهلِ الجنَّةِ وأسماءُ آبائهمْ وقبائلهِمْ، ثمَّ أُجْمِلَ على آخِرِهم، فلا يُزَادُ فيهمْ ولا يُنقَصُ منهمْ أبدًا"، ثمَّ قال للذي في شِمالِهِ: "هذا كتابٌ من ربِّ العالمينَ، فيهِ أسماءُ أهلِ النَّارِ وأسماءُ آبائِهِمْ وأسماء قبائِلِهِمْ، ثمّ أُجْمِلَ على آخِرِهِمْ، فلا يُزَادُ فيهمْ ولا يُنْقَصُ منهمْ أبدًا"، ثمَّ قال بيدَيْهِ فنبذَهُمَا، ثمَّ قال:
стр. 150
"فرغَ ربُّكُمْ مِنَ العِباد، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ".
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان" الواو للحال، وهذا على سبيل التمثيل والتصوير؛ ليكون أقرب إلى التفهيم.
"فقال للذي"؛ أي: لأجل الذي "في يده اليمنى" أو في شأنه، أو المعنى: أشار إليه.
"هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم" بأن كتب فيه: إن فلان بن فلان الذي من قبيلة فلان، أو من القرية الفلانية، أو المعروف بفلان، من أهل الجنة، وكذلك اسم كل واحد على هذه الصفة.
"ثم أجمل على آخرهم": بأن جميع هؤلاء المذكورين في هذا الكتاب من أهل الجنة، من الإجمال خلاف التفصيل، يقال: أجملت الحساب: إذا رددته من التفصيل إلى الجملة في الرفعة.
"فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"؛ لأن حكم الله لا يتغير.
"ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، ثم قال بيده"؛ أي: أشار بها "فنبذهما"؛ أي: طرح الكتابين وراء ظهره.
"ثم قال: فرغ ربكم من العباد"؛ أي: من أمرهم وشأنهم، يعني: قدَّر أمرهم فجعلهم فريقين.
"فريق في الجنة، وفريق في السعير": فلا يتغير تقديره أبدًا، ولا يُعترض عليه بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]؛ لأن ذلك عينُ ما قدِّر
стр. 151
وجرى في الأزل كذلك، لا أن يكون تغييرًا وتبديلًا للتقدير.
أو المراد منه: محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ، أو محو السيئات عن التائب وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك من الوجوه المذكورة في تفسيره.
* * *
٧٦ - عن أبي خِزامَةَ، عنْ أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيتَ رُقًى نَسترقيهَا، ودواءً نتَداوَى بهِ، وتُقاةً نتَّقيها، هلْ تَرُدُّ مِنْ قدَرِ الله شيئًا؟ قال: "هيَ مِنْ قَدَرِ الله".
"وعن أبي خزامة، ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رُقَى" بضم الراء وفتح القاف: جمع رقية، وهي الدعوات التي تقرأ لطلب الشفاء.
"نسترقيها"؛ أي: نطلب تلك الرقى أن يقرأها علينا أحد.
"ودواء نتداوى به"؛ أي: نستعمله في الأعضاء.
"وتقاةً" بمعنى الاتقاء، وهو الشيء الذي التجأ به الناس كالترس ليُحفظوا من الأعداء، من وقى يقي وقاية؛ أي: حفظ والتاء مقلوبة من الواو.
"نتقيها"؛ أي: نلتجئ بها ونحترز (١) بسببها من شر الأعداء.
"هل تَردُّ"؛ أي: هذه الأسباب.
"من قدر الله شيئًا؟ قال: هي"؛ أي: المذكورات من الاسترقاء والاتقاء والتداوي "من قدر الله أيضًا"؛ يعني: كما أن الله تعالى قدَّر الداء قدَّر زوالَه بالدواء، أو بالرقية، وكما أنه خلق في العدو قصد عدوه بالإيذاء خلق في الذي
стр. 152
يقصده العدوُّ أن يلتجئ إلى قلعة، وأن يدفعه بشيء من الأسباب، فكل من أصابه داء فتداوى بدواء وبرء، فاعلم أنه قدَّر هذا الدواء نافعًا في ذلك الداء، وإلا لن ينفعه دواء جميع أطباء العالم، وعلى هذا فقس جميع الأسباب.
وأما قوله ﵊: "فلا رقية إلا من عين أو حمى" فمعناه: لا رقية أولى وأنفع.
* * *
٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ علينا ونحنُ نتنازع في القَدَرِ، فغضبَ حتَّى احمرَّ وجهُهُ، فقال: "أبهذا أُمِرتُمْ؟ أَمْ بهذا أُرْسِلْتُ إليكُمْ؟ إنَّما هلكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حينَ تنازَعُوا في هذا الأمرِ، عَزَمْتُ عليكُمْ أنْ لا تتنازَعُوا فيهِ"، غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع"؛ أي: نتخاصم ونتناظر "في القدر": بأن يقول أحد: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقضاء الله تعالى وقدره فلمَ يعذَّب المذنبون، ولم ينسب الفعل إلى الشيطان، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠] وغير ذلك.
"فغضب ﵊ حتى احمر وجهه" من الغضب، ولم يرض منهم التنازعَ في القدر؛ لأن القدر سرٌّ من أسرار الله لا يطَّلع عليه أحد، وطلبُ سر الله تعالى منهيٌّ عنه.
"فقال" ﷺ : "أبهذا" التنازع "أمرتم" الاستفهام للإنكار، يعني: لم يأمركم الله ورسوله بالتنازع في القدر.
"أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم" من الأمم السالفة
стр. 153
"حين تنازعوا في هذا الأمر"؛ أي: الذي لم يأمرهم الله ورسله (١) به من البحث في القدر، وتفضيل بعض الرسل على بعض من تلقاء أنفسهم.
"عزمت"؛ أي: أقسمت "عليكم" كان أصله: عزمت بإلقاء اليمين أو إلزام اليمين عليكم.
"عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه"؛ بحذف إحدى التاءين؛ أي: أن لا تبحثوا في القدر بعد هذا، و (أن) هذه يمتنع كونُها مصدرية وزائدة؛ لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة، و (أن) لا تزاد مع (لا) فهي إذن مفسِّرة كـ (أقسمت أن لا أضربن).
"غريب".
* * *
٧٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى خلقَ آدمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، منهمُ الأحمرُ، والأبيض، والأسودُ، وبَيْنَ ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخَبيثُ، والطَّيبُ".
"وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى خلق آدم من قبضة" وهي ملءُ الكف من كل شيء، وهنا من التراب.
"قبضها من جميع الأرض"؛ أي: من جميع ما قدَّر الله تعالى أن يسكنه بنو آدم من الأرض، والقابض قيل: عزرائيل، وإنما نسب إليه تعالى لأنه بأمره وإرادته.
стр. 154
"فجاء بنو آدم على قدر الأرض"؛ أي: على لون الأرض وطبعها.
"منهم الأحمر والأبيض والأسود" بحسب لون ترابهم.
"وبين ذلك"؛ أي: بين الأحمر، والأبيض، والأسود باعتبار أجزاء أرضه.
"والسهل" وهو اللين، "والحزن" وهو الغليظ، "والخبيث" المراد: خبث الخصال، "والطيب"؛ أي: طيب الخصال، على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله لونًا وطبعًا وخلقًا.
* * *
٧٩ - وعن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الله تعالى خلَقَ خلقَهُ في ظُلْمَةٍ، فألقَى عليهِمْ مِنْ نُوره، فمَنْ أصابَهُ مِنْ ذلكَ النُّورِ اهتَدَى، ومَنْ أخطأهُ ضَلَّ، فلذلكَ أقولُ: جفَّ القلمُ على عِلمِ الله".
"وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله خلق خلقه" من الجن والإنس "في ظلمة"؛ أي: كائنين فيها، والمراد: ظلمة الطبيعة من الميل إلى الشهوات، والركون إلى المحسوسات، والغفلة عن أسرار عالم الغيب.
"فألقى عليهم من نوره" صفة لمفعول محذوف؛ أي: ألقى عليهم شيئًا من نوره، فيكون (من) للبيان، ويجوز أن يكون للتبعيض، والمراد منه: نور الإيمان وتوفيق الطاعة وقبول الشريعة.
"فمن أصابه من ذلك النور اهتدى"؛ أي: إلى طريق الحق وخرج من ظلمة الطبيعة إلى نور الإيمان.
"ومن أخطأه"؛ أي: جاوزه ولم يصل إليه من ذلك النور.
стр. 155
"ضل"؛ أي: خرج من طريق الحق، فبقي في ظلمة الهواء الإنسانية (١) والجهل والتكبر وغير ذلك من الخصال المذمومة.
"فلذلك"؛ أي: من أجل أن الاهتداء والضلال قد جرى في الأزل.
"أقول: جف القلم على علم الله"؛ أي: على ما علمه في الأزل.
* * *
٨٠ - قال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يُكثرُ أنْ يقول: "يا مُقلِّبَ القُلوبِ! ثَبتْ قلبي على دينِكَ"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنَّا بِكَ، وبما جئتَ بهِ، فهلْ تخافُ علينا؟ قال: "نعمْ، إنَّ القُلوبَ بين أَصبُعَيْنِ مِنْ أصابعِ الله يُقَلَّبهَا كيفَ يشاءُ".
"وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا نبي الله! آمنا بك وبما جئت به" ليس قولك هذا لأجل نفسك؛ لأنك معصوم عن الخطأ والزلة خصوصًا عن تقلب قلبك عن الدين، وإنما المراد تعليم أمتك.
"فهل تخاف علينا" من أن نرتد عن الدين بعد أن آمنا بك.
"قال: نعم"؛ يعني: أخاف عليكم.
"إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" مفعول مطلق؛ أي: يقلِّبها تقليبًا يريده، أو حال من الضمير المنصوب؛ أي: يقلبها على أيِّ صفة شاء.
* * *
стр. 156
٨١ - وقال: "مَثَلُ القلْبِ كرِيْشةٍ بأرضٍ فَلاةٍ تُقَلِّمُها الرياحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ"، رواه أبو موسى الأَشْعَري ﵁.
"وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مثل القلب كريشة" هي واحدة الريش الذي للطائر.
"بأرضٍ فلاةٍ" صفة (أرض)؛ أي: مفازة خالية من النبات والشجر.
"تقلبها"؛ أي: تلك الريشة.
"الرياح ظهرًا" بدلٌ من الضمير المنصوب بدلَ البعض من الكل.
"لبطن" اللام هنا بمعنى إلى، يعني: تقلبها الرياح [من] ظهر إلى بطن، ومن بطن إلى ظهر كل ساعة يقلبها على صفة، فكذلك القلوب تنقلب ساعة من الخير إلى الشر، وساعة من الشر إلى الخير.
* * *
٨٢ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤمنُ عبدٌ حتَّى يُؤمنَ بأربعٍ: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنِّي رسولُ الله بعثَني بالحقِّ، ويؤمنَ بالموتِ، وبالبعْثِ بعدَ الموتِ، ويؤمنَ بالقَدَرِ".
"وعن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن عبد" نفي لأصل الإيمان.
"حتى يؤمن بأربع" فمن لم يؤمن بواحدة منها لم يكن مؤمنًا.
"يشهد" بالنصب بدل من (يؤمن).
"أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق" على كافة الجن والإنس.
"ويؤمن بالموت"؛ أي: يعتقد فناء الدنيا وأهلها، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ
стр. 157
عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] لا كما ذهب الدهري من قدم العالم وبقائه، أو الإيمان بالموت اعتقاده أن الموت يحصل بأمر الله، لا كمن زعم أنه يحصل بفساد المزاج.
"وبالبعث"؛ أي: يعتقد أن الله يحشر الناس "بعد الموت": ويجمعهم في العرصات للحساب والجزاء.
"ويؤمن بالقدر"؛ أي: يعتقد أن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله تعالى وقدره.
* * *
٨٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتي ليسَ لهما في الإسلامِ نَصيبٌ: المُرْجِئه والقَدَرِيَّةُ"، غريب.
"وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب" والمراد: سوء حظهم لقلَّته، لا تكفيرهم، كما يقال للمتموِّل البخيل: ليس له من ماله نصيب؛ أي: نصيب كامل.
"المرجئة" بالهمزة من الإرجاء وهو التأخير، وهم الذين يقولون: الإيمان إقرار باللسان من غير عمل، سُموا بذلك؛ لتأخيرهم العمل.
وقيل: المرجئة هم الجبرية، وهذا أصح، وهم الذين يقولون: إن الأفعال والأقوال كلها بتقدير الله وليس للعباد فيها اختيار، وأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
"والقدَرية" بفتح الدال وسكونها: هم المنكرون للقدر، القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة بقدرته ودواعيهم لا بقدرة الله وإرادته، وإنما نُسبت هذه
стр. 158
الطائفة إلى القدر؛ لأنهم يبحثون في القدر كثيرًا.
"غريب".
* * *
٨٤ - عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يكونُ في أُمَّتي خَسْفٌ ومَسْخٌ، وذلك في المكذِّبينَ بالقَدَرِ".
"وعن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون في أمتي خسف" وهو أن يدخل الله أحدًا في الأرض كقارون.
"ومسخ": وهو أن يغير الله صورةَ إنسانٍ على غير صورته كما فَعَلَ بقوم من بني إسرائيل فجعلهم قردة وخنازير.
"وذلك"؛ أي: الخسف والمسخ.
"في المكذبين بالقدر" وإنما عاقبهم الله بهما لأنهم بإضافتهم الكوائن إلى غير الله محقوا خلق الله ومسخوا صور خلقه، فجازاهم الله بمحقٍ ومسخ.
وقيل: معناه: إن يكن الخسف والمسخ في أمتي كانا في المكذبين بالقدر؛ لأن هذه الأمة مأمونة منهما، وقيل: محمول على الزجر والوعيد.
* * *
٨٥ - وعنه، عن رسول الله ﷺ قال: "القَدَرِّية مَجُوسُ هذهِ الأُمَّة، إِنْ مَرِضُوا فلا تعودُوهم، وإنْ ماتُوا فلا تشهدُوهم".
"وعنه، عن النبي ﵊ قال: القدرية مجوس هذه الأمة": سماهم مجوسًا لأن قولهم يشبه قول المجوس، فإنهم يقولون: الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، كذلك القدرية يقولون: الخير من الله،
стр. 159
والشر من الشيطان، أو من النفس، فصار مذهبهم مضاهيًا لمذهب المجوس من حيث إضافُة الكوائن إلى إلهين.
"إن مرضوا فلا تعودوهم" فإنهم ظهر بينكم وبينهم عداوة ومخالفة في الاعتقاد، فلا يجوز مقاربتهم ومجالستهم.
"وإن ماتوا فلا تَشهدوهم"؛ أي: فلا تحضروا جنائزهم للصلاة، فالنهي محمول على الزجر وتقبيحِ اعتقادهم على قولِ مَن لم يَحكُم بكفرهم، وعلى الحقيقة على قول من حكم بكفرهم.
* * *
٨٦ - وعن عمر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُجالسوا أهلَ القدَرِ، ولا تفاتحوهم".
"وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم"؛ أي: لا تبدؤوهم بالكلام ولا تناظروهم في الاعتقادات؛ لكونهم ضالين مضلِّين.
وقيل: معناه: لا تحاكموهم؛ أي: لا ترفعوا الخصومة إلى حاكمهم، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم به، فعلم من هذه الآية مجيء الفتح بمعنى الحكم. وقيل: لا تبدؤوهم بالسلام.
* * *
٨٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ستةٌ لعنتُهُمْ، لعنَهُمُ الله، وكل نبيٍّ مُجابٍ: الزائدُ في كتابِ الله، والمكذبُ بقدَرِ الله، والمُتسلِّطُ بالجَبَروتِ ليُعزَّ مَنْ أَذَلَّ الله ويُذلَّ مَنْ أَعَزَّ الله، والمستحِلُّ لحُرَمِ الله، والمستحِلُّ منْ عِترتي ما حرَّمَ الله، والتاركُ لسُنَّتي".
стр. 160
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ستة"؛ أي: ستة أشخاص.
"لعنتهم"؛ أي: دعوت عليهم باللعن، وهو الطرد والإبعاد من الخير.
"ولعنهم الله" بالواو العاطفة، ويروى بدونها إخبارًا؛ أي: إذا لعنتهم فقد لعنهم الله، أو إنشاء دعاء عليهم باللعن من الله تعالى.
"وكل نبي" مبتدأ خبره: "يجاب" بصيغة المضارع المجهول؛ أي: تجاب دعوته، ويروى بالميم؛ أي: مجاب الدعوة، والأولى أن تُجعل الجملة حالًا؛ أي: والحال أن من شأن كل نبي إجابة دعائه.
"الزائد في كتاب الله تعالى"؛ أي: في نظم القرآن، أو في حُكمه بأن يُدخل فيه ما ليس منه، وكذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب.
"والمكذب بقدر الله والمتسلط"؛ أي: المستولي والغالب "بالجبروت" مبالغة من الجبر، وهو القهر بالتكبر والعظمة.
"ليعز من أذل الله تعالى"؛ أي: لإعزاز من أذل الله كالكفار.
"ويذل من أعز الله"؛ أي: ولإذلال من أعزه الله كالمسلمين.
"والمستحل لحرم الله"؛ يعني: من يفعل في حرم مكة ما لا يجوز فعله من الاصطياد وقطع الشجر ودخولها بغير الإحرام معتقدًا حلَّها.
"والمستحل من عترتي" العترة: القرابة، وعترته ﵊: أهل بيته الذين حرِّمت عليهم الزكاة، وهم أولاده ﵊ وعليٌّ وأولاده من فاطمة، يعني: من يفعل بهم "ما حرم الله" من إيذائهم وترك تعظيمهم معتقدًا تحليله.
ويحتمل أن يراد به: مَن يستحل من عترته ﵊ شيئًا
стр. 161
من المحرمات، فـ (من) بيانية.
وخص مستحل الحُرَم والعترة بالذكر، وإن كان كلُّ مستحل لمحرم ملعونًا؛ لأن حرمتهما آكد وأشد؛ لاختصاص الأول بالله، والثاني برسوله ﷺ .
"والتارك لسنتي"؛ أي: المعرض عنها بالكلية، أو عن بعضها استخفافًا.
* * *
٨٨ - عن مَطَرَ بن عُكامِس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضَى الله لِعبْدٍ أنْ يموتَ بأرضٍ جعَلَ لَهُ إليها حاجةً".
"وعن مطر بن عكامس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قضى الله"؛ أي: إذا أراد "لعبد أن يموت بأرض" وكان هو في غير تلك الأرض "جعل الله"؛ أي: أظهر له "إليها حاجة" من تجارة أو زيارة أو غير ذلك؛ ليأتي بها فيموت فيها.
* * *
٨٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ذَرَارِيُّ المؤمنين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، فقلتُ: يا رسول الله! بلا عملٍ؟ قال: "الله أعلَم بما كانوا عاملين"، فقلتُ: فذراري المشركين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، قلتُ: بلا عمَلٍ؟ قال: "الله أَعلَمُ بما كانوا عامِلين".
"وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين"؛ أي: ما حكم أطفالهم.
"قال: من آبائهم"؛ أي: يُعلم حكمهم من حكم آبائهم، أو هم معدودون من جملة آبائهم، يعني: إن كان آباؤهم من أهل الجنة فهم كذلك.
وقيل: معناه: أتباع لآبائهم، فإن الشرع يَحكم بإسلامه لإسلام أحد
стр. 162
الأبوين، فيصلَّى عليه بموته ويجري التوارث.
"فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قلت: فذراري المشركين"؛ أي: فما حكمهم.
"قال من آبائهم"؛ أي: يعلم من حكم آبائهم.
"قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" أو معناه: أتباع لآبائهم، فلا يصلَّى عليهم ولا يثبت الإرث بينهم وبين المسلمين كآبائهم.
* * *
٩٠ - عن ابن مَسْعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الوائدةُ والمَوؤدةُ في النَّارِ".
"وعن ابن مسعود عن النبي ﵊ أنه قال: الوائدة"؛ أي: التي تدفن بنتها في القبر وهي حية فرارًا من الفقر أو العار.
"والموؤدة"؛ أي: المدفونة حية.
"في النار" روي: أن ابني مليكة أتيا رسول الله ﷺ وقالا: إن أُمَّنا وأدت بنتًا لها، فقال ﵊ هذا الحديث.
أما الوائدة فلأنها كانت كافرة، وأما الموؤدة فلأنها ولد الكافر، فيحتمل أنها كانت بالغة، ويحتمل أن تكون غير بالغة ولكن علم ﷺ بالمعجزة كونها من أهل النار، فلا يتعين القطع بهذا الحديث على تعذيب أطفال المشركين؛ لأنه ورد في قضية خاصة فلا يجوز حمله على العموم مع الاحتمال.
وقيل: المراد بالوائدة: القابلة، وبالموؤدة لها وهي أم الطفل، وكان من عادة نساء العرب إذا أخذ إحداهن الطلقُ حفرت لها حفرة عميقة فجلست عليها، والقابلة وراءها تترقب الولد، فإن أتت بابن أمسكته، وإن أتت بنتٌ ألقتها في
стр. 163
تلك الحفرة وأهالت عليها التراب.
* * *
٤ - باب إِثْبات عَذَاب القَبْر
(باب إثبات عذاب القبر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩١ - عن البَرَاء بن عازِب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "المُسلم إذا سُئِلَ في القَبْر، يشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فذلكَ قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
وفي روايةٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾: نزلَتْ في عذابِ القَبْرِ، إذا قيلَ له: مَنْ ربُكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟؛ فيقول: ربيَ الله، وديني الإسلامُ، ونبيي محمدٌ ﷺ ".
"من الصحاح":
" عن البراء بن عازب عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله"؛ أي: مصداق هذا الحكم قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهو كلمة الشهادة.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: بأن لا يزلُّوا عنه إذا فُتنوا (١).
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ يعني: في القبر عند سؤال منكر ونكير.
стр. 164
"وفي رواية عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ نزلت"؛ أي: هذه الآية "في عذاب القبر إذا قيل له"؛ أي: للميت بعدما وضع في القبر: "من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " فإن كان مسلما أزال الله الخوف، وثبَّت لسانه في جواب الملكين (١).
"فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الإسلام" وأما الكافر فيغلب عليه الخوف ولا يقدر على جوابهما، فيكون معذبًا فيه.
* * *
٩٢ - وعن أنسٍ ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ العبْدَ إذا وُضعَ في قَبْرِه، وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإنَّه ليسمَعُ قَرْعَ نِعالِهِم = أتاهُ مَلَكانِ، فيُقعدانه، فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ - لمحمدٍ -، فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّه عَبدُ الله ورسولهُ، فيقال له: انظُرْ إلى مَقْعدِكَ مِنَ النَّارِ، قد أبدلَكَ الله بهِ مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُمَا جميعًا، وأمَّا المُنافِقُ والكافِرُ فيُقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقول: لا أَدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيُقالُ له: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضربُ بمِطْرقةٍ من حديدٍ ضربةً، فيصيحُ صَيْحةً يسمعُها مَنْ يليهِ غير الثقلَيْنِ".
"وعن أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى"؛ أي: أدبر وأعرض "عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم"؛ أي: صوت دقها، فيه دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الأحساس بدون الحياة ممتنعٌ عادة، واختلفوا في ذلك؛ قال بعضهم: يكون بإعادة الروح، وتوقَّف أبو حنيفة في ذلك.
стр. 165
"أتاه ملكان" قبل أن يمضي زمان طويل.
"فيقعدانه" وقد جاء في بعض الروايات: (فيجلسانه) وهو أولى؛ لأن القعود في مقابلة القيام، والجلوس في مقابلة الاضطجاع، يؤيده ما روي: أن نضر بن شميل مثلَ بين يدي المأمون، فقال له: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين! لست بمضطجع فأَجلِسَ، قال: كيف أقول؟ قال: قل: اقعُد.
ويحتمل أن يراد بالإقعاد: الإيقاظ والتنبيه لما يسألان عنه بإعادة الروح.
"فيقولان ما"؛ أي: أيَّ شيء "كنت تقول في هذا الرجل" الذي بعث إليكم بالنبوة: هل كنت اعتقدت وأقررت بأنه نبي أم لا؟.
"لمحمد" عطف بيان لـ (الرجل)، أو بدل منه من لفظ المصنف أو الراوي.
"فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار" لو لم تكن مؤمنًا ولم تُجب الملكين.
"قد أبدلك الله به"؛ أي: بمقعدك هذه "مقعدًا من الجنة" بإيمانك وإجابة الملكين.
"فيراهما جميعًا" ليزداد فرحه ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإعطائه من الجنة.
"وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري"؛ أي: لا أعلم على الحقيقة أنه نبي أم لا.
"كنت أقول"؛ أي: في الدنيا "ما يقول الناس"؛ أي: المؤمنون، قيل: هذا قول المنافق، وأما الكافر فلا يقول في القبر شيئًا، ويحتمل أن يقول الكافر أيضًا دفعًا لعذاب القبر عن نفسه.
"فيقال له: لا دريت"؛ أي: لا علمت ما هو الحق والصواب.
стр. 166
"ولا تليت" من تلا يتلو: إذا قرأ؛ أي: ولا قرأت في الكتاب دعاء عليه أو إخبار.
قيل: رواية: "ولا تليت" غلط، والصواب: "ولا أتليت" من أتلاه: إذا اتبعه، فالمعنى: ما علمت بنفسك بالنظر والاستدلال حقِّية نبوته، ولا اتَّبعت العلماء بالتقليد فيكون إخبارًا.
"ويضرب بمطرقة": وهي آلة الضرب.
"من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح"؛ أي: يرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة.
"صيحة يسمعها"؛ أي: تلك الصيحة.
"من يليه"؛ أي: يقربُه من الحيوانات.
"غير الثقلين" نصب على الاستثناء؛ أي: غير الإنس والجن، فإنهم لا يسمعون صوته؛ لأنهم مكلفون بالإيمان بالغيب، والغيب ما لم يروه من أحوال القبر والقيامة، إذ الإيمان بالمشاهدة والمرئيِّ ضروريٌّ ليس موجبًا للثواب.
* * *
٩٣ - عن عبد الله بن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أحدكم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إنْ كان مِنْ أهلِ الجَنَّةِ فمنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كان مِنْ أهلِ النَّارِ فمنْ أهلْ النارِ، فيُقالُ: هذا مَقْعدُكَ حتى يبعثَكَ الله يومَ القيامَةِ".
"وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان"؛ أي: الميت "من أهل الجنة فمن أهل الجنة"؛ أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة؛ ليزداد شكرًا وفرحًا بطيب
стр. 167
المعروض ونزاهته.
"وإن كان من أهل النار فمن أهل النار"؛ أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل النار ليزداد حسرة وندامة.
"فيقال: هذا"؛ أي: المقعد المعروض عليك "مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" أو المعنى: القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك (١).
* * *
٩٤ - وعن عائشة ﵂: أنَّ يهوديةً دخلتْ عليها، فقالت: أعاذكِ الله مِنْ عذابِ القبرِ، فسأَلتْ عائشةُ رسولَ الله ﷺ عنْ عذابِ القَبْرِ، فقال: "نعَم، عذابُ القبْرِ حقٌّ" قالت عائشةُ: فما رأَيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صلَّى صلاةً إلَّا تعوَّذَ مِنْ عذابِ القبرِ.
"وعن عائشة ﵂: أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله"؛ أي: حفظك "من عذاب القبر" جاز علم اليهودية بعذاب القبر بقراءتها في التوراة، أو سماعها ممن قرأ التوراة، وكانت عائشة لم تعلم ولم تسمع ذلك.
"فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: نعم عذاب القبر حق، قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد"؛ أي: بعد ذلك "صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر".
قيل: يحتمل أنه ﵊ كان قبل هذا يتعوذ منه سرًا، فلما رأى تعجبها منه أعلن به خلف كل صلاة ليَثبت في قلبها ولتقتدي به أمتُه، وجاز أنه ﵊ كان متوقِّفا في شأن أمته فيه قبل أن يوحى إليه،
стр. 168
فلما أوحي إليه تعوذ منه، أعاذنا الله تعالى بلطفه منه.
* * *
٩٥ - عن زيد بن ثابت ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لولا أنْ لا تَدافَنُوا لَدَعَوْتُ الله أنْ يُسمِعَكُمْ مِنْ عذابِ القَبْرِ"، ثم قال: "تَعَوَّذوا بالله مِنْ عذابِ النّار"، فقالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ النَّار، ثم قال: "تَعوَّذُوا بالله مِنْ عذابِ القبرِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ القَبْرِ، قال: "تعوَّذُوا بالله مِنْ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال: "تعوَّذُوا بالله مِنْ فتْنَةِ الدَّجَّالِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ فتنَةِ الدَّجَّالِ.
"وعن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن لا تدافنوا" بحذف إحدى التاءين؛ أي: لولا مخافة أن لا تدافنوا الدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر"؛ أي: يوصل إلى آذانكم أصوات المعذبين في القبر، فإنكم لو سمعتم ذلك لتركتم التدافن من خوف قلع صياح الموتى أفئدتكم، أو خوف الفضيحة بعذاب أقاربكم (١) لئلا يطلع على حالهم.
"ثم قال: تعوذوا بالله"؛ أي: اطلبوا منه أن يدفع عنكم.
"من عذاب النار" وهذا يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله، بل ينبغي أن يكون خائفًا منه باكيًا على ذنوبه سائلًا من الله العفو والعافية.
"فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن" جمع فتنة وهي الامتحان، ويستعمل في البلاء والمكر (٢).
стр. 169
"ما ظهر منها": بدل من (الفتن)، يعني: الجهر.
"وما بطن"؛ يعني: السر.
وقيل: (ما ظهر) ما يجري على ظاهر الإنسان، و (ما بطن) ما يكون في القلب من الشر (١) والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر.
"قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ثم قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال" وإنما خصص التعوذ من فتنته، لكونها فتنةً عظيمةَ الشأن.
"قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قُبرَ الميتُ أتاهُ ملَكَانِ أسودانِ أزرقان، يُقالُ لأحدهِما: المُنْكَرُ، وللآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: هوَ عبدُ الله ورسولُهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيقولان: قَدْ كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا، ثمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبْرِه سبعونَ ذِراعًا في سَبعين ذِراعًا، ثمّ يُنَوَّرُ لهُ فيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ، فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي فأُخْبرهُمْ؟ فيقولان: نَمْ كنومة العَرُوسِ الذي لا يُوقظُهُ إلَّا أحبُّ أهلِهِ إليه، حتى يبعثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك، وإنْ كانَ مُنافِقًا قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ فقلتُ مِثْلَهُ، لا أَدري، فيقولان: قَدْ كُنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك، فيقولان للأرض: التئِمي عليه، فتلتئمُ عليه، فتختَلِفُ أَضلاعُهُ، فلا يَزالُ فيها مُعذَّبًا حتى يبعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك".
стр. 170
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قبر الميت"؛ أي: دُفن.
"أتاه ملكان أسودان"؛ أي: منظراهما.
"أزرقان"؛ أي: عيناهما، وإنما يبعثهما الله تعالى على هذه الصفة لما في السواد وزرقة العين من الهول والوحشة، فيكون خوفهما على الكفار أشد ليتحيروا في الجواب.
"يقال لأحدهما: المنكر" مفعول من أَنْكَرَ بمعنى: نكر: إذا لم يعرف أحدًا.
"وللآخر: النكير" فعيل بمعنى مفعول من نَكِرَ كعلم: إذا لم يعرفه أحد، سمِّيا بهما لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما.
"فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " فإن كان مؤمنًا "فيقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا"؛ أي: الإقرار بالوحدانية ورسالة محمد ﵊، وعلمُهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في جبينه أثر السعادة وشعاع نور الإيمان.
"ثم يفسح"؛ أي: يوسع له "في قبره سبعون ذراعًا في سبعين"؛ أي: طوله وعرضه كذلك؛ لأنه غالب أعمار أمته ﵊، فيفسح له في مقابلة كل سنة عبد الله تعالى فيها ذراعًا، أو المراد به الكثرة.
"ثم ينوّر له فيه"؛ أي: يجعل له في قبره الضياء والنور، فيه دلالة على أن التنوير بعد الفسح بمهلة، وأن الفسح بعد الجواب بمهلة.
стр. 171
"ثم يقال له: نم" أمر من نام ينام.
"فيقول"؛ أي: الميت: "أرجع"؛ أي: أريد الرجوع "إلى أهلي فأخبرهم" بأن حالي طيب ولا حزن لي ليفرحوا بذلك.
"فيقولان: نم كنومة العروس" وهو يطلق على الذكر والأنثى.
"الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه" والجملة (١) صفة للعروس، وإنما شبه نومه بنومة العروس؛ لأنه يكون في طِيْبِ العيش ونيل (٢) المراد فينام طيب العيش.
"حتى يبعثه الله من مَضجَعه ذلك" بفتح الميم والجيم: موضع الضجع، وهو النوم.
"وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون: إنه رسول الله، فقلت مثله"؛ أي: مثل قولهم "لا أدري" أنه نبي في الحقيقة أم لا، ومحله نصب على الحال، أو على أنه صفة لـ (مثله).
"فيقولان: قد كنا نعلم" برؤيتنا في وجهك أثر الشقاوة وظلمة الكفر. "أنك تقول ذلك"؛ أي: ذلك القول.
"فيقال للأرض: التئمي"؛ أي: انضمِّي واجتمعي عليه ضاغطةً له، يعني: ضيقي عليه، وهو على حقيقة الخطاب لا أنه تخييل لتعذيبه وعصره.
"فتلتئم عليه الأرض فتختلف أضلاعه": جمع ضلع وهو عظم الجنب؛ أي: تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه، وشدة الضغطة وانعصار جنبيه، ويتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنبه الآخر.
стр. 172
"فلا يزال فيها"؛ أي: في الأرض "معذبًا حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك".
* * *
٩٧ - ورواه البَراء بن عازِب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "يأْتيه مَلَكَانِ فَيُجْلِسانِهِ فيقولان له: مَنْ ربُكَ؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقول: دِيني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يُدريك؟ فيقول: قرأْتُ كتابَ الله، فآمنتُ بهِ وصدَّقْتُ، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ صَدَقَ عبدي، فأفْرِشوهُ مِنَ الجنَّةِ، وأَلبسوهُ مِنَ الجنَّةِ، وافتحُوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأْتيه من رَوْحِها وطِيْبها، ويفتح لها فيها مَدَّ بصَرِهِ، وأمَّا الكافرُ"، فذكر موتَه، قال: "ويُعادُ رُوحه في جسَده، ويأْتيه مَلَكَانِ، فيُجلِسانِهِ، فيقولان: من ربُّكَ؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أَدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذَب، فأَفرِشُوه من النَّار، وأَلبسُوه من النَّار، وافتحوا له بابًا إلى النَّار"، قال: "فيأْتيه من حَرِّها وَسَمُومِها"، قال: "ويُضَيَّقُ عليهِ قبْرُهُ حتَّى تختلفَ فيهِ أضلاعُه، ثُمَّ يُقَيَّضُ لهُ أَعمى أصمُّ، معه مِرْزَبّةٌ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار تُرابًا، فيضربه بها ضَربةً يسمعها ما بين المَشرق والمَغرب إلا الثَّقلَيْنِ، فيَصير تُرابًا، ثم يُعادُ فيه الرُّوح".
"ورواه"؛ أي: هذا الحديث "براء بن عازب عن رسول الله ﷺ " كما رواه أبو هريرة، إلا أن ألفاظهما مختلفة.
стр. 173
قال في رواية البراء: "يأتيه"؛ أي: المؤمن "ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ": استخبارًا عن صفته.
"فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان: وما يدريك": استفهام؛ أي: أيُّ شيء أعلمك وأخبرك بما تقول.
"فيقول: قرأت كتاب الله"؛ أي: القرآن "فآمنت به" أنه حق.
"وصدقت" بما فيه، فوجدت فيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] و ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن ربي وربَّ المخلوقات هو الله تعالى.
وفيه أيضًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فعلمت أن لا دين مرضيًا عنده غير الإسلام.
وفيه أيضًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] و: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك.
"فذلك"؛ أي: مصداق هذا "قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧].
"قال: فينادي منادٍ من السماء: أن صدق" (أن) مفسِّرة للنداء لأنه في معنى القول، يعني: صدق "عبدي" بما يقول فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد فهو مستحق للإكرام.
"فأفرِشوه" بألف القطع؛ أي: اجعلوا له فراشًا "من الجنة"؛ أي: من فُرشها، وأصله: أفرشوا له، فحذف اللام الجارة، ووصل الضمير بالفعل اتساعًا، والفاء فيه جواب شرط مقدر.
стр. 174
وقيل: معناه: أعطوه فُرشًا منها. وقيل: أي: اجعلوه ذا فراش منها، وهو الأصوب.
"وألبسوه" بقطع الهمزة؛ أي: اكسوه وأعطوه لباسًا "من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطِيبها"؛ أي: بعض من كل الراحة والطيب أو شيء منهما، وكلُّ طِيبٍ رَوْحٌ بلا عكس.
"ويفسح له فيها"؛ أي: في الجنة "مد بصره" قيل: نصب (مد) على الظرف؛ أي: مداه، وهي الغاية التي إليها البصر، والأصوب على المصدر؛ أي: فسحًا قَدْرَ مدِّ بصره.
قيل في التوفيق بين هذا وبين قوله: "سبعون ذراعًا في سبعين": إن هذه الفسحة عبارة عما يعرض عليه من الجنة، وتلك عن توسيع مرقده عليه، ويحتمل أن يكون بحسب اختلاف الأشخاص في الأعمال والدرجات.
"وأما الكافر فذكر"؛ أي: النبي ﵊ "موته"؛ أي: حالَ موت الكافر وشدته.
"قال: ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه" بسكون الهاء بعد الألف: كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر من حيرته أن يستعمل لسانه في فيه.
"لا أدري": هذا كأنه بيان وتفسير لقوله: (هاه هاه).
"فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن كذب" (أن) مفسرة للنداء أيضًا؛ أي: كذب هذا الكافر في قوله: (لا أدري) بل جحد نبوته بعدما عَلِمَها حسدًا وبغضًا.
"فأفرشوه من النار وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال:
стр. 175
فيأتيه من حرها"؛ أي: حر النار وهو تأثيرها "وسمومها" وهو الريح الحارة.
"قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه" تقدم بيانه.
"ثم يقيض"؛ أي: يقدر "له" ويسلط عليه "أعمى"؛ أي: زبانية لا عين له لكيلا يرحم عليه.
"أصم" لا يسمع صوت بكائه واستغاثته فيرقَّ له.
"معه مِرْزبَةٌ": وهي ما يدق به المدر، مخففة الباء عند أهل اللغة، والمحدِّثون يشدِّدونها، يعني: عصية.
"من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابًا" أي: اندقَّ أجزاؤه كالتراب.
"فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين"؛ أي: الجن والإنس.
"فيصير ترابًا ثم يعاد فيه الروح"؛ يعني: لا ينقطع عنهم العذاب بموتهم، بل يعاد فيهم الروح بعد موتهم ليزدادوا عذابًا، قال الله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].
وإنما ذكر ﷺ في هذا الحديث إعادة الروح في الكافر مرتين إلزامًا لهم بما ينكرونه.
* * *
٩٨ - عن عُثمان بن عفَّان ﵁: أنه كان إذا وقفَ على قبرٍ بكى حتَّى يبُلَّ لِحيتَهُ، فقيل له: تذكرُ الجنَّة والنَّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ القبْرَ أوَّلُ منزلٍ مِنْ منازِلِ الآخرة، فإنْ نجَا منهُ فما بعدَهُ أيسَرُ منهُ، وإنْ لمْ ينجُ منهُ فما بعدَهُ أشدُّ منهُ". قال: وقال رسولُ الله ﷺ : "ما رأَيتُ مَنْظَرًا قطُّ إلا والقبْرُ أفظَعُ منهُ"، غريب.
стр. 176
"وعن عثمان ﵁: أنه كان إذا وقف على قبر"؛ أي: على رأس قبر، أو عنده "بكى حتى يبل لحيته" من الدمع.
"فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي" من خوف النار واشتياق الجنة، "وتبكي من هذا؟! "؛ أي: من القبر، يعني: من خوفه.
"فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن القبر أول منزل من منازل الآخرة" منها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور عند الصراط، ومنها الجنة والنار.
"فإن نجا"؛ أي: المقبور.
"منه"؛ أي: من القبر، يعني: من عذابه.
"فما بعده": من المنازل "أيسر منه" وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه".
قيل: إنما يبكي عثمان ﵁ وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة، إما لاحتمال أن شهادته ﵊ له بذلك كان في غيبته، ولم تصل إليه، أو وصلت آحادًا فلم يفد اليقين، أو لأنه كان يبكي ليُعلم أنه يخاف مع عظم شأنه وشهادة النبي ﷺ له بالجنة، فغيره أولى بأن يخاف من ذلك ويحترز منه.
"قال" عثمان ﵁: "قال رسول الله: ما رأيت منظرًا قط"؛ أي موضعًا ينظر إليه "إلا والقبر أفظع منه"؛ أي: أشد وأفرغ وأنكر من ذلك، قيل: المستثنى جملة حالية من (منظر)، وهو موصوفٌ حذفت صفته؛ أي: ما رأيت منظرًا فظيعًا على حالة من أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناء مفرَّغ.
"غريب".
* * *
стр. 177
٩٩ - وعن عُثمان ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا فرَغَ منْ دَفْنِ الميتِ وقفَ عليهَ فقال: "استَغْفِرُوا لأخيكم، ثمَّ سَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآنَ يُسْأَل".
"وعن عثمان ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه"؛ أي: على رأس القبر.
"فقال: استغفروا"؛ أي: اطلبوا المغفرة من الله.
"لأخيكم (١) ثم سلوا له بالتثبيت"؛ أي: بأن يثبته بالقول الثابت، وهو كلمة الشهادة عند سؤال منكر ونكير.
"فإنه الآن يسأل" وفيه إشارة إلى أن دعاء الحي ينفع الميت، وأنه يستحب للأحياء أن يدعوا للأموات.
* * *
١٠٠ - عن درَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسلَّطُ على الكافرِ في قبْرِه تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تَنْهَشُهُ وتلدغُه حتى تقومَ الساعةُ، لو أنَّ تِنِّينًا منها نفَخ في الأَرضِ ما أنبتتْ خَضْراء".
"وعن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ يسلط على الكافر"؛ أي: يجعل موكَّلًا عليه ليعذبه ويؤذيه "في قبره تسعة وتسعون تنينًا" وهي حية كبيرة، وتخصيص العدد لا يُعلم إلا بالوحي، ويحتمل أن يقال: إن لله تسعة وتسعين اسمًا فالكافر أشرك بمن له هذه الأسماء فسلط عليه بعدد كل اسم تنينًا.
стр. 178
أو يقال: قد روي أن لله تعالى مئة رحمة أنزل منها واحدة في الدنيا بين الإنس والجن والبهائم والهوام، بها يتعاطفون، وأخَّر تسعة وتسعين للآخرة لعباده المؤمنين، فسلط عليه في مقابلة كل رحمة للمؤمنين تنينًا.
"تنهشه وتلدغه" معناهما واحد، وإنما ذكرهما للتأكيد، قيل: النهش أقوى من اللدغ، إذ [إن] له تأثيرًا عظيمًا كلدغ الحية ونهش الكلب.
"حتى تقوم الساعة"؛ أي: القيامة.
"لو أن تنينًا منها نفخ"؛ أي: لو وصل ريح فمه وحرارته "في الأرض" لاحترقت الأرض من حرارته بحيث "ما أنبتت خضرًا"؛ أي: نباتًا أصر ولم يبق فيها نباتٌ أو شجر.
* * *
٥ - باب الاعتِصام بالكتاب والسنة
(باب الاعتصام بالكتاب والسنة)
الاعتصام: الاستمساك بالشيء، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: أي: تمسكوا القرآن والسنة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَدٌّ".
"من الصحاح":
" عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ من أحدث
стр. 179
في أمرنا هذا"؛ أي: في ديننا وطريقتنا.
"ما ليس منه"؛ أي: شيئًا لم يكن له سند ظاهر أو خفي من الكتاب والسنة.
"فهو رد"؛ أي: الذي أحدثه مردود باطل.
* * *
١٠٢ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيرَ الحديث كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَدْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعةٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ.
"وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: أما بعد": هاتان الكلمتان يؤتى بهما لفصل الخطاب كأنه صدَّر هذا الحديث في أثناء خطبته ﷺ ووعظه.
"فإن خير الحديث"؛ أي: الكلام "كتاب الله" الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن فيه معنى الشرط.
"وخير الهدي هَدْي محمد" (الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: الطريق والسيرة، يطلق على الواحد والتثنية والجمع، فالأول الجمع، والثاني الواحد؛ أي: خير الطريق والسير طريق محمد وسيرته.
"وشر الأمور محدَثاتها" بفتح الدال: جمع محدثة، وهي البدعة من الأفعال والأقوال.
"وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لأن الضلالة ترك الطريق المستقيم والذهاب إلى غيره، والطريق المستقيم الشريعة، وخُص من هذا الحكم البدعةُ الحسنة.
* * *
стр. 180
١٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : "أبغَض النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطلِبٌ دمَ امرئ بغير حق ليُهريقَ دمَه"، رواه ابن عباس ﵄.
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أبغض الناس" (أبغض): أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ، واللام في (الناس) للعهد، والمراد منه عصاة المسلمين، وما قاله بعضٌ من أنها للجنس فبعيد، إذ لا معصية أعظم من الكفر، اللهم إلا أن يُحمل على التهديد.
"إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم"؛ أي: مائل عن الحق في حق الحرم، بأن يهتك حرمته ويفعل معصية فيه، فإن المعصية قبيح، وفي الموضع الشريف أقبح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
"ومبتغ"؛ أي: طالب "في الإسلام سنة الجاهلية"؛ أي: طريق أهل الجاهلية كالميسر والنياحة، وجزاءِ شخص بجنايةِ مَن هو من قبيلته.
"ومطّلب" بتشديد الطاء؛ أي: مجتهد في الطلب.
"دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه" من هَرَاقَ الماء: إذا صبه، والأصل: أراق، فقلبت الهمزة هاءً.
* * *
١٠٤ - وقال: "كلُّ أُمتي يَدخلونَ الجنَّة إلَّا مَنْ أَبى"، قالوا: ومَنْ يأْبى يا رسول الله؟ قال: "مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبى"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كل أمتي يدخلون