Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وأمِّه"؛ يعني: وإن كان هازلاً ولم يَقصد ضربَه، كنى به عنه؛ لأن الأخ الشقيقَ لا يقصد قتلَ أخيه غالباً.
* * *
٢٦٤٥ - وقال: "مَن حَمَلَ علينا بالسِّلاحِ فليسَ مِنَّا، ومَن غشَّنا فليسَ مِنَّا".
وفي رواية: "مَن سَلَّ علينا السَّيفَ فليسَ مِنَّا".
"عن سَلَمة بن الأكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن حَملَ علينا السلاحَ": نُصب بنزع الخافض؛ أي: بالسلاح، ويجوز أن يكون مفعول (حمل) و (علينا) حالاً؛ أي: حالَ كويه علينا لا لنا.
"فليس منا"؛ أي: من عاملي سُنَّتنا.
"ومَن غشَّنا"؛ أي: خاننَا وتركَ النصيحةَ لنا.
"فليس منا"، قاله رسول الله ﷺ حين مَرَّ على صُبْرةِ طعامٍ، فأدخل يدَه فيها، فأصابت أصابعه بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحبَ الطعام؟ " قال: أصابته السماء - أي: المطر - يا رسولَ الله، قال: "أفلا جعلتَ المبلولَ فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ؟ ".
"وفي رواية: مَن سلَّ علينا السيفَ فليس منا".
* * *
٢٦٤٦ - وقال: "إنَّ الله يُعذِّبُ الذينَ يُعذِّبونَ النَّاسَ في الدُّنيا".
"وعن هشام - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله
стр. 1857
تعالى عليه وسلم يقول: إن الله تعالى يعذِّب الذين يعذِّبون الناسَ في الدنيا"؛ أي: بغير حقٍّ.
* * *
٢٦٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسولُ الله ﷺ : "يوشِكُ إنْ طالَتْ بكَ مُدَّةٌ أنْ تَرَى قوماً في أَيديهم مثلَ أذنابِ البقرِ، يَغْدُونَ في غضبِ الله، وَيرُوحونَ في سَخَطِ الله" ويُروى: "ويَروحونَ في لَعْنَتِهِ".
"وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : يُوشِك"؛ أي: يَقرُب.
"إن طالت بك مدةٌ"؛ أي: حياةٌ.
"أن ترى": اسم (يوشك)، ولا خبر له؛ لأنه ليس بناقص.
"قوماً في أيديهم سِيَاط" جمع: سَوط.
"مثل أذناب البقر"، تُسمى تلك السياط في ديار العرب بالمقارع، جمع: مَقْرَعة، وهي جِلد طرفُها مشدود، عَرضُه كعَرض الإصبع الوسطى، يضربون بها السارقين عُراةً.
وقيل: هم الطوَّافون على أبواب الظَّلَمة، الساعين بين أيديهم كالكلاب العقورة، يطردون الناسَ عنها بالضرب والسِّباب.
"يَغْدُون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، ويروى: ويروحون في لعنة الله".
* * *
٢٦٤٨ - وقال ﷺ : "صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهم سِياط كأذنابِ البقرِ يضرِبُونَ بها النَّاسَ، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ،
стр. 1858
رؤوسُهنَّ كأسنِمَةِ البُخْتِ المائلةِ، لا يَدْخُلْنَ الجنَّةَ ولا يَجدْنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لتوجَدُ مِن مَسيرةِ كذا وكذا".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صنفانِ من أهل النار لم أَرَهما"؛ أي: في عصره ﷺ ؛ لطهارة ذلك العصر، بل حَدَثَا بعدَه ﷺ .
"قوم"؛ أي: أحدُهما قومٌ "معهم سِيَاطٌ كأذناب البقر، يضربون بها الناسَ، ونساء"؛ أي: ثانيهما نساءٌ "كاسيات"؛ أي: في الحقيقة "عاريات"؛ أي: في المعنى؛ لأنهن يَلبَسْنَ ثياباً رِقَاقاً تصفُ ما تحتَها، أو معناه: عاريات من لباس التقوى، وهن اللواتي يُلقِينَ ملاحفَهنَّ من ورائهن، فتنكشف صدورهن، كنساء زماننا، وقيل: كاسيات من نِعَمِ الله تعالى، عاريات عن الشكر.
"مميلاتٌ"؛ أي: يُمِلْنَ قلوبَ الرجال إلى النساء بهن، أو مميلاتٌ أكتافَهن وأكفالَهن كما تفعل الرقَّاصات، أو مميلاتٌ مقانعَهن عن رؤوسهن لتظهرَ وجوهُهنَّ.
"مائلاتٌ"؛ أي: إلى الرجال، أو معناه: متبختراتٌ في مشيهنَّ.
"رؤوسُهنَّ كأسنمة البُخت"؛ يعني: يعظِّمن رؤوسَهن بالخُمر والقَلَنْسُوة، حتى تشبهَ أسنمةَ البُخت.
"المائلة" - بالهمزة - من: الميل؛ لأن أعلى السِّنام يميل لكثرة شحمه، وهذا من شعار نساء مصر.
"لا يَدخلْنَ الجنةَ ولا يجدْنَ ريحَها" قبل دخول الجنة، كما تجده العفائف المتورِّعات قبل دخولهن الجنة، لا أنهن لا يَدخلْنَ الجنةَ أبدًا.
"وإنَّ ريحها لَتوجد من مسيرة كذا وكذا"؛ أي: توجد من مسيرة أربعين عامًا، هكذا صُرِّحَ في حديث آخر.
* * *
стр. 1859
٢٦٤٩ - وقال ﷺ : "إذا قاتَلَ أحدكم فليجتَنِبِ الوجْهَ، فإنَّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ على صُورتهِ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قاتَلَ أحدكم فَلْيجتنِبِ الوجهَ"؛ أي: فَلْيحتززْ عن ضرب الوجه؛ لأن في جرحِه الشَّينَ والمُثْلةَ، قيل: الأمر فيه للندب؛ لأن ظاهرَ حال المسلم أن يكون قتالُه مع الكفار، والضربُ في وجوههم أنجحُ للمقصود.
"فإن الله تعالى خلقَ آدمَ على صورته": الضمير عائد إلى (آدم)؛ أي: على صورة مختصةٍ به لم يُخلَق عليها غيرُه، أو إلى الله، وإضافته للتكريم كإضافة: بيت الله، وناقة الله، والمعنى: أن اللُّه أكرمَ هذه الصورةَ؛ لأنه خلقَها بيده وأَمر ملائكتَه بالسجود لها، فمِن حقِّها أن تُكرَمَ ويُجتنبَ الاستخفافُ بها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٥٠ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الرِّجْلُ جُبارٌ".
٢٦٥١ - وقال: "النَّارُ جُبارٌ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: الرِّجلُ جُبَارٌ"؛ يعني: أن الراكبَ دابة إذا رَمَحَتْ؛ أي: طَعنتْ دابتُه إنساناً برِجلها فهو هَدَرٌ، وإن ضربتْه بيدها فهو ضامن؛ وذلك لأن الراكبَ يملك تصريفَها من قُدَّامها دون خلفها.
وقال الشافعي: اليد والرِّجل سواءٌ في كونهما مضمونيَن.
* * *
стр. 1860
"والنار جُبَار".
٢٦٥٢ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن كَشَفَ سِتراً فأَدخَلَ بصرَهُ في البيتِ قبلَ أنْ يُؤذَنَ له فرأَى عَورةَ أهلِهِ فقد أتى حدًّا لا يَحِلُّ له أنْ يأتيَهُ، ولو أنَّه حينَ أَدخَلَ بصرَهُ فاستقبلَهُ رجلٌ ففقَأ عينَهُ ما عَيَّرتُ عليهِ، وإنْ مرَّ الرَّجُلُ على بابٍ لا سِترَ له، غيرِ مُغلَقٍ، فنظرَ فلا خطيئةَ عليهِ، إنَّما الخطيئةُ على أهلِ البيتِ"، غريب.
"عن أبي ذَرٍّ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن كَشفَ سِتراً"؛ أي: رفعَ سِترَ بيتٍ.
"فأدخلَ بصرَه في البيت قبل أن يُؤذَنَ له، فرأى عورةَ أهله، فقد أتى حدًّا"؛ أي: فقد فعلَ شيئاً يوجب حدًّا، والمراد به: التعزير.
"لا يحل": أي: لا يجوز له.
"أن يأتيَه، ولو أنه حين أدخلَ بصرَه، فاستقبله رجلٌ ففقأ عينَه، ما عَيَّرتُ عليه"؛ أي: ما لُمتُه وما ضمَّنتُه الأَرْشَ.
"وإن مرَّ رجل على باب لا سترَ له غيرَ مُغلَق": بنصب (غير) على الحال.
"فنظر، فلا خطيئةَ عليه" إنما الخطيئةُ على أهل البيت"؛ لعدم غَلقِهِم البابَ.
"غريب".
* * *
٢٦٥٣ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُتَعاطَى السَّيفُ مَسلولاً.
"عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى
стр. 1861
عليه وسلم أن يُتعاطى السيفُ"؛ أي: يُتناول.
"مسلولاً"؛ أي: مشهوراً.
* * *
٢٦٥٤ - وعن الحسنِ، عن سَمُرةَ: أن رسولَ الله ﷺ نَهى أنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بينَ أُصبَعَينِ.
"عن الحسن، عن سَمُرة - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن يُقدَّ"؛ أي: يُقطَع.
"السَّيرُ": وهو القَدُّ من الجِلد.
"بين أصبعَين"؛ لئلا تَعقُر الحديدةُ يدَه، والنهي في هذين الحديثين نهيُ تنزيهٍ وشفقةٍ.
* * *
٢٦٥٥ - وعن سعيدِ بن زيدٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ : "مَن قُتِلَ دونَ دِينهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ دمِهِ فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ أهلِهِ فهو شَهيدٌ".
"عن سعيد بن زيد ﵁، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن قُتل دونَ دِينهِ"؛ أي: عند حفظ دينه "فهو شهيد، ومَن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتل دون أهله"؛ أي: عند محافظة محارمه "فهو شهيد". وعامة العلماء على أن الرجلَ إذا قُصد مالُه، أو دمُه، أو أهلُه فله دفعُ القاصد بالأحسن فالأحسن، فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة، فقتلَه، فلا شيءَ عليه.
* * *
стр. 1862
٢٦٥٦ - عن ابن عُمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لِجَهنَّمَ سبعةُ أبوابٍ: باب منها لِمنْ سَلَّ السَّيفَ على أُمَّتي، أو قال: على أُمَّةِ محمدٍ ﷺ .
"عن ابن عمر ﵄، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لجهنم سبعةُ أبوابٍ: بابٌ منها لمن سَلَّ السيفَ"؛ أي: شَهَرَه "على أمتي، أو قال: على أمة محمد ﷺ ": شك من الراوي.
"غريب".
* * *
٤ - باب القَسامة
(باب القَسَامة)
وهي الأيمان تُقسَم على أولياء المقتول المدَّعين لدمِه عند جهالة القاتل.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦٥٧ - عن رافعِ بن خَديج، وسَهْلِ بن أبي حَثْمةَ: أنَّهما حدَّثا: أنَّ عبدَ الله بن سَهْلٍ ومُحَيصَةَ بن مسعودٍ أتَيا خيبرَ فتَفَرَّقا في النَّخلِ، فقُتِل عبدُ الله ابن سَهْلٍ، فجاءَ عبدُ الرحمنِ بن سَهْلٍ ﵁، وحُوَيصَةُ ومَحيصةُ ابنا مسعودٍ ﵁ إلى النبي ﷺ ، فتكلَّموا في أمرِ صاحبهم، فَبَدَأَ عبدُ الرحمنِ، وكانَ أصغرَ القومِ، فقالَ لهُ النبي ﷺ : "كَبرِ الكُبْرَ" - يعني لِيَليَ الكلامَ الأكبرُ منكم - فتكلَّموا فقال النبيُّ ﷺ : "استحِقُّوا قتيلَكُم - أو قال: صاحبَكُم - بأيمانِ خَمسينَ منكُم"، قالوا: يا رسولَ الله! أَمْرٌ لم نَرَهُ قال: "فتُبْرِئُكم يهودُ في أَيْمانِ خَمسينَ منهم"، قالوا: يا رسولَ الله قوم كفارٌ، ففدَاهُم رسولُ الله ﷺ من قِبَلِهِ.
وفي روايةٍ: "تَحلِفونَ خَمسينَ يَمِيناً وتستحِقُّونَ قاتِلَكُم - أو صاحِبَكُم - "
стр. 1863
فَوَداهُ رسولُ الله ﷺ مِن عندِه بمئةِ ناقَةٍ".
"من الصحاح":
" عن رافع بن خَدِيج وسهل بن أبي حَثْمَة - رضي الله تعالى عنهما -: أنهما حدَّثا: أن عبد الله بن سهل ومُحيصة بن مسعود أتيا خيبر، للخَرْص.
"فتفرَّقا في النخل، فقُتل عبدُ الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحُوَيصة ومُحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم"؛ أي: قتيلهم.
"فبدأ عبد الرحمن"؛ أي: ابتدأ قبلَهم بالكلام.
"وكان أصغرَ القوم، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: الكُبْرَ"؛ أي: عظِّم مَن هو أكبرُ منك؛ أي: قدّمْه بالكلام.
"يعني: لِيَلِي"؛ أي: لِيقرُب.
"بالكلام الأكبرُ منكم"، وفيه: دلالة على أن الأكبرَ أحقُّ بالإكرام وبالبداية بالكلام، ولا دلالة على جواز الوكالة في المطالبة في الحدود وجواز وكالة الحاضر؛ لأن ولي الدمِ هو عبدُ الرحمن بن سهل، أخو القتيل، وحُوَيصة ومُحيصة ابنا عمِّه.
"فتكلموا، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: استَحِقُّوا قتيلَكم"؛ أي: موجبَ جنايةِ قتيلِكم، وهي دِيَتُه.
"أو قال: صاحبَكم": شك من الراوي، ويروى: "دمَ صاحبكم"؛ أي: دِيَتَه، سَمى الدِّيَةَ دماً؛ لأنها تُؤخَذ بسببه.
"بأيمان خمسين منكم": يدل على ابتداء اليمين في القَسَامة بالمدَّعِي، وبه قال مالك والشافعي، وهذا حكم خاص بها، لا يُقاس على سائر الأحكام،
стр. 1864
وللشريعة أن تَخصَّ، وعندنا: يبدأ بالمُدَّعَى عليه، على قضية سائر الدعاوي.
"قالوا: يا رسولَ الله أمر"؛ أي: صدورُ القتلِ أمرٌ.
"لم نَرَه، قال: فتُبرِئكم اليهود"؛ أي: من دعواكم "بأيمان خمسين منهم"، قيل: هذا يدل على ثبوت رد اليمبن إذا نكل مَن توجَّهت عليه، ولا يُقضَى عليه بالنُّكُول، بل يُرَدُّ على الآخر، وعلى أن الحكمَ بين أهل الذمَّة كهو بين المسلمين في تحليفهم عند توجُّه اليمين عليهم وبراءتهم بالحَلِف، ومالك: لا تُقبَل أيمانُهم على المسلمين كشهادتهم.
"قالوا: يا رسولَ الله! قومٌ"؛ أي: هم قومٌ. "كفارٌ"؛ فلا تُقبَل أيمانُهم، "ففداهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قِبَله"؛ أي: من عنده؛ لدفع الفتنة.
"وفي رواية: تَحْلِفون خمسين يمينًا وَتستحقُّون قاتلَكم، أو صاحبَكم، فوَداه"؛ أي: أعطاه الدِّيَةَ "رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عنده بمئة ناقة"، إذ كان من سُنَّته ألا يَتركَ دماً حراماً هَدَرًا، وكان قد أعطى اليهودَ عهداً، فلم يَرَ أن يُبطلَه، وإن كان سببُ النقض ظاهراً مِن قِبَلهم.
* * *
٥ - باب قتلِ أهل الرِّدةِ والسّعاةِ بالفسادِ
" باب قتل أهل الردَّة والسُّعاة" - جمع: الساعي - "بالفساد".
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦٥٨ - عن عِكرِمةَ قال: أُتيَ علي بزنادِقةٍ فأَحرقَهم، فبلَغَ ذلكَ ابن عبَّاسٍ فقال: لو كنتُ أنا لَمْ أُحَرِّقهم لِنهيِ رسولِ الله ﷺ : "لا تُعَذِّبُوا بعذابِ
стр. 1865
الله"، وَلَقَتَلْتُهُم لقولِ رسولِ اللّ ﷺ : "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلُوه".
* * *
"من الصحاح":
" عن عكرمة ﵁ أنه قال: أتى عليٌّ بزنادقةٍ" جمع: زِنديق، وهو الذي يخفي الكفرَ، وقيل: هو الذي يقول بحياة الدنيا ولا يقول بحياة الآخرة.
والأصل: زناديق، فحُذفت الياء وعُوضت منها الهاء.
"فأَحرقَهم" بأن حفرَ لهم حُفراً وأشعل فيها النار ورماهم فيها، وكان ذلك منه ﵁ على اجتهاد.
"فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم؛ لنهي رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقتلتُهم؛ لقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن بدَّل دِينَه فاقتلوه".
* * *
٢٦٥٩ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ النَّارَ لا يُعذِّبُ بها أحدٌ إلا الله".
"وعن حمزة الأسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن النارَ لا يعذِّب بها أحدٌ إلا الله"، ولمَّا بلغَ علياً قولُ ابن عباس بذلك قال: ويحَ أمِّ ابن عباس! وهذا وَردَ مَوردَ المدح.
* * *
٢٦٦٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سيخرجُ قوم في آخرِ الزَّمانِ حُدَّاثُ الأَسنانِ، سُفهاءُ الأحلامِ، يقُولونَ خَيْرَ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجِرَهم يَمرُقونَ من الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ،
стр. 1866
فأينما لقيتُموهُم فاقتُلوهُم، فإنَّ في قَتْلِهم أجراً لِمَن قتَلَهم يومَ القيامَةِ".
"وعن عليِّ - كرَّم الله وجهه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدَّاثُ الأسنان"؛ أي: شبَّانٌ أحداثٌ.
"سُفهاء الأحلام"؛ أي: خِفَاف العقول.
"يقولون من قول خير البَرِبَّة"؛ أي: الخَلق، وهو النبي ﵊.
"لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم" جمع: حَنْجَرة، وهي الحُلقوم؛ أي: لا يتعدَّى منها إلى الخارج، فيرفعه الله ويثبت عليه.
"يَمْرُقُون"؛ أي: يخرجون "من الدِّين"، والمراد منه الطاعة للإمام.
"كما يَمْرُق"؛ أي: كما يخرج "السَّهم من الرَّمِيَّة"؛ أي: من الدابة المَرْمِيَّة، لم يتعلق به منها شيءٌ، وهذا نعتُ الخوارج الذين لا يَدِينون للأئمة، ويستعرضون الناسَ بالسيف.
"فأينما لقيتُمُوهم فاقتلوهم"، وأولُ ما ظهر من ذلك في زمن عليٍّ، فقاتَلَهم حتى قَتلَ كثيراً منهم.
وسُئل عليٌّ ﵁: أكَفَّارٌ هم؛ فقال: مِنَ الكفرِ فرُّوا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون بُكرةً وأصيلاً، فقيل: ما هم؛ قال: قومٌ أصابتْهم فتنةٌ، فعَمُوا وصمُّوا.
"فإن في قتلِهم أجراً لمن قتلَهم يومَ القيامة".
* * *
٢٦٦١ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تكونُ
стр. 1867
أُمَّتي فِرْقتينِ، فيخرجُ مِن بينهما مارِقةٌ، يَلي قَتْلَهم أَوْلاهم بالحقِّ".
"وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تكون أمتي فرقتَين، فيخرج من بينهما مارقة"؛ أي: فرقةٌ خارجةٌ؛ يعني بهم: الخوارج؛ لمروقهم من الدّين.
"يلي قتلَهم أَولاهم"؛ أي: أَولى أمتي "بالحق"؛ يعني: مَن قتلَهم فهو أَولى الأمة؛ أي: أقربُهم إلى الحق.
* * *
٢٦٦٢ - عن جَرِيرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوداعِ: "لا تَرْجِعُنَّ بعدي كُفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ".
"عن جرير - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حَجَّة الوداع: لا تَرجِعُنَّ بعدي كفاراً يضرب بعضُكم رقابَ بعض" جمع: رقبة.
قلنا: هذا على سبيل الزجر والوعيد، معناه: لا تَشَبُّهُوا بالكفار في قتل بعضهم بعضاً، وقيل: هم أهل الردَّة، قاتَلَهم الصدِّيقُ.
[و] تأوَّل الخوارجُ هذا الحديثَ على الكفر الذي هو الخروج عن الدِّين، ويكفّرون مرتكبَ الكبيرة.
* * *
٢٦٦٣ - عن أبي بَكْرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا التقى المُسلمانِ فحَمَلَ أحدُهما على أخيهِ بالسّلاح فهُما في جُرُفِ جَهنَّمَ، فإذا قتلَ أحدُهما صاحِبَهُ دَخلاها جميعاً".
стр. 1868
"وعن أبي بَكرة ﵁، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إذا التقى المسلمانِ، فحملَ أحدُهما على أخيه السلاحَ، فهما في جُرفِ جهنمَ"؛ أي: متعرّضان للهلاك، كأنهما وَقَفَا في حرف جنهم؛ أي: في طرفها.
"فإذا قتلَ أحدُهما صاحبَه دخلاها"؛ أي: جهنمَ "جميعاً".
* * *
٢٦٦٤ - عن أبي بَكْرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا التَقَى المُسلِمانِ بسَيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ"، قلت: هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: "إنه كانَ حَريصاً عَلى قتلِ صاحبهِ".
"عن أبي بَكرة ﵁، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار، قلت: هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً عَلى قتل صاحبه". فيه: دلالة على أن الحرصَ على الفعل المُحرَّم مما يُؤاخَذ به، وعلى أن كلاً منهما كان قصدُه قتلَ الآخر لا الدفعَ عن نفسه، حتى لو كان قصدُ أحدِهما الدفعَ ولم يجد بُدًّا منه إلا بقتله، فقتله، لم يُؤاخَذ به؛ لكونه مأذوناً فيه شرعاً.
* * *
٢٦٦٥ - عن أنسٍ ﵁ قال: قَدِمَ على النبي ﷺ نفرٌ من عُكْل فأَسْلَمُوا، فاجتَوَوْا المدينةَ فأمَرهم أنْ يأتُوا إبلَ الصَّدقةِ فيشربُوا مِن أَبوالِها وأَلبَانَها، فَفَعلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتلُوا رُعاتَها واستاقُوا الإبلَ، فبَعثَ في آثارِهم فأُتيَ بهم، فقطعَ أيديَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، ثُمَّ لم يَحْسِمْهم حتى ماتوا. ويروى: "فسَمِّروا أعينَهم". ويروى: فَأَمَرَ بمساميرَ فأُحمِيَتْ فَكَحَّلَهم بها، وطرَحهم بالحرَّة يَستسقونَ فما يُسْقَونَ حتَّى ماتوا.
стр. 1869
"عن أنس ﵁ أنه قال: قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نفرٌ من عُكْلٍ"، كانوا ثمانيةَ أَنفسٍ، وعُكْل: قبيلة.
"فأسلَموا، فاجتَوَوا المدينةَ"؛ أي: استَوخَمُوها، فما وافقهم ماؤُها وهواها، فمرضوا وكرهوا الإقامة بها.
"فأمرَهم أن يأْتوا إبلَ الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها"، فيه: دليل على أن إبلَ الصدقة قد يجوز لأبناء السبيل الشربُ من ألبانها، وعلى جواز التداوي بالمُحرَّم عند الضرورة، وقاس بعضٌ التداويَ بالخَمر عليه، ومنعَه الأكثر؛ لميل الطِّبَاع إليها دونَ غيرها من النجاسات.
"ففعلوا، فصحُّوا، فارتدُّوا وقتلوا رُعاتَها"؛ أي: رُعاةَ الإبل، جمع: الراعي.
"واستاقوا الإبلَ"؛ أي: ساقوها.
"فبعث"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم "في آثارهم"؛ أي: في عقبهم، قيل: المبعوثُ عليّ ﵁.
"فأتي بهم، فقطعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسَمَلَ أعينَهم"؛ أي: فَقَأها بحديدة مُحمَّاة.
"ثم لم يَحسِمْهم"، الحَسْم: كيُّ العروق بالنار لينقطعَ الدمُ.
"حتى ماتوا، ويروى: فسَمَرَ أعينَهم"؛ أي: أَحْمَى لها مسامير الحديد، ثم كحلهم بها.
"ويروى: أَمَر بمسامير فأُحميت، فكحلَهم بها، وطرحَهم"؛ أي: ألقاهم "بالحَرَّة" بالفتح: مَحْجِر بالمدينة.
"يستسقون، فما يُسقَون، حتى ماتوا"، وإنما فعل ﷺ بهم هذا مع نهيه عن المُثْلة؛ إما لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، كما رُوي عن أنس رضي الله تعالى
стр. 1870
عنه: أن يساراً راعي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قتلوه، وقطعوا يدَيه ورِجلَيه، وغمزوا شوكةً في لسانه وعينيه، فعاقبهم بمثل ذلك، وإما لعِظَم جرمهم؛ فإنهم ارتدُّوا، وسَفَكُوا الدمَ المُحرَّمَ، وقطعوا الطريقَ، وأخذوا الأموالَ، وللإمام أن يجمعَ بين العقوبات في مِثلِه سياسةً.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٦٦ - عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَحُثُّنا على الصَّدقةِ وينهانا عَن المُثْلَةِ.
"من الحسان":
" عن عِمران بن حُصين ﵁ أنه قال: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحثُّنا"؛ أي: يحرِّضنا.
"على الصدقة، وينهانا عن المُثْلة"، قيل: المراد بالمُثْلة: قطع الأعضاء الصغار كالأنف والأذن والشفة والأصابع، ويقال: أَمثلَ السلطانُ فلاناً: إذا قتلَه، أو أَسْوَدَ الوجهَ.
* * *
٢٦٦٧ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، عن أبيه ﵁ قال: كنَّا معَ رسولِ الله ﷺ في سفرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأينا حُمَّرَةً معها فَرخانِ فأخذنا فرخَيْها، فجاءتْ الحُمَّرةُ فجعلَتْ تُفَرِّشُ، فجاءَ النبيُّ ﷺ فقال: "مَنْ فَجَّعَ هذه بولدِها؟ رُدُّوا ولدَها إليها"، ورَأَى قريةَ نملٍ قد حرَّقناها قال: "مَن حرَّقَ هذه؟ " فقلنا: نحن، قال: "إنَّه لا ينبغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ، إلا رَبُّ النَّارِ".
"عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه ﵃ أنه قال: كنا مع رسول الله
стр. 1871
صلى الله تعالى في سفر، فانطلق إلى حاجته"؛ أي: ذهبَ ﷺ إلى قضاء حاجته من البَرَاز.
"فرأينا حُمَّرَةً": نوع من الطائر كالعصفور.
"معها فرخانِ"، الفَرخ: ولد الطائر.
"فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحُمَّرَةُ فجعلتْ"؛ أي: طفقتْ "تَفرُش": - بفتح التاء وضم الراء - من (فَرَشَ الطائرُ): إذا بسطَ جناحَيه، وبفتحهما وتشديد الراء؛ أي: تتفرَّش، حذفت إحدى التائين؛ أي: ترفرف بجناحيها وتَقرُب من الأرض.
"فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: مَن فجعَ هذه"؛ أي: مَن آذَى هذا الطائر "بولدها؟ "؛ أي: بأخذ ولدها.
"رُدُّوا ولدها إليها"، والأمر للاستحباب؛ لأن اصطيادَ فرخِ الطائرِ جائزٌ.
"ورأى قريةَ نملٍ"؛ أي: موضعَها ومحلَّها، جمع: نَملة.
"قد حرقناها، قال: مَن حرقَ هذه؟ فقلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذِّبَ بالنار إلا ربُّ النار"، وفيه: نهى عن التعذيب بالنار.
* * *
٢٦٦٨ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأنسِ بن مالكٍ ﵄، عن رسولِ الله ﷺ قال: "سيكونُ في أُمتي اختلافٌ وفُرْقةٌ، قوم يحسِنُونَ القِيلَ ويُسيؤون الفِعلَ، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم، يَمرُقونَ مِن الدِّينِ مُرُوقَ السَّهم مِن الرميَّة، لا يَرجِعونَ حتى يرتدَّ السَّهمُ على فُوقه، هم شرُّ الخلقِ والخليقةِ، طُوبَى لمن قتَلهم وقتلُوه، يَدْعونَ إلى كتابِ الله ولَيْسوا مِنا في شيءٍ، مَنْ قاتَلَهم كانَ أَوْلَى بالله مِنهم، قالوا: يا رسولَ الله ما سِيماهُم؟ قال: التَّحْلِيقُ".
стр. 1872
"عن أبي سعيد الخُدري وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: سيكون في أمتي اختلاف وفرقة"؛ أي: أهلُهما، أو المراد نفسُهما.
"قوم يُحسِنون القِيلَ" بكسر القاف: مصدر، مثل: القَول.
"ويُسِيئون الفعلَ، يقرؤون القرآنَ لا يجاوز تراقيَهم" جمع: تَرْقُوَة، وهو عظم بين ثغرة النحر والعاتق.
"يَمْرُقون من الدِّين مُروقَ السَّهم من الرميَّة"؛ أي: كمروقه منها.
"لا يرجعون"؛ أي: إلى طاعة الله ورسوله "حتى يرتدَّ السهمُ على فُوقهِ" بضم الفاء: موضع الوَتَر من السَّهم؛ يعني: لا يرجعون إلى الدّين وإلى الطاعة أبداً كما لا يرجع السهم إلى فُوقِه حين رُمِيَ، علَّق ﷺ رجوعَهم إليه على مُحالٍ؛ مبالغةً في إصرارهم على ما هم عليه، وقطعاً لطمع رجوعهم إلى صلاح، والمراد بهؤلاء القوم: الخوارج.
"هم شرَّ الخَلق والخليقة": وهما بمعنى، كرَّر مبالغةً للمعنى الذي أراده، وهو استيعاب أصناف الخلق، نحو: زيدٌ خيرُ الناسِ والبشرِ.
وقال ابن عمر ﵁: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزَلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين.
"طُوبَى لمن قتلَهم"؛ لأنه غازٍ.
"وقتلوه"؛ لأنه شهيدٌ.
"يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شيء"، وفيه: تنبيه على شدة العلاقة بينه ﷺ وبين كتاب الله تعالى.
"مَن قاتَلَهم"؛ أي: مِن أمتي.
стр. 1873
"كان أَولى بالله منهم"؛ أي: من باقي أمتي.
"قالوا: يا رسولَ الله! ما سِيَماهم؟ "؛ أي: ما علامتُهم؟
"قال: التحليق": وهو الحلق والاستئصال للشَّعر، ذُكر بصيغة التفعيل؛ لتعريف مبالغتهم في حلق رؤوسهم وإكثارهم منه، ولا يَلزَم منه مَذمَّة في نفس الحلق؛ فإنه من شعائرِ الله وأنساكِه، وسَمْتِ عباده الصالحين.
وقيل: المراد: تحليق القوم وإجلاسهم حِلقاً حولَهم.
* * *
٢٦٦٩ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: زناً بعدَ إحصانٍ فإنَّه يُرجَمُ، ورجلٌ خرجَ مُحارِباً للهِ ورسوله فإنَّه يُقتَلُ أو يصلَبُ أو يُنفَى من الأرضِ، أو يَقتلُ نفسا فيُقتَلُ بها".
"عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زناً بعدَ إحصانٍ"؛ يعني: مَن زَنىَ بعد ما حصل له الإحصانُ.
"فإنه يُرجَم"؛ أي: يُرمَى بالحجارة معتدلةً حتى يموتَ.
"ورجل خرج محارباً لله ورسوله" يريد به: قاطع الطريق.
"فإنه يُقتَل" إذا قتل نفسًا ولم يأخذ المالَ.
"أو يُصلَب" إن قتلَ وأخذَ المالَ، والمختار: أن يُقتَلَ أولاً، ثم يُصلَبَ مكفَّناً، ويُتركَ ثلاثةَ أيام؛ نكالاً وعِبرةً، وإن لم يصدر منه سوى التخويفُ وسدُّ الطريق عُزِّر بالحبس وغيره.
стр. 1874
"أو يُنفَى من الأرض"، معناه: يُنفَى من بلدِ إلى بلدٍ، لا يزال يُطلَب وهو هاربٌ فزعًا، وقيل: يُنفَى من بلده.
"أو يَقتُل نفسًا، فيُقتَل بها".
* * *
٢٦٧٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولَ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمسلم أنْ يُرَوَّعَ مسلمًا".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلُّ لمسلم أن يُروِّعَ مسلمًا"؛ أي: يخوّفَه بقطع الطريق ونحوه.
* * *
٢٦٧١ - عن أبي الدَّرداءِ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن أَخَذَ أرضًا بجزْيَتِها فقد استقالَ هِجْرَتَه، ومَن نزَعَ صَغارَ كافرٍ مِن عُنُقِهِ فجعلَه في عُنُقِه فقد ولَّى الإِسلامَ ظهرَهُ".
"عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال: مَن أَخذَ أرضًا بجزيتها"، الجِزية في الأصل: المالُ الذي يُؤخَذ من أهل الذمَّة عن رؤوسهم، والمراد بها هنا: الخَراج المؤدَّى عن أرضٍ ما، كأنه لازمٌ لصاحبها لزومَ الجِزية للذمِّي، فأُجري مَجرى المأخوذ عن الرؤوس.
"فقد استقالَ هجرتَه"، قيل: معنى الحديث: أن مَن أَخَذَ أرضًا وضعَ عليها الخراجَ وتركَها في يد ذمِّي ليحمله عنه، فكأنه استقالَ هجرتَه؛ أي: إسلامَه.
стр. 1875
وقيل: معناه: أن المسلمَ إذا اشترى أرضًا خراجيةَ من كافرِ فإن الخراجَ لا يسقط عنه، وإنما قال: (استقالَ هجرتَه)؛ لأن المهاجرَ له الحظُ الأوفرُ من مال الفيء، يُؤخَذ من أهل الذمَّة ويُردُّ عليه، فإذا أقام نفسَه مقامَ الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج باشترائه أرضًا خراجيةً صار كالمستقيل عن هجرته.
"ومَن نَزعَ"؛ أي: جَذَبَ.
"صَغارَ كافرٍ"، الصَّغار - بالفتح -: الذلُّ والهَوان، ويُطلَق على الجِزية؛ للذلِّ فيها.
"مِن عنقِه، فجعله في عنقه، فقد ولَّى الإِسلامَ ظَهرَه" من وَلِيَ: إذا قَرُبَ؛ أي: فقد جعلَ الإِسلامَ في جانب ظَهره، وهذا كالمبين لما قبلَه؛ يعني: مَن تكفَّل جِزيةَ كافرِ وتحمَّل عنه ذلَّه فكأنما بدَل الإِسلامَ بالكفر؛ لأنه بدَّل إعزازَه بذلَّه.
وفي الحديث: حُجة للمانعِ صحةَ ضمانِ المسلمِ عن الذمِّي الجِزيةَ.
* * *
٢٦٧٢ - عن جرِير بن عبدِ الله قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ سَرِيةً إلى خثعم، فاعتصمَ ناسٌ منهم بالسُّجودِ، فأسرعَ فيهم القتلُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ فأمرَ لهم بنصفِ العَقْلِ وقال: "أنا بريءٌ مِن كل مسلم مُقيمٍ بينَ أَظْهُرِ المشركينَ"، قالوا: يَا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: "لا تتَراءى ناراهُما".
"وعن جرير بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: بَعثَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أَرسلَ.
"سريةً"؛ أي: قطعةً من الجيش.
"إلى خَثْعَم" بفتح الخاء المعجمة: قبيلة من اليمن.
стр. 1876
"فاعتَصمَ"؛ أي: تمسَّك.
"ناسٌ منهم"؛ أي: جماعةٌ من تلك القبيلة.
"بالسُّجود"؛ يعني: إذا رَأَوا الجيشَ أسرعوا بالسجود.
"فأَسرعَ فيهم القتلُ"؛ أي: الجيشُ قتلُوهم ولم يبالوا سجودَهم، ظانيّن أنَّهم يستعيذون من القتل بالسجود.
"فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأَمرَ لهم بنصف العقل"؛ أي: الدِّيَة، وإنما لم يُكمل ﷺ لهم الدِّيَةَ بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفار، فكانوا كمَن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، فتسقط حصة جنايته من الدِّيَة.
"وقال: أنا بريء من كل مسلم"، المراد منه: البراءة في الذمة، أو البراءة من الموالاة.
"مقيمٍ بين أَظهُر المشركين": وهذا يدل على أن المسلمَ إن كان أسيرًا في أيديهم، وأَمكنَه الخلاصُ والانفلَاتُ منهم لم يحلَّ له المقام معهم، وإن حلَّفوه ألا يخرجَ، لكن إن أُكرِه على اليمين فلا كفارةَ.
"قالوا: يَا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: لا تتَراءَى ناراهما": تفاعل من: الرؤية، يقال: تراءى القومُ؛ أي: رأى بعضُهم بعضًا، وإسناد الترائي إلى النَّار مجاز، فمعناه: ليتباعد منزلاهما، بحيث إذا أُوقدت فيهما ناران لم يَلُحْ إحداهما للأخرى، كأنه كَرهَ القرارَ في جوار الكفار؛ لأنه لا عهدَ لهم ولا أمانَ.
وقيل: معناه: لا يتَّسم المسلمُ بسِمَة المُشرِك، ولا يتشبَّه به في هَدْيه وشكله وأخلاقه، من قولك: ما نارُ نعَمِك؟ أي: ما سمتها.
وقيل: (النَّار) هنا الرأي؛ أي: لا يتفق رأياهما، ومنه: "لا تستضيئوا بنار المشركين"؛ أي: لا تُشاوروهم ولا تعملوا برأيهم.
стр. 1877
وقيل: أراد بـ (النَّار): نار الحرب؛ أي: هما على طرفين متباعدين؛ فإن المسلمَ يحارب لله ولرسوله ويدعو إلى الرَّحْمَن، والكافرَ يحاربهما ويدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان ويجتمعان؟! * * *
٢٦٧٣ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الإيمانُ قيَّدَ الفتْكَ، لا يفتِكُ مؤمنٌ".
"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: الإيمانُ قيدُ الفَتك"، وفي "الصحاح": الفَتك: أن يأتي الرَّجل صاحبَه وهو غارٌّ غافلٌ حتَّى يشدَّ عليه فيقتله؛ يعني: إن الإيمانَ يمنعَ صاحَبه عن قتلِ أحدِ بغتةً، حتَّى يَسألَ عن إيمانه، كما يمنع المُقَّيدَ قيدُه عن التصرُّف والمقصود.
"لا يَفتِك مؤمنٌ" على بناء الفاعل: خبر في معنى النهي؛ أي: لا ينبغي للمؤمن أن يفعله لمنع الإيمان منه؛ لأن المقصودَ إن كان مسلمًا امتنع قتلُه، وإن كان كافرًا فلا بد من تقديم إنذار واستتابة، وكان الصحابةُ - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - إذا مروا بكافرِ غافلٍ نبَّهوه، فإن أَبَى بعد الإنذار والدعاء إلى الإِسلام قتلُوه.
* * *
٢٦٧٤ - عن جرير، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أَبَقَ العبدُ إلى الشّركِ فقد حَلَّ دمُه".
"وعن جرير رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: إذا أَبَقَ العبدُ إلى الشِّرك"؛ يعني: إلى دار الحرب.
"فقد حلَّ دمُه"؛ يعني: إذا قتلَه أحدٌ لا شيءَ على قاتله.
* * *
стр. 1878
٢٦٧٥ - عن عليٍّ ﵁: أن يهوديةً كانتْ تشتُمُ النَّبِيّ ﷺ وتقعُ فيه، فخنقَها رجل حتَّى ماتَتْ، فأبطلَ النبيُّ ﷺ دمَها.
"عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه -: أن يهوديةً كانت تشتمُ النَّبِيّ ﷺ وتقع فيه"؛ أي: تغتابه.
"فخنقها رجلٌ حتَّى ماتت، فأبطلَ النَّبِيّ ﷺ دمَها"؛ لأنها أبطلت ذمَّتَها بشتمه ﷺ .
وفيه: دليل على أن الذمِّيَّ إذا لم يُكفَّ لسانَه عن الله تعالى ورسوله ودين الإِسلام فهو حربيٌّ مباحُ الدمِ، وعليه الشَّافعيّ.
* * *
٢٦٧٦ - عن جُنْدُبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "حدُّ السَّاحرِ ضربةٌ بالسَّيفِ".
"عن جُندب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حدُّ الساحرِ ضربة بالسيف" ذهب جمع من الصَّحَابَة وغيرهم إلى قتل الساحر، رُوي: أن حفصةَ زوجةَ النَّبِيّ ﷺ أَمرتْ بقتل جاريةٍ لها سحرتْها.
وأن عمر: - رضي الله تعالى عنه - كتب: أن اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ، قال الراوي: فقتلْنا ثلاثَ سواحرَ، وهو قول مالك، وتعلُّمه كفرٌ عندنا، خلافًا للشافعي.
* * *
стр. 1879
١٥ - كتاب الحدود
стр. 1880
١٥ - كِتَابُ الحُدُودِ
(كتاب الحدود)
١ - باب
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦٧٧ - عن أبي هريرةَ، وزيدِ بن خالدٍ: أن رَجُلينِ اختصَما إلى رسولِ الله ﷺ فقالَ أحدُهما: اقضِ بينَنا بكتابِ الله، وقال الآخرُ: أجلْ يَا رسولَ الله، فاقضِ بيننَا بكتابِ الله وائذنْ لي أنْ أَتكلَّمَ، قال: "تَكَلَّمْ"، قال: إنَّ ابني كانَ عَسِيفًا على هذا، فزنىَ بامرأتِه فأَخبرُوني أن على ابني الرَّجمَ، فافتدَيْتُ مِنهُ بمئةِ شاةٍ وبجَاريةٍ لي، ثم إنِّي سأَلتُ أهلَ العِلْم فأَخبروني أن على ابني جلدَ مئةٍ وتَغرِيبَ عامٍ، وإنَّما الرجمُ على امرأتِهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَمَا والذي نفسي بيدِه لأَقضيَنَّ بينَكما بكتابِ الله تعالى، أَمَّا غَنَمُكَ وجاريتُكَ فردٌّ عليكَ، وأمَّا ابنك فعليهِ جلدُ مئة وتغريبُ عامٍ، وأمَّا أنتَ يَا أُنيسُ فاغدُ على امرأةِ هذا فإنْ اعترفَتْ فارجمْها"، فاعترفَتْ فرجمَها.
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رجلَين اختصما إلى رسول الله، فقال
стр. 1881
أحدهما: اقضِ بيننا بكتاب الله"؛ أي: بحكمِه.
"وقال الآخر: أي: أي: نعمْ.
"يَا رسولَ الله! فاقضِ بيننا بكتاب الله وائذَنْ لي أن أتكلَّمَ، قال: تكلَّمْ": وهذا يدل على أن للحاكم أن يبدأ باستماع كلام أيِّ الخصمَين شاء.
"قال: إن ابني كان عَسيفًا"؛ أي: أجيرًا "على هذا": فعيل بمعنى: مفعول، كـ (أسير)، أو بمعنى: فاعل كـ (عليم)، وإنما قال: (عسيفًا على هذا)، ولم يقل: لهذا؛ نظرًا إلى جانب العَسِيف؛ فإن له على المستأجر الأجرةَ المسماةَ من جهة الخدمة، ولو قال: لهذا؛ لَكانَ نظره إلى جانب المستأجِر؛ لِمَا يَلزَم له على العَسِيف [من] العمل المسمى المعلوم.
وفيه: دلالة على جواز إجارة الإنسان؛ لأنه ﷺ لم يُنكِر قوله.
"فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجمَ، فافتديت منه بمئةِ شاةٍ وجاريةٍ لي، ثم إنِّي سأَلتُ أهلَ العلم"، وفيه: دليل على أن الاستفتاءَ من المفضول مع وجود الفاضل جائزٌ.
"فأخبروني أن على ابني جلدَ مئةٍ وتغريبَ عامٍ"؛ أي: سَنةٍ.
"وإنما الرجمُ على امرأته، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أَمَا": حرف تنبيه.
"والذي نفسي بيده! لاقضيَنَّ بينكما بكتاب الله"؛ أي: بما فرضَه وأوجبَه، قيل: ذَكر الرجمَ وإن لم يكن منصوصًا عليه صريحًا، فإنَّه مذكورٌ في الكتاب على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] والأذى ينطبق على الرجم وغيره من العقوبات.
"أمَّا غنمُك وجاريتُك فردٌّ عليك"؛ أي: مردودٌ إليك، يدلُّ على أن المأخوذَ بعقدٍ فاسدٍ مستحقُّ الردِّ على صاحبه، غيرُ مملوكٍ للآخر.
стр. 1882
"وأمَّا ابنك فعليه جلدُ مئةٍ" على تقدير إن ثبتَ ذلك بإقراره، أو بشهادة أربعة.
"وتغريبُ عامٍ، وأما أنتَ يَا أُنيس": هو أُنيس الأسلمي.
"فاغْدُ"؛ أي: اذهبْ وقتَ الغداة.
"على امرأة هذا، فإن اعترفت"؛ أي: أقرَّتْ بالزنا "فارجُمْها، فاعترفتْ، فرجَمَها": وهذا يدل على إقامة الحد على المُقِرِّ على نفسه مرةً، وبه قال الشَّافعيّ، وعلى اشتراط عدم حضور الإِمام مجلسَ الرجم، وعلى جواز الوكالة في إقامة الحدود، وعلى أنها لو لم تعترفْ فلا حدَّ عليها، وعلى أن أحدَ الزانيَين لو كان مُحَصنا دونَ الآخر يُرجَم المُحصَنُ، ويُجلَد الآخرُ.
* * *
٢٦٧٨ - عن زيدِ بن خالدٍ ﵁ قال: سمعتُ النَّبِيّ ﷺ يأمرُ فيمن زنىَ ولم يُحْصِنْ جلدَ مئةٍ وتَغريبَ عامٍ.
"عن زيد بن خالد أنَّه قال: سمعتُ النَّبِيّ ﷺ يأمر فيمَن زنى ولم يُحصن جلدَ مئةٍ وتغريبَ عام". مَن لم يَرَه من العلماء حدًّا يَحمل الأمرَ فيه على المصلحة، كما رُوي: أن رجلًا قَتلَ عبدَه عمدًا، فجلدَه النَّبِيّ ﷺ مئةَ ونفاه سنةً، ولم يكن ذلك بطريق الحدِّ، بل بطريق المصلحة التي رآها الإمام.
* * *
٢٦٧٩ - وقال عمرُ ﵁: إنَّ الله تعالى بعثَ مُحمَّدًا بالحقّ وأنزلَ عليهِ الكتابَ، وكان ممَّا أَنزلَ الله: آيةَ الرَّجم، فرجَمَ رسولُ الله ﷺ ورَجَمْنا بعدَه، والرَّجمُ في كتابِ الله حق على مَنْ زنىَ إذا أُحْصِنَ، مِن الرجالِ والنساءَ إذا قامَتْ البينة، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعترافُ.
стр. 1883
"وقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتابَ، فكان مما أنزل آيةُ الرجم": وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦].
"فرَجَمَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورَجَمْنَا بعدَه، والرجمُ في كتاب الله حقٌّ على مَن زنى إذا أُحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحَبَلُ" بفتح الباء؛ أي: الحَمْلُ.
"أو الاعترافُ"؛ أي: الإقرارُ.
* * *
٢٦٨٠ - عن عُبادةَ بن الصَّامتِ أن النبيَّ ﷺ قال: "خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائةٍ والرَّجمُ".
"عن عُبادة بن الصامت: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: خذوا عني"؛ أي: احفظوا عني هذا الحكمَ في حدِّ الزنا.
"خذوا عني"، كرَّر للتأكيد.
"قد جعل الله لهن سبيلًا"؛ أي: حدًّا واضحًا في حقِّ المحصن وغيره، وهو بيان قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
وإنما قال ﷺ : (قد جعل الله لهن)، ولم يقل: لهم؛ ليوافقَ نظمَ القرآن.
"البكْر"؛ أي: في زنا البكْر.
"بالبكْر جلد مئة وتغريب عام": بيانٌ لذلك السبيل.
стр. 1884
"والثيب"؛ أي: في زنا الشيب.
"بالثيب جلد مئة والرجم"، وأكثر الصَّحَابَة والتابعين وعامة الفقهاء على أنَّه: لا جَلْدَ على المُحصَن مع الرجم، وقالوا: الجَلدُ منسوخٌ فيمَن وجب عليه الرجمُ.
* * *
٢٦٨١ - عن عبدِ الله بن عمرَ: أن اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ فذكروا لهُ أن رجلًا مِنهم وامرأة زَنيَا، فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ : "ما تَجدونَ في التوراةِ؟، قالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ، فقال عبدُ الله بن سَلَام: كذبْتم، إن فيها الرجمَ، فأتَوا بالتوراةِ فنَشَرُوها فوَضَعَ أحدُهم يدَه على آيةِ الرجم، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقال له عبدُ الله بن سَلَام: ارفَعْ يدَكَ فرفَعَ يَدَه، فإذا فيها آيةُ الرجم - ويروى: فإذا فيها آيةُ الرَّجم تلوحُ - فأَمَر بهما رسولُ الله ﷺ فرُجِما.
"عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن اليهودَ جاؤوا إلى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زَنيَا، فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما تجدون في التوراة؟ قالوا: نَفضحُهم ويُجلَدون": سؤاله ﷺ ليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم؛ وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم، ولإظهار ما كَتَمُوه من حكم التوراة.
"قال عبد الله بن سلام: كذبتُم؛ إن فيها آيةَ الرجم، فَأَتَوا بالتوراة فنَشَرُوها"؛ أي: فتحوا التوراة.
"فوضعَ أحدُهم": قيل: هو ابن صوريا، أعورُ من اليهود.
"يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدَك، فرفع، فإذا فيها آيةُ الرجم".
стр. 1885
"ويروى: فإذا آيةُ الرجم تَلُوحُ"؛ أي: تَظهَر.
"فأَمرَ بهما رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرُجِمَا" فإن قيل: كيف رَجَمهما بقول اليهود: إنهما زَنيًا؛ إذ لا اعتبارَ بشهادتهم؟
قلنا: الظاهر أنهما أقرَّا بذلك، أو شَهِدَ عليهما أربعةٌ من المسلمين، والحديث يدل على أن أنكحتَهم توجب التحصينَ؛ إذ لا رجمَ إلَّا به، وعليه الشَّافعيّ.
قلنا: رجمُه ﷺ كان بحكم التوراة قبلَ نزول آية الجلد، ثم نُسخ.
* * *
٢٦٨٢ - عن أبي هريرةَ ﷺ قال: أتى النَّبِيّ ﷺ رجلٌ وهو في المسجدِ فناداهُ: يَا رسولَ الله! إنِّي زنيتُ، فأَعرضَ عنه النبيُّ ﷺ ، فتَنَحَّى لِشقِّ وجههِ الذي أَعرضَ قِبَلَه فقال: إنِّي زنيتُ فأَعرَضَ عنه، فلمَّا شَهِدَ أربعَ شهاداتٍ دعاهُ النبيُّ ﷺ فقالَ: "أَبكَ جنون؟ " قال: لا، فقال: "أَحْصَنْتَ؟ " قال: نعم، يَا رسولَ الله، قال: "اذهبُوا بهِ فارجمُوه".
"عن أبي هريرة أنَّه قال: أتى النبيَّ ﷺ رجل وهو في المسجد، فناداه: يَا رسول الله! إنِّي زنيت، فأعرض عنه النَّبِيّ ﷺ ، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه"؛ أي: قَصَدَ الجهة التي إليها وجهُه ونحا نحوها.
"فقال: إنِّي زنيت، فأعرض عنه، فلما شهد أربع شهادات"؛ أي: أقرَّ على نفسه أربع مرات، كأنه شهد عليها بإقراره بما يوجب الحد.
"دعاه النَّبِيّ ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا"؛ أي: ليس بي جنون.
"فقال: أُحصنت"؛ أي: صرت محصنًا.
"قال: نعم يَا رسول الله، قال: اذهبوا به فارجموه" وهذا يدل على أن
стр. 1886
الإِمام ينبغي له أن لا يبادر إلى إمضاء الحد قبل تقرُّر مُوجِبه.
* * *
٢٦٨٣ - وقال جابرٌ ﵁: فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ بالمصلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْه الحجارةُ فرَّ فَأُدرِكَ فرُجِمَ حتَّى ماتَ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ خيرًا، وصلَّى عليهِ.
"وقال جابر - رضي الله تعالى عنه - فأمر به فرُجم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة"؛ أي: أصابته حِدَّتها وشدتها "فرّ"؛ أي: هرب.
"فأُدرك فرُجم حتَّى مات" وهذا يدل على أن المرجوم لا يُشد ولا يُربط، ولا يجعل في حفرة، إذ لو كان شيء من ذلك لم يمكنه الفرار.
"فقال له النَّبِيّ ﷺ خيرًا"؛ أي: أثنى عليه بعد موته.
"وصلى عليه" صلاة الجنازة.
* * *
٢٦٨٤ - وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: "لمَّا أتَى ماعِزُ بن مالكٍ النبيَّ ﷺ فقال: يَا رسولَ الله! زنيتُ فطهِّرْني، فقال لهُ: "لعلَّكَ قبَّلْتَ أو غَمَزْتَ أو نظرْتَ" قال: لا يَا رسولَ الله، قال: "أَنِكْتَها؟ " - لا يَكْني - قال: نعم، فعند ذلك أمرَ بِرَجمِهِ.
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّه قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيَّ ﷺ فقال له: لعلك قبلت أو غمزتُ من غمزتُ الشيء بيدي؛ أي: لمستُه بها، أو من غمزته بعيني: إذا أشرف بها إليه.
"أو نظرت" وهذا يدل على أن مَن أقرَّ بما يوجب عقوبة الله على نفسه فيجوز للإمام أن يلقِّنه ما يُسقط عنه الحد.
"قال: لا يَا رسول الله، قال: أنكتها" من النيك وهو الجماع.
стр. 1887
"لا يَكْني" من الكناية، وهو قول الراوي؛ أي: قال النَّبِيّ ﷺ معه بالصريح لا بالكناية.
"قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه".
* * *
٢٦٨٥ - عن بُريدَة قال: جاءَ ماعِزُ بن مالك إلى النبيِّ ﷺ فقال: يَا رسولَ الله! طهِّرني، فقال: "ويحَكَ، ارجعْ فاستغفر الله وتُبْ إليهِ"، قال: فرجعَ غيرَ بعيدٍ ثم جاءَ فقال: يَا رسولَ الله! طهِّرني، فقال النبيُّ ﷺ مثلَ ذلكَ، حتَّى إذا كانت الرابعةُ قالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "فممَّ أُطهِّرُكَ؟ " قالَ: مِن الزنا، فسألَ رسولُ الله: "أَبهِ جنونٌ؟ " فأُخبرَ أنَّه ليسَ بمجنونٍ، فقال: "أشربَ خمراً؟ " فقامَ رجلٌ فاستَنْكَهَهُ فلم يجدْ منهُ ريحَ خمرٍ، فقال: "أَزَنيتَ؟ " قال: نعم، فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ، فلَبثُوا يومينِ أو ثلاثةً ثم جاءَ رسولُ الله ﷺ فقال: "استغفُروا لِماعزِ ابن مالك، لقد تابَ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهم"، ثم جاءَتْه امرأةٌ مِن غامِدٍ من الأزْدِ فقالت: يَا رسولَ الله! طهِّرني، فقالَ: "ويحكِ! ارجِعِي فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: تُريدُ أنْ تُرَدِّدَني كما رَدَّدْتَ ماعِزَ بن مالكٍ، إنَّها حُبْلى مِن الزنا! فقال: "أنتِ؟ " قالت: نعم، قالَ لها: "حتَّى تَضَعي ما في بطنِكِ"، قال: فكَفَلَها رجلٌ من الأنصارِ حتَّى وضعَتْ، فأَتَى النبيَّ ﷺ فقال: قد وضعَتْ الغامِديةُ، فقال: "إذًا لا نرجُمُها وندع ولدَها صغيراً لَيسَ له مَن تُرضعُه"، فقامَ رجلٌ مِن الأنصارِ فقال: إليَّ رَضاعُه يَا نبيَّ الله، قال: فرجَمَها. ويروى أنَّه قالَ لها: "اذهبي حتَّى تَلِدي"، فلمَّا وَلَدَتْ قال: "اذهبي فأَرضعيهِ حتَّى تَفْطِميه"، فلمَّا فطمَتْه أتته بالصبيِّ في يدِه كِسْرةُ خبزٍ فقالت: هذا يَا نبيَّ الله! قد فطمْتُه وقد كلَ الطعامَ، فدفعَ الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمينَ، ثم أمرَ بها فحُفِرَ لها إلى صدرها وأمَرَ النَّاسَ فرجمُوها، فيُقبلُ خالدُ بن الوليدِ بحجرٍ فرَمَى رأسَها،
стр. 1888
فتَنَضَّح الدمُ على وجهِ خالدٍ فَسَبَّها، فقال النَّبِيّ ﷺ : "مهلًا يَا خالدُ! فوَالذي نفسي بيدِه لقد تابَتْ توبةً لو تَابَها، صاحبُ مَكْسٍ لغُفِرَ لهُ"، ثم أَمَرَ بها فصلَّى عليها ودُفِنَت.
"عن بريدة أنَّه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يَا رسول الله! طهّرني، فقال: ويحك" كلمة ترحُّمٍ وتوجُّعٍ.
"ارجع واستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يَا رسول الله! طهرني، فقال النَّبِيّ ﷺ مثل ذلك، حتَّى إذا كانت الرابعة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ممَّ أطهرِّك؟ قال: من الزنا"؛ أي: طهرني من ذنب الزنا بإقامة الحد عليَّ.
"قال"؛ أي: الراوي: "فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أبهِ جنون؟ فأُخبر أنَّه ليس بمجنون، فقال: أشربَ خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه"؛ أي: طلب نكهته وهي الرائحة "فلم يجد منه ريح خمر، فقال: أزَنيَت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم، فلبثوا يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسولَ الله فقال: استغفروا لماعز بن مالك" والفائدة منه طلبُ مزيد الغفران له من الترقِّي.
"لقد تاب توبة لو قُسِمَت بين أمة محمَّد لوسعتهم"؛ يعني: تاب توبةً تستوجب مغفرةً ورحمة تستوعبان جماعة كثيرة من الخلق.
"ثم جاءته امرأة من غامد": حي من اليمن.
"من الأَزدِ": أبو حي، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ.
"فقالت: يَا رسول الله! طهِّرني، فقال: ويحكِ ارجعي واستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: تريد" - خطاب إلى النَّبِيّ ﷺ "إن تردِّدني كما ردَّدْتَ ماعز ابن مالك، إنها حبلى من الزنا" أرادت نفسَها، ولم تقل: إنِّي، حياءً.
стр. 1889
"فقال: أَنْتَ؟ قالت: نعم، قال لها: حتَّى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها"؛ أي: تقبل حفظها والقيام بمصالحها "رجل من الْأَنصار حتَّى وضعت" وفيه دليل على أن الحامل لا يقام عليها الحدُّ ما لم تضع الحمل؛ لئلا يلزم إهلاكُ البريء بسبب المذنب، سواءٌ كانت العقوبةُ لله تعالى، أو للعباد.
"فأتَى"؛ أي: ذلك الرَّجل "النبيَّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية"؛ أي: المرأة الغامدية.
"فقال"؛ أي: النَّبِيّ ﷺ : "إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له مَن يرضعه، فقام رجل من الْأَنصار فقال: إلى رَضَاعه يَا نبي الله، قال: فرجمها".
"وروي: أنَّه قال لها: اذهبي حتَّى تلدي، فلما ولدت قال: اذهبي فأرضعيه حتَّى تفطميه" فِطام الصبي: فِصاله عن أمه، وهذا يدل على أن رجم الحامل يؤخَّر إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يوجد من يقوم بتربيته، وبه قال أبو حنيفة في رواية.
"فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يَا نبي الله قد فطمتُه وقد كل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحُفِر لها إلى صدرها" يدل على أنَّه يحفر للمرأة في الرجم.
"وأمر النَّاس فرجموها" وهذه الرواية صريحةٌ في أن رجمها كان بعد الفطام، والرواية الأولى ظاهرةٌ في أن رجمها عقيب الولادة، والروايتان صحيحتان، تأويله: أن قوله: (إلى رضاعه) إنما كان بعد الفطام، وأراد بالرضاع: كفايتَه ومؤونته، سماه رضاعا مجازًا.
"فيُقبل" بصيغة المضارعة من الإقبال.
"خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها فتنضَّح الدم"؛ أي: وقع رشاشُ دمٍ المرجومة "على وجه خالد، فسبها"؛ أي: شتمها خالد.
стр. 1890
"فقال النَّبِيّ ﷺ : مهلًا يَا خالد"؛ أي: امهل مهلًا؛ أي: رفقًا، ولا تَغْتَبْ عليها؛ فإنَّها مغفورةٌ مرحومة.
"فوالذي نفسي بيده لقد ثابت توبة لو تابها صاحبُ مَكْسٍ"، وهو ما يأخذه الماكس، وهو العشَّار الذي يأخذ العشر، وأصله: الخيانة.
"لغُفِر له، ثم أَمُر بها فصُلِّي عليها ودُفِنت".
* * *
٢٦٨٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال، سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يقولُ: "إذا زنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُم فتبيَّنَ زناها فلْيَجْلِدْها الحد ولا يُثرِّبْ عليها، ثم إنْ زَنَتْ فلْيجلِدْها الحدَّ ولا يثرِّبْ، ثم إنْ زنَت الثَّالثةَ فتبيَّنَ رناها فليَبعْها ولو بحبْلٍ من شَعرٍ".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إذا زنت أمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها الحد" نصب مفعول مطلق.
وفي ذكر الأمة على الإطلاق إشعارٌ بأن حدَّها منكوحةً كانت أو غيرَها الجلدُ، إلَّا أنَّه نصفُ جَلْدِ الحرائر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] أريد بالعذاب: الجلد لا الرجم؛ لأنه لا يتنصَّف.
استدل بالحديث الشَّافعيّ على أن للمولى إقامةَ الحد على مملوكه، والحنفيون حملوا قوله: (فليجلدها) على التسبيب؛ يعني: ليكن سببًا لجلدها بالمرافعة إلى الإِمام.
"ولا يثرِّب عليها؛ أي: لا يعيرها أحد بعد الحد فإنَّه كفارة لذنبها.
ثم إن زنت فليجلدها الحدَّ ولا يثرِّب عليها، ثم إن رنت الثالثة فتبيَّن
стр. 1891
زناها فليبعها ولو بحبلٍ من شعرٍ"؛ أي: وإن كان ثمنها قليلًا، وهذا الأمر للاستحباب، وهذا يدل على أن الزنا عيب يردُّ به المبيع، ولذا حطَّ النبيُّ ﷺ به من قيمتها.
فإن قيل: إنما يبيعها لأنه يكرهها، فكيف يرتضيها لأخيه المسلم؟!.
قلنا: يبيعها على قصد أن تستعفَّ عند المشتري بهيبته، أو بالإحسان إليها، أو بغير ذلك.
* * *
٢٦٨٧ - عن عليٍّ ﵁ قال: يَاأيُّها النَّاسُ! أقيموا على أَرِقَّائِكُم الحدَّ، مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ، فإنَّ أَمَةً لرسولِ الله ﷺ زنَتْ، فأَمَرَني أنْ أجلِدَها فإذا هيَ حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إنْ أنا جلدتُها أنْ أقتُلَها، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: "أحسنتَ".
وفي روايةٍ قال: "دعْها حتَّى ينقطعَ دمُها ثم أَقِمْ عليها الحدَّ، وأقيمُوا الحدودَ على ما ملكَتْ أيمانُكم".
"عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: يَا أيها النَّاس أقيموا على أرقَّائكم" - جمع رقيق -.
"الحد" والمراد منه: الجلد.
"من أُحصن منهم ومَن لم يُحصن، فإن أمةً لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زنت": وإنما صدر منها ذلك؛ لكونها قريبة العهد من الجاهلية.
"فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيت إن أنا جلدتُها أن أقتلها، فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: أحسنت"؛ أي: فعلت فعلًا حسنًا، وهذا يدل على أن جَلْدَ ذات النفاس يؤخَّر حتَّى تخرج من نفاسها؛ لأن نفاسها نوعُ مرضٍ فيؤخَّر إلى زمان البرُء.
стр. 1892
"وفي رواية: دعها"؛ أي: اتركها "حتَّى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحدَّ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٨٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ ماعِز الأسلَميُّ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنّه قد رنى - فذكر الحديثَ وقال - فلما وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ يشتدُّ حتَّى مرَّ برجلٍ معه لَحْيُ جملٍ فضَربَهُ بهِ وضَربَهُ النَّاسُ حتَّى ماتَ، فذَكرُوا لرسولِ الله ﷺ أنَّه فرَّ فقال: "هلاً تركتُموه".
وفي رواية: "هلاً تركتُموه لعلَّه أنْ يتوبَ فيتوبَ الله عليهِ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إنه قد زنى فذكر الحديث.
"وقال"؛ أي: الراوي: "فلما وجد"؛ أي: ماعز "مسَّ الحجارة فر"؛ أي هرب "يشتد"؛ أي: يعدو.
"حتَّى مر برجل معه لحْيُ جمل" (اللحي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة: منبتُ اللحية من الإنسان وغيره.
"فضربه به وضربه النَّاس حتَّى مات، فذكروا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه فر فقال: هلا تركتموه" يدل على أن المقِرَّ على نفسه بالزنا لو قال: ما زنيت، أو: كذبت، أو: رجعت، سقط عنه الحد، وإن رجع في أثناء إقامته عليه سقط الباقي.
وقال جمع: لا يسقط، إذ لو سقط لصار ماعز مقتولًا خطأ، فتجب الدية
стр. 1893
على عواقل القاتلين.
قلنا: بأنه لم يرجع صريحًا؛ لأنه هرب، وبالهرب لا يسقط الحد، وتأويل قوله: (هلا تركتموه)؛ أي: لننظر في أمره ونفتِّش عن المعنى الذي هرب من أجله؛ ليُعلم أهَرَبَ مِن ألم الحجارة، أو رجع عن إقراره بالزنا؟.
"وفي رواية: هلا تركتموه لعله أن يتوب"؛ أي: عساه أن يرجع عن فعله.
"فيتوب الله عليه"؛ أي: رجع بقبول توبته.
* * *
٢٦٨٩ - عن ابن عباسٍ: "أن النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ: "أَحَقٌّ ما بَلَغني عنكَ؟ " قال: وما بلنَكَ عني؟ قال: "بلغَني أنكَ وقعْتَ على جاربةِ آلِ فلانٍ"، قال: نعم، فشهدَ أربعَ شهاداتٍ فأَمَرَ به فرُجِمَ".
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لماعز: أحق"؛ أي: أثابتٌ "ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت على جارية آل فلان" وهو هَزَال مولى تلك الجارية، واسمها فاطمة؛ أي: زنيتَ بها.
"قال: نعم، فشهد أربع شهادات"؛ أي: أقرَّ أربع مرات.
"فأمر به برجمه فرُجم".
* * *
٢٦٩٠ - عن ابن المُنكَدِر: أن هزَّالًا أَمَرَ ماعزًا أنْ يأتيَ النَّبِيّ ﷺ فيُخبرَهُ.
"عن ابن المنكدر أن هزالًا" بفتح الهاء وتخفيف الزاي المعجمة.
стр. 1894
"أمر ماعزًا أن يأتي النَّبِيّ ﷺ لي الله تعالى عليه وسلم فيخبره" يريد به السوء والهوان قصاصًا لفعله بمولاته.
* * *
٢٦٩١ - وعن يزيدَ بن نُعيم، عن أَبيه: أن ماعزًا أتى النبيَّ ﷺ فأقرَّ عندَه أربعَ مراتٍ، فأمرَ برجمِهِ وقال لهزَّالٍ: "لو ستَرْتَه بثوبكَ كانَ خيرًا لك".
"عن يزيد بن نعيم عن أَبيه: أن ماعزًا أتى النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه وقال"؛ أي: النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم "لهزال: لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" وفيه تعريض بالتوبيخ على صنيعه في هتك ستره.
* * *
٢٦٩٢ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أَبيه، عن عبد الله بن عمرِو بن العاعرِ: أن النبيَّ ﷺ قال: "تَعافَوا الحُدودَ فيما بينَكم فما بَلغني مِن حدِّ فقد وَجب".
"عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: تعافَوا الحدود فيما بينكم"؛ أي: ينبغي أن يعفو بعضُكم عن بعض قبل أن يبلغني عن حدود الله إذا رفع إليكم.
"فما بلغني من حدٍّ فقد وجب"؛ أي: وجب عليَّ إقامتُها عليكم، يدل على أن الإِمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع [الأمر] إليه.
* * *
٢٦٩٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَقِيلُوا
стр. 1895
ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم إلَّا الحُدودَ".
"وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: أقيلوا": من الإقالة بمعنى العفو.
"ذوي الهيئات" جمع هيئة، وهي صورة الشيء وشكلهُ وحالته، والمراد هنا: الحالة التي يكون الإنسان عليها ونحوها، والمراد بذوي الهيئات هنا: ذوو المروءات وأصحاب الوجوه. وقيل: هم أهل الصلاح والورع.
"عثراتهم": جمع عشرة وهي الزلة؛ يعني: اعفوا عن زلاتهم فيما يوجب التعزير.
"إلَّا الحدود" قيل: استثناء الحدود دليلٌ على أن الخَطَّاب للأئمة الذين إليهم إقامة الحدود؛ فإنهم إذا بلغهم الحدود لا يقدرون على عفوها، وقيل: الخَطَّاب لذوي الحقوق، وقيل: لهما، والمراد بالعثرات. صغائر الذنوب وما يندر عنهم من الخطايا فيكون الاستثناء منقطعًا، أو الذنوب مطلقًا وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فيكون متصلًا.
* * *
٢٦٩٤ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمينَ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنْ كانَ لهُ مَخْرَجٌ فخلُّوا سبيلَهُ، فإنَّ الإمامَ أنْ يُخطِيءَ في العفوِ خيرٌ مِن أن يُخطِيءَ في العقوبةِ" ولم يرفعْهُ بعضُهم وهو الأصحُ.
"وعنها: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ادرؤوا الحدود"؛ أي: ادفعوها.
"عن المسلمين ما استطعتم" بإظهار المحامل "فإن كان له"؛ أي: للحد
следующие страницы →