زناها فليبعها ولو بحبلٍ من شعرٍ"؛ أي: وإن كان ثمنها قليلًا، وهذا الأمر للاستحباب، وهذا يدل على أن الزنا عيب يردُّ به المبيع، ولذا حطَّ النبيُّ ﷺ به من قيمتها.
فإن قيل: إنما يبيعها لأنه يكرهها، فكيف يرتضيها لأخيه المسلم؟!.
قلنا: يبيعها على قصد أن تستعفَّ عند المشتري بهيبته، أو بالإحسان إليها، أو بغير ذلك.
* * *
٢٦٨٧ - عن عليٍّ ﵁ قال: يَاأيُّها النَّاسُ! أقيموا على أَرِقَّائِكُم الحدَّ، مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ، فإنَّ أَمَةً لرسولِ الله ﷺ زنَتْ، فأَمَرَني أنْ أجلِدَها فإذا هيَ حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إنْ أنا جلدتُها أنْ أقتُلَها، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: "أحسنتَ".
وفي روايةٍ قال: "دعْها حتَّى ينقطعَ دمُها ثم أَقِمْ عليها الحدَّ، وأقيمُوا الحدودَ على ما ملكَتْ أيمانُكم".
"عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: يَا أيها النَّاس أقيموا على أرقَّائكم" - جمع رقيق -.
"الحد" والمراد منه: الجلد.
"من أُحصن منهم ومَن لم يُحصن، فإن أمةً لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زنت": وإنما صدر منها ذلك؛ لكونها قريبة العهد من الجاهلية.
"فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيت إن أنا جلدتُها أن أقتلها، فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: أحسنت"؛ أي: فعلت فعلًا حسنًا، وهذا يدل على أن جَلْدَ ذات النفاس يؤخَّر حتَّى تخرج من نفاسها؛ لأن نفاسها نوعُ مرضٍ فيؤخَّر إلى زمان البرُء.
стр. 1892
"وفي رواية: دعها"؛ أي: اتركها "حتَّى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحدَّ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٨٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ ماعِز الأسلَميُّ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنّه قد رنى - فذكر الحديثَ وقال - فلما وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ يشتدُّ حتَّى مرَّ برجلٍ معه لَحْيُ جملٍ فضَربَهُ بهِ وضَربَهُ النَّاسُ حتَّى ماتَ، فذَكرُوا لرسولِ الله ﷺ أنَّه فرَّ فقال: "هلاً تركتُموه".
وفي رواية: "هلاً تركتُموه لعلَّه أنْ يتوبَ فيتوبَ الله عليهِ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إنه قد زنى فذكر الحديث.
"وقال"؛ أي: الراوي: "فلما وجد"؛ أي: ماعز "مسَّ الحجارة فر"؛ أي هرب "يشتد"؛ أي: يعدو.
"حتَّى مر برجل معه لحْيُ جمل" (اللحي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة: منبتُ اللحية من الإنسان وغيره.
"فضربه به وضربه النَّاس حتَّى مات، فذكروا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه فر فقال: هلا تركتموه" يدل على أن المقِرَّ على نفسه بالزنا لو قال: ما زنيت، أو: كذبت، أو: رجعت، سقط عنه الحد، وإن رجع في أثناء إقامته عليه سقط الباقي.
وقال جمع: لا يسقط، إذ لو سقط لصار ماعز مقتولًا خطأ، فتجب الدية
стр. 1893
على عواقل القاتلين.
قلنا: بأنه لم يرجع صريحًا؛ لأنه هرب، وبالهرب لا يسقط الحد، وتأويل قوله: (هلا تركتموه)؛ أي: لننظر في أمره ونفتِّش عن المعنى الذي هرب من أجله؛ ليُعلم أهَرَبَ مِن ألم الحجارة، أو رجع عن إقراره بالزنا؟.
"وفي رواية: هلا تركتموه لعله أن يتوب"؛ أي: عساه أن يرجع عن فعله.
"فيتوب الله عليه"؛ أي: رجع بقبول توبته.
* * *
٢٦٨٩ - عن ابن عباسٍ: "أن النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ: "أَحَقٌّ ما بَلَغني عنكَ؟ " قال: وما بلنَكَ عني؟ قال: "بلغَني أنكَ وقعْتَ على جاربةِ آلِ فلانٍ"، قال: نعم، فشهدَ أربعَ شهاداتٍ فأَمَرَ به فرُجِمَ".
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لماعز: أحق"؛ أي: أثابتٌ "ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت على جارية آل فلان" وهو هَزَال مولى تلك الجارية، واسمها فاطمة؛ أي: زنيتَ بها.
"قال: نعم، فشهد أربع شهادات"؛ أي: أقرَّ أربع مرات.
"فأمر به برجمه فرُجم".
* * *
٢٦٩٠ - عن ابن المُنكَدِر: أن هزَّالًا أَمَرَ ماعزًا أنْ يأتيَ النَّبِيّ ﷺ فيُخبرَهُ.
"عن ابن المنكدر أن هزالًا" بفتح الهاء وتخفيف الزاي المعجمة.
стр. 1894
"أمر ماعزًا أن يأتي النَّبِيّ ﷺ لي الله تعالى عليه وسلم فيخبره" يريد به السوء والهوان قصاصًا لفعله بمولاته.
* * *
٢٦٩١ - وعن يزيدَ بن نُعيم، عن أَبيه: أن ماعزًا أتى النبيَّ ﷺ فأقرَّ عندَه أربعَ مراتٍ، فأمرَ برجمِهِ وقال لهزَّالٍ: "لو ستَرْتَه بثوبكَ كانَ خيرًا لك".
"عن يزيد بن نعيم عن أَبيه: أن ماعزًا أتى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه وقال"؛ أي: النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم "لهزال: لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" وفيه تعريض بالتوبيخ على صنيعه في هتك ستره.
* * *
٢٦٩٢ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أَبيه، عن عبد الله بن عمرِو بن العاعرِ: أن النبيَّ ﷺ قال: "تَعافَوا الحُدودَ فيما بينَكم فما بَلغني مِن حدِّ فقد وَجب".
"عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: تعافَوا الحدود فيما بينكم"؛ أي: ينبغي أن يعفو بعضُكم عن بعض قبل أن يبلغني عن حدود الله إذا رفع إليكم.
"فما بلغني من حدٍّ فقد وجب"؛ أي: وجب عليَّ إقامتُها عليكم، يدل على أن الإِمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع [الأمر] إليه.
* * *
٢٦٩٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَقِيلُوا
стр. 1895
ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم إلَّا الحُدودَ".
"وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: أقيلوا": من الإقالة بمعنى العفو.
"ذوي الهيئات" جمع هيئة، وهي صورة الشيء وشكلهُ وحالته، والمراد هنا: الحالة التي يكون الإنسان عليها ونحوها، والمراد بذوي الهيئات هنا: ذوو المروءات وأصحاب الوجوه. وقيل: هم أهل الصلاح والورع.
"عثراتهم": جمع عشرة وهي الزلة؛ يعني: اعفوا عن زلاتهم فيما يوجب التعزير.
"إلَّا الحدود" قيل: استثناء الحدود دليلٌ على أن الخَطَّاب للأئمة الذين إليهم إقامة الحدود؛ فإنهم إذا بلغهم الحدود لا يقدرون على عفوها، وقيل: الخَطَّاب لذوي الحقوق، وقيل: لهما، والمراد بالعثرات. صغائر الذنوب وما يندر عنهم من الخطايا فيكون الاستثناء منقطعًا، أو الذنوب مطلقًا وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فيكون متصلًا.
* * *
٢٦٩٤ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمينَ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنْ كانَ لهُ مَخْرَجٌ فخلُّوا سبيلَهُ، فإنَّ الإمامَ أنْ يُخطِيءَ في العفوِ خيرٌ مِن أن يُخطِيءَ في العقوبةِ" ولم يرفعْهُ بعضُهم وهو الأصحُ.
"وعنها: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ادرؤوا الحدود"؛ أي: ادفعوها.
"عن المسلمين ما استطعتم" بإظهار المحامل "فإن كان له"؛ أي: للحد
стр. 1896
المدلول عليه بالحدود "مخرج"؛ أي: عذرٌ في دفعه "فخلوا سبيله فإن الإمام": الفاء للتعليل؛ يعني: ادفعوها ما استطعتم. قبل أن تصل إلى الإِمام، فإن الإِمام "أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"؛ يعني: إن يسلك سبيل الخطأ في عفو الذنب الذي صدر منكم خير من أن يسلك سبيل الخطأ في الحدود، فإن الحد إذا وصل إلى الإمام وجب عليه الإنفاذ.
"ولم يرفع بعضهم"؛ أي: هذا الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ "وهو الأصح".
* * *
٢٦٩٥ - عن وائلِ بن حُجْرٍ ﵁ قال: استُكْرِهَتْ امرأةٌ على عهدِ النَّبِيّ ﷺ ، فدَرَأَ عنها الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها، ولم يذكر أنَّه هل جعلَ لها مهرًا.
"وعن وائل بن حجر أنَّه قال: استُكرهت امرأة"؛ أي: جامعها رجل بالإكراه.
"على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: في زمانه.
"فدرأ"؛ أي: دفع.
"عنها الحد" لكونها مكرهةً.
"وأقامه"؛ أي: الحد.
"على الذي أصابها"؛ يعني: أمر بحدِّ الرَّجل فحُدَّ.
"ولم يذكر"؛ أي: الراوي.
"أنَّه هل جعل لها مهرًا" فعدم ذكره لا يدل على عدم وجوبه؛ لثبوت وجوبه بأحاديث أخرى.
* * *
стр. 1897
٢٦٩٦ - عن علقمةَ بن وائلٍ، عن أَبيه: أن امرأة خرجَتْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ تريدُ الصلاةَ، فتلقَّاها رَجُل فتَجَلَّلَها فقَضَى حاجتَه منها، فصاحَتْ وانطلقَ، ومرَّتْ عِصابةٌ مِن المُهاجرينَ فقالَت: إنَّ ذلكَ فعلَ بي كذا وكذا، فأخذوا الرجلَ فأتَوا بهِ رسولَ الله ﷺ ، فقال لها: "اذهبي فقد غفرَ الله لكِ" وقالَ للرَّجُل الذي وقعَ عليها: "ارجمُوه"، وقال: "لقد تابَ توبة لو تابَها أهلُ المدينةِ لَقُبلَ منهم".
"عن علقمة بن وائل عن أَبيه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تريد الصلاة فتلقاها"؛ أي: استقبلها؛ رجل فتجللها"؛ أي: غَشِيَها وعلاها، يقال: تجلَّلت بالثوب؛ أي: لبسته.
"فقضى حاجته منها، فصاحت وانطلق، ومرت عصابة"؛ أي: جماعة "من المهاجرين فقالت: إن ذاك فعل بي كذا وكذا، فأخذوا الرَّجل فأتوا به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لها: اذهبي فقد غفر الله لك"؟ يعني: ما أمر بحدها؛ لكونها مكرهة.
"وقال للرجل" الذي وقع عليها: "ارجموه" معناه: أقر بالزنا، ثم أمر برجمه فرجموه لكونه محصنًا.
"وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبل منهم".
* * *
٢٦٩٧ - عن جابرٍ ﵁: أن رَجُلًا زَنَى بامرأةٍ فأَمَرَ بهِ النَّبِيّ ﷺ فجُلِدَ الحدَّ، ثم أُخبرَ أنَّه مُحْصَنٌ فأمرَ به فرُجِمَ.
"عن جابر - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلًا زنى بامرأة، فأمر به النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فجلد الحد، ثم أُخبر أنَّه محصَن فأمر به فرجم"
стр. 1898
وهذا يدل على أن أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر، وعلى أن الحاكم إذا حكم بشيء، ثم بأن أن الواجب غيره، وجب عليه الرجوع عنه إليه.
* * *
٢٦٩٨ - عن سعيدِ بن سعدِ بن عُبادةَ: أن سعدَ بن عُبادة أبي النبيَّ ﷺ برجل كانَ في الحيِّ مُخْدَجٍ سقيمٍ، فوُجِدَ على أَمةٍ مِن إمائِهم يَخْبُثُ بها فقال: "خُذُوا لهُ عِثْكالًا فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبُوهُ بهِ ضربةً".
"عن سعيد بن سعد بن عبادة ﵄: أن سعد بن عبادة أتى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم برجل كان في الحي"؛ أي: في القبيلة.
"مخدج"؛ أي: ناقص الخلق.
"سقيم" صفة ثانية لـ (رجل).
"فوُجد على أمة من إمائهم يخبث"؛ أي: يزني بها.
"فقال"؛ أي: النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: "خذوا له عِثكالًا" بكسر العين: العِذْق، وهو العود الذي عليه البُسْرُ، وهو في النخل بمنزلة العنقود للعنب، وعيدان العثكال شماريخ، واحدها: شمراخ.
"فيه مئة شمراخ فاضربوه به ضربة" قال الشَّافعيّ رحمه الله تعالى: هذا في المخدج، أو مريض لا يرجى بُرؤُه، فيضرب بما ذكر بحيث يتثاقل عليه الضرب بجميع الشماريخ، فإن كان على العثكال خمسون شمراخًا ضُرب به مرتين فيحصل الحد، قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وإن رُجي زوال مرضه أُخِّر الضرب حتَّى يبرأ.
وهو يدل على أن للإمام المراقبة في الحدود، ولم هي كثيرٌ من العلماء العمل به لمخالفته النص وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]،
стр. 1899
والضرب على هذا الوجه من جملة الرأفة.
* * *
٢٦٩٩ - عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ وجدتُموه يعملُ عملَ قومِ لُوطٍ فاقُتلوه، الفاعِلَ والمفعولَ بهِ".
"عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وهذا أحد قولي الشَّافعيّ.
قيل في كيفية قتلهما: يهدم بناء عليهما، وقيل: يرميهما من شاهق الجبل كما فُعل بقوم لوط، وقيل: يقتل بالضرب، وفي أظهر قولي الشَّافعيّ وهو قول أبي يوسف ومحمَّد: إن كان محصنًا يُرجم، وإلا فيجلد مدّة جلدة، ويحمل الحديث على مجرد التهديد من غير قصد إيقاع الفعل، ولأن الضرب الأليم قد يسمَّى قتلًا مجازًا.
* * *
٢٧٠٠ - وقال: "مَن أتَى بهيمةَ فاقتُلُوهُ واقتلوها مَعَه".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" عمل إسحاق بظاهر الحديث وقال: يقتل من أتى بها إن تعمَّد بذلك مع العلم بالنهي، قيل: إنما أمر بقتلهما لئلا يتولَّد منهما حيوان على صورة إنسان، أو كراهة أن يؤكل لحمها وقد فُعل بها ذلك الفِعل، وأن يلحق صاحبها خزي بإبقائها.
وقيل: تقتل البهيمة وتحرق.
стр. 1900
ذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك وأَحمد إلى أن من أتى بهيمة يعزَّر ولا تقتل البهيمة، والحديث محمول على الزجر والوعيد.
* * *
٢٧٠١ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أَخوَفَ ما أَخافُ على أمَّتي عملُ قومِ لُوْطٍ".
"وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أخوف" أفعل تفضيل للمفعول.
"ما أخاف على أمتي عمل قوم لوطًا"؛ يعني: إتيان المذكور، وإنما أضاف إليهم هذا العمل؛ لأنهم هم الفاعلون ابتداء، كما قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨].
* * *
٢٧٠٢ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ رَجُلًا من بني بكرِ بن ليثٍ، أتى النبيَّ ﷺ ، فأَقَرَّ أنَّه زَنَى بامرأةٍ أربعَ مرَّات فجلدَه مِئَةً، وكانَ بِكرًا، ثم سألَهُ البينَةَ على المرأةِ فقالت: كذبَ فجُلِدَ حدَ الفِرْيَةِ ثمانينَ.
"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا من بني بكر بن ليث أتى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأقر أنَّه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مئةً وكان بكرًا، ثم سأله"؛ أي: النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الرجلَ.
"البينةَ على المرأة فقالت: كذب، فجُلد حدَّ الفِرْية"؛ أي: القذف؛ يعني: جلد ذلك الرَّجل الذي أقر بالزنا حدَّ القذف "ثمانين" جلدة لقذفه إياها بالزنا.
* * *
стр. 1901
٢٧٠٣ - عن عَمْرَةَ، عن عائِشَةَ ﵂ أنَّها قالت: لمَّا نزلَ عُذري قامَ النَّبِيُّ ﷺ على المنبرِ فذكرَ ذلكَ، فلمَّا نزَلَ أَمَرَ بالرَّجُلَيْنِ والمرأةِ فضُرِبُوا حدَّهم.
"عن عمرة عن عائشة أنها قالت: لما نزل عُذري" أرادت به الآيات الدالة على براءتها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: ١١] إلخ، شبهتها بالعذر الذي يبرِّيءُ المعذور من الجُرْم.
"قام النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك، فلما نزل"؛ أي: من المنبر "أمر بالرجلين"؛ أي؛ بحدِّهما، وهما حسان بن ثابت ومسطح ابن أثاثة.
"والمرأة"؛ أي: وبحدِّها، وهي حَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، فإنهم كانوا من أصحاب الإفك.
"فضربوا حدهم"؛ أي: حدَّ المفترين؛ أي: القاذفين.
* * *
٢ - باب قطع السرقة
(باب قطع السرقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧٠٤ - عن عائِشَةَ ﵂، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا تُقطَعُ يدُ السَّارقِ إلَّا في رُبُعِ دينارٍ فصاعِدًا".
"من الصحاح":
" عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: لا تقطع يد
стр. 1902
السارق إلَّا في ربع دينار فصاعدًا"؛ أي: فزائدًا، والفاء فيه لعطف جملة على جملة نصب على الحال من المسروق المقدَّر، يعني: إذا وقع المسروق من (١) ربع دينار فيقع مرة أخرى في حال كونه زائدًا على الربع الذي هو نصاب القطع، والحديث يدل على أنْ لا قطع فيما دون ربع دينار، وهو قول الشَّافعيّ.
* * *
٢٧٠٥ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قَطعَ النَّبِيّ ﷺ يدَ سارق في مِجَنٍّ، ثمنُه ثلاثةُ دراهمَ.
"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنَّه قطع النَّبِيّ ﷺ يد سارق في مجنٍّ" وهو الترس، مِفْعَل من جَنَّ؛ أي: سَتَرَ.
"ثمنه ثلاثة دراهم" أوَّلَ الشَّافعيّ حديث المجن على مساواته ربع دينار؛ لصرف اثني عشر درهمًا بدينار؛ لأن التقويم في ذلك الزمان كان بالدنانير فتُقوَّم الدراهم أَيضًا بها.
* * *
٢٧٠٦ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لعنَ الله السَّارقَ يسرقُ البيضةَ فتُقطَعُ يدُه، ويسرقُ الحبلَ فتُقطَعُ يدُه".
"عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" قيل: المراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة، وقيل: كان القطع بالقليل شرعًا في الابتداء، ثم نسخ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
стр. 1903
وقيل: معناه: يتَّبع نفسه أولًا في أخذ أمثال هذه المحقَّرات، حتَّى يعتاد السرقة فيفضي إلى أخذ نصاب القطع، أو المراد به التهديد.
* * *
٢٧٠٧ - عن رافعِ بن خَديجٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كثَرٍ".
"من الحسان":
" عن رافع بن خديج عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال: لا قطع في ثمر" وهو يقع على كل الثمار، ويغلب عندهم على ثمر النخل وهو الرُّطب ما دام على رأس النخل.
"ولا كَثَرٍ" بالتحريك: جُمار النخل - بضم الجيم -؛ أي: شحمه الذي في وسطه يؤكل، وقيل: الطلع أول ما يبدو وهو يؤكل أَيضًا.
وقد عمل أبو حنيفة بظاهر هذا الحديث، فلم يقطع في سرقة فاكهة رطبة وإن كانت مُحْرزة، وتأوَّله الشَّافعيّ - رحمة الله عليه - على الثمار المعلقة غير المحرزة كنخيل المدينة، إذ لا حوائط أكثرها.
* * *
٢٧٠٨ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أَبيه، عن جدِّه عبدِ الله بن عمروِ بن العاصِ، عن رسولِ الله ﷺ : "أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعلَّقِ، قال: "مَن سرقَ منه شيئًا بعدَ أنْ يُؤويَهُ الجَرِينُ، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ فعليهِ القطْعُ".
"عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهم - عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه سئل عن الثمر المعلق، قال: من سرق منه
стр. 1904
شيئًا بعد أن يؤويه الجَرين"؛ أي: يُحرزه البيدر، وهو الموضع الذي يجمع فيه التمر للتجفيف.
"فبلغ ثمن المجن فعليه القطع".
* * *
٢٧٠٩ - وقال: "لَا قَطْعَ في ثمرٍ مُعَلَّقٍ، ولا في حَرِيسةِ جبل، فإذا آواهُ المُراحُ والجَرِينُ، فالقطعُ فيما بلغَ ثمنَ المِجَنِّ".
"وقال: لا قطع في ثمر معلَّقٍ ولا في حريسة الجبل" أراد به ما يحرس في الجبل من النعم، يعني: لا قطع فيما سُرق من المرعى؛ لأنها لا تكون مُحرزةً في الغالب؛ لأنها تسرح بلا راع.
وقيل: الحريسة: الشاة المسروقة ليلًا، وإنما أضيفت إلى الجبل لأن المحرس - أي: السارق - يذهب بها إلى الجبل ليكون أحرز من الطلب.
"فإذا آواه المُراح" بضم الميم: مأوى الإبل والغنم للتحرز (١) بالليل.
"والجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن".
* * *
٢٧١٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ليسَ على المُنتَهِبِ قطعٌ، ومَنْ انتَهَبَ نُهبَةً مشهورة فليسَ مِنا".
"عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس على المنتهِب"؛ أي: المغير "قطع" لأنه ليس بسارق.
"ومن انتهب نهبة مشهورة"؛ أي: ظاهرة معايَنةً غيرَ مَخْفِيَّة.
стр. 1905
"فليس منا"؛ أي: من أخلاقنا ولا من طريقتنا.
* * *
٢٧١١ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ليسَ على خائنٍ، ولا مُنتهِبٍ، ولا مُختلِسٍ قَطْعٌ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس على خائن" المراد به: مَن يخون خيانةً لا يَصْدُق عليه فيها تعريفُ السارق؛ لكون المال دون نصابٍ، أو في حرزٍ، أو له شبهةٌ.
"ولا منتهب ولا مختلس" وهو الذي استلب متاعًا من إنسان، "قطع".
* * *
٢٧١٢ - ورُوِيَ: أن صفوانَ بن أُميَّةَ قدِمَ المدينةَ فنامَ في المسجدِ وتَوَسَّدَ رِداءَهُ، فجاءَ سارقٌ وأخذَ رِداءَه، فأخذهُ صفوانُ، فجاءَ بهِ إلى رسولِ الله ﷺ فأَمَرَ أنْ تُقْطَعَ يدُه، فقال صفوانُ: إنِّي لم أُرِدْ هذا، هو عليهِ صدقةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "فهلَاّ قبلَ أنْ تأتيَني به".
"وروي: أن صفوان بن أمية قدم المدنية فنام في المسجد وتوسَّد رداءه، فجاء سارق وأخذ رداءه، فأخذه صفوان فجاء به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمران تقطع يده، فقال صفوان: إنِّي لم أُرد هذا هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فهلَاّ قبل أن تأتيني به"؛ أي: لم لا تركت حقك عليه وعفوتَ عنه قبل إتيانك إليّ به، وأما الآن فقطعُه واجب، ولا حقَّ لك فيه، بل هو من الحقوق الخالصة للشرع ولا سبيل فيها إلى الترك، وفيه دليل على أن العفو جائز قبل أن يعرف الحاكم.
* * *
стр. 1906
٢٧١٣ - عن بُسْرِ بن أَرَطاةَ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قال: "لَّا تُقطَعُ الأَيْدي في الغَزوِ".
"عن بُسْر بن أرطاة أنَّه قال: سمعت النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تقطع الأيدي في الغزو"؛ يعني: لا تقطع يد السارق في الغزو إذا كان الجيش في دار الحرب ولم يكن الإمام فيهم، وإنما يتولَّاهم أمير الجيش، وإنما لم يقطع لاحتمال افتتان المقطوع باللحوق بدار الحرب، أو لأنه لو قطع لم يتمكن من الدفع عن نفسه في الحرب، فيُترك إلى أن ينفصل الجيش.
* * *
٢٧١٤ - عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال في السَّارقِ: "إنْ سَرَقَ فاقطعُوا يَدهُ، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا رِجْلَه، ثم إنْ سرَقَ فاقطعوا يدَه، ثم إنْ سرَقَ فاقطعوا رِجْلَه".
"عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال في السارق: إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" اتفقوا على أن السارق أول مرة تُقطع يده اليمنى، وثانيةً رجلُه اليسرى، ولو سرق بعد ذلك فقيل: لا يقطع بل يحبس، والأكثر: على أنَّه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، ثم بعده لو سرق عُزِّر وحبس، وعليه مالك والشافعي.
* * *
٢٧١٥ - ورُوِيَ عن جابرٍ ﵁ قال: جيءَ بسارقٍ إلى النبيِّ ﷺ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيءَ به الثانيةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيء به الثالثةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيءَ به الرابعةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، فأُتيَ به
стр. 1907
الخامسةَ فقال: "اقتُلوه"، فانطلقْنا به فقتلْناه، ثم اجترَرْناه فألقيناهُ في بئرٍ ورميْنَا عليهِ الحِجارةَ.
"وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: جيء بسارق إلى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الثَّانية فقال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الثالثة فقال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الرابعة فقال: اقطعوه، فقطع، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه، فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه"؛ أي: جررناه.
"فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة" قال الخطابي: لم أعلم أحدًا من الفقهاء يحيى دم السارق وإن تكررت منه السرقة، إلَّا أنَّه قد يُخرَّج على مذهب بعض الفقهاء إباحة دمه؛ لكون هذا من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزيرهم ويَبْلُغَ منهم ما رأى من العقوبة بالتعزير والقتل وغير ذلك.
وقيل: هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرى مسلم إلَّا بإحدى ثلاث" الحديث.
وقيل: كان ﷺ علم ارتداد هذا المقطوع فأباح دمه وأمر بقتله.
وقيل: الوجه أن يحمل على أنَّه كان مستحلًّا للسرقة، وهو الظاهر؛ لأن اجتراره برجله وإلقاءه في البئر لو كان مسلمًا لم يجز.
* * *
٢٧١٦ - ورُوِيَ في قطعِ السارقِ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "اقطعُوه ثم احسِمُوه".
"وروي في قطع السارق عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: اقطعوه، ثم احسموه" وأصل الحسم: القطع، والمراد به هنا: كيُّ العروق لينقطع به الدم.
* * *
стр. 1908
٢٧١٧ - عن فُضالةَ بن عُبيدٍ ﵁ قال: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بسارقٍ فقُطِعَتْ يَدُه، ثم أَمَرَ بها فعُلِّقَت في عُنقِهِ.
"عن فضالة بن عبيد أنَّه قال: أُتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده، ثم أَمر بها"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم باليد المقطوعة "فعلِّقت في عنقه، ليكون عِبرة ونكالًا.
* * *
٢٧١٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا سرقَ المَمْلوكُ فبعْهُ ولو بنشٍّ"، متصل.
"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا سرق المملوك فبعه ولو بنشٍّ": بتشديد الشين المعجمة: عشرون درهمًا نصف أوقية.
والحديث يدل على أن السرقة في المملوك عيب، والعامة على قطع يده أَيضًا.
"متصل".
* * *
٣ - باب الشَّفاعةِ في الحُدودِ
(باب الشفاعة في الحدود)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧١٩ - عن عائشةَ ﵂: أن قُريشًا أَهَمَّهم شأنُ المَرأةِ المخزوميَّةِ
стр. 1909
التي سرقَتْ فقالوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رسولَ الله ﷺ ؟ فقالوا: ومَن يَجترِيءُ عليهِ إلَّا أُسامةُ بن زيدٍ حِبُّ رسولِ الله ﷺ ، فكلَّمَه أُسامةُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَتشفعُ في حد مِن حدودِ الله!؟ " ثم قامَ فاختطبَ ثم قال: "إنَّما أَهلكَ الذينَ مِن قبلِكم أنَّهم كانوا إذا سَرقَ فيهم الشريفُ تركُوهُ، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقامُوا عليهِ الحدَّ، وَايمُ الله، لو أن فاطمةَ بنتَ مُحَمَّد سَرقَتْ لقطعْتُ يدَها".
ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: كانتْ امرأةٌ مخزوميةٌ تستعيرُ المَتاعَ وتجحدُ، فأمرَ النَّبِيّ ﷺ بقطعِ يدِها، فأتَى أهلُها أسامةَ فكلَّموه، فكلَّمَ رسولَ الله ﷺ فيها، فذكَر نحوه.
"من الصحاح":
" عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن قريشًا أهمَّهم" أي: أقلقهم وأحزنهم "شأن المرأة المخزومية"؛ أي: أمرها، وهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، بنتُ أخي أبي سلمة.
"التي سرقت، فقالوا: مَن يكلِّم فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومَن يجترئ عليه إلَّا أسامة بن زبد حِبُّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، بكسر الحاء؛ أي: محبوبة.
"فكلمه أسامة، فقال النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: أتشفع" بهمزة الاستفهام للتوبيخ.
"في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب" بمعنى خطب.
"ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنَّهم كانوا" بفتح الهمزة، فاعل (أهلك).
"إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" وهذا حصر ادِّعائي؛ لأن الأمم الماضية كانت فيهم أمور كثيرة غير
стр. 1910
المحاباة في حدود الله تعالى.
"وايم الله" اسم موضوع للقسم، أصله: أيمن حذفت نونه للتخفيف.
"لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" إنما ضرب المثل بفاطمة؛ لأنها كانت أعز أهله ﷺ (١)، وفيه دليل على أن الشفاعة في الحدود غير جائزة بعد بلوغ الإِمام، وأما قبله فالشفاعة من المجني عليه جائزة، والستر على المذنب مندوبٌ إذا لم يكن صاحبَ شر وأذًى؛ لمَا مر أنَّه ﷺ قال لهزال عند أمره برجم ماعز: "لو سترت عليه بثوبك لكان خيرًا لك".
"وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنه - أنها قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحد" وإنما ذكرت جحودها المتاع المستعار تعريفًا لها بخاصِّ صفتها، إذ من عادتها وصنيعها أخذُ أموال النَّاس بغير حق إلى أن سرقت سرقة.
"فأمر ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلَّموه، فكلَّم"؛ أي: أسامةُ "رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيها"؛ أي: في شأن المخزومية وشفاعتها.
"فذكر نحوه"؛ أي: ذكر الراوي عن عائشة ثانيًا نحوَ ما ذُكر في حديثها أولًا، أو ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نحو قوله: (أتشفع في حد ...)! لخ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٧٢٠ - عن عبدِ الله بن عمرَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن
стр. 1911
حالَتْ شفاعتُه دونَ حدٍّ مِن حدودِ الله تعالى فقد ضادَّ الله، ومَن خاصَمَ في باطلٍ هو يعلَمُه لَمْ يزلْ في سخطِ الله تعالى حتَّى ينزِعَ، ومَن قالَ في مُؤْمِنٍ ما ليسَ فيه أَسكنَهُ الله رَدْغَةَ الخَبالِ حتَّى يخرُجَ ممّا قالَ".
ويُروى: "ومَن أعانَ على خُصومةٍ لا يدري أَحَقٌّ هو أمْ باطلٌ، فهو في سخطِ الله حتَّى ينزِعَ".
"من الحسان":
" عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: من حالت"؛ أي: حجبت "شفاعته دون حدِّ"؛ أي: لأجل حد، يعني: مَن مَنعَ بشفاعته حدًا "من حدود الله، فقد ضادَّ الله"؛ أي: خالف أمره؛ لأن حكم الله فيه إقامة الحدود، وهذا بعد بلوغه إلى الإِمام.
"ومن خاصم في باطل وهو يعلمه"؛ أي: يعلم بطلانه.
"لم يزل في سخط الله تعالى حتَّى ينزع"؛ أي: حتَّى ينتهي عن مخاصمته، يقال: نزع عن الأمر نزوعًا إذا انتهى عنه.
"ومن قال في مؤمن ما ليس فيه" من القبائح والمساوئ.
"أسكنه الله رَدْغة الخبال" الردغة - ساكنًا ومتحركًا - في الأصل: طين ووحل شديد، وأهل الحديث يروونه بالسكون لا غير، والمراد به: عصارة أهل النَّار، والخبال: الفساد، سمي به الصديد لأنه من المواد الفاسدة، قيل: الخبال موضع في جهنم مثل الحياض يجتمع فيها صديد أهل النَّار وعصارتهم.
"حتَّى يخرج مما قال": بأن يتوب عنه ويستحلَّ من المقول في حقه.
"ويروى: من أعان على خصومة لا يدري أحق هو أم باطل فهو في سخط الله حتَّى ينزع".
стр. 1912
٢٧٢١ - عن أبي رِمْثَةَ المخزوميِّ ﵁: أن النَّبِيّ ﷺ أُتِيَ بلصٍّ قد اعترتَ اعترافًا وَلَمْ يوجدْ معَهُ مَتاعٌ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما إخالُكَ سرقتَ؟ " قال: بلى، فأعادَ عليهِ مرتينِ أو ثلاثًا، فأمرَ بهِ فقُطِعَ وجيءَ بهِ فقالَ: "استغفر الله وتُبْ إليهِ"، فقالَ: أَستغفِرُ الله وأتوبُ إليهِ، فقال: "اللهمَّ تُبْ عليهِ" ثلاثًا.
"عن أبي رمثة المخزومي: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أُتي بلص"؛ أي: سارق "قد اعترف"؛ أي: أقر بسرقته "اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما إخالك"؛ أي: أظنك "سرقت، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي.
"فأمر به فقطع" وهذا يدل على أن للإمام أن يُعرِّضَ للسارق بالرجوع وأنه لو رجع بعد اعترافه سقط القطع كما في حد الزنا، وهو أصح القولين.
"وجيء به"؛ أي: بالسارق "فقال: استَغْفِرِ الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: اللهمَّ تب عليه، ثلاثًا"؛ أي: ثلاث مرات.
* * *
٤ - باب حدَّ الخمرِ
(باب حد الخمر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧٢٢ - عن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ ضربَ في الخمرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، وجلَدَ أبو بكرٍ ﵁ أربعينَ.
وفي روايةٍ عن أنس ﵁: أن النبيَّ - كان يضرِبُ في الخمرِ بالجريدِ والنِّعال أربعينَ.
стр. 1913
"من الصحاح":
" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالجريد" وهو غصن النخل الذي جرِّد عنه الخُوصُ، وهو ورق النخل.
"والنعال، وجَلَد أبو بكر أربعين".
"وفي رواية عن أنس: أن النَّبِيّ ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين" وبه قال الشَّافعيّ.
* * *
٢٧٢٣ - عن السَّائبِ بن يزيدَ قال: "كانَ يُؤتَى بالشَّاربِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وإمْرَةِ أبي بكرٍ وصَدْرًا مِن خلافةِ عمرَ، فنقومُ فيهِ بأيدينا ونعالِنا وأَرديَتِنا، حتَّى كانَ آخرُ إمرةِ عمرَ ﵁ فجلدَ أربعينَ، حتَّى إذا عَتَوا وفسقُوا جلدَ ثمانينَ".
"عن السائب بن يزيد قال: كان يؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر"؛ أي: في زمان إمارته.
"وصدرًا من خلافة عمر"؛ أي: شيئًا من أوائل عهده.
"فنقوم فيه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا" جمع رداء.
"حتى كان آخر إمرة عمر رضي الله تعالى عنه"؛ أي: آخر زمان إمارته.
"فجلد أربعين، حتَّى إذا عتوا"؛ أي: أفسدوا وانهمكوا في الطغيان، وقيل: أي: جاوزوا الحد بالفسق.
"وفسقوا جَلَدَ ثمانين".
* * *
стр. 1914
مِنَ الحِسَان:
٢٧٢٤ - عن جابرِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجلِدُوه، فإنْ عادَ في الرَّابعةِ فاقتُلُوه". قال: ثم أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ بعدَ ذلكَ برجلٍ قد شربَ في الرَّابعةِ فضَربَهُ ولم يقتلْهُ.
"من الحسان":
" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" لم يذهب أحدٌ قديمًا وحديثًا أن شارب الخمر يقتل.
قال الخطابي: قد يَرِدُ الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه"، وقيل: كان ذلك في ابتداء الإِسلام.
"قال: ثم أتي النَّبِيّ ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله": فثبت بهذا أن القتل بشُرب الخمر في الرابعة منسوخ.
* * *
٢٧٢٥ - وعن عبدِ الرحمنِ بن الأزهرِ ﵁ قال: كأني أنظرُ إلى رسولِ الله ﷺ ، إذْ أُتيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فقالَ للناسِ: "اضرِبُوه"، فمِنهم مَنْ ضربه بالنِّعالِ، ومنهم مَن ضربَه بالعَصا، ومِنهم مَن ضربَهُ بالمِيتَخَةِ، ثم أَخَذَ رسولَ الله ﷺ تُرابًا مِن الأرضِ فرمَى بهِ في وجهِهَ.
"عن عبد الرَّحْمَن بن الأَزْهَر قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أُتي برجل قد شرب الخمر فقال للنَّاس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم ضربه بالمِيتَخَة" بكسر الميم
стр. 1915
وسكون الياء المثناة من تحت وفتح التاء المثناة من فوق وبالخاء المعجمة: اسم لجريد النخل، وقيل: العصا الخفيفة، وقيل: القضيب الدقيق اللين، وقيل: كلُّ ما ضرب به من عصا وجريدٍ ودرَّةٍ وغيرِ ذلك.
"ثم أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ترابًا من الأرض فرمى به في وجهه".
* * *
٢٧٢٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ أُتيَ برجلٍ قد شرِبَ الخمرَ فقال: "اضرِبُوه"، فمِنَّا الضارِبُ بيدِه، والضارِبُ بثوبه، والضاربُ بنعلِه، ثم قال: "بَكِّتُوه"، فأقبلُوا عليهِ يقُولونَ: ما اتقيتَ الله؟ ما خشيتَ الله؟ وما استحيَيْتَ مِن رسولِ الله ﷺ ؟ فقالَ بعضُ القوم: أَخزاكَ الله، قال: "لا تقُولوا هكذا، لا تُعينُوا عليهِ الشيطانَ، ولكنْ قولوا: اللهمَّ اغفرْ لهُ اللهمَّ ارحمْهُ".
"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أُتي برجل قد شرب الخمر فقال: اضربوه، فمنا الضاربُ بيده والضاربُ بثوبه والضاربُ بنعله، ثم قال: بكِّتوه" من التبكيت التوبيخ والتعيير (١) باللسان.
"فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله؟ ما خشيت الله؟ وما استحييت من رسول الله ﷺ ؟ فقال بعض القوم: أخزاك الله"؛ أي: أفضحك.
"فقال: لا تقولوا هكذا، لا تُعِينوا عليه الشيطان" بسبب هذا الدعاء عليه، فإن الله تعالى إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان، أو لأنه إذا سمع منكم ذلك يُقطع رجاؤه من رحمة الله، أو غضب فدام على الإصرار فيصير الدعاء عليه
стр. 1916
معونةَ في إغوائه وتسويله.
"لكن قولوا: اللهمَّ اغفر له اللهمَّ ارحمه".
* * *
٢٧٢٧ - عن ابن عباسٍ ﵁ قال: شرِبَ رجلٌ فسكرَ، فلُقيَ يميلُ في الفَجِّ، فانطُلِقَ بهِ إلى رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا حاذَى دارَ العبَّاسِ انفلَتَ فدخلَ على العبَّاسِ فالتزَمَهُ، فذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فضحِكَ وقال: "أفعَلَها؟ " ولم يَأْمُرْ فيهِ بشيءٍ.
"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنَّه قال: شرب رجل فسكر فلُقي" على صيغة المجهول.
"يميل" نصب على الحال من الضمير في (لقي).
"في الفج"؛ أي: في الطريق الواسع.
"فانطُلق به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما حاذى"؛ أي: قابل.
"دار العباس انفلت"؛ أي: فرَّ وهرب.
"ودخل على العباس والتزمه"؛ أي: اعتنق الشاربُ العباسَ؛ يعني: تمسَّك به.
"فذُكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: أفعَلها؟ " الضمير المنصوب للفعلة المذكورة.
"ولم يأمر فيه"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الرَّجل الشارب.
"بشيء"؛ يعني: لم يحدَّه؛ لأن شربه لم يثبت عنده ﷺ بشهادة العدول.
* * *
стр. 1917
٥ - باب لا يُدْعى على المَحدودِ
(باب لا يدعى على المحدود)
من السوء كاللعنة ونحوها.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧٢٨ - عن عمرَ بن الخطابِ ﵁ قال: إنَّ رَجُلًا اسمُه عبدُ الله يُلقَبُ حِمارًا، كانَ يُضْحِكُ النَّبِيّ ﷺ ، وكانَ النبيُّ ﷺ قد جَلَدَهُ في الشرابِ، فأُتيَ به يومًا فأَمَرَ به فجُلِدَ، فقال رَجُلٌ مِن القومِ: اللهمَّ العَنْه، ما أكثرَ ما يُؤتَى بهِ! فقال النبيُّ ﷺ : "لا تَلْعنُوهُ، فَوَالله ما عَلِمْتُ إلَّا أنَّه يحبُ الله ورسولَهُ".
"من الصحاح":
" عن عمر بن الخَطَّاب رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا اسمه عبد الله يلقب حمارًا كان يُضحِك النَّبِيّ ﷺ ، وكان النَّبِيّ ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأَمَر [به] فجُلِدَ، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنه ما أكثر ما يؤتى به" (ما) للتعجب؛ يعني: كم يوجد، أو يؤخذ بشرب الخمر.
"فقال النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ" (ما) موصولة أو مصدرية، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فوالله لهو الذي علمتُه، أو في علمي "أنَّه يحب الله ورسوله"، أو زائدة؛ أي: لقد علمتُ منه ذلك، لكنه قد يصدر منه الزَّلَّة، وهذا يدل على أنَّه لا يجوز لعن المذنب.
* * *
٢٧٢٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قد شرَبِ فقال: "اضرِبُوه" فمِنَّا الضارِبُ بيدِه، والضارِبُ بنعلِه، والضارِبُ بثوبهِ، فلمَّا
стр. 1918
انصَرفَ قالَ بعضُ القومِ: أخزاكَ الله، قالَ: "لا تقولُوا هكذا، لا تُعِينُوا عليهِ الشيطانَ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنَّه أتي النَّبِيّ ﷺ برجل قد شرب الخمر فقال: اضربوه، فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٧٣٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ الأسلَميُّ إلى النبيِّ ﷺ فشهِدَ على نفسِهِ أنهُ أصابَ امرأةً حرامًا، أربعَ مراتٍ، كلَّ ذلكَ يُعرِضُ عنهُ، فأَقبَلَ في الخامسةِ فقالَ: "أَنِكْتَها؟ "، قال: نعم، قال: "حتَّى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها" قال: نعم، قال: "كما يغيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشاءُ في البئرِ"، قال: نعم، قال: "هل تَدري ما الزِّنا؟ " قال: نعم، أتيْتُ منها حَرامًا ما يأتي الرَّجُلُ مِن أهلِهِ حَلالًا، فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسمعَ نبيُّ الله ﷺ رجُلينِ مِن أصحابهِ يقولُ أحدُهما لصاحبه: انظرْ إلى هذا الذي سترَ الله عليهِ، فلمْ تدعْهُ نفسُه حتَّى رُجِمَ رجْمَ الكلبِ، فسَكتَ عنهما، ثم سارَ ساعةً حتَّى مرَّ بجيفِة حمارٍ شائلٍ برجلِه، فقال: "أينَ فلانٌ وفلان؟ " فقالا: نحنُ ذانِ يَا رسولَ الله فقال: "انزِلا فكُلا من جِيفةِ هذا الحِمارِ"، فقالا: يَا نبيَّ الله! مَنْ يأكلُ مِنْ هذا؟ قال: "فما نِلتُما مِن عِرْضِ أخيكُما آنِفًا أشدُّ مِن أكلٍ منه، والذي نفسي بيدِه إنَّه، الآنَ لَفي أنهارِ الجنَّةِ ينغمِسُ فيها".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنَّه قال: جاء الأسلمي" وهو ماعز بن مالك.
стр. 1919
"إلى النَّبِيّ - صلى الله تعالى عليه وسلم فشهد على نفسه"؛ أي: أقر أنَّه "أصاب امرأة حرامًا، أربع مرات" متعلق بـ (شهد).
"كل ذلك يُعرِض عنه"؛ أي: النبيُّ ﷺ أعرض عن ذلك الأسلمي في كلِّ مرة.
"فأقبل"؛ أي: النبيُّ ﷺ "في الخامسة قال: أنكتها؟ قال: نعم، قال: حتَّى غاب ذلك منك" إشارة إلى غيبوبة آلة الرجل.
"في ذلك منها" إشارة إلى آلة المرأة وهي الفرج.
"كما يغيب المِروَد" بكسر الميم؛ أي: الميل.
"في المكحلة، والرِّشاء" بالكسر والمد؛ أي: الحبل. "في البئر قال: نعم، قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرَّجل من أهله حلالًا، فأمر به فرجم، فسمع نبيُّ الله ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تَدَعْه"؛ أي: لم تتركه "نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فسكت عنهما"؛ أي: النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن الرجلين من أصحابه.
"ثم سار ساعة حتَّى مر بجيفة حمار شائل برجله"؛ أي: رافع لها.
"فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذان يَا رسول الله، فقال: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يَا نبي الله! مَن يأكل من هذا؟ قال: فما نلتما"؛ أي: فالذي أصبتماه (١). "من عِرْضِ أخيكما"؛ أي: ما قلتما في غيبة ماعز. "آنفًا" بفتح الهمزة الممدودة؛ أي: الساعة.
стр. 1920
"أشد من أكلٍ منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس"؛ أي: يخوض. "فيها".
* * *
٢٧٣١ - عن خُزيمةَ بن ثابت ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أصابَ ذَنْبًا أُقيمَ عليهِ حدُّ ذلكَ الذَّنْبِ فهو كفَّارتُه".
"عن خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : من أصاب ذنبًا وأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته".
* * *
٢٧٣٢ - وعن عليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أصابَ حدًّا فعُجِّلَتْ عقوبَتُه في الدنيا، فالله أعدلُ مِنْ أنْ يُثَنِّيَ على عبدِه العقوبةَ في الآخرةِ، ومَن أصابَ حدًّا فستَرَهُ الله عليهِ وعفا عنه، فالله أكرَمُ مِن أنْ يعودَ في شيء قد عَفا عنه"، غُريب.
"عن علي رضي الله تعالى عنه عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: من أصاب حدًا فعُجّلتْ" بصيغة المجهول.
"عقوبتُه في الدنيا فالله أعدلُ من أن يثنِّي العقوبة"؛ أي: يكرِّرها.
"على عبده في الآخرة، ومن أصاب حدًا فستره الله عليه وعفا عنه فالله تعالى أكرم من أن يعود في شيء قد عَفى عنه. غريب".
* * *
стр. 1921
٦ - باب التَّعْزيرِ
(باب التعزير)
معناه: التأديب بالضرب وغيره دون الحد، وهو متعلّقٌ بنظر الإِمام.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧٣٣ - عن أبي بُرْدَةَ بن نِيارٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يُجلَدُ فوقَ عَشْرِ جَلَدات إلَّا في حدٍّ مِن حُدودِ الله".
"من الصحاح":
" عن أبي بردة بن نيار عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال: لا يجلد فوق عشر جلدات إلَّا في حد من حدود الله" قال أَحْمد: لا يتجاوز في ضرب الرجلِ عبدَه على المعصية وترك الصلاة عشر جلدات عملًا بالحديث.
وقال بعض: جاز أن يزيد عشرًا بشرط أن ينقص عن أقل الحدود، وهو حدُّ العبد في شرب الخمر، وهو عشرون ضربة.
وقال مالك: إن كان جُرمه أعظم من القذف ضُرب مئة وأكثر.
وقال الشَّافعيّ: لا يبلغ بعقوبته أربعين تقصيرًا عن مساواة عقوبة الله في حدوده، وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
تأوَّلَ بعضُ أصحاب الشَّافعيّ قولَه في جواز الزيادة على عشر جلدات إلى ما دون الأريعين، بأنْ لا تزيد بالأسواط، ولكن بالأيدي والنعال والثياب ونحوها على ما يراه الإِمام، فحديث أبي بردة مؤوَّلٌ أو منسوخ بحديث أبي هريرة وابن عباس اللذين يَلِيَانه، وبحديث عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده: أن النَّبِيّ ﷺ جلد رجلًا قتل عبده مئةً ونفاه سنة، أو المراد بما فوق العشر الأربعون فصاعدًا.
* * *
стр. 1922
مِنَ الحِسَان:
٢٧٣٤ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا ضَرَبَ أحدكم فلْيتقِ الوجه".
"وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه"؛ أي: فليجتنب مِن ضربه.
* * *
٢٧٣٥ - عن ابن عبَّاسِ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا قال الرَّجُلُ للرجلِ: يَا يهوديُّ فاضرِبُوه عشرينَ، وإذا قال: يَا مُخَنَّثُ فاضرِبُوه عشرينَ، ومَنْ وقعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلُوه"، غريب.
"من الحسان":
" عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال: إذا قال الرَّجل للرجل: يَا يهودي، فاضربوه عشرين، وإذا قال: يَا مخنَّث، فاضربوه عشرين، ومن وقع على ذات محرم"؛ أي: جامعها "فاقتلوه" حكم أَحْمد بظاهر الحديث بقتله.
وقيل: محمول على أنَّه في حق المستحِلِّ لذلك، وقيل: للزجر والوعيد، وإلا حكمُه حكم سائر الزناة: يرجم إن كان محصنًا وإلا يجلد.
* * *
٢٧٣٦ - عن عمرَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا وجدْتُم الرَّجُلَ قد غَلَّ في سبيلِ الله فأحرِقُوا متاعَهُ واضرِبُوه"، غريب.
"عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 1923
قال: إذا وجدتم الرجل قد غلَّ في سبيل الله"؛ أي: سرق من مال الغنيمة قبل القسمة.
"فأحرقوا متاعه واضربوه" قال الخطابي: أما تأديبُه عقوبةً في نفسه على سوء فعله فلا خلاف فيه، وأما عقوبتُه في ماله فقال جمع منهم الأوزاعي وإسحاق بن راهويه: يُحرق ماله دون حيوانٍ ومصحفٍ وثيابه التي هي ملبوسةٌ وما غلَّ لأنه حقُّ الغانمين.
وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك رحمة الله عليهم أجمعين: يعاقب في بدنه دون ماله، والمذكورُ في الحديث من إحراق ماله زجرٌ له.
ويشبه أن العقوبة بالمال كان في صدر الإسلام ثم نسخ.
"غريب".
* * *
٧ - باب بيانِ الخَمْرِ ووعيدِ شاربها
(باب بيان الخمر ووعيد شاربها)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٧٣٧ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّه قال: "الخَمرُ مِن هاتينِ الشجرتَيْنِ، النَّخلةِ والعِنَبةِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب" خصَّهما
стр. 1924
بالذكر لأن معظم خمورهم كانت منهما، لا أنه لا خمر إلا منهما؛ لقوله ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمرٌ" وهو عام.
* * *
٢٧٣٨ - عن ابن عمرَ ﵁ قال: خطبَ عمرُ على منبر رسولِ الله ﷺ فقال: إنَّه قد نزَلَ تحريمُ الخَمرِ، وهيَ مِن خمسةِ أشياءَ: العِنبِ، والتَّمرِ، والحِنطةِ، والشَّعيرِ، والعَسلِ. والخمرُ: ما خامَرَ العقلَ.
"عن ابن عمر أنه قال: خطب عمر رضي الله تعالى عنه على منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر"؛ أي: في (سورة المائدة).
"وهي من خمسة أشياء"؛ أي: أكثر الخمور من هذه الخمسة.
"العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل"؛ أي: ستره وأزاله، يدل على أنها مشتقةٌ من خمر: إذا ستر، وعلى بطلان قول من زعم أنْ لا خمر إلا من عنب، أو رُطَب، أو تمرِ، بل كلُّ مسكرٍ خمرٌ.
* * *
٢٧٣٩ - وعن أنسٍ ﵁ قال: لقد حُرِّمَتْ الخمرُ حينَ حُرِّمَت وما نَجدُ خمرَ الأعنابِ إلا قليلاً، وعامَّةُ خمرِنا: البُسرُ والتمرُ.
"عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد حرِّمت الخمر حين حرِّمت وما نجد خمر الأعناب" - جمع عنب -. "إلا قليلاً، وعامة خمرنا البُسر والتمر".
* * *
стр. 1925
٢٧٤٠ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : عن البتْعِ - وهو نبيذُ العسلِ - فقال: "كلُّ شرابٍ أَسْكَرَ فهوَ حرامٌ".
"وعن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن البتْع" - بكسر الباء وفتحها - "وهو نبيذ العسل، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام".
* * *
٢٧٤١ - عن ابن عُمرَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : " كلُّ مُسكرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيا فماتَ وهوَ يُدْمِنُها، لم يَتُبْ، لم يشربْها في الآخرةِ".
"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها"؛ أي: يداوم على شربها.
"ولم يتب" حتى مات على ذلك.
"لم يشربها في الآخرة" قيل: هذا عبارة عن عدم دخوله الجنة؛ لأن مَن دخلها شَرِبَ مِن خمرها، فيؤوَّل الحديث بالمستحِلِّ، أو على المبالغة في الزجر والتحذير منها.
* * *
٢٧٤٢ - وعن جابرٍ ﵁: أن رَجُلاً قدِمَ مِن اليمنِ، فسألَ النبيَّ ﷺ عن شَرابٍ يَشربُونَه بأَرضهم من الذُّرَةِ، يُقالُ له: المِزْرُ، فقال النبيُّ ﷺ : "أَوَ مُسْكِرٌ هو؟ " قال: نعم، قال: "كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، إنَّ على الله عَهْداً لِمَن يَشربُ المُسكِرَ أنْ يَسقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ"، قالوا: يا رسولَ الله! وما طِينَةُ الخَبالِ؟
стр. 1926
قال: "عَرَقُ أهلِ النَّارِ، أو عُصارةُ أهلِ النَّارِ".
"وعن جابر ﵁: أن رجلاً قدم من اليمن فسأل النبيَّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له"؛ أي: للشراب الذي يشربونه: "المِزْر" وهو بكسر الميم: نبيذ الذرة والشعير، مأخوذٌ من المَزَر وهو الذوق.
"فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أوَ مُسْكِرٌ هو؟ قال: نعم، قال: كلُّ مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عَرَقُ أهل النار، أو عُصارة أهل النار" بضمِّ العين: ما يسيل عنهم من الصديد والدم.
* * *
٢٧٤٣ - عن أبي قَتادةَ: أن نبيَّ الله ﷺ نهى عن خَلِيطِ التمرِ والبُسرِ، وعن خليطِ الزبيبِ والتمرِ، وعن خليطِ الزَّهْوِ والرُّطَبِ، وقال: "انتبذُوا كلَّ واحدٍ على حِدَةٍ".
"عن أبي قتادة أن نبيَّ الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن خليط التمر والبُسر، وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزَّهو": بفتح الزاي: البسر الملوَّن.
"والرطب، وقال: انتبذوا كل واحد على حدة" ذهب أحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم النبيذ الذي جُمع فيه بين الخليطين المذكورين ونحوهما وإن لم يكن المتخذ منهما مُسْكِراً، عملاً بظاهر الحديث.
* * *
٢٧٤٤ - عن أنسٍ: أن النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الخمرِ تُتَّخذُ خلاً، فقال: "لا".
стр. 1927
"عن أنس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن الخمر يُتخذ خلاً"؛ أي: عن جواز جعل الخمر خلاً بإلقاء شيء [فيه].
"فقال: لا" وهذا يدل على حرمة التخليل، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ﵏.
* * *
٢٧٤٥ - وعن وائلِ بن حُجْرٍ الحضرميِّ: أن طارقَ بن سُوَيدٍ سألَ النبيَّ ﷺ عن الخمرِ فنهاهُ، فقال: إنَّما أَصنعُها للدواءِ، فقال: "إنَّه ليسَ بدواءٍ، ولكنَّه داءٌ".
"عن وائل بن حجر الحضرمي: أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء" وهذا يحتمل العموم؛ أي: لمرض ما، ويحتمل الخصوص؛ أي: لمرضك هذا.
"ولكنه داء"؛ يعني: بل هي علة له؛ أي: يزيده، والأكثر على منع التداوي بصِرْفِها.
* * *
٢٧٤٦ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن شرِبَ الخمرَ لم يَقبلِ الله لهُ صلاةً أربعينَ صباحاً، فإنْ تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عادَ لم يَقبلِ الله له صلاةً أربعينَ صباحاً، فإنْ تابَ تابَ الله عليهِ، فإن عادَ لم يَقبلِ الله له صلاةً أربعينَ صباحاً، فإنْ تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عادَ الرَّابعةَ لم يَقبَل الله له صلاةً أربعينَ صباحاً، فإنْ تابَ لم يَتُب الله عليهِ، وسَقاهُ مِن نهرِ الخَبالِ".
"من الحسان":
" عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
стр. 1928
تعالى عليه وسلم: من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً"؛ أي: أربعين يوماً، يعني: لم يجد لذة المناجاة التي هي مخُّ الصلاة، ولا الحضورِ الذي هو روحُها، ولم يقع عند الله بمكان، وإن سقط مطالبةُ فرض الوقت عنه، وإنما خصَّ الصلاة بالذكر لأنها أفضل العبادات البدنية، فإذا لم تقبل فلأَنْ لا يقبل منه عبادةٌ مَّا كان أولى.
"فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب لم يتُب الله عليه"؛ أي: فإن تاب باللسان وقلبُه عازم على أن يعود إلى شرب الخمر لم يقبل الله توبته، وهذا مبالغةٌ في الزجر والتحذير لا الوقوع؛ لئلا يخالف الكتابَ وهو قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨].
"وسقاه من نهر الخبال" وهو صديد أهل النار.
* * *
٢٧٤٧ - عن جابر: أن رسولَ الله ﷺ قال: "ما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ".
"عن جابر - رضي الله تعالى عنه -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام".
* * *
٢٧٤٨ - وعن عائِشَةَ ﵂، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أَسْكَرَ الفَرَقُ، فمِلءُ الكفِّ منهُ حرامٌ".
"عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 1929
وسلم قال: ما أسكر الفَرْق" وهو بالسكون من الأواني والمقادير: ما يسع ستة عشر رطلاً، وذلك ثلاثةُ أَصْوُعٍ، وبالفتح: ثمانون رطلاً، وقيل: يسع اثني عشر مُداً، وعن محمد بن الحسن: ستة وثلاثون رطلاً.
"فمِلءُ الكف منه حرام" يدل على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وعليه العلماء.
* * *
٢٧٤٩ - عن النُّعمانِ بن بشيرٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن الحِنْطةِ خَمراً، ومِن الشَّعيرِ خَمراً، ومِن التَّمرِ خَمراً، ومِن الزَّبيبِ خَمراً، ومِن العسلِ خَمراً"، غريب.
"عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من الحنطة خمراً" تسميته خمراً يكون مجازاً؛ لإزالته العقل.
"وإن من الشعير خمراً، وإن من التمر خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن العسل خمراً. غريب".
* * *
٢٧٥٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كانَ عندَنا خمرٌ لِيَتيمٍ، فلمَّا نزَلَت المائدةُ سألتُ رسولَ الله ﷺ وقلتُ: إنَّه لِيتَيمٍ، قال: "أَهرِيقُوه".
"عن أبي سعيد أنه قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة"؛ أي: الآيةُ الدالة على تحريم الخمر في هذه السورة، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠].
قيل: هذه تدل على حرمة الخمر من سبعة أوجه:
стр. 1930
أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: نجس، والنجسُ حرام.
وثانيها: قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وما هو مِن عَمَله فهو حرامٌ.
وثالثها: قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ والمأمورُ باجتنابه حرام.
والرابع: قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ علَّق رجاءَ الفلاح باجتنابه، فالإتيانُ به حرام.
وخامسها: قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وما هو سببٌ لوقوعهما بين المسلمين فهو حرام.
وسادسها: قوله: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وما يَصُدُّ به الشيطان المسلمين عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام.
وسابعها: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال المفسرون: معناه: فانتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيانُ به حرام.
"سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت: إنه ليتيم، قال: أهريقوه" بفتح الهمزة؛ أي: انكبوه.
* * *
٢٧٥١ - وعن أنسٍ عن أبي طلحَة ﵁: أنَّه قال: "يا نبيَّ الله! إنَّي اشتريتُ خَمراً لأيتامٍ في حِجْري، فقال: أَهرِقِ الخَمرَ، واكسِرِ الدِّنانَ"، ضعيف.
وفي رواية: أنَّه سَألَ النبيَّ ﷺ عن أيتامٍ ورِثُوا خَمراً، قال: "أهرِقْها"، قال: أَفَلا أَجْعَلُها خَلاً؟ قال: "لا".
"عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمراً لأيتام في