← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

٢٩٠٩ - عن يَعلى بن أُميَّةَ قال: آذَنَ رسولُ الله ﷺ بالغزوِ، وأنا شيخٌ كبيرٌ ليسَ لي خادِمٌ، فالتمستُ أجيراً يَكفيني، فوَجَدْتُ رَجُلاً سَمَّيتُ لهُ ثلاثةَ دنانيرَ، فلمَّا حضرَتْ غَنيمةٌ أردْتُ أنْ أُجريَ لهُ سهمَهُ، فجئتُ إلى النبيَّ ﷺ فذكرتُ لهُ فقالَ: "ما أَجِدُ لهُ في غَزوَتهِ هذهِ في الدُّنيا والآخرةِ، إلا دنانيرَهُ التي سَمَّى". "عن يَعْلَى بن أميَّة أنه قال: آذن"؛ أي: أعلم. "رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالغَزْوِ، وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمسْتُ"؛ أي: طلبْتُ. "أجيراً يكفيني"؛ أي: يقوم بالخروج عنِّي إلى الغَزْوِ يأخذ الأجرة. "فوجدْتُ رجلاً سمَّيْتُ له ثلاثة دنانير، فلما حضرَتْ غنيمةٌ أردْتُ أن أُجْرِيَ له سهمَهُ"؛ أي: أن آخذ له من الغنيمة مثل سهام سائر الغانمين. "فجئْتُ النَّبي ﷺ فذكرْتُ له، فقال: ما أجِدُ له في غَزْوتهِ هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي تُسمَّى"؛ أي: ليس له في الدنيا من الغنيمة ولا في الآخرة من الثواب إلا ما أخذه من الأجرة. * * * ٢٩١٠ - عن أبي هريرةَ: أن رَجُلاً قال: يا رسولَ الله! رجل يريدُ الجِهادَ في سبيلِ الله وهو يبتغي عَرَضاً مِن عَرَضِ الدنيا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا أَجْرَ لهُ". "عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله! رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي"؛ أي: يطلب. "عَرَضاً من عَرَض الدنيا"، وهو - بالتحريك - ما كان من مال قلَّ أو كثر، وبالسكون المتاع، وكلاهما هنا جائز. "فقال النبي ﷺ : لا أَجْرَ له"؛ أي: لا ثواب له؛ لأنه لم يغزُ لله. * * *

стр. 2032

٢٩١١ - وعن معاذٍ عن رسولِ الله ﷺ قال: "الغَزْوُ غَزْوانِ، فأمَّا مَن ابتغَى وجهَ الله، وأَطاعَ الإمامَ، وأَنفقَ الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَّ نومَهُ ونُبْهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَن غَزا فَخْراً ورِياءً وسُمْعَةً، وعَصَى الإمامَ وأَفسدَ في الأرضِ، فإنه لم يرجعْ بالكَفافِ". "عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: الغزو غزوان، فأما مَنِ ابتغَى وجهَ الله"؛ أي: طلب رضا الله. "وأطاع الإمام وأنفق الكريمة"؛ أي: المال النفيس. "وياسَرَ الشَّريك"؛ أي: استعمل اليسر والسهولة مع الشَّريك؛ أي: الرفيق، نفعاً بالمعونة وكفاية. "واجتنب الفساد"؛ أي: التجاوز عن المشروع قتلاً ونهياً وتخريباً. "فإن نومه ونُبْهَهُ"؛ أي: يقظته وانتباهه من النوم. "أجرٌ كلُّه"؛ يعني: أن مَنْ شأنه هذا مِنَ الغزاة فجميع حالاته من حركته وسكونه موجب للأجر؛ لإعانته على الغزو الموجب للثواب. "وأما مَنْ غزا فَخْراً"؛ أي: لادعاء عظم وكبر وشرف. "ورياء وسُمْعة"؛ أي: ليراه الناس ويسمعوه. "وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكَفَاف" من الثواب، أو من الرزق، أو معناه: لم يرجع من الغزو رأساً برأس بحيث لا يكون له أجر ولا يكون عليه وزر، بل يرجع ووزره أكثر من أجره. * * * ٢٩١٢ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو أنه قال: يا رسولَ الله! أَخبرني عن الجهادِ؟ فقالَ: "إنْ قاتلْتَ صابراً مُحْتسِباً بعثَكَ الله صابراً محتسباً، وإنْ قاتلْتَ

стр. 2033

مُرائياً مُكاثِراً، بعثَكَ الله مُرائياً مُكاثِراً، يا عبدَ الله بن عمروٍ! على أَيِّ حالٍ قاتلْتَ أو قُتِلْتَ بعثَكَ الله على تِيكَ الحالِ". "عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: يا رسول الله! أخبرني عن الجهاد؟ "؛ أي: عن ثوابه. "فقال: إن قاتلت صابراً محتسباً"؛ أي: خالصاً لله. "بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً"؛ أي: مفاخراً، وقيل: هو أن يقول الرجل لغيره: أنا أكثر منك مالاً وعدداً، يعني: غزوت ليقال: إنك أكثر جيشاً وأشجع. "بعثك الله مرائياً مكاثراً": ويُنادى عليك يوم القيامة: إنَّ هذا غزا فخراً ورياءً لا محتسباً. "يا عبد الله بن عمرو! على أيَّ حال قاتلْتَ، أو قُتِلْتَ بعثَكَ الله على تيك الحالة": وهذا يشير إلى قوله ﷺ : "الناس مجزيون بأعمالهم". * * * ٢٩١٣ - عن عُقبَةَ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَعَجَزتُم إذا بَعثتُ رَجُلاً فلم يَمْضِ لأمري، أنْ تَجْعَلُوا مكانَه مَن يَمضي لأمري". "عن عُقْبَة بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: أَعَجَزْتُم إذا بَعثْتُ رجلاً"؛ أي: جعلته عليكم أميراً وأمَّرتُهُ بأمْرٍ. "فلم يَمْضِ لأمري"؛ أي: لم يمتثل بما أمرته. "أن تجعلوا مكانه مَنْ يَمْضي لأمري"؛ يعني: فاعزلوه واجعلوا مكانه أميراً آخر يمتثل بما أمرته، وعلى هذا إذا ظلم الأمير الرَّعية ولم يَقُم بحقِّ حفظهم، جاز لهم أن يعزلوه ويقيموا غيره مقامه.

стр. 2034

قيل: هذا إذا لم يكن في عزله إثارة فتنة وإراقة دم، فإنْ كان ذلك؛ فإنْ كان ظلمه في الأموال لم يجزْ لهم ذلك، وإن كان سفَّاكاً للدماء ظلماً، فإن كان حصول القتل في عزله أقل من القتل في بقائه على العمل، جاز لهم قتله وقتل متعصبيه، وإن كان الأمر بالعكس، لا يجوز قتله. * * * ٢ - باب إعدادِ آلةِ الجِهادِ (باب إعداد آلة الجهاد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٩١٤ - عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إن القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القوةَ الرَّميُ". "من الصحاح": " عن عُقْبَة بن عامر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ ""؛ أي: هيئوا للكفار. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القوة الرَّمي": أي: الرَّمي بالسهام ونحوه. "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي": ذكره ثلاث مرات إشارة إلى اعتنائه بشأن الرمي؛ لأنه يدفع العدو من بعيد، وأي قوة أقوى منه، وفي الحديث تصريح بتفسير القوة المذكورة في الآية. * * *

стр. 2035

٢٩١٥ - وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ستُفْتَحُ عليكم الرُّومُ، ويَكفيكُم الله، فلا يَعجَزْ أحدُكم أنْ يَلهُوَ بأَسهُمِهِ". "وقال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله"؛ أي: يدفع عنكم شرَّهم. "فلا يعجز"؛ أي: فلا ينبغي أن يعجز "أحدكم أن يلهو"؛ أي: يلعب. "بأسهُمه": فإن حرب الروم غالباً بالرَّمي، فتعلَّموه ليمكنكم محاربتهم، حثَّ على تعلم الرَّمي باللهو استمالة للرغبات إلى تعلمه، وإلى الترامي والمسابقة لكون النفوس مجبولة على ميلها إلى ما يلهها. * * * ٢٩١٦ - وقال: "مَن عَلِمَ الرَّميَ ثم تَرَكَهُ فليسَ مِنَّا - أَوْ: قد عصى - ". "وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من عَلِمَ الرَّمي"؛ أي: رمي السهم. "ثم تركه"؛ أي: نسيه. "فليس منَّا"؛ أي: من عاملي سنتنا. "أو قد عصى": ترددٌ من الراوي. * * * ٢٩١٧ - وعن سَلَمةَ بن الأَكْوعِ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ على قومٍ من أسلمَ يَتناضَلُونَ بالسُّوقِ فقال: "ارمُوا بني إسماعيلَ! فإنَّ أَباكم كانَ رامياً، وأَنا معَ بني فلانٍ"، لأَحدِ الفَرِيقينِ، فأَمسَكُوا بأَيديهم فقال: "ما لَكم؟ "، قالوا: وكيفَ نرَمي وأنتَ مَعَ بني فلانٍ؟ قال: "ارمُوا وأَنا معكم كلِّكم".

стр. 2036

"وعن سلمة بن الأكوع أنه قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قومٍ من أَسْلَم"؛ أي: من قبيلة. "يتناضلون"؛ أي: يترامون. "بالسوق" بفتح السين المهملة: اسم موضع، والباء بمعنى (في). "فقال: ارموا بني إسماعيل": بحذف حرف النداء، والمراد منهم: العرب. "فإن أباكم"؛ أي: إسماعيل ﵇. "كان رامياً، وأنا مع بني فلان، لأحد الفريقين، فأمسَكُوا بأيديهم": الباء زائدة؛ أي: تركوا الرَّمي. "فقال: ما لكم؟ قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان"؛ أي: لا نقدر أن نقاوم فريقاً أنت معهم. "قال: ارموا وأنا معكم كلِّكم". * * * ٢٩١٨ - عن أنسٍ قال: كانَ أبو طلحةَ يَتترَّسُ مَعَ النبيِّ ﷺ بِتُرْسٍ واحدٍ، وكانَ أبو طلحةَ حَسَنَ الرَّميِ، فكانَ إذا رَمَى تشرَّفَ النبيُّ ﷺ فينظرُ إلى موضعِ نَبْلِهِ. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كان أبو طلحةَ يتترَّس مع رسول الله ﷺ بتُرْسٍ واحد"؛ أي: وقف هو والنبي ﷺ خلف ترس واحد يوم أحد "وكان أبو طلحة حَسَنَ الرَّمي، فكان إذا رمى تشرَّف النبي ﷺ "؛ أي: رفع رأسه من خلف الترس ومدَّ عنقه.

стр. 2037

"فينظر إلى مَوْضعِ نَبْلِهِ": فإنه ﷺ من غاية حبه الرَّمي كان يطَّلع بكل رمي موقعه. * * * ٢٩١٩ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "البَرَكةُ في نوَاصي الخيلِ". "عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: البركة"؛ أي: كثرة الخير. "في نواصي الخيل"؛ أي: في ذواتهم، كنى عن النَّاصية بالذات، يقال: فلان مُبَارك النَّاصية؛ أي: ذاته، إنما جعلت البركة في الخيل؛ لأن بها يحصل الجهاد الذي فيها خير الدنيا وخير الآخرة. * * * ٢٩٢٠ - وعن جريرِ بن عبدِ الله قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَلْوي ناصيةَ فرسٍ بإصبَعِه وهو يقولُ: الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ: الأجرُ والغَنِيمةُ". "عن جرير بن عبد الله أنه قال: رأيْتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يَلْوِي ناصيةَ الفرس"؛ أي: يدير. "بإصبعه، وهو يقول: الخيل معقود بنواصيها الخير"؛ أي: ملازم لها، كأن الخير معقودٌ فيها. "إلى يوم القيامة: الأجر": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الأجر، أو بدل من (الخير)؛ أي: معقود بنواصيها الأجر في الدنيا والآخرة. "والغنيمة" في الدنيا، فيه ترغيب اتخاذها للجهاد وأن الجهاد يدوم أبداً،

стр. 2038

وأن المال المكتسب بها خير مال. * * * ٢٩٢١ - وعن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن احتبسَ فَرَساً في سبيلِ الله إيماناً بالله وتصديقاً بِوَعدِه، فإنَّ شِبَعَه ورِيَّهُ ورَوْثَه وبَوْلَه في ميزانِهِ يومَ القيامةِ". "عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من احتَبَسَ فرساً"؛ أي: ربطه وحبسه على نفسه لما عسى أن يحدث من غزو، أو غير ذلك، ويجيء بمعنى الوقف. "في سبيل الله": وهو كلُّ سبيلِ يُطْلَب فيه رضاؤه، وعند الإطلاق يحمل على سبيل الجهاد، وقيل: على سبيل الحج. "إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده": في إثابة الطاعات. "فإن شِبَعَه"؛ أي: ما يشبعه. "ورِيَّه"؛ أي: ما يرويه. "ورَوْثَه وبَوْلَه في ميزانه يوم القيامة"؛ يعني: يُجعَل في ميزان صاحبه ثوابٌ بمقدار هذه الأشياء. * * * ٢٩٢٢ - عن أبي هريرةَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَكْرهُ الشِّكالَ في الخَيلِ. والشِّكالُ: أنْ يكونَ الفرسُ في رجلِه اليُمنى بياضٌ وفي يدهِ اليُسرى، أَوْ في يدِه اليُمنى ورجلِه اليُسرى. "عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كان النبي ﷺ يكره

стр. 2039

الشِّكال" بكسر الشين المعجمة: المُحَجَّل القوائم. "في الخيل، والشِّكال: في أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى، ورجله اليسرى": وجه كراهته مفوض إلى الشَّارع، أو جُرِّبَ هذا الجنس فلم يُوْجَد فيه نَجَابة. * * * ٢٩٢٣ - عن عبدِ الله بن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ سابَقَ بين الخيلِ التي أُضْمِرَتْ مِن الحَفياءِ، وأَمَدُها ثَنِيَّةُ الوداعِ، وبينَهما ستةُ أميالٍ، وسابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ مِن الثَّنيَّةِ إلى مسجدِ بني زُرَيْقٍ، وبينَهما مِيلٌ. "عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سابق بين الخيل التي أُضْمِرَتْ"؛ أي: جُعِلَتْ ضامراً؛ أي: دقيق الوسط، والمشهور من كلام العرب التَّضمير، فلعل بعض الرواة أقام الإضمار مقام التَّضمير، وهو مستعمل أيضاً. "من الحَفياء" بفتح الحاء مداً وقصراً: اسم موضع بالمدينة على أميال، وكان ابتداء مسابقة التي أضمرت منه. "وأَمَدُها"؛ أي: غايتها. "ثنيَّةَ الوداع": اسم موضع أيضاً بالمدينة. "وبينهما ستة أميال، وسابق بين الخيل التي لم تضمَّرْ من الثنيَّة إلى مسجد بني زُرَيق" بضم الزاء المعجمة وفتح الراء المهملة: اسم رجل. "وبينهما مِيْل": وإنما جعل غاية المضامير أبعد من غاية ما لم تضمر من الخيل لأن المضامير أقوى منه. * * *

стр. 2040

٢٩٢٤ - عن أنسٍ ﷺ قال: كانتْ ناقةٌ لرسولِ الله ﷺ تُسمَّى العَضْباءَ، وكانتْ لا تُسبَقُ، فجاءَ أعرابيٌّ على قَعُودٍ لهُ فسبقَها، فاشتدَّ ذلكَ على المُسلمينَ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ حَقاً على الله أنْ لا يرتَفِعَ شَيءٌ مِن الدُّنيا إلا وَضَعَهُ". "عن أنس قال: كانت ناقة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تسمَّى العَضْبَاء": سُمِّيت به لأنها كانت مقطوعة الأذن والعَضْبُ: القطع. "وكانت لا تُسْبَق، فجاء أعرابي على قَعُود له": وهو - بفتح القاف - من الإبل: ما أمكن أن يُرْكَب، وأدناه أن يكون له سنتان. "فسبقَها، فاشتدَّ ذلك على المسلمين فقال رسول الله ﷺ : إنَّ حقاً على الله أن لا يرتَفِعَ شيء من الدنيا إلا وَضَعَه"، وفي الحديث: بيان جواز المسابقة بالإبل أيضاً. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٩٢٥ - عن عقبةَ بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الله يُدخِلُ بالسَّهم الواحدِ ثلاثةَ نفرٍ الجنةَ: صانِعَهُ يَحتسِبُ في صنعَتِهِ الخيرَ، والرامي بهِ، ومُنَبلَهُ، وارمُوا واركبُوا، وأنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إليَّ مِن أنْ تَرْكبُوا، كلُّ شيءٍ يَلهُو بهِ الرجلُ باطِلٌ، إلا رَميَهُ بِقَوْسِهِ، وتَأْديبَهُ فرسَه، ومُلاعبتَهُ امرأتَهُ، فإنهنَّ مِن الحقِّ، ومَن تَرَكَ الرَّميَ بعدَ ما عَلِمَهُ رغبةً عنه، فإنه نِعمةٌ تَرَكَها، أو قال: كَفَرَها". "من الحسان": " عن عُقْبهَ بن عامر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه

стр. 2041

وسلم يقول: إن الله تعالى يُدْخِلُ بالسَّهم الواحد ثلاثةَ نفرٍ الجنَّة: صانِعَهُ يحتسب في صنعته الخير، والرَّامي به، ومُنَبلَه"؛ أي: الذي يناول الرّامي النَّبل، وهو السِّهام العربية؛ ليرمي به، فالضمير للسهم، ويجوز أن يراد بـ (المنبل): راد النَّبل على الرَّامي من الهدف، فالضمير للرَّامي. "وارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا، كلُّ شيء يلهو"؛ أي: يلعب "به الرجل باطل، إلا رَمْيَهُ بقَوْسِهِ وتأديبَهُ فرسَه"؛ أي: تعليمه إياه الركض والجولان على نيَّة الغزو. "وملاعبته امرأتَهُ فإنهنَّ"؛ أي: هذه المذكورات. "من الحقِّ، ومَنْ تَرَكَ الرَّمي بعد ما علمه رغبةً عنه"؛ أي: إعراضاً عن الرمي. "فإنه نعمةٌ تركها، أو قال: كفرها": شكٌّ من الراوي. * * * ٢٩٢٦ - عن أبي نَجِيحٍ السُّلَميِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن بلغَ بسهمٍ في سبيلِ الله فهوَ لهُ درجة في الجنَّةِ، ومَن رَمَى بسهمٍ في سبيلِ الله فهوَ لهُ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومَن شابَ شَيْبَةً في الإسلامِ كانَتْ لهُ نوراً يومَ القيامةِ". "عن أبي نجيح السُّلمي أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: مَنْ بلغَ بسهمٍ"؛ أي: أوصله إلى كافر. "فهو له درجة في الجنة، ومَنْ رَمَى بسهم في سبيل الله فهو له عِدْل محرَّرٍ": بالإضافة؛ أي: له ثواب مثل ثواب محرر؛ أي: معتق خالص لله من التحرير: الإعتاق، يعني: له من الثواب مثل ذلك، وإن لم يوصل ذلك السهم إلى كافر.

стр. 2042

"ومن شَابَ شَيْبَةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة". * * * ٢٩٢٧ - وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا سَبْقَ إلا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حافِرٍ". "عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: لا سَبق"، وهو بالتحريك: المال المشروط للسَّابق على سبقه، وبالسكون: مصدر. "إلا في نَصْلٍ"؛ المراد به: ذو نَصْلِ كالسَّهم ونحوه. "أو خُفٍّ"؛ أي: ذي خفٍّ كالإبل والفيل. "أو حافر"؛ أي: ذي حافر كالخيل والبغال والحمير، يعني: لا يحلُّ أخذ المال بالمسابقة إلا في أحدها، وألحق بها بعضٌ: المسابقة على الأقدام، وبعضٌ: المسابقة بالحجارة. * * * ٢٩٢٨ - وقال: "مَن أدخلَ فَرساً بينَ فرسينِ فإنْ كانَ يُؤمَنُ أَنْ يَسبقَ فلا خيرَ فيهِ، وإنْ كانَ لا يُؤمَنُ أنْ يَسبقَ فلا بأسَ بهِ". وفي روايةٍ: "وهوَ لا يَأْمنُ أنْ يَسبقَ فليسَ بقِمارٍ، وإنْ كانَ قد أَمِنَ أنْ يَسبقَ فهو قِمارٌ". "وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أدخلَ فرساً بين فرسين": هذا إشارة إلى المحلل، وهو مَنْ جعل العقد حلالاً، وهو أن يدخل ثالث بينهما. "فإن كان يُؤْمَنُ أن يَسبقَ": بأن كان فرسه بليداً فيأمنان سبقه إياهما.

стр. 2043

"فلا خير فيه": لأن وجوده حينئذ كعدمه، فكأنها لم يدخل بينهما محلِّلاً. "وإن كان لا يُؤْمَنُ أن يَسبقَ" بأن كان فرسه جواداً، فلا يأمنان أن يسبقهما. "فلا بأس به، وفي رواية: وهو لا يأمنُ أن يَسبقَ فليس بقِمارٍ، ولو أمن أن يَسبقَ فهو قِمَار". * * * ٢٩٢٩ - وقال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ" يعني: في الرِّهانِ. "وعن عِمْرَان بن حُصَين قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا جَلَبَ"؛ أي: لا صياح على الخيل. "ولا جَنَبَ": وهو أن يَجْنِبَ إلى جَنْبِ مركوبه فرساً آخر ليركبه إذا خاف أن يُسْبَق. "يعني في الرِّهان"؛ أي: المسابقة، قيل: هذا من قول بعض الرواة، ويحتمل أنه من قول المؤلف. * * * ٢٩٣٠ - وعن أبي قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "خيرُ الخيلِ الأدْهمُ الأقرَحُ الأرثَمُ، ثم الأقرَحُ المُحَجَّلُ طُلْقُ اليمين، فإنْ لم يكنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ على هذه الشِّيَةِ". "عن أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ أنه قال: خير الخيل الأدْهَمْ"؛ أي: الشَّديد السواد. "الأَقْرَحُ": وهو ما في جبهته قُرْحَة - بالضم -: بياضٌ يَسِيْرٌ في وجه

стр. 2044

الفرس دون الغرة. "الأَرْثَمُ"؛ أي: الأبيض الشفة العليا، وقيل: الأبيض الأنف. "ثم الأَقْرَحُ المُحَجَّل"؛ أي: المرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، مجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين. "طَلْقُ اليمين"؛ أي: مُطْلَقٌ يمينها، ليس فيها تحجيل. "فإن لم يكن أَدْهَم فَكُمَيْتٌ": وهو الذي ذَنَبُهُ وعُرْفُهُ أَسْوَد، والباقي أحمر. "على هذه الشِّيَة" بكسر الشين المعجمة وفتح الياء؛ أي: العلامة، وهذه إشارة إلى الأَقْرَح والأَرْثَم، والأَقْرَح: المحجَّل طلق اليمين. * * * ٢٩٣١ - عن أبي وهبٍ الجُشَميِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحجَّلٍ، أو أَشقرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ". "عن أبي وهب الجشمي قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ"؛ أي: أبيض الوجه. "مُحَجَّل أو أَشْقَر": وهو الأحمر بالذَّنَبِ والعُرْفِ. "أَغَرَّ محجَّل، أو أدهَمَ أَغَرَّ محجَّل". * * * ٢٩٣٢ - عن ابن عبَّاس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُمْنُ الخَيلِ في الشُّقْرِ". "عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله

стр. 2045

تعالى عليه وسلم: يُمْنُ الخيل"؛ أي: البركة. "في الشُّقْرِ": لأن ذلك من الخيل أقوى من الغير، إذ العرب ترى أنَّ في كلِّ أحمر قوة وشدة فوق ما يُعتقد في غيره، ولذا وصَفَتِ الموت الشَّديد بالأحمر. * * * ٢٩٣٣ - عن شيخ من بني سُلَيمٍ، عن عُتبةَ بن عبدِ الله السُّلَميِّ أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَقُصُّوا نَواصيَ الخيلِ ولا معارِفَها ولا أَذنابَها، فإنَّ أذنابَها مَذابُّها، ومَعارفَها دِفاؤُها، ونَواصيَها معقودٌ فيها الخيرُ". "وعن شيخ من بني سليم عن عُتْبَةَ بن عبد السَّلمي أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لا تَقُصُّوا نواصي الخيل"؛ أي: لا تقطعوا شعر نواصيها. "ولا معارِفَها": جمع مَعْرَفَة، وهو موضع العُرْف؛ أي: شعر العنق. "ولا أَذْنَابها": جمع ذَنَب. "فإن أَذْنَابها مَذابُّها" بفتح الميم: جمع مِذَبَّه - بالكسر -، وهي ما تذبُّ به الذُّباب عن نفسها. "ومَعَارِفَها دِفَاؤُهَا"؛ أي: يصير بها حاراً، يعني: يدفع البرد عن الخيل بمعرفها. "ونواصيها معقود فيها الخير". * * * ٢٩٣٤ - وعن أبي وَهْبٍ الجُشَميِّ ﷺ قال: قال رسولُ الله ﷺ :

стр. 2046

"ارتبطوا الخيلَ، وامْسَحُوا بنواصِيها وأَعجازِها - أو قال: أكَفالِها - وقَلِّدوها، ولا تُقَلِّدُوها الأوتارَ". "عن أبي وَهْبٍ الجُشَميِّ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ارتبطوا الخيل"؛ أي: سمِّنوها لأجل الغزو. "وامسحوا بنواصيها وأَعجازِها": جمع عَجُز، وهو الكفل. "أو قال: وأَكفالِها": جمع كَفَل، يريد بهذا المسح: تنظيف الخيل من الغبار، وتعرف حالها من السِّمَن؛ لئلا تترك ضعيفة عاجزة عن الركض والكرِّ والفرِّ. "وقلِّدوها"؛ أي: اطلبوا إعلاء الدِّين والدِّفاع عن المسلمين، يعني: اجعلوا ذلك لازماً لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق، وقيل: معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم إلا الوِتْر. "ولا تقلدوها الأوتار": جمع وِتْر - بالكسر ثم السكون -، وهو الدَّم وطلب الثأر، يعني: لا تركبوها لتطلبوا عليها أوتار الجاهلية التي كانت بينكم، أو جمع وَتَر القوس؛ أي: لا تجعلوها في أعناقها فتختنق؛ لأنها ربما رعت الأشجار فتشبثت ببعض شعبها فخنقتها، وقيل: نهوا عنها لاعتقادهم أن تقليدها بها يدفع عنها الأذى والعين، فأعلمهم أنها لا تدفع ضرراً. * * * ٢٩٣٥ - عن ابن عبَّاس قال: كانَ رسولُ الله ﷺ عبداً مأموراً، ما اختصَّنا دونَ النَّاسِ بشيءٍ إلا بثلاثٍ: أَمَرَنا أنْ نُسبغَ الوُضوءَ، وأنْ لا نأكلَ الصَّدَقةَ، وأنْ لا نُنْزِيَ حِماراً على فرسٍ. "وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كان رسول الله

стр. 2047

صلى الله تعالى عليه وسلم عَبْداً"؛ أي: لله تعالى. "مأموراً"؛ أي: بأوامره ومنهياً عن نواهيه، أو مأموراً من الله بأن يأمر أمته بشيء وينهاهم عن شيء، يعني: أنه ﷺ كان عَبْداً مطواعاً لا مَلِكاً آمراً. "ما اختصَّنا دون الناس بشيء": أراد به ابن عباس نفسه وسائر أهل بيته وآل النبي ﷺ ، وهذا القول منه: تنبيه على أنه لم يكن يخصُّهم لقرابتهم بشيء دون الناس. "إلا بثلاث"؛ أي: بثلاث خلال. "أَمَرَنا أن نُسْبغَ الوضوء": والأمر أمر إيجاب، وإلا فلا اختصاص؛ فإن الإسباغ مندوب لغيرهم أيضاً. "وأن لا نأكل الصدقة": فإن عدم أكل الصدقة واجب، فيكون قرينه أيضاً واجباً. "وأن لا نُنْزِي حماراً على فرس": لئلا يقلَّ التَّوالد في الخيل، ولأن البغل لا يصلح للكرِّ والفرِّ، وتخويف الكفرة، ولذلك لا يُسْهَم له في الغنيمة، فيكون في ذلك استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. أو يراد بقوله: (ما اختصنا) ما حثَّنا بشيء إلا بمزيد الحثِّ والمبالغة في ذلك؛ لما عرف ﷺ أنه سيأتي بعدهم مَنْ يرتكب الأمور الثلاثة؛ أعني ترك الإسباغ، وأكل الصدقة، وإنزاء الحمير، فخصَّهم بالذِّكر حتى يتوقوا عنه أشد التَّوقي؛ كيلا يصير تساهلهم حجة لمن بعدهم. * * * ٢٩٣٦ - عن عليٍّ ﵁ قال: أُهديَتْ لرسولِ الله ﷺ بَغْلَةٌ فركبَها، فقال عليٌّ: لو حَمَلْنا الحَميرَ على الخيلِ لكانَتْ لنا مثلَ هذه، فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 2048

"إنَّما يفعلُ ذلكَ الذينَ لا يعلمونَ". "عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: أُهْدَيَتْ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل، فكانت لنا مثل هذه": وجواب (لو) محذوف. "فقال رسول الله ﷺ : إنما يفعل ذلك"؛ أي: إنزاء الحمار على الفرس. "الذين لا يعلمون" أنَّ إنزاء الفرس على الفرس خيرٌ من ذلك؛ لما ذُكِرَ من المنافع، أو لا يعلمون أحكام الشريعة ولا يهتدون إلى ما هو أولى لهم وأنفع سبيلاً. * * * ٢٩٣٧ - وقال أنسٌ ﷺ : كانتْ قَبيعَةُ سيفِ رسولِ الله ﷺ مِن فِضَّةٍ. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كانَتْ قَبيْعَةُ سيفِ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من فضَّة"، (قُبيْعَةُ السَّيف): ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد يمنع السيف من الوقوع. * * * ٢٩٣٨ - عن هَوْذَةَ بن عبدِ الله بن سَعدٍ، عن جدِّه مَزِيدَةَ قال: دخلَ رسولُ الله ﷺ يومَ الفَتْح وعلى سيفِهِ ذهبٌ وفضةٌ. غريب. "عن هَوْد" بفتح الهاء وسكون الواو "ابن عبد الله بن سعد عن جده مَزِيْدَة أنه قال: دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة": وفيه جواز تحلية السيف. * * *

стр. 2049

٢٩٣٩ - عن السَّائبِ بن يزيدَ: أن النبيَّ ﷺ كانَ عليهِ يومَ أُحُدٍ دِرْعانِ قد ظاهرَ بينَهما. "عن السَّائب بن يزيد: أن النبي ﷺ كان عليه يوم أُحُدٍ دِرْعَان قد ظَاهَرَ"؛ أي: جمع "بينهما": ولبس إحداهما فوق الأخرى، من التَّظاهر: التَّعاون والتَّساعد، وهذا يدل على أن لبس السلاح سُنَّة. * * * ٢٩٤٠ - عن ابن عبَّاسٍ قال: كانَتْ رايةُ النبيِّ ﷺ سوداءَ ولِواؤُهُ أبيضَ. "عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: كانت راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سوداء"، أراد به: ما غالب لونه أسود، بحيث يرى من البعد أسود؛ لا أنه خالص السواد. "ولواؤه أبيض"، الراية: العلم الكبير، واللواء دونه، وقيل: الراية: العلم الذي ينشر ثوبه، واللواء: العلم الذي لوي عليه ثوبه ولم ينشر. * * * ٢٩٤١ - وسُئِلَ البراءُ بن عازبٍ عن رايةِ رسولِ الله ﷺ ؟ فقال: كانَت سوداءَ مُرَبَّعةً مِن نَمِرةٍ. "وسُئِل البُراء بن عازب عن راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: كانت سوداء مَرَبَّعة من نَمِرَة": وهي بردة من صوف فيها تخطيط من سواد وبياض، تلبسها الأعراب، سُمِّيت نَمِرَة تشبيهاً بالنمر. * * * ٢٩٤٢ - وعن جابرٍ: أن النبيَّ ﷺ دخلَ مكَّةَ ولِواؤُهُ أبيضُ.

стр. 2050

"عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة ولِوَاؤُهُ أبيض". * * * ٣ - باب آدابِ السَّفَرِ (باب آداب السفر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٩٤٣ - عن كعبِ بن مالكٍ: أن النبيَّ ﷺ خرجَ يومَ الخميسِ في غزوةِ تبوكَ، وكانَ بُحِبُّ أنْ يَخرُجَ يومَ الخميسِ. "من الصحاح": " عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك": هو تَفْعُل من البَوْك، وهو تَثْوِيْرُ الماء بعُوْدٍ ونحوه؛ ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك، فإنهم كانوا يَبُوْكون عَيْنَ تَبُوك بقِدْح، ولما رآهم ﷺ كذلك قال: "وما زلتم تَبُوكونها". "وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس": اختياره ﷺ للسفر؛ لأنه يوم مبارك ترفع فيه الأعمال إلى السماء، فأحبَّ أن يرفع له عمل فيه؛ إذ كانت أسفاره لله تعالى. * * * ٢٩٤٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لو يعلمُ النَّاسُ ما في الوَحْدَةِ ما أَعْلَمُ، ما سارَ راكِبٌ بليلٍ وَحْدَهٌ". "وعن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله

стр. 2051

صلى الله تعالى عليه وسلم: لو يعلَمُ الناس ما في الوَحْدَةِ ما أَعْلَمُ" من المضرَّة الدينية والدنيوية كحرمانه من ثواب الصلاة بالجماعة، وعدم مَنْ يعينه في حوائجه، (ما) فيهما موصولة، والثانية بدل من الأولى. "ما سَارَ راكبٌ بليل وحدَهُ": (ما) هذه نافية، كان الظاهر أن يقول: ما سار أحد، وفيه نهي عن التَّفرد بالسفر راكباً كان أو رَاجِلاً، إنما قيد بالراكب وبالليل؛ لأن الخطر في الليل أكثر لاسيما إذا كان راكباً لنفور مركوبه من أدنى شيء. * * * ٢٩٤٥ - وقال: "لا تَصْحَبُ الملائكةُ رُفْقةً فيها كلبٌ ولا جَرَسٌ". "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تصْحَبُ الملائكة رِفْقَةً": وهي الجماعة المرافقة في السفر. "فيها كلْبٌ ولا جَرَسٌ"، قيل: سبب نفرتهم عن الجرس أنه شبيه بالنَّاقوس، وقيل: كراهة صوته. قال العلماء: جرس الدواب منهيٌ عنه إذا اتُّخذ للهو، وأما إذا كان فيه منفعة فلا بأس به. * * * ٢٩٤٦ - وقال: "الجَرَسُ مَزاميرُ الشَّيطانِ". "وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الجرس مَزَامير الشيطان": جمع مِزْمَار، أخبر عن المفرد بالجمع؛ لإرادة الجنس، [و] أضاف إلى الشيطان؛ لأن صوته شاغل عن الذِّكْرِ والفكر. * * *

стр. 2052

٢٩٤٧ - عن أبي بشيرٍ الأنصاريِّ: أنه كانَ مع رسولِ الله في بعضِ أسفارِهِ فأرسلَ رسولُ الله ﷺ رسولاً: "لا يُبْقَيَنَّ في رقبةِ بعيرٍ قِلادةٌ مِن وَتَرٍ، أو قِلادةٌ إلا قُطِعَت". "عن أبي بشير الأنصاري ﵁: أنه كان مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رسولاً فقال: لا يَبْقَينَّ" بفتح القاف: من الإبقاء. "في رقبةِ بعيْرٍ قلادة من وَتَرٍ" بفتحتين: واحد أوتار القوس. "أو قِلادة": شكٌّ من الراوي. "إلا قُطِعَتْ"، قيل: سبب النَّهي: خوف اختناق البعير بها عند شدَّة الركض، أو عند تشبث الوتر بالشجر. * * * ٢٩٤٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا سافرْتُم في الخِصْبِ فأعطُوا الإِبلَ حَظَّها مِن الأرضِ، وإذا سافرْتُم في السَّنَةِ فأسرِعُوا عليها السَّيْرَ، وإذا عرَّسْتُم بالليل فاجتنِبُوا الطَّريقَ، فإنها طُرُقُ الدَّوابِّ ومَأْوَى الهوامِّ بالليلِ". وفي روايةٍ: "وإذا سافرتُم في السَّنةِ فبادِرُوا بها نِقْيَها". "وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سافرتم في الخِصْبِ" بكسر الخاء المعجمة: زمان كثرة العَلَفِ والنبات. "فأعطوا الإبل حقها"؛ أي: حظَّها "من الأرض"؛ أي: مِنْ نباتها، وحظُّها: رعيها؛ أي: دعوها ساعة فساعة ترعى. "وإذا سافرتم في السَّنَة"؛ أي: في زمان القَحْطِ وانعدام نبات الأرض من يبسها.

стр. 2053

"فأسرعوا عليها السَّير"؛ لتصل إلى المنزل فتعلف فيه قبل أن يلحقها جوع وعطش في الطريق، فتضعف عن السير. "وإذا عَرَّسْتُم بالليل"؛ أي: نزلتم في آخر الليل للاستراحة. "فاجتنبوا الطريق"؛ أي: انحرفوا عن الطريق ولا تنزلوا فيه. "فإنها طُرُقُ الدَّواب"، قيل: المراد بها: الإنسان الطَّارق بِشَرٍّ كقاطع الطريق ونحوه. "ومأوى الهوامِّ بالليل": فإنها تمشي بالليل على الطُّرق؛ لسهولتها، ولأنها تجد فيها من الرِّمَّةِ، وتأوي إليها. "وفي رواية: إذا سافرتم في السَّنَة فبادروا بها"؛ أي: بالإبل. "نِقْيَها"؛ أي: قبل ذهاب نِقْيها، وهو مخُّها؛ معناه: أسرعوا في السَّير بها؛ لتصلوا إلى المقصد، وفيها بقية من قُوَّتها. * * * ٢٩٤٩ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: بينما نحنُ في سفرٍ معَ رسولِ الله ﷺ ، إذ جاءَ رجلٌ على راحلةٍ فجعلَ يضرِبُ يَميناً وشِمالاً، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا ظَهْرَ لهُ، ومَن كانَ لهُ فَضْلُ زاد فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا زادَ لهُ، قال: فذكرَ مِن أصنافِ المالِ حتى رأيْتا أنه لا حَقَّ لأحدٍ منا في فَضْلٍ". "عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة فجعل"؛ أي: طفق ذلك الرجل. "يضرِبُ يميناً وشمالاً"؛ أي: يمين راحلته وشمالها لِكَلَالها، وعدم

стр. 2054

قدرتها على الشَير لهزالها، أو جعل يسير براحلته يمين الأرض وشمالها؛ لتعبها وعدم قدرتها على السير على نهج واحد، من ضرب في الأرض: سافر فيها. "فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ كان معه فَضْلُ ظَهْرٍ"؛ أي: دابة زائدة على حاجته. "فلْيَعُدْ به": الباء للتعدية. "على مَنْ لا ظَهْرَ له"؛ أي: فليحمل عليه مَنْ لا ظَهْرَ له. "ومن كان معه فَضْلُ زاد فلْيَعُدْ به على مَنْ لا زاد له، قال"؛ أي: الراوي: "فذكر"؛ أي: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. "من أصناف المال"؛ أي: التي ينبغي أن تُبْذَل للرفقة. "حتى رأينا"؛ أي: ظننا. "أنه لا حقَّ لأحد منا في فَضْل"؛ أي: زيادة هي في يده، يعني: أنه ﷺ بالغ في مساعدة رفقة السفر إلى هذه الغاية. * * * ٢٩٥٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "السَّفَرُ قِطعةٌ مِن العذابِ، يمنعُ أحدَكم نومَهُ وطَعامَهُ، فإذا قَضَى نَهْمَتَهُ مِن وَجهِهِ فليُعجِّلْ إلى أهلِهِ". "وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: السَّفر قطعة من العذاب، يمنَعُ": استئنافُ بَيَانٍ لعلَّة الحكم السابق؛ أي: يمنع السفر. "أحدكم نومه وطعامه وشرابه"؛ المراد منه: منع كمال الْتِذَاذ المسافر بها؛ لكونها مقارنة بالمشقَّة. "فإذا قضى"؛ أي: أحدكم.

стр. 2055

"نهمَتَهُ"؛ أي: حاجته. "من وَجْهِهِ"؛ أي: مما توجَّه إليه. "فليعجِّل إلى أهله": وفيه ترجيح الإقامة على الأسفار غير الواجبة. * * * ٢٩٥١ - عن عبدِ الله بن جَعْفرٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ تُلُقِّيَ بصِبْيانِ أهلِ بيتِهِ، وإنه قدِمَ مِن سفرٍ فسُبقَ بي إليهِ فحملَني بينَ يديْهِ، ثم جِيءَ بأحدِ ابنيْ فاطمةَ فأردفَهُ خَلفَهُ، قال: فأُدخِلْنا المدينةَ ثلاثةً على دابَّةٍ. "عن عبد الله بن جعفر": ابن عمِّ رسول الله. "أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قَدِمَ من سفر تُلُقِّيَ": على صيغة المجهول من التَّلْقِية. "بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسُبقَ بي إليه": على صيغة المجهول. "فحملني بين يديه، ثم جِيء بأحد ابنيْ فاطمة، فَأَرْدَفَهُ"؛ أي: أركبه. "خلفه، قال فَأُدْخِلْنَا": بصيغة المجهول، وفي بعض النسخ: (فدخلنا). "المدينة ثلاثةً": نصب على الحال؛ أي: ثلاثة أشخاص. "على دابَّة": وهذا يدل على أن الإرداف سُنَّة؛ لأن فيه تواضعاً. * * * ٢٩٥٢ - عن أنسٍ: أنه أَقبَلَ هو وأبو طلحةَ معَ النبيِّ ﷺ ، ومعَ النبيِّ ﷺ صَفِيَّهُ مُرْدِفَها على راحلتِه. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه أَقْبَلَ هو وأبو طلحة مع النبي ﷺ ،

стр. 2056

ومع النبي ﷺ صَفِيَّة مُرْدِفَها على راحلته"، وهذا يدل على أن استصحاب الزوجة في السفر سُنَّة. * * * ٢٩٥٣ - عن أنسٍ قال: كانَ النبيُّ ﷺ لا يَطْرُقُ أهلَهُ، كانَ لا يدخلُ إلا غُدْوةً أو عَشِيَّةً. "عن أنس: أنه كان النبي ﷺ لا يَطْرُقُ أهلَهُ"؛ أي: لا يأتيهم ليلاً، والطَّرْقُ: الدَّقُّ، سمي الآتي ليلاً طارقاً لحاجته إلى دقِّ الباب. "كان لا يدخل": بدل عن (كان لا يطرق أهله). "إلا غُدْوة أو عَشِيَّة"، ليبلُغَ خَبَرُ قدومه إلى الزَّوجات فيتهيأْنَ له. * * * ٢٩٥٤ - وعن جابرٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَطالَ أحدُكم الغَيْتَةَ فلا يَطرقْ أهلَهُ ليلاً". "عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أطال أحدكم الغَيْبَة فلا يَطْرُقْ"؛ أي: لا يَأْتِ. "أهله ليلاً"، قال ابن عباس: فَطَرَقَ رجلان بعد نهيه ﷺ ، فوجد كلٌّ منهما مع امرأته رجلاً. * * * ٢٩٥٥ - وعن جابرٍ أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا دخلتَ ليلاً فلا تدخُلْ على أهلِكَ، حتى تَستحِدَّ المُغِيبَةُ، وتَمْتشِطَ الشَّعِثَةُ". "وعنه: أن النبي ﷺ قال: إذا دخلْتَ ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى

стр. 2057

تَسْتَحِدَّ المُغِيْبَة": وهي المرأة التي غاب عنها زوجها، والمراد بالاستحداد: معالجة شعر العانة. "وتَمْتَشِطَ الشَّعِثَة" بكسر العين المهملة؛ أي: التي تفرَّق شعر رأسها. * * * ٢٩٥٦ - وعن جابرٍ: أن رسولَ الله ﷺ لمَّا قدِمَ المدينةَ نحرَ جَزُوراً أو بَقَرةً. "وعن جابر: أن النبي ﷺ لما قَدِمَ المدينة نَحَرَ جَزُوراً أو بقرة"، وهذا يدل على سُنِّيَّة الضيافة للقدوم بقَدْرِ وُسْعِهِ. * * * ٢٩٥٧ - وعن كعبِ بن مالكٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ لا يَقْدَمُ مِن سفرٍ إلا نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بَدَأَ بالمسجدِ فصلَّى فيهِ ركعتينِ، ثم جلسَ فيهِ للناسِ. "وعن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يَقْدَمُ من سَفَرٍ إلا نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بدأ بالمسجد"؛ أي: يكون ابتداء نزوله بالمسجد. "فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس فيه للناس"؛ أي: ليزوره الناس والأصدقاء، ويفرحون بقدومه ﷺ . * * * ٢٩٥٨ - وقال جابرٌ: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في سفرٍ، فلمَّا قدِمْنا المدينةَ قال لي: "اُدخُل المسجدَ فَصَلِّ ركعتينِ".

стр. 2058

"وقال جابر: كنت مع النبي ﷺ في سفر فلمَّا قدِمْنَا المدينة، قال لي: ادخل المسجد فصلِّ فيه ركعتين"، يدل على أن ذلك سُنَّة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٩٥٩ - عن صَخْرٍ الغامِديِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ بارِكْ لأِمتي في بُكورِها"، وكانَ إذا بعثَ سريةً أو جيشاً بعثَهم مِن أوَّلِ النَّهارِ. "من الحسان": " عن صَخْرٍ الغامِدِي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهمَّ بارك لأمتي في بُكُورِها": وكان الغامدي الراوي تاجراً يبعث أمواله في أول النهار في الأسفار فكثر ماله لبركة مراعاته للسُّنَّة؛ لأن دعاءه ﷺ مقبول لا محالة. "وكان إذا بعث سَرِيَّة، أو جيشاً بعثهم من أوَّل النهار"، وفيه سُنِّيَّة المسافرة في أول النهار. * * * ٢٩٦٠ - عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالدُّلْجَةِ، فإنَّ الأرضَ تُطوَى باللَّيلِ". "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عليكم بالدُّلْجَة"؛ أي: الزموا الدُّلْجَة، وهي السَّير آخر الليل، فإن السَّير فيه أسهل حتى يظن المسافر أنه سار قليلاً وقد سار كثيراً، فكأنه طُوِيَتْ له الأرض.

стр. 2059

"فإن الأرض تُطْوَى بالليل": ما لا تُطْوَى بالنَّهار. * * * ٢٩٦١ - وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "الرَّاكِبُ شيطانٌ، والرَّاكِبانِ شيطانانِ، والثلاثةُ رَكْبٌ". "عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: الرَّاكب شيطان"؛ أي: الانفراد والذَّهاب منفرداً من فعل الشيطان، أو شيء يحمل عليه الشيطان. "والراكبان شيطانان": لأنَّ كل واحدٍ منهما سَلَكَ مَسْلَكَ الشيطان في اختيار الوحدة والرغبة عن الجماعة. "والثلاثة رَكْبٌ": جمع راكب؛ أي: جماعة، وهذا حثٌّ على اجتماع الرفقة في السفر؛ لأن ما يحدث في السفر يحتاج إلى كثرة، خصوصاً إن نزل بهم نازل الموت للاحتياج فيه إلى الغسل والصلاة والدَّفن والحفر والوصية بردِّ وديعة ودين ونحوه، قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نُسَخَ. * * * ٢٩٦٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كانَ ثلاثةٌ في سَفَرٍ فليُؤمِّروا أحدَهم". "عن أبي سعيد الخُدْري - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ قال: إذا كان ثلاثةٌ في سفر فليُؤَمِّروا أحدهم"؛ أي: فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم؛ ليجتمع أمرهم ولا يختلفوا فيتعبوا. * * *

стр. 2060

٢٩٦٣ - عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "خيرُ الصَّحابةِ أربعةٌ، وخيرُ السَّرايا أربعُمائةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً مِن قِلَّةٍ"، غريب. "عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: خير الصحابة"؛ أي: الرفقاء. "أربعة": لاستئناس كل منهم بآخر، وإذا عَنَّ لهم أمر يُحْتَاج فيه إلى ذهاب أحدهم وافقه آخر معاونة له ومؤانسةً. "وخير السَّرايا": جمع سرية "أربع مئة"، و (السرية): خيل، مأخوذ من سَرَى يَسْرِي من باب ضرب: إذا سار ليلاً؛ لأنها تسري خفية، أو من الاستِرَاء: الاختيار؛ لأنها جماعة مُسْتراة؛ أي مختارة من الجيش، ولم يَرِدْ في تحديدها نصٌّ. وقيل: التسعة فما فوقها سرية، والثلاثة والأربعة ونحو ذلك طَلِيْعَة لا سَرِيَّة. "وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً عن قلة"؛ أي: لقلة، يعني: لو غُلبوا لم يكن للقلَّة بل لأمر آخر. "غريب". * * * ٢٩٦٤ - عن جابرٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يتخلَّفُ في السَّيرِ، فيُزْجي الضَّعيفَ، ويُرْدِفُ، وَيدْعُو لهم. "عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله صلى الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتخلَّف في السَّير"؛ أي: يتأخر ويسير خلف الجيش.

стр. 2061

"فُيزْجِي"؛ أي: يسوق "الضعيف" في السَّير، ويعينه ليلحق بالرفقة. "ويُرْدِفُ"؛ أي: يُرْكِبُ خلفه رديفاً؛ تواضعاً ورحمة منه للخلق. "ويدعو لهم". * * * ٢٩٦٥ - عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ قال: كانَ النَّاسُ إذا نزَلوا مَنزِلاً تَفَرَّقوا في الشِّعابِ والأوديةِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ تَفَرُّقَكُم في هذهِ الشِّعابِ والأوديةِ إنما ذلكم مِن الشَّيطانِ"، فلم ينزِلوا بعدَ ذلكَ منزِلاً إلا انضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى يقالَ: لو بُسِطَ عليهم ثوبٌ لعمَّهم. "عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرَّقوا في الشِّعاب" بكسر الشين: جمع شِعْبٍ، وهو الطريق بين الجبلين. "والأودية": جمع الوادي. "فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن تَفَرُّقَكُم في هذه الشِّعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزلوا بعدَ ذلك مَنْزِلاً إلا انضمَّ بعضهم إلى بعض"؛ أي: قرب بعضهم بعضاً واجتمع. "حتى يُقَال: لو بُسِطَ"؛ أي: فُرِشَ. "عليهم ثوب لعمَّهم"؛ أي: لكفاهم. * * * ٢٩٦٦ - وعن عبدِ الله بن مسعودٍ قال: كنا يومَ بدرٍ كُلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ، فكانَ أبو لُبابَةَ وعليٌّ بن أبي طالبٍ زَميلَيْ رسولِ الله ﷺ ، قال: وكانت إذا جاءَتْ عُقْبَةُ رسولِ الله ﷺ قالا: نحنُ نَمشي عنكَ، قال: "ما أنتما بأَقوَى منِّي،

стр. 2062

وما أنا بأَغنَى عن الأجرِ منكما". "عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، فكان أبو لُبَابة وعلي بن أبي طالب زَمِيلَيْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: رديفيه. "قال: فكانت"؛ أي: القصة. "إذا جاءت عُقْبَةُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: نَوْبَةُ نزوله عن الدَّابة ومشيه. "قالا: نحن نمشي عنك، قال: ما أنتما بأقوى مني"؛ أي: على المشي. "وما أنا بأغنى عن الأجر منكما"؛ يعني: أنتما تريدان الأجر بالمشي، وأنا أيضاً أطلبه، وهذا تعليم منه ﷺ للأمة مكارم الأخلاق وطلب الأجر. * * * ٢٩٦٧ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تَتَّخِذوا ظُهورَ دوابكم منابرَ، فإنَّ الله تعالى إنَّما سخَّرَها لكم لتُبلِّغَكم إلى بلدٍ لم تَكونوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنفُسِ، وجعلَ لكم الأرضَ، فعليها فاقضُوا حاجاتِكم". "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تتَّخذوا ظُهور دوابكم منابرَ"؛ أي: لا تستقرُّوا عليها بدون السَّير، والنَّهي عن الوقوف على ظهر الدَّابة مع ثبوت أنه ﷺ خطب على راحلته واقفاً يدلُّ على جوازه لا رَيْبَ، وقيل: معناه: لا تركبوا عليها لغير حاجة ومشقَّة في السَّير راجلاً. "فإن الله تعالى إنما سخَّرها لكم لتبلِّغَكم إلى بلد لم تكونوا بَالِغِيْهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُس"؛ أي: بمشقتها. "وجعل لكم الأرض"؛ أي: خلقها لتسكنوا فيها وتتردَّدوا عليها، كيف

стр. 2063

شئتم ومتى شئتم فلا حرج عليكم في التَّردد عليها، بخلاف ركوب الدَّواب فإن ركوبها بلا حاجة منهيٌّ. "فعليها"؛ أي: فعلى الدَّواب. "فاقضوا حاجاتكم": من المسافرة راكبين عليها. * * * ٢٩٦٨ - قال أنسٌ: كنا إذا نَزَلْنا منزِلاً لا نُسبحُ حتى نَحُلَّ الرَّحالَ أي: لا نُصلِّي الضُّحى. "قال أنس - رضي الله تعالى عنه - كنا إذا نزلنا منزلاً لا نسبح حتى تحل الرحال"؛ أي: حتى نحط الأحمال عن ظهور الدواب كيلا تتعب بكون الحمل على ظهورها. "أي: لا نصلي الضحى": تفسير من المؤلف لقوله: "لا نسبح". * * * ٢٩٦٩ - عن بُرَيدَةَ قال: بينَما رسولُ الله ﷺ يمشي، إذ جاءَ رجلٌ معَهُ حمارٌ فقال: يا رسولَ الله! اركبْ، وتَأَخَّرَ الرجلُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا، أنتَ أَحَقُّ بصدرِ دابَّتِكَ إلا أنْ تجعلَهُ لي"، قال: قد جعلْتُه لكَ، فركِبَ. "عن بُرَيْدَة قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ جاء رجل معه حمار فقال: يا رسول الله! اركب وتأخَّر الرجل، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا، أنْتَ أحقُّ بصَدْرِ دابَّتك"، (صدرها) من ظهرها: ما يلي عنقها. "لا أن تجعَلَهُ لي": وإنما قال ﷺ ذلك؛ لئلا يظنَّ الرجل أن مَنْ هو أكبر قدراً أحقُّ بركوب صَدْرِها مالكاً كان أو غيره، فبيَّن ﷺ أن المالك أحقُّ بصدر دابته إلا أن يُؤْثِرَ غيره به على نفسه.

стр. 2064

"قال"؛ أي: الرجل: "قد جعلته لك، فركب"؛ أي: النبي ﷺ صَدْرَها. * * * ٢٩٧٠ - عن سعيدِ بن أبي هندٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تكونُ إبلٌ للشَّياطينِ، وبيوتٌ للشَّياطينِ، فأمَّا إبلُ الشَّياطينِ فقد رأيتُها، يخرُج أحدُكم بنجيباتٍ مَعَهُ قد أَسْمَنَها فلا يَعْلو بعيراً منها، وَيمُرُّ بأَخيهِ قد انقطعَ بهِ فلا يحمِلُه، وأمَّا بيوتُ الشَّياطينِ فلم أَرَها" كان سعيدٌ يقولُ: لا أُراها إلا هذهِ الأقفاصَ التي تسترُ الناسَ بالدَّيباجِ. "عن سعيد بن أبي هِنْدٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تكون إِبلٌ للشياطين": يريد به: المُعَدَّة للتَّفَاخر والتَّكاثر دون قصد أمر مشروع. "وبيوتٌ للشياطين": قال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه -: "فأما إبل الشياطين فقد رأيتها، يخرج أحدُكُم بنجِيْبَات معه": جمع نجيبة، وهي النَّاقة المختارة. "قد أسمنها فلا يَعْلو بعيراً منها"؛ أي: لا يركبه. "ويمرُّ بأخيه"؟ أي: برجل هو أخوه في الدِّين. "قد انقُطِعَ به": على بناء المجهول؛ أي: كلَّ عن السَّير، فالضَّمير للرجل المنقطع عن الرفقة، و (به) نائب عن الفاعل، والجملة حال. "فلا يحمله"، وهذا لأنَّ الدَّواب إنما خُلِقَتْ لينتفع بها بالركوب والحمل، فإذا لم يُحْمَل عليها مَنْ أعيى في الطريق، فقد أطاع الشيطان في منع الانتفاع، ومن وافق له فهو من الشيطان. "وأما بيوت الشياطين فلم أَرَها، كان سعيد يقول: لا أرَاها"؛ أي: لا أظنُّها.

стр. 2065

"إلا هذه الأَقْفَاص": جمع القَفَص، وهو المحامل والهوادج التي يجلس فيها النساء على ظهر الدَّابة في الطريق. "تستر الناس بالدِّيْبَاج"، والنهي عنها ليس لذاتها، بل لتستُّرها بالدِّيباج ونحوه من الثِّياب الأبرسميات. * * * ٢٩٧١ - عن سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، قال: غَزَوْنا معَ النبيِّ ﷺ فضَيَّقَ الناسُ المنازلَ وقطعُوا الطَّريقَ، فبعثَ نبيُّ الله ﷺ مُنادِياً يُنادي في النَّاسِ: "أن مَن ضيَّقَ منزِلاً أو قطعَ طريقاً فلا جهادَ لهُ". "عن سهل بن معاذ، عن أبيه أنه قال: غزونا مع النبي ﷺ فضيَّق الناس المنازل": بسبب أخذِ كلٍّ منهم منزلاً لا حاجة له فيه. "وقطعوا الطريق" بتضييقها على المارة، وقيل: بالاختلاس من الناس. "فبعث نبي الله منادياً ينادي في الناس: أن مَنْ ضَيَّقَ منزلاً، أو قطع طريقاً فلا جهاد له"؛ أي: لا كمال لثواب جهاده بإضراره الناس. * * * ٢٩٧٢ - عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إن أحسنَ ما دخلَ الرجلُ على أهلِهِ إذا قدِمَ مِن سفرٍ أولُ الليلِ". "عن جابر - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إنَّ أحْسَنَ ما دخل الرجل على أهله إذا قدِمَ من سفر أولُ الليل"، يحمل هذا على الدُّخول بالزوجة وقضاء الوطء منها، فإنَّ ذلك في أول الليل أحسن منه نهاراً؛ إذ بالنهار قد يزاحم بالزوَّار فينقطع عما هو فيه، إذ المسافر يقدم غالباً مع

стр. 2066

شهوة، فإذا قضى نهمته عند ذلك يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة. * * * ٤ - باب الكتابِ إلى الكُفَّارِ ودعائِهم إلى الإسلامِ (باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٩٧٣ - عن ابن عبَّاسٍ: أن النبيَّ ﷺ كتبَ إلى قيصرَ يدعُوه إلى الإسلام، وبعثَ بكتابهِ إليه مع دِحْيَةَ الكلبيِّ، وأمَرَهُ أنْ يدفعَهُ إلى عظيمِ بُصْرَى ليدفَعه إلى قيصرَ، فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن محمدٍ عبدِ الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهدَى، أمَّا بعدُ: فإني أَدعُوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسْلَم، وأسلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرَّتينِ، فإنْ تَوَلَّيتَ فعليكَ إثمُ الأرِيسيَّينَ، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". ويُروَى: "بدِعايةِ الإسلامِ". "من الصحاح": " عن ابن عباس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى قيصر": هو لقب كلِّ منْ يملك الروم. "يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه"؛ أي: مع كتابه إلى قيصر.

стр. 2067

"دِحْيَةَ الكلبي": وهو اسم المبعوث. "وأمره"؛ أي: النبيُّ ﷺ دِحْيةَ الكلبي. "أن يدفعه"؛ أي: الكتاب. "إلى عظيم بُصْرَى"؛ أي: إلى من يُعَظِّمه أهل بُصْرى؛ أي: زعيمها وحاكمها، وبُصْرَى على وزن حبلى: موضع بالشام. "ليدفعه"؛ أي: عظيمُ بصرى ذلك الكتاب. "إلى قيصر، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد": يتعلق بمحذوف؛ أي: صَدَرَ من محمد. "عبد الله": صفة، أو بدل منه، وليس عطف بيان؛ لأن محمداً أشهر منه. "ورسوله": تقديم لفظ (العبد) على لفظ (الرسول) يدل على أن العبودية إليه تعالى أقرب طرق العباد إليه تعالى، وهذا يدلُّ على أنَّ مِنْ آداب المكاتبة تصدير المكتوب بالبسملة وباسم المكتوب منه. "إلى هِرَقْل" بكسر الهاء وفتح الراء: اسم ملك الروم في ذلك الوقت، وقيصر اسم لجميع ملوك الروم، وقيل كلاهما واحد. "عظيم الروم": وإنما لم يكتب: ملك الروم؛ لئلا يكون ذلك مقتضياً لتسليم الملك إليه، وهو بحكم الدِّين معزولٌ عنه، وفيه جواز إطلاق (العظيم) مضافاً إلى غيره تعالى كـ (الربِّ). "سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى"؛ أي: طريق الحقِّ، وهو الإسلام. "أما بعد: فإني أدْعُوك بداعية الإسلام": وهو مصدر بمعنى الدَّعوة كالعافية؛ أي: بكلمة الشهادة التي يُدْعَى إليها الناس كلهم. "أسْلِمْ تَسْلَم": من السلامة.

стр. 2068

"وأسْلِمْ يؤتِكَ الله أجرَكَ مرتين": أجرُّ النصرانية التي كنت عليها مُحِقًّا قبل بعثتي، وأجر الإيمان بي، ويجوز أن يتعلق قوله: (مرتين) بقوله: (تسلم) أيضاً تعلق التنارع؛ أي: تسلم مرةً في الدنيا من القتل وأخذ الجزية، ومرة من عقاب العقبى، وتكرير (أسلم) مبالغةٌ وإيذانٌ بشفقته ﷺ بإسلامه. "وإن تولَّيْتَ"؛ أي: أعرضْتَ عن الإسلام. "فعليك إثم الأريْسِيين": جمع أَرِيْسيٍّ، وهو منسوب إلى الأَرِيس، وهو الزراع، والمراد بها: أتباعه من الرعايا؛ لأنه بإعراضه عن الإسلام يصدُّهم عنه فيكون إثم كُفْرِهم عليه. وقيل: الأريس مخففاً: الخدم والخَوَل (١)، وقيل: هو نصراني مشهور بينهم (٢)، قَتَلَ هو وأصحابه نبياً بُعِثَ إليهم، وقيل: الأريسون: الملوك، وقيل: العشارون، وقيل: جمع إرِّيس - بكسر الهمزة وتشديد الراء - وهو الملك، وهذا أولى بالقَبول. " ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ": بيان لقوله ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾؛ أي: لا يتخذُ مخلوقٌ مخلوقاً إلهاً. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غيره. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن أعرض أهل الكتاب عن الكلمة السواء. ﴿فَقُولُوا﴾: أيها المسلمون: ﴿اشْهَدُوا﴾: يا أهل الكتاب" ﴿بِأَنَّا

стр. 2069

﴿مُسْلِمُونَ الْكِتَابِ﴾، ويروى: بدعاية الإسلام"؛ أي: بدعوته، مصدر أيضاً كالشِّكَاية، وقد جاء في بعض الأخبار الصحيحة: أنه لما وصل كتاب الرسول ﷺ إلى هِرَقْل سأل عن حاله ﷺ مَن الذي جاء بكتابه؟ فقيل: محمد مِنْ أشرف قومه، أو مِنْ أوسطهم (١)، أو من أوضعهم (٢)؟ فقال: من أوسطهم، فقال: هكذا كان الأنبياء فقال: أفقراء أتباعه أم أغنياء؟ فقال: بل فقراء، فقال هكذا أتباع الأنبياء، فقال: إذا حارب قوماً يكون الظَّفَرُ كلُّه له، أو يكون بعض الظَّفَرِ له وبعضه لخصمه، فقال: يكون بعض الظَّفَر له وبعضه لخصمه، فقال: هكذا كان الأنبياء، فقال هرقل: آمنت بمحمد، وأَمَرَ قومه بالإيمان به، فارتفعَتْ أصواتهم، وقالوا: لا ندَعُ دين آباءنا، فخافهم هرقل، وأغلَقَ باب قصره، وأمر منادياً ينادي على سطح قصره: أيها الناس، إن هرقل يمتحنكم بعرض دين محمد عليكم؛ ليعلم أنكم ثابتون على دين آباءكم، فإن هرقل ثابت على دينه القديم، وقال لمن جاء بالكتاب: قل لمحمد: إني أعلم أنك نبي، لكن إنما لم أظهر إيماني خوفاً من الرعية ومن ذهاب الملك. * * * ٢٩٧٤ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ بكتابهِ إلى كِسرى مع عبدِ الله بن حُذافَةَ السَّهميِّ، فأمرَهُ أنْ يدفَعَه إلى عظيمِ البحرَيْنِ فدفعَهُ عظيمُ البحرينِ إلى كِسْرَى فلمَّا قرأهُ مَزَّقَه، قال ابن المسيبِ: فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ أنْ يُمَزَّقُوا كلَّ ممزَّقٍ. "وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعَثَ بكتابه

стр. 2070

إلى كسرى" بفتح الكاف وقد تكسر، وهو أبرويز بن أنوشروان. "مع عبد الله بن حُذَافة السَّهميِّ، فأمره"؛ أي: النبيُّ ﷺ عبدَ الله بن حُذَافة. "أن يدفعه"؛ أي: الكتاب. "إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ"؛ أي: خرقه. "قال ابن المسيب: فدعا عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أن يُمَزَّقوا كل مُمزَّق": مصدر كالتَّمزيق؛ أي: تفرقوا كلَّ أنواع من التفريق، يريد: زوال ملكهم، قيل: إن الذي مَزَّق كتابَ النبي ﷺ أبرويز بن أنوشروان قتله ابنه شيرويه، فلما أيقَنَ أبرويز الهلاك، وكان مأخوذاً عليه فَتْحَ خزانة الأدوية، وكتب على حُقَّة السُّمِّ: الدواء النافع للجماع، فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى الحُقَّة فتناول منها فمات من ذلك السُّم، ولم يستقم أمرهم بعد دعائه ﷺ بالتمزيق. وقيل: هو خسرو زوج شيرين، قام ابنه شيرويه فشقَّ بطن أبيه لغلبة عشقه بها، فلما دفنه وطلب من شيرين أن يتزوج بها قالت: أمهلني حتى أودع أباك فدخلَتِ القبر، ووضعَتْ مقبض السَّيف على جرح خسرو ورأسه على بطنها، واعتمدَتْ عليه حتى دخل في بطنها وخرَّتْ عليه ميتة. وكان فتح بلاد العجم في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وكان ملكهم في ذلك الوقت يزدجرد شهريار بن شيرويه بن أبرويز، وتزوج الحسن بن علي ﵁ شهربانو بنت يزدجرد. * * *
следующие страницы →