← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"وقذف المحصنات"؛ أي: رميهن بالزنا، جمع: محصنة، من أحصن: إذا حفظ عن الزنا. "المؤمنات"، احترز بها عن قذف الكافرات، فإنَّه ليس من الكبائر، فإن كانت ذمية لا يجوز قذفها، ولكن يكون من الصغائر. "الغافلات" عن الاهتمام بالفاحشة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]. * * * ٣٦ - وقال: "لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وهو مُؤمن، ولا يَشْربُ الخَمرَ حينَ يشربُ وهو مؤمن، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مؤمن، ولا ينتهبُ نُهبةً يَرفعُ النَّاسُ إليهِ فيها أبصارَهم حينَ يَنتهبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَغُلّ أحدكمْ حينَ يَغُل وهو مؤمن، فإياكم وإياكُمْ"، رواه أبو هريرة ﵁. "وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن": الواو للحال؛ أى: حال كونه كاملًا في إيمانه، أو: ذو أمْنٍ من عذاب الله تعالى، أو المراد: مؤمن لله؛ أي: مطيع له، يقال: أمِنَ له: إذا انقاد وأطاع. وقيل: المراد به: خروجه عن الإيمان بدليل ما روى أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا زنى أحدكم خرج منه الإيمان، وكان فوق رأسه كالظّلةِ، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان". "ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب": من نهب: إذا أغار على أحدٍ وأخذَ ماله قهراً. "نهبة" بالفتح: مصدر، وبالضم: المال الذي انتهبه.

стр. 107

"يرفع النَّاس": صفة (نهبة). "إليه فيها"؛ أي: إلى الناهب في تلك النهبة. "أبصارهم": مفعول (يَرفع). "حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم": من غل غلولاً: إذا سرق من الغنيمة، أو خان في أمانته. "حين يغل وهو مؤمن": وقيل: المراد به: الزجر والوعيد والإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء العاقبة؛ إذ لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر. "فإياكم": نصب على التحذير؛ أي: أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة. "وإياكم": كرره للتأكيد والمبالغة فيه. * * * ٣٧ - وفي رواية ابن عبَّاس ﵄: "ولا يقتُلُ حينَ يقتُلُ وهو مؤمن". "وفي رواية ابن عباس ﵁: ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن"؛ يعني: رواية ابن عباس كرواية أبي هريرة، إلَّا أنه يزيد: ولا يقتل. . . إلى آخره. * * * ٣٨ - وقال: "آيةُ المُنافق ثلاثٌ وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّهُ مسلمٌ: إْذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائتمِنَ خانَ"، رواه أبو هريرة ﵁. "وعن أبي هريرة أنه قال - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: آية المنافق"؛ أي: علامته. "ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال.

стр. 108

"وإن صام وصلى وزعم"؛ أي: ادَّعى. "أنه مسلم"؛ يعني: لا ينفعه صومه وصلاته يوم القيامة. "إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف"؛ أي: لم يُوفِ بوعده، والاسم منه: الخُلف بالضم. "وإذا ائتُمِن"؛ أي: إذا جُعِل أميناً، ووضع عنده أمانة. "خان": قيل: هذا على سبيل إنذار المسلم وتحذيره أن يعتادَ هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق، ولذا قيَّدها بـ (إذا) المقتضية للتكرار. * * * ٣٩ - وقال: "أربعٌ مَنْ كنَّ فيهِ كان مُنافِقاً خالصاً، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلة مِنهنَّ كانتْ فيهِ خَصلة مِنَ النفاقِ حتَّى يدَعَها: إذا ائتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا خاصَم فجَرَ"، رواه عبد الله بن عمْرو ﵄. "وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أربع من كنَّ فيه"؛ أي: اجتمعت هذه الخصالُ فيه بتأويل اعتقاد استحلالها. "كان منافقاً خالصاً"؛ لأنَّه يظهر الإسلام، ويخفي الكفر، أما من كُنَّ فيه هذه الخصال لا عن اعتقاد استحلالها، فلا يكون منافقاً شرعياً، بل يكون عُرفياً، وهو الذي يراعي أمور الدين علناً، ويترك محافظتها سراً، ويدل عليه قوله: "ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتَّى يدعها"؛ أي: يتركها. "إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر"؛ أي: ترك الوفاء بذلك العهد. "وإذا خاصم فجر"؛ أي: مالَ عن الحق، والمراد به هنا: الشتم والرمي

стр. 109

بالأشياء القبيحة. وقيل: هذا مخصوص بزمانه ﵊؛ لاطلاعه بنور الوحي [على] بواطن المتصفين بهذه الخصال، فأَعلمَ أصحابه نفاقهم؛ ليحترزوا عنهم، وإنَّما لم يعينهم حذراً عن الفتنة بأنَّ يلحقوا بالمحاربين. * * * ٤٠ - وقال: "مَثَلُ المنافِقِ كمثَلِ الشَّاةِ العائرةِ بينَ الغَنميْنِ، تَعِيرُ إلى هذه مرَّةً، وإلى هذه مرَّةً"، رواه ابن عمر ﵄. "وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مثل المنافق كمثل الشَّاةِ العائِرَة": من (عار يعير): إذا تفرَّد وشرد. "بين الغنمين؛ تعير إلى هذا مرَّة، وإلى هذه مرَّة": شبَّه ﵊ تردَّدَ المنافقين بين الطائفتين من المؤمنين والمشركين تبعًا لهواه وقصداً لغرضه الفاسد بالشاة المترددة بين طائفتين من الغنم؛ طلباً للفحل، فلا يستقرُّ على حالة، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، وفي تشبيهه بالشاة من أعلى ذكره بالشناعة وأوفره، وهو من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس بمعنى عقلي، وهو تشبيه مركَّب. * * * مِنَ الحِسَان: ٤١ - عن صَفوان بن عسَّال ﵁ قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذْهَبْ بنا إلى هذا النبيِّ، فقال له صاحبهُ: لا تقُل: نبيّ، إنَّه لو سمعكَ لكان له أربعة أعيُن، فأتَيا رسولَ الله ﷺ ، فسألاه عن تِسْعِ آياتٍ بيناتٍ، فقال لهما رسولُ الله ﷺ :

стр. 110

"لا تُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حرَّمَ الله إلَّا بالحقِّ، ولا تمشُوا ببريءٍ إلى ذِي سُلطانٍ ليقتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الرِّبَا، ولا تَقْذِفُوا مُحصَنَةً، ولا تَوَلَّوْا للفِرار يومَ الزَّحْفِ، وعليكُمْ خاصَّةً اليهود أنْ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾، قال: فقبَّلا يديْهِ ورِجْلَيْهِ، وقالا: نشهدُ أنَّكَ نبِيٌّ، قال: "فما يمنعُكُمْ أنْ تتَّبعوني؟ " قالا: إنَّ داودَ دعا ربَّهُ أن لا يزالَ من ذُريتهِ نبِيٌّ، وإنَّا نخاف إنِ تَبعْناكَ أنْ تَقْتُلَنَا اليهودُ. "من الحسان": " عن صفوان بن عسال أنه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا": الباء للتعدية، أو بمعنى: مع؛ أي: كن صاحبي ورفيقي لنأتي "إلى هذا النَّبيُّ ﷺ "، ونسأل عنه مسائل، "فقال له صاحبه: لا تقل له: نبي؛ إنه لو سمعك"؛ يعني: لو سمع محمد أنك تقول له: نبي. "لكان له أربع أعين": هذا كناية عن شدة الفرح والسرور التام، فإن مَنْ فرحَ يزداد به نوراً إلى نور عينه، فيصير كأنه يبصر بأربع أعين. "فأتيا رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - فسألاه عن تسع آيات": جمع آية، وهي: العلامة الواضحة. "بينات": جمع بينة، وهي: الظاهرة، والمراد بها الأحكام المفصَّلة المبينة في التوراة التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه في (سورة بني إسرائيل): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، لا التسع التي هي المعجزات. "فقال لهما رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، ولا تمشوا ببرئ": الباء للتعدية، و (البريء): عن الإثم.

стр. 111

"إلى ذي سلطان": هو بمعنى: السلطنة هنا، وهي: القدرة؛ يعني: لا تقولوا السوء [في] من ليس له ذنب عند السلطان، ولا تنسبوه إلى ذنبٍ إذا لم يكن له ذنبٌ. "ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا": أصله بتائين حُذِفت إحداهما؛ لأنَّه من (التولي)، وهو: الإعراض، وقيل: بضم التاء، من ولَّى تولية: إذا أدبر للفرار. "يوم الزحف"؛ أي: الحرب. "وعليكم": كلمة الإغراء؛ أي: الزموا واحفظوا هذا الحكم. "خاصة": نصب على أنه حال عامله ما في (عليكم) من معنى الفعل، أو تمييز، والخاصة: ضد العامة. "اليهودَ": نصب على التفسير؛ أي: أعني: اليهود، والمراد به: اليهوديون، كما يقال: زنجي وزنج، وعُرِّف على هذا التأويل، وإلا لم يجز دخول لام التعريف فيه؛ لأنَّه معرفة يجري مجرى القبيلة. وفي بعض الروايات: (يهود) - بالرفع بدون التعريف - منادى حُذِف حرف ندائه، وإنَّما حُذِف هنا مع أنه اسم جنس، لأنَّه لشدة اختصاصه بهذه الأمة الخبيثة جرى مجرى العلم؛ يعني: ما مضى من الأحكام مشترك فيها جميع النَّاس، وأمَّا هذا الأخير؛ فخطابها لليهود خاصةً، وهو: "أن لا تعدوا في السبت"؛ أي: لا تجاوزوا أمرَ الله فيه بأنَّ لا تصيدوا السمك يوم السبت، وهذا حكاية ما كان ثابتًا في شريعتهم. "قال"؛ أي: الراوي. "فقبلا يديه"؛ أي: اليهوديان يدي رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم. "ورجليه": لما أجابهما عمَّا سألاه.

стр. 112

"وقالا: نشهد أنك نبي، قال ﷺ : فما يمنعكم أن تتبعوني": وإنَّما قال بصيغة الجمع والمخاطب اثنان: لأنَّه ﵊ أرادهما وغيرهما من اليهود؛ لاعتراف اليهود كلهم بنبوته، ولكن إلى العرب خاصة، فغلَّب من حضر على غيره؛ أي: أي شيء يمنعكم عن الإسلام؟ فإنكم مأمورون في التوراة بمتابعتي وبالإيمان بي إذا بُعِئت. "قالا: إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال"؛ أي: لا ينقطع "من ذريته نبيًا إلى يوم القيامة، ويكون دعائه مستجاباً البتة، فسيكون نبيٌّ من ذريته، ويتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة. "وإنَّا نخاف إن اتبعناك أن يقتلنا اليهود": وهذا عذرٌ منهم في عدم متابعتهم إياه، وقولهم: (إن داود ﵇ دعا ربه) كذبٌ منهم وافتراء عليه؛ لأنَّ داود ﵇ قرأ في التوراة والزبور نعتَ محمد ﵊ أنه خاتم النبيين، وتنسخ به جميعُ الأديان والكتب، فكيف يدعو على خلاف ما أخبره الله تعالى من شأن محمد ﵊؟ ولئن سُلِّم، فعيسى ﵇ من ذريته، وهو نبي باقٍ إلى يوم القيامة. * * * ٤٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من أصلِ الإيمانِ: الكفُّ عمَّنْ قال: لا إله إلَّا الله، لا تُكفِّرْهُ بذنبٍ، ولا تُخرجْه من الإسلامِ بعمَلٍ، والجهادُ ماضٍ مُذْ بعثَني الله إلى أن يُقاتِلَ آخرُ أُمتي الدجَّالَ، لا يُبطلهُ جوْرُ جائرٍ، ولا عَدلُ عادلٍ، والإيمانُ بالأَقْدارِ". "وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال "من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلَّا الله، لا تكفر بذنب": بيان للكفِّ، ولذا قطعه عنه، والتكفير: نسبة أحدٍ إلى الكفر، والخطابُ فيه مع

стр. 113

الراوي؛ يعني: لا يصير كافرًا بعد الإقرارِ بكلمتي الشهادة بسبب ذنب اجترحَهُ، ما لم يدخل الكفرَ. "ولا تخرجه من الإسلام بعمل" سوى الكفر، وفيه دلالة على أن أصحاب الكبائر لا يخرجون بالفسق عن الإيمان. "والجهاد ماض"؛ أي: نافذ. "منذ بعثني الله"؛ أي: من ابتداء زمان بعثتي. "إلى أن يقاتل آخرُ أمتي الدجَّال": وهذا لأن بعده يكون خروج يأجوج ومأجوج، ولا طاقة لأحد بمقاتلهم، وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافرٌ ما دام عيسى حياً في الأرض، أما ما بعده؛ فسيجيء إن شاء الله تعالى في ذكر الدجَّال. "لا يبطله"؛ أي: الجهاد. "جورُ جائر"؛ يعني: لا يجوز تركه بأنَّ يكون الإمام ظالماً، بل يجب على النَّاس طاعته في الجهاد، قال ﵊: "الجهادُ واجبٌ عليكم مع كل أمير؛ براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر". "ولا عدل عادل"؛ أي: لا يبطله عدل الإمام العادل بحيث يحصل مع عدله سكونُ المسلمين وتقويتهم وغناؤهم بحيث لا يحتاجون إلى الغنيمة. "والإيمان بالأقدار": جمع: القدر، تقدم بيانه. * * * ٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنى العبدُ خرجَ منه الإيمانُ، فكان فوقَ رأسِهِ كالظُّلَّةِ، فإذا خرج منْ ذلكَ العمَلِ رجعَ إليهَ الإيمانُ". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه: قال: قال رسول الله ﷺ : إذا زنى العبد"؛ أي:

стр. 114

العبد المؤمن بقرينة قوله: "خرج منه الإيمان": قيل: ليس المراد منه: حقيقة الخروج؛ بل هو نوره أو كماله، سلك مسلك المبالغة والتشديد في باب الزجر والوعيد. "وكان فوق رأسِهِ كالظُّلة": وهي سحابة تُظِلُّ على الأرض، وهذا تشبيه المعنى بالمحسوس بجامع معنوي، وهو: الإشراف على الزوال؛ لأنَّه من شأن الظُّلة. "فإذا خرج من ذلك العمل، رجعَ إليه الإيمان": وفيه إيذان بأنَّ المؤمن في حال اشتغاله بالشهوة يصير فاقداً أو كالفاقد للإيمان، ولكن لا يزول حكمه واسمه، بل هو بعدُ في ظل رعايته، وكنف بركته؛ إذ يصيرُ فوقه كالسحابة تظله، فإذا فرغ من شهوته، عاد الإيمان إليه. وقيل لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؛ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. * * * فصل في الوَسْوَسةِ (فصل في الوسوسة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تَجاوَزَ عنْ أُمَّتي ما وَسوستْ به صُدورُهَا ما لمْ تعمَلْ به أو تتكلَّم". "من الصحاح": " عن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله - صلَّي الله تعالى عليه وسلم -:

стр. 115

إن الله تجاوز"؛ أي: عفا. "عن أمتي ما وسوست به صدورُها" بالرفع فاعلاً، والمراد: القلوب؛ أي: ما خطرت في قلوبهم من الخواطر المذمومة، ويجوز نصبه مفعولاً به؛ أي: وسوست النفوسُ به صدورَها، وهي إما ضرورية، وهي: التي يستجلبها الطبع البشري من غير قصد، وإما اختيارية، وهي: التي تُلقَى في نفس المؤمن من تزيين المعصية والكفر. والمراد بها في الحديث هي الاختيارية؛ لأنَّ الضرورية معفوٌ عن جميع الأمم إذا لم يصر عليه؛ لامتناع الخلو عنها؛ يعني: لا يؤاخذهم بما وقع في قلوبهم من القبائح، "ما لم تعمل به أو تتكلم". وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فمنسوخ بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والوُسع: اسم لما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه. * * * ٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ ناسٌ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ فسألُوه: إنَّا نجدُ في أنفُسِنَا ما يتعاظَمُ أحدُنَا أنْ يتكلَّمَ بِهِ، قال: "أَوَقَدْ وجدتُمُوهُ؟ "، قالوا: نعم، قال: "ذاكَ صريحُ الإيمانِ". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال: جاء ناس"؛ أي: جماعة. "من أصحاب النَّبيّ - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - إلى النَّبيّ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به"؛ أي: عظم وشقَّ علينا ذلك بأن يجري في قلوبنا؛ من خلق الله؟ فكيف هو؟ ومن أيِّ شيء هو؟ وغير ذلك ممَّا نعلم أنه قبيحٌ لا نعتقده. "قال ﵊: أوقد وجدتموه؟ ": الهمزة للاستفهام

стр. 116

والواو المقرونة بها عطف على مقدر؛ أي: أكان ذلك، وقد وجدتم ذلك المخاطر في أنفسكم؟ "قالوا: نعم، قال: ذلك"؛ أي: تعاظمك التكلم بذلك الخاطر إجلالاً لله تعالى وخشية منه هو: "صريح الإيمان"؛ أي: خالصه؛ فإن من كان إيمانه مشوباً غير صريح يقبل الوسوسة، ولا يردها. وقيل: المعنى: أن الوسوسة أمارة الإيمان في قلوبكم، ولولا ذلك لما وسوس في أنفسكم؛ لأنَّه لمن لا يدخل الموضع الخالي. * * * ٤٦ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "يأْتي الشَّيطانُ أحدَكُمْ فيقول: مَنْ خلقَ كذا؟ من خلَق كذا؟ حتَّى يقول: مَنْ خلَقَ رَبَّك؟ فإذا بلغَهُ فليَسْتَعِذْ بالله، وَلْيَنتهِ". "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﵊: يأتي الشيطان أحدكم"؛ أي: يوسوس في قلبه. "فيقول: من خلق كذا؟ "؛ يعني: السماء. "من خلق كذا؟ "؛ يعني: الأرض، وعلي هذا يسأله. "حتَّى يقول: من خلق ربك؟ " وغرضه أن يوقع الرجلَ في الغلط والكفر والاعتقادات الباطلة. "فإذا بلغه"؛ أي: الشيطان أو أحدكم هذا القول. "فليستعذ بالله"؛ طرداً للشيطان عنه. "ولينته"؛ أي: عن تلك الوساوس؛ لئلا يستحوذَ الشيطان عليه بها. * * *

стр. 117

٤٧ - وقال: "لا يزالُ النَّاسُ يَتَساءَلونَ حتَّى يُقالَ: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خلَقَ الله؟ فمنْ وجدَ مِنْ ذلكَ شيئًا فليقُلْ: آمنتُ بالله ورُسُلِهِ"، رواهما أبو هريرة ﵁. "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال النَّاس يتساءلون"؛ أي: سأل بعضهم بعضاً في كلِّ نوع. "حتَّى يقال: هذا": قيل: لفظُ (هذا) مع ما عُطِف بيانه المحذوف - وهو القول - مفعولُ (يقال) أُقيمَ مقام الفاعل. "وخلق الله الخلق": تفسير لـ (هذا). "فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك"؛ أي: من ذلك القول شيئًا، "فليقل: آمنت بالله ورسله". * * * ٤٨ - وقال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قرينُهُ مِنَ الجنِّ"، قالوا: وإِيَّاكَ يا رسولَ الله! قال: "وإيَّايَ، إلَّا أنَّ الله أَعَاننِي عليه فأَسْلَمُ، فلا يأْمُرُني إلَّا بخيْرٍ"، رواه ابن مسعود. "وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أحد إلَّا وقد وُكِّل به" عليّ بناء المجهول، من (التوكيل)؛ بمعنى: التسلبط. "قرينه"؛ أي: مصاحبه "من الجن"؛ أي: الشياطين أولاد إبلبس، تأمره بالشرِّ وتحثه عليه. "قالوا: وإياك يا رسول الله؟ "؛ أي: وقد وُكِّل به وإياك. "قال": وُكلِّ به "وإياي"، فالضمير المنفصل فيهما عطف على محل الضمير المجرور المقدر، وقيل: وقع الضمير المنصوب المنفصل موقع

стр. 118

المنفصل المرفوع؛ إذ حقه أن يقال: وأنت يا رسول الله وُكِّل بك قرينك؟ فيقول: وأنا، وهذا شائع. "إلَّا أن الله أعانني عليه فأسلم": بفتح الميم؛ أي: انقاد وامتنع عن وسوستي، أو معناه: دخل في الإسلام الحقيقي، فسلمت من شره، يؤيده قوله ﷺ : "فلا يأمرني إلَّا بخير"، ويروى برفع الميم؛ أي: أسلم من شره. وقيل: هو أفعلُ التفضيل خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: فأنا أسلمُ منكم؛ لأنَّ النَّبيّ ﵊ كان يجري عليه بعضُ الزلات في بعض الأوقات بوسوسة، فيكون المراد بقوله ﵊: "فلا يأمرني إلَّا بخير" في أعم الأوقات. وفي رواية: (ما منكم من أحد إلَّا وقد وُكِّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة). "رواه ابن مسعود". وعن بعض المشايخ: أن قرينه من الجن ربما يدعوه إلى الخير، وقصده بذلك الشرُّ بأنَّ يدعو إلى المفضول؛ ليمنعه عن الفاضل، ويدعوه إلى الخير؛ ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشرِّ من عُجبٍ أو غيره. * * * ٤٩ - وقال: "إنَّ الشَّيطانَ يجري مِنَ الإنسانِ مَجْرَى الدَّمِ". "وعن أنس ﵁ فيه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الشيطان يجري من الإنسان مَجرى الدمِ"؛ أي: كيد الشيطان يجري، ووساوسه تسري في الإنسان حيث يجري فيه الدم؛ أي: في جميع عروقه، أو يجري فيه مثل جريان الدم في أعضائه من غير إحساس له بجريانه، أو معناه: أن الشيطان لا ينفكُّ عن الإنسان ما جرى دمه في عروقه؛ أي: ما دام حيًّا.

стр. 119

وقيل: يجوز إرادة الحقيقة؛ فإن الشياطين أجسامٌ لطيفةٌ قادرة بأقدار الله تعالى على كمال التصرف ابتلاء للبشر. * * * ٥٠ - وقال: "ما مِنْ بني آدَمَ [مِنْ] مَوْلُودٍ إلَّا يَمسُّهُ الشيطانُ حين يولد، فيَستهلُّ صارخاً من مسِّ الشيطانِ، غيرَ مريمَ وابنها"، رواه أبو هريرة. "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: ما من مولود من بني آدم إلَّا يمسُّهُ الشيطانُ"؛ يعني: لا يولد مولود في حال من الأحوال إلَّا في حال مسِّ الشيطان. "حين يولد": قالوا: المراد بالمس هنا: المسُّ الحسي؛ لقوله ﵊: "كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يُولَد". "فيستهلُّ"؛ أي: يصيح. "صارخاً"؛ أي: رافعاً صوته بالبكاء. "من مسِّ الشيطان غيرَ مريم وابنها"؛ أي: إلَّا مريم وعيسى ﵉؛ فإنَّ الله تعالى عصمهما من مسِّه؛ لاستجابة دعاء حَنَّةَ أمِّ مريم في حقهما حين قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، وتخصيصاً لهما بهذه الفضيلة. والأوجه أن يراد من المس: الطمعُ في الإغواء، لا حقيقة المسِّ، واستعاذة حَنَّةَ يجوز أن تكون من الإغواء، لا من المس؛ لأنَّ الاستعاذة كانت بعد وضعها، والمسُّ إنَّما كان بحال الولادة. * * *

стр. 120

٥١ - وقال: "صِياحُ المولودِ حينَ يقَعُ نزغةٌ مِنَ الشَّيطانِ"، رواه أبو هريرة. "وعنه أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: صياح المولود حين يقع"؛ أي: حين يسقطُ وينفصلُ عن أمه. "نَزْغَة من الشيطان"؛ أي: وسوسة، وقيل: إفساد؛ فإن النزغ هو الدخول في أمر لإفساده، والشيطان يبتغي إفساد ما وُلِدَ المولود عليه من الفطرة. وقيل: معناه: سببُ صياحه نزغةٌ من الشيطان، من باب تسمية الشيء بما هو من بعض أسبابه، فإن صياحَهُ يُسمَّى نزغة؛ لأنها سببه. "رواه أبو هريرة". * * * ٥٢ - وقال: "إنَّ إبْلِيْسَ يضَعُ عرْشَهُ على الماءَ، ثم يبعثُ سَراياهُ يفتِنُونَ النَّاسَ، فأدناهُمْ منه منزلة أعظمُهُمْ فِتْنةً، يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعْتَ شيئًا، قال: ثم يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: ما تركتُهُ حتَّى فرَّقْتُ بينَهُ وبينَ امرأَتِهِ، فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنتَ؟ "، قال الأعمش: أُراهُ قال: "فيلتزِمُهُ". "وعن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن إبليس يضع عرشه"؛ أي: سريره. "على الماء": قيل: وضعُهُ كناية عن التسلط التَّام والاستيلاء العظيم. وقيل: عمله يحمل على حقيقته بأنَّ جعله الله تعالى قادرًا عليه استدراجاً؛ ليغترَّ بأنَّ له عرشاً على هيئة عرش الرحمن، تؤيده قصة ابن صيَّاد حيث قال لرسول الله ﷺ : أرى عرشاً على الماء، فقال ﵊: "ترى عرش إبليس".

стр. 121

"ثم يبعث سراياه"؛ أي: جنوده التي يسيرها لإثارة الفتنة، جمع: سرية، وهي: قطعة من الجيش. "يفتنون النَّاس"؛ أي: يضلونهم، ويأمرونهم بالمعاصي، وقيل: معناه: يمتحنون ويتعرفون إيمانكم بنبوتي؛ إذ الفتنة في كلامهم الابتلاء والامتحان. "فأدناهم منه"؛ أي: أقربهم من إبليس "منزلة أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا"؛ يعني: يقول: أمرت النَّاس بشرب الخمر والسرقة وغير ذلك من المعاصي. "فيقول" إبليس: "ما صنعت شيئًا، قال" ﷺ : "ثم يجيء أحدهم سيقول: ما تركته"؛ أي: الإنسان. "حتَّى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه"؛ أي: يقرب إبليس ذلك الغَوِيَّ من نفسه. "فيقول: نعم أنت": (نعم) حرف إيجاب، و (أنت) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: أنت صنعت شيئًا عظيمًا. وفي بعض النسخ: نِعمَ - بكسر النون - على أنه فعل مدح، وفاعله مضمر على خلاف القياس؛ أي: نعمَ العونُ أنت، والصواب هو الأول. "قال الأعمش": هو راوي هذا الحديث عن جابر: "أراه"؛ أي: أظن أن جابراً "قال" في حديثه: "فيلتزمه"؛ أي: يعانقه إبليس ويعذره من غاية حبه للتفريق بينهما؛ لأنَّه أعظم فتنة؛ لما فيه من انقطاع النسل، والوقوع في الزنا؛ الذي هو أفحش الكبائر بعد الإشراك بالله. * * * ٥٣ - وقال ﷺ : "إن الشَّيطانَ قد أَيسَ من أنْ يعبدَهُ المُصلُّونَ في جزيرةِ

стр. 122

العَرَبِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينهُم"، رواهما جابرٌ ﵁. "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الشيطان قد أيس"؛ أي: صار محروماً. "من أن يعبده المصلون"؛ أي: المؤمنون، عبَّر عنهم بالمصلين: لأنَّ الصَّلاة هي الفارقة بين الإيمان والكفر، أراد بها: عبادة الصنم، وإنَّما نسبها إلى الشيطان؛ لكونه داعياً إليها. "في جزيرة العرب": وهي كل أرض حولها الماء، فعيلة بمعنى مفعولة، من جزر عنها الماء؛ أي: ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرةَ البحارُ والأنهار، كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله تعالى فرعونَ بها، وبحر الشام والنيل ودجلة والفرات، أضيفت إلى العرب؛ لأنها مسكنهم، وخُصَّت بالذكر؛ لأنها معدنُ العبادة ومهبطُ الوحي، ولم يكن الإسلام يومئذٍ إلَّا بها. "ولكن في التحريش بينهم"؛ أي: لكن الشيطان غيرُ آيس في إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن، بل له مطمع في ذلك، من حرَّش بين القوم: إذا أغرى بينهم. * * * ٥٤ - عن ابن عبَّاس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ جاءَهُ رجل فقال: إنِّي أُحَدِّثُ نفْسي بالشيء، لأَن أَكون حُمَمَةً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتكلَّمَ بِهِ، قال: "الحمدُ لله الذي رَدَّ أمرَهُ إلى الوَسْوَسة". "من الحسان": " عن ابن عباس ﵁: أن النَّبيّ - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - جاءه رجل

стр. 123

فقال: إنِّي أحدث نفسي بالشيء لأنَّ أكون حُمَمَةً"؛ أي: فحماً، اللام توطئة للقسم، أو للابتداء، والجملة صفة للشيء؛ يعني: يجري في قلبي من الأشياء لأَنْ احترقتُ وصرتُ فحماً "أحبَّ إلي من أن تكلم به"؛ أي: بذلك الشيء من غاية قبحه. "قال"؛ أي: النَّبيّ ﷺ : "الحمد لله الذي ردَّ أمره"؛ أي: أمرَ هذا القائل المسلم، أو أمرَ الشيطان. "إلى الوسوسة" بأن لم يجعل له سلطاناً على المسلم غير الوسوسة، فإنَّه قبل الإسلام كان يأمرهم بالكفر وعبادة الأوثان. * * * ٥٥ - وقال: "إنَّ للشيطان لَمَّةً بابن آدمَ، وللملَك لَمَّةً، فأمَّا لَمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيب بالحق، وأمَّا لَمَّةُ الملَكِ فإِيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمنْ وجدَ ذلك فلْيَعلَمْ أنه مِنَ الله، فليحمَدِ الله، ومَنْ وجدَ الأخرى فليتعوذْ بالله من الشَّيطان"، ثم قرأ: " ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ "، غريب. "وعن ابن مسعود: أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: إن للشيطان لمة بابن آدم"؛ أي: نزلة في قلبه بالدعوة، من قولهم: لَمَّ بالمكان، وألمَ به: إذا نزل. "وللملك لمة، فأمَّا لمة الشيطان؛ فإيعاد بالشر" كالكفر والفسق. "وتكذيب بالحق" كأحوال القيامة والقبر. "وأمَّا لمة الملك؛ فإيعاد بالخير": كالصلاة والصوم وغيرهما من الخيرات، وإنما ذكر الإيعاد مجرى الوعد بالخير على سبيل الإتباع والازدواج؛

стр. 124

للاكتفاء عن الفارق بين الوعد والوعيد بكلمتي (الخير) و (الشر). "وتصديق بالحق" ككتب الله تعالى ورسله. قيل: إن اللمة الشيطانية تكون عن يسار القلب، والرحمانية عن يمينه. وزاد بعض الصوفية: عليهما خاطران؛ خاطر الحق، وخاطر النفس. وفي "العوارف": هذان اللمتان هما الأصل، والخاطران الآخران فرع عليهما؛ لأنَّ لمة الملك إذا حرَّكت الروح واهتز بالهمة الصالحة، قرب باهتزازه بها إلى حظائر القرب، فورد عليه عند ذلك خواطرُ من الحق، وإذا تحقق بها بالقرب يتحقق الغناء، فتثبت الخواطرُ الربانية عند ذلك، فيكون أصل خواطر الحقِّ لمة الملك. ولمة الشيطان إذا حرَّكت النفسَ، هوت بجبلَّتها إلى مركزها من الغريزة والطبع، فظهر من ذلك خواطرُ ملائمة بحالها، فصارت خواطرُ النفس نتيجةَ لمة الشيطان. "فمن وجد"؛ أي: في نفسه. "ذلك"؛ أي: لمة الملك على تأويل المذكور. "فليعلم أنه من الله، فليحمدِ الله" على هذه النعمة بأنَّ أرسل عليه ملكاً يأمره بالخير، ويهديه إلى الحق، وإنَّما قدَّمها هنا وأخرها أولاً؛ لأنَّ لمة الشيطان شرّ، والابتلاءُ بها أكثر، فكان الحاجة إلى بيانها أمَس، ولما فرغ منه قدَّم لمة الملك تعظيماً لشأنها. "ومن وجد الأخرى"؛ أي: لمة الشيطان. "فليتعوذ بالله من الشيطان" وليخالفه فيما يأمر به من فعل السوء. "ثم قرأ" ﵊ هذه الآية استشهاداً لما قال:

стр. 125

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾؛ أي: يخوِّفكم الفقر، ويقول: لا تنفقوا أموالكم في الزكاة والصدقات فإنكم تحتاجون إلى ذلك. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: بالبخل وسائر المعاصي. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾؛ أي: لذنوبكم. ﴿وَفَضْلًا﴾؛ أي: خلفاً في الدُّنيا؛ يعني: يقول لكم: أنفقوا أُعطكم أضعاف ما تنفقون في الدُّنيا. "غريب". * * * ٥٦ - وعن أبي هُريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يزال النَّاسُ يَتسَاءَلون حتَّى يُقال: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خَلَقَ الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿اللَّهِ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ثمَّ ليتفُلَ عنْ يسارِه ثلاثًا، وليستعِذْ بالله من الشَّيطان". "وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يزال النَّاس يتساءلون حتَّى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله" وقد مر البيان فيه. "فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد" تقدم معناه. "ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً" والتفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه، أوله البزاق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ، كذا في "الصحاح"، وهذا كناية عن كراهيته (١)

стр. 126

ذلك وتنفرِ طبعه عنه، كمن وجد جيفة منتنة كره ريحها وتفل من نتنها. وتخصيص اليسار لإكرام اليمين، وقيل: لأنَّ مأتاه من اليسار. "وليستعذ بالله من الشيطان"؛ أي: ليطلب المعاونة من الله الكريم على دفعه. * * * ٥٧ - عن عَمْرو بن الأَحْوَص ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول في حَجَّة الوداع: "ألا لا يجني جانٍ على نفسِهِ، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مَولود على والِده، ألا إنَّ الشيطانَ قَدْ أيسَ أنْ يُعبَدَ في بلادِكُمْ هذ أبدًا، ولكنْ ستكونُ له طاعةٌ فيما تحتَقِرُونَ مِنْ أعمالكُمْ، فسيرضى بهِ". "وعن عمرو بن الأحوص أنه قال: سمعت النَّبيّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقول في حجة الوداع" إنَّما سمي بها؛ لأنَّه عليه الصَّلاة السلام لما قال: "هل بلغت" وقالوا: نعم، قال صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: "اللهم اشهد"، ثم ودعَّ النَّاس، فقالوا: هذه حجة الوداع. "ألا لا يجني جان على (١) نفسه" الأَوْلى أنه نفيٌ بمعنى النَّهي؛ لئلا يخلو الكلام عن الفائدة؛ لأنَّ الجاني إذا جنى فإنما يجني على نفسه، وبجنايته يؤخذ في الدُّنيا والآخرة، فكيف ينفي عنه الجناية؟ فيحمل على معنى النَّهي، وفيه مزيد التأكيد والحث على الانتهاء، ولذا أضاف الجناية إلى نفسه، والمراد الجناية على الغير بسبب الجناية على النفس؛ لأنَّ تلك الجناية سبب الجناية على النفس، فإضافتها إليها ليكون أدعى إلى الكف، وتتأيد إرادة النهي من هذا الخبر برواية بعضهم إياه بصيغة النَّهي.

стр. 127

"ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده": المراد منه النَّهي عن الجناية عليهما، وخصَّهما بالذكر لمزيد قبح الجناية عليهما وشناعته. وقيل: المراد حقيقة النفي، وذلك لأنَّ أهل الجاهلية كانوا يعتقدون مؤاخذة المرء بجناية غيره من قرابته وذوي أرحامه، فكانوا يقتلون الولد بجناية الوالد وبالعكس، وكذا القريب والحميم، فأعلمهم أن الجاني إنَّما يجني على نفسه لا على غيره. واقتصر على ذكر الولد والوالد لكون (١) نسبهما أقرب الأنساب، وإنَّما يحتمل العواقل للمعاقل أخذاً بجنايتهم وهو التقصير في الحفظ والمنع. "إلَّا أن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدًا" والمراد من الأبد طول المدة؛ لئلا ينافي الأحاديث التي في (باب قيام الساعة على الأشرار). "ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم"؛ أي: فيما لا تعظمون قَدْرَه من الذنوب كالصغائر منها، أو المراد من الأعمال: الواجبة، وذلك إما بتركها أو بإقامتها على وجه غير مَرْضيٍّ. "فسيرضى به"؛ أي: الشيطان بذلك القدر من الاحتقار ولا يأمركم بالكفر؛ لأنَّه يعلم أنكم لا تطيعونه في ذلك وبالله العون. * * * ٥٨ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله ﷺ : "كتبَ الله مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَة. قال: وكان عرشُهُ على الماءَ". * * *

стр. 128

٣ - باب الإِيمان بالقَدَرِ (باب الإيمان بالقدر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٥٨ - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كتَبَ الله مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَة، قال: وكان عرشُهُ على الماء". "من الصحاح": " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: كتب الله"؛ أي: عيَّن وقدَّر، وقيل: أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ وأثبت فيه. "مقادير الخلائق": ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد، على وَفْق ما تعلقت به إرادته أزلاً، كإثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على الوجه الذي يريد. "قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" والمراد طول الأمد، يعني: تمادي الزمان بين التقدير والخلق خمسون ألف سنة ممَّا تعدون، أريد بالزمان مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش، وهو موجود حينئذ بدليل أنه قال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]؛ يعني: كان عرش الله قبل أن يخلق السماوات والأرض على وجه الماء، والماء على متن الريح، والريح على القدرة، وهذا يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما. وقيل: ذلك الماء هو العلم.

стр. 129

وفيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله تعالى في هذا العالم الماء، وإنَّما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف وتارة بالتكثيف. * * * ٥٩ - وقال: "كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتَّى العجْزُ والكَيْسُ"، رواه عبد الله بن عمرو. "وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كل شيء بقدر"؛ أي: مقدَّر مرتَّب مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد في الخارج على حسب ما اقتضته الحكمة. "حتَّى العجز والكيس" روي بالرفع عطفاً على (كل) وبالجر عطفاً على (شيء)، لكن الأَولى أن يكون مجروراً بـ (حتَّى). و (العجز): عدم القدرة، و (الكيس): كمال العقل وشدة معرفة الأمور وتمييز ما فيه النفع عما فيه الضر، والعجز مُقابلُه. * * * ٦٠ - وقال: "احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهِمَا، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنتَ آدمُ الذي خلقكَ الله بيَدِهِ، ونفخَ فيكَ مِنْ روحِهِ، وأسجدَ لكَ ملائكتَهُ، وأسكنَكَ في جنَّتِهِ، ثمَّ أَهبَطْتَ النَّاسَ بخطيئَتِكَ إلى الأرضِ؟ فقال آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالَتِهِ وبكلامِهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تِبْيَانُ كُلِّ شي، وقربَكَ نجَيّاً فَبكَمْ وجدتَ الله كتبَ التوراةَ قبلَ أنْ أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدمُ: فهلْ وجدْتَ فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلُومُني على أنْ عَمِلْتُ عمَلاً كتبَهُ الله علَيَّ أَنْ أعملَهُ قبلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً؟ "، قال رسول الله ﷺ : "فحجَّ آدمُ مُوسَى"، رواه أبو هريرة.

стр. 130

"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : احتج آدم وموسى"؛ أي: جرى بينهما الخصومة ومطالبة الحجة، قيل: هذه المحاجة كانت روحانية، يؤيده قوله: "عند ربهما"، ويجوز أن تكون جسمانية بأنْ أحياهما واجتمعا، كما ثبت في حديث الإسراء أنه ﵊ اجتمع مع الأنبياء وصلى بهم. "فحج آدم موسى"؛ أي: غلب عليه بالحجة بأنَّ كلَّ ما صدر عنه كان بتقدير الله تعالى. "قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده"؛ أي: بقدرته بلا واسطة أبٍ وأم. "ونفخ فيك من روحه" فصرت به حياً، أضاف الروح إليه تعالى تشريفاً وتخصيصاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]). "وأسجد لكَ ملائكته"؛ أي: أمرهم بأنَّ يسجدوا لك تعظيماً. قال ابن عباس ﵄: كان سجودهم له انحناءً لا خروراً على الذقن. وقال ابن مسعود ﵁: أمروا بأنَّ يأتموا به، فسجد وسجدوا لله. وقال أبي بن كعب: خضعوا له وأقروا بفضله. "وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس"؛ أي: أسقطتهم وأنزلتهم، فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود، فكانوا مهبطين منها "بخطيئتك"؛ أي: بسبب عصيانك الله تعالى في أكل الشجرة. "إلى الأرض" متعلق بـ (أهبطت). يعني: إن الله تعالى أنعم عليك هذه النعم، فأنت عصيته بأكلها حتَّى أُخرجت من الجنة بسببها، وبقي أولادك في دار المشقة والابتلاء من المرض والفقر وغير ذلك.

стр. 131

"فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح": وهي التوراة، "فيها"؛ أي: في تلك الألواح "تبيان كل شيء"؛ أي: بيانُه وإظهاره، من الحلال والحرام، والقصص، والمواعظ، وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. "وقربك"؛ أي: خصك بسره ونجواه بلا واسطة ملك. "نجياً"؛ أي: مناجياً، نصبٌ على الحال. "فَبكَم": مميزُه محذوف منصوب؛ أي: بكم زماناً "وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق" على صيغة المجهول. "قال موسى: بأربعين عامًا" والمراد منه التكثير لا التحديد. "قال آدم: فهل وجدت فيها"؛ أي: في التوراة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾؛ أي: بمخالفة أمره ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ أي: فخرج بالعصيان من أن يكون راشداً في فعله، وليس المراد لفظه بهذا التركيب، بل معناه بالعبرية. "قال" موسى ﵇: "نعم، قال" آدم ﵇: "أفتلومني" بهمزة الاستفهام للإنكار، والفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إذا وجدتَ فيها ذلك فلا ينبغي لك أن تلومني "على أن عملت عملًا كتب الله عليّ" في الألواح التي أعطاك "أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال: رسول الله ﷺ : فحج آدم وموسى" لامتناع ردّ علم الله في حقه، حيث أخبر الله تعالى عنه أنه إنَّما خلقه للأرض، وأنه لا يترك في الجنة بل ينقله منها إلى الأرض ليكون خليفته تعالى فيها. وفي رواية: "فقال موسى ﵇: يا آدم! أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده،

стр. 132

يا موسى! أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة". * * * ٦١ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكم يُجمعُ في بطنِ أُمِّهِ أربعينَ يوماً نطفة، ثمَّ يكونُ علَقة مثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغة مثْلَ ذلك، ثمَّ يَبعثُ الله إليهِ ملَكاً بأربعِ كلمات، فيكتُبُ عملَهُ، وأجلَهُ، ورزْقَهُ، وشَقي أو سعيد، ثم يُنفخُ فيهِ الروحُ، وإنَّ الرجلُ ليعملُ بعملِ أهلِ النَّارِ حتَّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلَّا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّة، فيدخل الجنة، وإن الرجلَ ليعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتَّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلَّا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ، فيدخُلُ النَّارَ" رواه ابن مَسْعود ﵁. "وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إن خلق أحدكم"؛ أي: مادة خلقه. "يجمع" - مجهولاً -؛ أي: يُحرز ويقرَّر. "في بطن أمه"؛ أي: في رحمها. "أربعين يومًا نطفة" قال عبد الله بن مسعود ﵁: إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جمعُها. "ثم تكون علقة" وهي قطعة دم غليظٍ جامد. "مثل ذلك"؛ أي: أربعين يومًا. "ثم تكون مضغة" وهي قطعةُ لحم قَدْرَ ما يُمضغ. "مثل ذلك"؛ أي: أربعين يومًا، ويظهر التصوير في هذه لأربعين. "ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات"؛ أي: بكتابة أربع قضايا مقدرة،

стр. 133

وكل قضية تسمى كلمة قولاً كان أو فعلاً. "فيكتب عمله"؛ يعني: أنه يعمل الخير أو الشر. "وأجله" والمراد به هنا مدة حياته، يعني: أنه كم يعيش في الدُّنيا. "ورزقه"؛ يعني: أنه قليل الرزق، أو كثير الرزق. "وشقي أو سعيد" هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغيير ذلك، فإن علم من ذلك شيئًا كتب له أوائل أمره وأواخره، وحكم عليه على وفق ما يتم به عمله، فإن مِلاك العمل خواتمه. قيل: المراد بكتبه هذه الأشياء: إظهاره للملك، وإلا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك. قال مجاهد: يكتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحيث لا يراها النَّاس، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قُضي عليه أنه عاملُه، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، وخص العنق؛ لأنَّه موضع القلائد والأطواق. "ثم ينفخ فيه الروح" وهذا يدل على أن نفخ الروح يكون بعد الأطوار الثلاثة في الأربعينات بزمان. "فإن الرجل": هذا شروع لبيان أن السعيد قد يشقى وبالعكس. "ليَعملُ بعمل أهل النار حتَّى ما يكون": قيل: (حتَّى) هي الناصبة، و (ما) نافية غير مانعة لها من العمل، والأوجَهُ أنها عاطفة و (يكون) بالرفع معطوف على ما قبله. "بينه وبينها"؛ أي: بين الرجل وبين النار. "إلَّا ذراع": هذا تمثيل لغاية قربه منها.

стр. 134

"فيسبق"؛ أي: يغلب. "عليه الكتاب"؛ أي: كتاب السعادة، فالتعريف للعهد، والكتاب بمعنى المكتوب؛ أي: المقدَّر. "فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها"؛ أي: بين الجنة والنار. "إلَّا ذراع فيسبق عليه الكتاب"؛ أي: كتاب الشقاوة "فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار". * * * ٦٢ - وقال: "إنَّ العَبْدَ ليعمَلُ عمَلَ أهلِ النَّارِ وإنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ويعملُ عملَ أهلِ الجَنَّةِ وإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنَّما الأعمالُ بالخَواتيم"، رواه سَهْل بن سَعْد الساعدي. "وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنَّما الأعمال بالخواتيم"؛ يعني: إنَّما اعتبار الأعمال بما يُختم عليه أمرُ عاملها، فرب كافر متعنِّدٍ يُسلم في آخر عمره ويُختم له بالسعادة، ورب مسلم متعبد يسلب إيمانه فيُختم له بالشقاوة. * * * ٦٣ - وقالت عائشةُ ﵂: دُعي رسولُ الله ﷺ إلى جَنازةِ صبي من الأنْصارِ، فقلتُ: طُوبى لهذا! عُصفور من عصافيرِ الجنَّةِ، لمْ يعمَل سُوءاً، قال: "أَوْ غيرُ ذلك يا عائشةُ! إن الله خلقَ الجنَّةَ وخلقَ النَّار، فخلقَ لهذه أهلاً، ولهذه أهلاً، خلقَهم لهما وهم في أَصلابِ آبائِهم".

стр. 135

"وقالت عائشة ﵂: دُعي رسول الله ﷺ إلي جنازة صبي من الأنصار فقلت: طوبى" تأنيث أطيب من الطيب في المعيشة؛ أي: الراحةُ وطِيبُ العيش حاصل "لهذا" الصَّبي، "عصفور"؛ أي: هو عصفور "من عصافير الجنة" شبهته بالعصفور إما لصغره كما أنه صغير بالنسبة إلى من هو أكبر منه من الطيور، وإما لكونه خالياً من الذنوب من عدم كونه مكلفاً. "لم يعمل سوءاً"؛ أي: ذنباً. "قال: أو غير ذلك" بتحريك الواو ورفع (غير)، وهو المشهور روايةً، فالهمزة للاستفهام والواو للحال؛ أي: أتعتقدين ما قلت والحق غير ذلك "يا عائشة" وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة، وإنَّما نهاها ﵊ عن ذلك مع أن أطفال المؤمنين أتباع لآبائهم؛ لأنها إشارة (١) إلى طفل معين، فالحكم على شخص معيَّن بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النص؛ لأنَّه من علم الغيب. ويحتمل أن يكون نهاها قبل نزول ما نزل في حق وِلْدان المؤمنين بأنهم تبع لآبائهم، والتبعية في الدُّنيا من الإيمان والكفر، وحكمها من أمور الآخرة. "إن الله تعالى خلق الجنة والنار وخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً خلقهم لهما"؛ أي: لكل واحد منهما. "وهم في أصلاب آبائهم": جمع صلب، وهو وسط الظهر، يعني: عيَّن في الأزل من سيكون من أهل الجنة، ومن سيكون من أهل النار، فعبَّر عن الأزل بأصلاب الآباء لأنَّه أقرب إلى فهم النَّاس. وفي الحديث: دلالة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن كما

стр. 136

هو مذهب أهل السنة، وإشارة إلى أن الثواب والعقاب ليسا لأجل الأعمال، بل الموجب لهما اللطف الربانيِّ أو الخذلان السابق المقدَّر لهم أزلاً. * * * ٦٤ - وقال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلَّا وقد كُتِبَ مَقْعدُهُ مِنَ النَّارِ ومَقْعدُهُ منَ الجنَّةِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أفلا نتَّكِلُ على كتابنا وندع العملَ؟ فقال: "اعملوا، فكل مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، أَمَّا مَن كان من أهلِ السعادة فسَيُيسَّر لعمَل السَّعادة، وأمَّا مَن كان من أهل الشَّقاوة فسيُيسَّر لعملِ الشَّقاوةِ"، ثمَّ قرأَ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ الآية"، رواه عليّ بن أبي طالب. "وعن عليّ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلَّا وقد كتب" الواو للحال والاستثناء مفرغ؛ أي: ما وجد أحد منكم في حال من الأحوال إلَّا وقد قدر له "مقعده من النار ومقعده من الجنة" الواو فيه بمعنى (أو) لمَا جاء في بعض الروايات: بـ (أو) مصرحاً، لكن حديث أنس في إثبات عذاب القبر يدل على أن لكل مؤمن مقعدين: أحدهما في الجنة، والآخر في النار. "قالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل" الفاء جواب شرط مقدر؛ أي إذا كان الأمر كذلك أفلا نعتمد "على كتابنا" المقدَّرِ لنا في الأزل "وندع العمل؟ "؛ أي: نتركه، إذ لا فائدة في إتعاب أنفسنا بالأعمال؛ لأنَّ قضاء الله لا يغيَّر، فلم يرخص ﵊ في ذلك، بل أعلمهم أن ها هنا أمرين لا يُبطل أحدهما الآخر: باطن هو حكم الربوبية، وظاهر هو سمة العبودية، وهو غير مفيد حقيقة العلم، فأمر ﵊ بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب، والرجاء بالظاهر البادي؛ ليستكمل العبد بذلك صفة الإيمان. "قال: اعملوا فكل": الفاء للسببية، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي: كلُّ خلق "ميسر"؛ أي: موفق ومهيَّأ "لما خلق له"؛ أي: قدَّر له ذلك من

стр. 137

عمل الجنة أو النار، فيسوقه العمل إلى ما كتب له من سعادة أو شقاوة، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب. ثم فصل ﷺ ما أجمله بقوله: "أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة"؛ أي: سيوفَّق لذلك العمل بإقداره عليه وتمكينه منه. "وأمَّا من كان من أهل الشَّقاوة" بفتح الشين بمعنى الشقاوة ضد السعادة "فسيُيَسَّر لعمل الشِّقوة" بكسر الشين؛ أي: يسهَّل عليه ذلك بأنَّ اتبع هواه وران على قلبه الشهوات حتَّى أتى بأعمال أهل النار، وأصر عليها حتَّى طوى صحيفة أعماله على ذلك. "ثم قرأ"؛ أي: النَّبيّ ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾؛ أي: حق الله من ماله ﴿وَاتَّقَى﴾؛ أي: خاف من الله ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾؛ أي: بكلمة لا إله إلَّا الله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]؛ أي: الجنة. "الآية". * * * ٦٥ - وقال: "إن الله - تعالى - كتبَ على ابن آدمَ حظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا محالةَ، فزِنا العين النَّظر، وزِنا اللِّسان المَنْطقُ، والنَّفسُ تتمنَّى وتشتَهي، والفَرْج يُصدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه". وفي روايةٍ: "الأذُنَانِ زناهُما الاستماعُ، واليدُ زناها البَطْشُ، والرجلُ زناها الخُطا"، رواه أبو هريرة ﵁. "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى كتب"؛ أي: أثبت في اللوح المحفوظ. "على ابن آدم حظه من الزنا" أراد به مقدِّماتِه من النظر الحرام والاستماع والبطش والتخلي له والتكلم به والاشتهاء له.

стр. 138

"أدرك ذلك لا مَحالة" بفتح الميم؛ أي: أصاب ذلك الحظَّ المكتوب عليه البتة. وقيل: معناه: خلق لابن آدم الحواس التي يجد بها لذة من الزنا، وأعطاه القوى التي بها يقدر عليه، وركز في جبلَّته حب الشهوات. "فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي" والتمنِّي أعم من الاشتهاء؛ لأنَّه يكون في الممتنعات دونه. "والفرج يصدق ذلك": أي: ما تتمناه النفس فيدعو إليه الحواس وهو الجماع. "أو يكذبه": ومعنى تكذيبه تركُه والكف عنه، وإسناد التصديق والتكذيب إلى الفرج بطريق المجاز. أعلم أن هذا ليس على عمومه فإن الخواصَّ معصومون عن الزنا ومقدِّماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأنَّ يقال: كتب الله على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله تعالى بفضله عن الزنا صدر عنه شيء من مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته، وهم خواص عباده، صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماتُه الباطنةُ التي هي تمني النفس واشتهاؤها. "وفي رواية: الأذنان زناهما الاستماع، واليد زناها البطش"؛ أي: الأخذ بها. "والرجل زناها الخطى": جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يعني: زناها نقل الخطى؛ أي: المشي إلى ما فيه الزنا. * * *

стр. 139

٦٦ - وعن عِمْران بن حُصَيْن: أنَّ رجلَيْنِ من مُزَيْنَةَ قالا: يا رسول الله! أرأيتَ ما يعملُ النَّاسُ، ويكْدَحُونَ فيهِ، أشيء قُضيَ عليهم ومضَى فيهِم مِنْ قَدَرٍ سبَقَ، أمْ فيما يستقبلُونَ؟ فقال: "لَّا، بل شيء قُضيَ عليهم، وتصديقُ ذلكَ في كتابِ الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] ". "وعن عمران بن حصين: أن رجلين من مزينة": اسم قبيلة. "قالا: يا رسول الله! أرأيت"؛ أي: أخبرني. "ما يعمل النَّاس" من الخير والشر. "ويكدحون فيه"؛ أي: يسعون في العمل. "أشيء" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهو شيء. "قُضي عليهم": فقضي صفة (شيء)، أو (شيء) مبتدأ و (قضي) خبره. "ومضى فيهم من قدر قد سبق، أم فيما يستقبلون"؛ أي: أم شيء لم يُقض عليهم في الأزل، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان الذي فيه يتوجهون إلى العمل ويقصدون (١) من غير سَبْقِ تقديرٍ قبل ذلك. "فقال: لا بل شيء قضي عليهم، وتصديق ذلك" إشارة إلى ما ذكر من أنه قضي عليهم. "في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ﴾ الواو فيه للقسم عطفًا على ﴿وَالشَّمْسُ﴾، أراد بها نفس آدم ﵇؛ لأنَّه الأصل، فالتنوين للتقليل. وقيل: المراد: جميع النفوس، فالتنوين للتكثير. ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ (ما) بمعنى (مَن)؛ أي: ومن خلقها؛ يعني به ذاته تعالى؛ أي: خلقها على أحسن صورة، وزينها بالعقل والتمييز.

стр. 140

﴿فَأَلْهَمَهَا﴾؛ أي: أعلمها وركب فيها ﴿فُجُورَهَا﴾ الذي قضى به عليها ﴿وَتَقْوَاهَا﴾ الذي حكم به لها في السابق، والغرض: أنه تعالى ذكر ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ بلفظ الماضي الدال على أن ما يعمل النَّاس من الخير والشر قد جرى في الأزل. * * * ٦٧ - وقال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرةَ! جَفَّ القلمُ بما أنتَ لاقٍ، فاختَصِ على ذلكَ أو ذَرْ". "وقال أبو هريرة ﵁ ": أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنِّي رجل شاب، وإني أخاف العنت، ولست أجد طولاً أتزوج به النساء (١)، فأذن لي أن أختصي. "قال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! جف القلم": جفافه كناية عن الفراغ عن التقدير، وثبت المقادير، إذ جفاف قلم الكاتب يكون بعد فراغه عن الكتابة. "بما أنت لاق"؛ أي: بما تفعله وتقوله ويجري عليك. "فاختصِ": أمر من الاختصاء، وهو جعلُ المرء نفسَه خصياً. "على ذلك" في موضع الحال؛ يعني: إذا علمتَ أن كل شيء مقدرٌ فاختصِ حال كون اختصائك واقعاً على ما جف القلم به من الاختصاء. "أو ذر"؛ أي: اترك الاختصاء حال كون تركك واقعًا على ما جف القلم به من تركك، وهذا على وجه اللوم على استئذانه قطع العضو من غير فائدة. * * * ٦٨ - وقال ﷺ : "إنَّ قُلوبَ بني آدمَ كُلَّهَا بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ،

стр. 141

كقلْبٍ واحدٍ يُصرِّفُه كيفَ يشاءُ" ثمّ قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهمَّ! مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبنا على طاعَتِكَ" رواهُ عبد الله بن عمرو. "وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين" إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، قيل: هذا استعارة تخييلية والمستعارُ له التقليب؛ أي: تقليب القلوب في قدرته يسيرٌ. وقيل: معناه: بين أثرين من آثار رحمته وقهره؛ أي: هو قادر على أن يقلِّبها من حال إلى حال، من الإيمان، والكفر، والطاعة، والعصيان، والغلظ، واللين، وغير ذلك. "من أصابع الرحمن": وفي إضافة الأصابع إلى الرحمن إشعار بأنَّ الله تعالى من كمال رحمته على عباده تولى بنفسه أمر القلوب، ولم يكل ذلك إلى أحد من ملائكته كيلا يطَّلع على سرائرهم، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم. "كقلب واحد يصرفه كيف يشاء"؛ يعني: يتصرف في جميع القلوب كتصرفه في قلب واحد لا يشغله قلب عن قلب. "ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم": أصله: يا الله، فحذف (يا) من أوله وأدخل ميم مشددة في آخره عوضاً عنه. "مصرف القلوب" بالإضافة، نصب صفة (اللهم) عند المبرد والأخفش، ومنادى برأسه عند سيبويه، وقد حذف منه النداء. "صرف قلوبنا إلى طاعتك" وإنَّما قال ﵊ ذلك إرشاداً للأمة التعوذ بالله في جميع أحوالهم من تحول النعمة إلى النقمة، يعني: اطلبوا من الله توفيق الإيمان والطاعة والثبات والدوام على الخيرات، ولا تأمنوا مكر الله. * * *

стр. 142

٦٩ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مَولودٍ إلَّا يُولَدُ على الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أو يُنصرانِهِ أو يُمَجِّسانِه، كما تُنْتَجُ البَهيمَةُ بَهيمةً جَمْعاء، هل تُحِسُّونَ فيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تكونُوا أنتمْ تَجدعونهَا؟ "، ثم يقول: " ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة"؛ أي: على استعداد قبول الإسلام الذي خلقه الله تعالى في الإنسان من العقل والتمييز بين الحق والباطل والخير والشر بواسطة الشريعة، ولو لم تعترضه آفة من جهة أبويه لاستمر عليها، ولم يختر غير دين الإسلام. "فأبواه يهودانه"؛ أي: يعلمانه اليهودية، ويجعلانه يهودياً. "أو ينصرانه"؛ أي: يجعلانه نصرانياً. "أو يمجسانه"؛ أي: يجعلانه مجوسياً، أو غير ذلك من الأديان ومذاهب البدعة، فإن [طبيعة] الإنسان مخلوقة على قبول ما عرض عليها من الاعتقاد والأفعال والأقوال. "كما تنتج البهيمة": صفة لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية؛ أي: يولد على الفطرة ولادةً مثلَ إنتاج البهيمة. "بهيمة جمعاء" الجمعاء من البهيمة هي التي لم يذهب من بدنها شيء، صفة لبهيمة، و (بهيمة) منصوب على الحال على تقدير كون (تنتج) مجهولاً؛ أي: ولدت في حال كونها بهيمة سليمة الأعضاء، أو على أنه مفعول ثان لتنتج معروفاً من أنتج: إذا ولد. "هل تحسون فيها"؛ أي: هل تجدون وتبصرون في تلك البهيمة "من جدعاء": تأنيث الأجدع، وهو مقطوع الأنف أو الأذن أو الشفة، صفة أخرى لبهيمة بتقدير: مقولاً في حقها.

стр. 143

"حتَّى تكونوا أنتم تجدعونها"؛ أي: حتَّى يكون جادعها أنتم لا غيركم، ولولا تعرضكم لها بالجدع لبقيت سليمة كما ولدت، شبه النَّبيّ ﷺ ولادته على الفطرة السليمة بولادة البهيمة السليمة عن العيوب، غير أن المراد فيها سلامتها عن العيوب الظاهرة، وهنا سلامتها عن العيوب المعنوية. "ثم يقول": بمعنى قال؛ أي: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا فطرة الله وداوموا عليها ولا تغيروها. ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾؛ أي: خلقهم ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ": هذا نفي بمعنى النَّهي؛ أي: لا تبدلوا ولا تغيروا ما خلق الله فيكم من قبول الإسلام. * * * ٧٠ - وعن أبي مُوسَى الأَشعَري ﵁ قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ بخمسِ كلِماتٍ، فقال: "إنَّ الله تعالى لا يَنامُ، ولا ينبغي له أَنْ يَنامَ، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". "وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ "؛ أي: خطبنا وذكَّرنا. "بخمس كلمات": جمع كلمة، والمراد بها الكلام المفيد المستقل. "فقال: إن الله لا ينام": لأنَّ النوم استراحة القوى والحواس، تعالى الله عن ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. "ولا ينبغي له أن ينام"؛ أي: يستحيل عليه ذلك؛ لأنَّه المتصرف في ملكه أبدًا بميزان العدل، والأولى تدل على عدم صدور النوم عنه، والثانية على نفي

стр. 144

جوازه عنه مؤكِّدة للأولى. "يخفض القسط ويرفعه" المراد بالقسط: الميزان؛ يعني: يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، يقللها لمن يشاء، ويكثرها لمن يشاء، كمن بيده الميزان يخفض تارة ويرفع أخرى، وميزان أرزاقهم النازلة من عنده، قال تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. وقيل: المراد به العدل؛ يعني: ينقص العدل في الأرض بغلبة الجور وأهله، ويرفعه تارة بغلبة العدل وأهله. "يرفع إليه"؛ أي: إلى مخزنه. "عمل الليل قبل عمل النهار"؛ أي: قبل أن يشرع العامل في عمل النهار. "وعمل النهار قبل عمل الليل"؛ أي: قبل أن يشرع في عمل الليل، هكذا إلى يوم الجزاء؛ يعني: يعرض عمل كل منهما على حدة قبل عرض الآخر؛ لأنه تعالى وكّل كل واحد منهما إلى ملائكة يتعاقبون في الناس تعاقب الليل والنهار ليكتبوا أعمالهم، كما قال ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وإنما رفعت إليه وإن كان أعلمَ بها ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاء له على فعله. وقيل: معناه: يقبل الله أعمال المؤمنين في ليلهم قبل النهار، وفي نهارهم قبل الليل، فيكون عبارة عن سرعة الإجابة. "حجابه النور" هذا استئناف جواب عمن قال: لم لا نشاهد الله؟ يعني: هو محتجب بنور عظمته فلا يشاهد، وهذا بالنسبة إلى العباد. "لو كشفه" استئناف أيضًا جواب عمن قال: لم لا يكشف ذلك الحجاب؟ يعني: لو رفع ذلك الحجاب "لأحرقت سبحات وجهه": جمع سبحة وهي العظمة، وقيل: أي: أنوار وجهه، ووجهه ذاته.

стр. 145

"ما انتهى" (ما) موصولة مفعول به لـ (أحرقت)؛ أي: لأحرقت ما وصل "إليه بصره"؛ أي: عِلمه "من خلقه" بيان للموصول أو متعلق بـ (أحرقت)، والمراد جميع الموجودات؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الكائنات ومنتهٍ إليه، يعني: لاضمحل جميع الموجودات من هيبته وفنوا. * * * ٧١ - وقال: "يَدُ الله مَلأَى، لا تَغِيضُها نفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتُمْ ما أنفقَ منذ خَلَقَ السماءَ والأرضَ؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يديه، وكانَ عرشُهُ على الماء، وبيدهِ الميزانُ، يَخفِضُ ويَرْفَعُ"، رواه أبو هريرة ﵁. وفي روايةٍ أُخرى: "يمينُ الرَّحمنِ مَلأَى سَحَّاءُ". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يد الله" هذا كناية عن محل عطائه؛ أي: خزائنه. "ملأى" تأنيث الملآن. "لا تغيضها نفقة"؛ أي: لا ينقصها إنفاقٌ وإعطاءُ رزق لمخلوقاته أبداً؛ لأن له القدرة على إيجاد المعدوم. "سحاء الليل والنهار" من سح: إذا سال من فوق؛ أي: دائمةُ الصبِّ في الليل والنهار، صفة لـ (يد). "أرأيتم"؛ أي: أتعلمون وتبصرون. "ما أنفق" (ما) مصدرية؛ أي: إنفاق الله تعالى على عباده. "مذ خلق السماء والأرض، فإنه"؛ أي: الإنفاق "لم يغض"؛ أي: لم ينقص "ما في يده" (ما) هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول (لم يغض). "وكان عرشه على الماء وبيده الميزان"؛ أي: ميزانُ الأرزاق والأعمال
следующие страницы →