شهوة، فإذا قضى نهمته عند ذلك يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة.
* * *
٤ - باب الكتابِ إلى الكُفَّارِ ودعائِهم إلى الإسلامِ
(باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٩٧٣ - عن ابن عبَّاسٍ: أن النبيَّ ﷺ كتبَ إلى قيصرَ يدعُوه إلى الإسلام، وبعثَ بكتابهِ إليه مع دِحْيَةَ الكلبيِّ، وأمَرَهُ أنْ يدفعَهُ إلى عظيمِ بُصْرَى ليدفَعه إلى قيصرَ، فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن محمدٍ عبدِ الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهدَى، أمَّا بعدُ: فإني أَدعُوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسْلَم، وأسلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرَّتينِ، فإنْ تَوَلَّيتَ فعليكَ إثمُ الأرِيسيَّينَ، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ".
ويُروَى: "بدِعايةِ الإسلامِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى قيصر": هو لقب كلِّ منْ يملك الروم.
"يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه"؛ أي: مع كتابه إلى قيصر.
стр. 2067
"دِحْيَةَ الكلبي": وهو اسم المبعوث.
"وأمره"؛ أي: النبيُّ ﷺ دِحْيةَ الكلبي.
"أن يدفعه"؛ أي: الكتاب.
"إلى عظيم بُصْرَى"؛ أي: إلى من يُعَظِّمه أهل بُصْرى؛ أي: زعيمها وحاكمها، وبُصْرَى على وزن حبلى: موضع بالشام.
"ليدفعه"؛ أي: عظيمُ بصرى ذلك الكتاب.
"إلى قيصر، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد": يتعلق بمحذوف؛ أي: صَدَرَ من محمد.
"عبد الله": صفة، أو بدل منه، وليس عطف بيان؛ لأن محمداً أشهر منه.
"ورسوله": تقديم لفظ (العبد) على لفظ (الرسول) يدل على أن العبودية إليه تعالى أقرب طرق العباد إليه تعالى، وهذا يدلُّ على أنَّ مِنْ آداب المكاتبة تصدير المكتوب بالبسملة وباسم المكتوب منه.
"إلى هِرَقْل" بكسر الهاء وفتح الراء: اسم ملك الروم في ذلك الوقت، وقيصر اسم لجميع ملوك الروم، وقيل كلاهما واحد.
"عظيم الروم": وإنما لم يكتب: ملك الروم؛ لئلا يكون ذلك مقتضياً لتسليم الملك إليه، وهو بحكم الدِّين معزولٌ عنه، وفيه جواز إطلاق (العظيم) مضافاً إلى غيره تعالى كـ (الربِّ).
"سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى"؛ أي: طريق الحقِّ، وهو الإسلام.
"أما بعد: فإني أدْعُوك بداعية الإسلام": وهو مصدر بمعنى الدَّعوة كالعافية؛ أي: بكلمة الشهادة التي يُدْعَى إليها الناس كلهم.
"أسْلِمْ تَسْلَم": من السلامة.
стр. 2068
"وأسْلِمْ يؤتِكَ الله أجرَكَ مرتين": أجرُّ النصرانية التي كنت عليها مُحِقًّا قبل بعثتي، وأجر الإيمان بي، ويجوز أن يتعلق قوله: (مرتين) بقوله: (تسلم) أيضاً تعلق التنارع؛ أي: تسلم مرةً في الدنيا من القتل وأخذ الجزية، ومرة من عقاب العقبى، وتكرير (أسلم) مبالغةٌ وإيذانٌ بشفقته ﷺ بإسلامه.
"وإن تولَّيْتَ"؛ أي: أعرضْتَ عن الإسلام.
"فعليك إثم الأريْسِيين": جمع أَرِيْسيٍّ، وهو منسوب إلى الأَرِيس، وهو الزراع، والمراد بها: أتباعه من الرعايا؛ لأنه بإعراضه عن الإسلام يصدُّهم عنه فيكون إثم كُفْرِهم عليه.
وقيل: الأريس مخففاً: الخدم والخَوَل (١)، وقيل: هو نصراني مشهور بينهم (٢)، قَتَلَ هو وأصحابه نبياً بُعِثَ إليهم، وقيل: الأريسون: الملوك، وقيل: العشارون، وقيل: جمع إرِّيس - بكسر الهمزة وتشديد الراء - وهو الملك، وهذا أولى بالقَبول.
" ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ": بيان لقوله ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾؛ أي: لا يتخذُ مخلوقٌ مخلوقاً إلهاً.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غيره.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن أعرض أهل الكتاب عن الكلمة السواء.
﴿فَقُولُوا﴾: أيها المسلمون: ﴿اشْهَدُوا﴾: يا أهل الكتاب" ﴿بِأَنَّا
стр. 2069
﴿مُسْلِمُونَ الْكِتَابِ﴾، ويروى: بدعاية الإسلام"؛ أي: بدعوته، مصدر أيضاً كالشِّكَاية، وقد جاء في بعض الأخبار الصحيحة: أنه لما وصل كتاب الرسول ﷺ إلى هِرَقْل سأل عن حاله ﷺ مَن الذي جاء بكتابه؟ فقيل: محمد مِنْ أشرف قومه، أو مِنْ أوسطهم (١)، أو من أوضعهم (٢)؟ فقال: من أوسطهم، فقال: هكذا كان الأنبياء فقال: أفقراء أتباعه أم أغنياء؟ فقال: بل فقراء، فقال هكذا أتباع الأنبياء، فقال: إذا حارب قوماً يكون الظَّفَرُ كلُّه له، أو يكون بعض الظَّفَرِ له وبعضه لخصمه، فقال: يكون بعض الظَّفَر له وبعضه لخصمه، فقال: هكذا كان الأنبياء، فقال هرقل: آمنت بمحمد، وأَمَرَ قومه بالإيمان به، فارتفعَتْ أصواتهم، وقالوا: لا ندَعُ دين آباءنا، فخافهم هرقل، وأغلَقَ باب قصره، وأمر منادياً ينادي على سطح قصره: أيها الناس، إن هرقل يمتحنكم بعرض دين محمد عليكم؛ ليعلم أنكم ثابتون على دين آباءكم، فإن هرقل ثابت على دينه القديم، وقال لمن جاء بالكتاب: قل لمحمد: إني أعلم أنك نبي، لكن إنما لم أظهر إيماني خوفاً من الرعية ومن ذهاب الملك.
* * *
٢٩٧٤ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ بكتابهِ إلى كِسرى مع عبدِ الله بن حُذافَةَ السَّهميِّ، فأمرَهُ أنْ يدفَعَه إلى عظيمِ البحرَيْنِ فدفعَهُ عظيمُ البحرينِ إلى كِسْرَى فلمَّا قرأهُ مَزَّقَه، قال ابن المسيبِ: فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ أنْ يُمَزَّقُوا كلَّ ممزَّقٍ.
"وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعَثَ بكتابه
стр. 2070
إلى كسرى" بفتح الكاف وقد تكسر، وهو أبرويز بن أنوشروان.
"مع عبد الله بن حُذَافة السَّهميِّ، فأمره"؛ أي: النبيُّ ﷺ عبدَ الله بن حُذَافة.
"أن يدفعه"؛ أي: الكتاب.
"إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ"؛ أي: خرقه.
"قال ابن المسيب: فدعا عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أن يُمَزَّقوا كل مُمزَّق": مصدر كالتَّمزيق؛ أي: تفرقوا كلَّ أنواع من التفريق، يريد: زوال ملكهم، قيل: إن الذي مَزَّق كتابَ النبي ﷺ أبرويز بن أنوشروان قتله ابنه شيرويه، فلما أيقَنَ أبرويز الهلاك، وكان مأخوذاً عليه فَتْحَ خزانة الأدوية، وكتب على حُقَّة السُّمِّ: الدواء النافع للجماع، فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى الحُقَّة فتناول منها فمات من ذلك السُّم، ولم يستقم أمرهم بعد دعائه ﷺ بالتمزيق.
وقيل: هو خسرو زوج شيرين، قام ابنه شيرويه فشقَّ بطن أبيه لغلبة عشقه بها، فلما دفنه وطلب من شيرين أن يتزوج بها قالت: أمهلني حتى أودع أباك فدخلَتِ القبر، ووضعَتْ مقبض السَّيف على جرح خسرو ورأسه على بطنها، واعتمدَتْ عليه حتى دخل في بطنها وخرَّتْ عليه ميتة.
وكان فتح بلاد العجم في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وكان ملكهم في ذلك الوقت يزدجرد شهريار بن شيرويه بن أبرويز، وتزوج الحسن بن علي ﵁ شهربانو بنت يزدجرد.
* * *
стр. 2071
٢٩٧٥ - وقال أنسٌ: إنَّ نبيَّ الله ﷺ كتبَ إلى كسْرَى وإلى قيصرَ وإلى النَّجاشيِّ وإلى كلِّ جبَّارٍ يدعُوهم إلى الله، وليسَ بالنَّجاشيِّ الذي صلَّى عليهِ النبيُّ ﷺ .
"وقال أنس - رضي الله تعالى عنه - إن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النَّجاشي" بتخفيف الياء وسكونها، قيل: هو الصواب، اسم ملوك الحبشة.
"وإلى كل جبَّار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي ﷺ .
* * *
٢٩٧٦ - عن سليمانَ بن بُرَيْدةَ، عن أبيه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريَّةٍ، أَوْصَاهُ في خاصَّتِه بتقوَى الله، ومَن معَهُ مِن المسلمينَ خيراً ثم قال: "اُغزُوا بسمِ الله في سبيلِ الله، قاتِلوا مَن كَفَر بالله، اُغزُوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدُوَّكَ مِن المُشركينَ فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ، أو خِلالٍ، فأَيَّتُهنَّ ما أَجَابُوكَ فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم: ثمَّ ادعُهم إلى الإسلام، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ، وأخبرْهم أَنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ فلهم ما للمُهاجرينَ، وعليهم ما على المُهاجرينَ، فإن أَبَوا أَنْ يَتَحوَّلُوا منها فَأَخْبرْهم أنهم يكونُونَ كأعرَابِ المسلمينَ، يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ والفيءَ شيءٌ إلا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المسلمينَ، فإن هُم أَبَوا فسَلْهم الجزْيَةَ، فإنْ هُم أَجَابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ هم أَبَوا فاستَعِنْ بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ فَأَرادُوكَ أنْ تجعلَ لهم ذِمَّةَ الله وذِمَّةَ نبَيهِ فلا تَجعلْ لهم ذِمَّةَ الله ولا ذِمَّةَ
стр. 2072
نَبيهِ، ولكنْ اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وذمَّة أصحابكَ، فإنكم أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمِكُمْ وَذِمَم أصحابكم، أهونُ مِن أنْ تَخْفِرُوا ذِمَةَ الله وذمةَ رسولِهِ، وإنْ حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تُنْزِلَهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلْهم على حُكْمِ الله، ولكنْ أَنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدرِي أَتُصيبُ حكمَ الله فيهمْ أم لا".
"عن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سَرِيَّة أَوْصَاهُ في خاصَّته"؛ أي: في أمر نفسه.
"بتقوى الله": بأن يقول له: اتق الله.
"ومن معه من المسلمين خيراً"؛ يعني: أوصاه في أمرهم بحفظ مصالحهم، وأمره إيَّاهم بما فيه خير.
"ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تَغُلُّوا"؛ أي: لا تسرقوا شيئاً من الغنيمة ولا تخونوا فيها.
"ولا تَغْدِرُوا"؛ أي: لا تحاربوا الكفار قبل أن تدعوهم إلى الإسلام.
"ولا تُمَثِّلُوا"؛ أي: لا تجعلوا المُثْلَةَ، وهي قطع الأعضاء، وقيل: المراد: التصوير والتمثيل بخلق الله؛ أي: لا تشبهوا بخلقه تعالى وتصوِّروا.
"ولا تقتلوا وَلِيْداً"؛ أي: طفلاً.
"وإذا لقيْتَ": الخطاب مع أمير الجيش.
"عدوَّكَ مِنَ المشركين فادْعُهُمْ إلى ثَلَاثِ خِصَال": جمع خصْلَة.
"أو خِلَال": جمع خَلَّة - بفتح الخاء -، وهي الخصلة، شكٌّ من الراوي.
"فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك": (ما) هذه زائدة؛ أي: أيَّة واحدة من هذه الخِصَال الثلاث أجابوك.
"فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام": هذا هو الخصلة
стр. 2073
الأولى، وفيه دليل لمالك على عدم مقاتلتهم قبل دعوتهم.
"فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التَّحول"؛ أي: الانتقال" من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين" من الثَّواب واستحقاق مال الفيء، قيل: ذلك الاستحقاق كان في زمن النبي ﷺ "؛ فإنه يُنْفِقُ على المهاجرين مما آتاه الله من الفيء.
"وعليهم ما على المهاجرين": من الخروج إلى الجهاد؛ أي: في أيِّ وقت أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو، أو لم يكن، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بإزاء العدو مَنْ به الكفاية.
"فإن أَبَوْا أن يتحوَّلوا منها"؛ أي: من دار الكفار، هذا هو الخصلة الثانية.
"فأخبرهم أنهم يكونون كأَعْرَاب المسلمين"؛ أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية، لا في دار الكفر، ولم يهاجروا.
"يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنين": من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص أو الدية إن قتلوا أحداً عدواناً.
"ولا يكونون لهم في الغنيمة والفَيْءِ شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوْا"؛ أي: عن قَبول الإسلام.
"فسَلْهُم الجزية": هذا هو الخصلة الثالثة، ظاهره يوجِبُ قَبُول الجزية مِنْ كلِّ مشرك كتابيًّا كان أو غيره كعبدة الأوثان والنيران، وإليه ذهب الأوزاعي.
وعن الشافعي: أنها لا تُقبل إلا مِنْ كِتَابي، أو مجوسي عربياً كان أو غيره.
وعن أبي حنيفة: قبولها من الكتابي عموماً، ومن مشركي العجم.
وعن أبي يوسف: عدم قبولها من العربي مطلقاً، وتُقْبَل مِنْ غيره مطلقاً.
"فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبَوْا"؛ أي: عن قَبول الجزية.
стр. 2074
"فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصَرْتَ أهل حِصْنٍ" من الكفار، "فأرادوك"؛ أي: طلبوا منك.
"أن تجعل لهم ذِمَّة الله وذِمَّة نبيه"؛ أي: عهدهما.
"فلا تجعل لهم ذِمَّة الله ولا ذِمَّة نبيه، ولكن اجعل لهم ذِمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابك"؛ أي: قل لهم جعلت لكم ذِمَّتي وذِمَّة أصحابي.
"فإنهم إن يخفروا ذممكم"؛ أي: إن ينقضوا عهدكم.
"وذمم أصحابكم أهون مِنْ أن يخفروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله"؛ أي: من أن ينقضوا عهدهما، إذ لو نقضوا عهدهما لم تدرِ ما تصنع حتى يُؤْذَنَ لكم فيهم بوحي ونحوه، وقد يتعذر ذلك عليك بسبب غيبتك عن مهبط الوحي، بخلاف ما إذا نقضوا عهدك؛ لأنك إذا أنزلتهم على حكمك فيهم باجتهادك كنت قادراً عليهم من قتلهم، أو ضرب الجزية عليهم، أو استرقاقهم، أو المن أو الفداء بحسب ما ترى من المصلحة بحسبك.
"وإذا حاصَرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادوك أن تُنْزِلْهُمْ على حُكْم الله، فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ الله، ولكن أنزلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدري أَتُصِيْبُ حُكْمَ الله فيهم أم لا".
* * *
٢٩٧٧ - عن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى ﵁: أن رسولَ الله ﷺ في بعضِ أيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انتظرَ حتى مالَتْ الشمسُ ثم قامَ في الناسِ فقالَ: "يا أيُّها الناسُ، لا تتَمَنَّوْا لقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتمُوهم فاصْبرُوا، واعلَمُوا أن الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ، ثم قال: اللهمَّ مُنزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السحابِ، وهازِمَ الأحزابِ، اهْزِمْهُمْ، وانُصْرَنا عليهم".
стр. 2075
"عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أيامه"؛ أي: غزواته.
"التي لَقِيَ فيها"؛ أي: قاتل في تلك الأيام.
"العدو انتظر"؛ أي: لم يحارب معهم لفرط الحرارة.
"حتى مالَت الشَّمس" ودخل وقت الظُّهر، وانكسر بعض الحرِّ.
"ثم قام في الناس"؛ أي: وعظ الناس وحرَّضهم على القتال.
"فقال: يا أيها الناس! لا تتمنَّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية"، إنما نهى عن تمنِّي لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة، ولأنه يتضمَّن قِلَّةَ الاهتمام بالعدو وتحقيرهم، وهذا يخالف الاحتياط.
"فإذا لقيتموهم"؛ أي: العدو، يستوي فيه الواحد والجمع.
"فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظِلال السيوف"؛ يعني: كون المجاهد في القتال بحيث تعلوه سيوف الأعداء سببٌ للجنة، أو المراد بالسيوف: سيوف المجاهد، هذا كناية عن الدُّنَوِّ من العدو في الضراب، وإنما ذكر السيوف لأنها أكثر سلاح العرب.
"ثم قال: اللهم مُنْزِلَ الكتاب ومُجْرِيَ السَّحاب وهازِمَ الأحزاب اهْزِمْهُمْ وانْصُرْنَا عليهم".
* * *
٢٩٧٨ - عن أنسٍ: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا غزَا بنا قوماً لم يكنْ يَغْزُو بنا حتى يُصْبحَ وينظرَ، فإنْ سمعَ أذَاناً كَفَّ عنهمْ وإنْ لم يَسْمَعَ أذَاناً أغارَ عليهم، قال: فخرجْنَا إلى خيبرَ فانتهَيْنَا إليهم ليلاً، فلمَّا أصبَحَ ولم يسمعْ أذاناً ركبَ وركبتُ خلفَ أبي طلحةَ وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُّ قدمَ نبيِّ الله ﷺ قال: فخرجُوا إلينا بِمَكَاتِلِهم
стр. 2076
ومَسَاحِيهم، فلمَّا رَأَوْا النبيَّ ﷺ قالوا: مُحَّمدٌ والله، محمدٌ والجيشُ، فَلَجَأوا إلى الحصنِ، فلمَّا رآهمُ رسولُ الله ﷺ قال: "الله أكبرُ الله أكبرُ، خَرِبَتْ خيبرُ، إنَّا إذا نزَلْنَا بساحةِ قومٍ فَسَاءَ صباحُ المُنْذَرِينَ".
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ كان إذا غَزَا بنا قوماً": الباء بمعنى المصاحبة؛ أي: غزونا وهو معنا، أو ملتبسا بنا، أو خرج بنا للغزو إلى قوم.
"لم يكن يغزُ بنا": بدون الواو، من الغَزْوِ، وقيل: كذا هو في كتب الحديث، وفي بعض بالواو، وفي: (يغير بنا) من الإغارة؛ أي: لم يدعنا أن نغير عليهم ليلاً.
"حتى يُصْبحَ وينظرَ، فإن سمع أذاناً كَفَّ عنهم"؛ أي: امتنع عن إغارتهم.
"وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم"؛ يعني: يعرف بلد المسلمين من الكفار بالأذان، فيه بيان أن الأذان شِعَار لدين الإسلام لا يجوز تركه، ولا يُستَدَلُّ به على جواز الإغارة إذا لم يسمع أذاناً، بل يُحمَل الأمر فيه على الاحتياط في مغرة.
"قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهَيْنَا إليهم ليلاً، فلمَّا أصبح ولم يسمَعْ أذاناً ركب"؛ أي: النبي ﷺ .
"وركبت خَلْفَ أبي طلحة، وإنَّ قَدَمِيْ لَتَمَسُّ قَدَمَ نبي الله ﷺ "؛ يعني: كنت أنا وأبو طلحة والنبي ﷺ راكبين على بعير واحد.
"قال: فخرجوا"؛ أي: الكفار من القلعة.
"إلينا بِمَكَاتِلِهِمْ": جمع مِكْتَل - بكسر الميم -، وهو الزَّنبيل الكبير، يسع خمسة عشر صاعاً كأن فيه كُتَلاً من التمر؛ أي: قطعاً.
стр. 2077
"ومَسَاحِيْهم" بفتح الميم: جمع مِسْحَاة، وهي المجرفة من حديد، قاصدين عمارة نخلهم، ولم يعلموا بدخولنا إليهم.
"فلمَّا رأوا النبي ﷺ قالوا: محمَّد"؛ أي: هذا محمد، أو أتانا محمد.
"والله، محمَّد والخَمِيسُ"؛ أي: الجيش، سُمّي به لانقسامه خمسةَ أقسامٍ: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لأنه يخمس الغنائم.
"فلجؤوا"؛ أي: التجؤوا.
"إلى الحصن، فلمَّا رآهم النبي ﷺ قال: الله أكبر الله أكبر، خَرِبَتْ خيبر": دعاء، أو خبر.
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾؛ أي: أرضهم.
﴿فَسَاءَ﴾؛ أي: بِئْسَ.
﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لنزول عذاب الله بالقتل والإغارة عليهم إن لم يؤمنوا.
* * *
٢٩٧٩ - وعن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهدتُ القتالَ مَع رسولِ الله ﷺ ، فَكانَ إذا لم يُقاتِلْ أولَ النهارِ انتظرَ حتى تهبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلاةُ.
"عن النُّعمان بن مُقَرِّن" بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة "قال: شهدْتُ"؛ أي: حضرْتُ.
"القتالَ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تَهْبَّ الأرواح": جمع ريح؛ لأن أصلها الواو، ويجمع على أرياح قليلاً، وعلى رياح كثيراً؛ أي: حتى تجيء الرياح، وتكسر حرارة النهار في وقت الزوال.
стр. 2078
"وتحضر الصلاة"؛ أي: صلاة الظهر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٩٨٠ - عن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهِدْتُ معَ رسولِ الله ﷺ فكانَ إذا لم يقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ انتظرَ حتى تزولَ الشمسُ وتَهُبَّ الرياحُ وينزِلَ النصرُ.
"من الحسان":
" عن النعمان [بن] مُقَرِّن قال: شهدْتُ مع رسول الله ﷺ وكان إذا لم يقاتل أوَّل النهار انتظر حتى تزول الشَّمس"، انتظاره ﷺ زوال الشَّمس ليطيب الوقت ويؤدي الصلاة.
"وتَهُبَّ الرياح وينزل النَّصر"؛ أي: النصرة ببركة دعاء المسلمين عُقيب صلاتهم لجيوشهم.
* * *
٢٩٨١ - وعن قَتادَةَ عن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: غزوتُ معَ النبيِّ ﷺ فكانَ إذا طلَعَ الفجرُ أمْسَكَ حتى تطلعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ قاتَلَ، فإذا انْتَصَف النهارُ أمسكَ حتى تزولَ الشَّمسُ، فإذا زالَتْ الشمسُ قاتَلَ حتى العصرِ، ثم أمسكَ حتى يُصلِّيَ العصرَ ثم يقاتلُ، قال قتادةُ: كانَ يقالُ: عندَ ذلكَ تَهِيجُ رياحُ النصرِ، ويدعو المؤمنونَ لجيوشِهم في صلاتِهم.
"عن قتادة عن النعمان بن مُقَرِّن قال: غزوْتُ مع رسول الله ﷺ وكان إذا طَلَعَ الفجْرُ أَمْسَكَ"؛ أي: امتنع عن الإغارة والقتال.
"حتى تطلع الشمس، فإذا طَلَعَتْ قاتل، فإذا انتصف النَّهار أَمْسَكَ حتى
стр. 2079
تزول الشَّمس، فإذا زالَتْ الشَّمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل، قال قتادة: كان يقال: عند ذلك تَهِيجُ رياح النَّصر"؛ أي: تجيء رياح النصرة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الرِّياح تهب من قِبَل المنصور في وقت الزوال.
"ويدعوا المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم".
* * *
٢٩٨٢ - عن عصامٍ المُزَنيِّ قال: بَعَثَنَا رسولُ الله ﷺ في سَرِيَّةٍ فقال: "إذا رأيتُم مَسجداً أو سمعْتُمْ مُؤَذِّناً فلا تقتُلوا أَحَداً".
"عن عصام المُزَني قال: بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سَرِيَّة فقال: إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم مؤذِّناً فلا تقتلوا أحداً"؛ يعني: إذا كان شيء من ذلك في دار الدِّين فأمسكوا عن القتال، فيه دليل على أن إظهار شعار الإسلام في القتال والغارة يحقِنُ الدَّم.
* * *
٥ - باب القِتالِ في الجهادِ
(باب القتال في الجهاد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٩٨٣ - عن جابرٍ قال: قالَ رجلٌ للنبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ: أرأيتَ إنْ قُتِلْتُ فأينَ أنا؟ قال: "في الجَنَّةِ"، فأَلْقَى تَمَراتٍ في يدِهِ، ثم قاتَلَ حتى قُتِلَ.
стр. 2080
"من الصحاح":
" عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم أُحُد: أرأيت"؛ أي: أخبرني.
"إن قُتِلْتُ فأينَ أنا؟ "؛ يعني: إِنْ قُتِلْتُ شهيداً في أيِّ منزل أكون، أفي الجنة أم في النار؟
"قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده": صفة (تمرات)، "ثم قاتل حتى قُتِلَ".
* * *
٢٩٨٤ - قال كعبُ بن مالكٍ: لم يكنْ رسولُ الله ﷺ يريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرِها، حتى كانَتْ تلكَ الغَزْوةُ - يعني: غزوةَ تبوكَ - غزاهَا رسولُ الله ﷺ في حَرٍّ شديدٍ، واستقبلَ سَفَراً بعيداً ومَفَازاً، وعَدُوًّا كثيراً، فجلَّى للمُسلمينَ أمرَهم ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِم، فأَخبرَهم بوَجْهِه الذي يريد.
"قال كعب بن مالك: لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريد غَزْوَةً إلا وَرَّى"؛ أي: سترها "بغيرها": وأظهَرَ أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم، وإغفال العدو، والأمن من جاسوس يطَّلع على ذلك، فيخبر به العدو، وتوريته ﷺ كان تعريضاً بأن يريد مثلاً غَزْوَ مكة، فيسألُ الناسَ عن حال خيبر، وكيفيَّة سبيلها، لا تصريحاً بأن يقول: أني أريد غَزْوَ أهل الموضع الفلاني وهو يريد غيرهم؛ لأنَّ هذا كَذِبٌ غير جائز.
"حتى كانت تلك الغزوة، يعني: غزوة تبوك": اسم ناحية في البَرِّيَّةِ قِبَل الروم قيل: بينها وبين المدينة قدر مسيرة شهر.
"غزاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حرٍّ شديد واستقبل سفراً
стр. 2081
بعيداً ومفازاً": وهي البَرِّيَّة القَفْر.
"وعدواً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم"؛ أي: أظهر الأمر لهم.
"ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فأخبرهم بوجهه الذي يريد".
* * *
٢٩٨٥ - وقال جابرٌ: قال النبيُّ ﷺ : "الحربُ خُدْعَةٌ".
"قال جابر ﵁: قال النبي ﷺ : الحربُ خَدْعَةٌ": - بفتح الخاء وسكون الدال - للمرة؛ يعني: إذا خدع المقاتل مرة لا تعاد هي ثانية.
ورويت: - بضم الخاء - أيضًا، وهي الاسم من الخِدَاع، - وبالضم وفتح الدال - يعني: الحرب كثيرة الخداع.
* * *
٢٩٨٦ - وقال أنسٌ: كان رسولُ الله ﷺ يغزُو بأُمِّ سُلَيمٍ ونِسْوَةٍ من الأنصارِ مَعَه إذا غَزَا، فيَسْقينَ الماءَ، ويُدَاوينَ الجَرْحَى.
"وقال أنس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يغزو بأُمِّ سُلَيم": هي أم أنس.
"ونِسْوَةٌ من الأنصار معه إذا غزا، فيَسْقِيْنَ الماء ويُدَاويْنَ الجرحى": جمع المجروح.
* * *
٢٩٨٧ - وقالت أمُّ عطِيَّةَ: غَزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ سبعَ غَزَوَاتٍ: أَخْلُفُهم في رِحالِهم فأَصنعُ لهم الطَّعامَ، وأُداوي الجرحَى، وأَقومُ على المَرْضى.
стр. 2082
"وقالت أمُّ عطية: غزوْتُ مع رسول الله صلى الله ﷺ سبع غزوات، أَخْلُفُهُم في رِحَالهم"؛ أي: أقوم مقامَهُم وأحفظ متاعهم.
"فأصنع لهم الطَّعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى".
* * *
٢٩٨٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقونَ إلا بضُعفائِكم".
"وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل تُنْصَرُون وتُرْزَقون"؛ يعني: لا تنصرون ولا ترزقون.
"إلا بضُعفائكم"؛ أي: بدعائهم لكم بالنصرة، وإنما قال ﷺ ذلك لئلا يقع في نفوس المجاهدين شيء من تقاعد أولئك وتخلفهم عن الجهاد، فأعلمهم ﷺ بأنهم معذورون لضعفهم، وبأنهم منصورون ببركة دعائهم.
* * *
٢٩٨٩ - وعن عبدِ الله بن عمرَ ﵄ قال: "نهى رسولُ الله ﷺ عن قتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ".
"عن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى وسلم عن قَتْلِ النساء والصبيان"؛ يعني: لا تُقْتَلُ النساء والصبيان، ولكن تُسْبَى ويُرَق.
* * *
٢٩٩٠ - عن الصَّعْبِ بن جَثَامَةَ قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أهلِ الدَّارِ يُبَيَّتونَ مِن المُشركينَ، فيُصابُ مِن نسائِهم وذَرَارِيهم، فقال: "هُم منهم".
وفي روايةٍ: "هُم مِن آبائهم".
"عن الصَّعب بن جَثَامة قال: سُئِل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 2083
عن أهل الدَّار": المراد بـ (الدّار): كل قبيلة اجتمعت في مَحِلَّةٍ باعتبار أنها تجمعهم وتدور حولهم.
"يُبَيَّتون": على صيغة المجهول؛ أي: يُقْصَدون في الليل بالقتل.
"من المشركين": بيان (أهل الدار).
"فيُصَاب من نسائهم وذراريهم"؛ أي: يُقْتَلُ نساؤهم وذراريهم.
"فقال: هم منهم"؛ أي: النِّساء والصبيان من المشركين، في أنه لا بأس بقتلهما عند تَبْييتهم؛ لأن الغازي لا يقدر على التَّمييز بينهما وبين الرِّجال في الليل، وإنما المنهيُّ قتلهما نهاراً لإمكان التمييز.
"وفي رواية: هم من آبائهم"؛ يعني: حكمهم حكم آبائهم؛ لأنهم في هذه الصورة تَبَعُ لآبائهم.
* * *
٢٩٩١ - وعن البراءِ بن عازبٍ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ رَهْطاً من الأنصارِ إلى أبي رافِعٍ، فدخلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكَ بيتَه لَيْلاً فقتَلَهُ وهو نائمٌ.
"وعن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رَهْطًا"؛ أي: جماعة.
"من الأنصار إلى أبي رافع": هو ابن أبي الحُقَيْق، أحد بني النَّضير، وهو أمير من اليهود، وكان قد عاهد النبي ﷺ فنقض العهد وأبدى الخبث.
"فدخل عليه عبد الله بن عَتِيك": وهو أمير الرَّهْط.
"بيته ليلاً فقتَلَهُ وهو نائم": وهذا يدلُّ على جواز قتل الحربي بأي طريقٍ كان ليلاً أو نهاراً.
стр. 2084
٢٩٩٢ - عن ابن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ قَطَعَ نخلَ بني النَّضيرِ وحَرَّقَ، ولها يقولُ حسانٌ ﵁:
وهَانَ على سَرَاةِ بني لُؤَيٍّ. . . حَريقٌ بالبُوَيرةِ مُستَطِيرُ
وفي ذلكَ نزَلَت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ".
"وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قطع نخل بني النَّضير وحَرَّق"؛ لأنهم نقضوا العهد وهمُّوا بقتله ﷺ حين أتاهم يستعين منهم في دية رجلين من بني عامر، فأعلمه الله ما هَمُّوا به بالوحي فقام من مجلسه، ولم يشعروا به حتى أتى مسجد المدينة، فبعث إليهم محمد بن سَلَمَة: أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني، فإنكم هممْتُمْ بقتلي ونقضتُمْ عهدي، فبعث إليهم الخبيث ابن أُبَيٍّ: لا تخرجوا فإنيِّ معكم، وبنو قريظة معكم، فأتاهم ﷺ وحاصروهم خمسة عشر يوماً فقذَفَ الله في قلوبهم الرُّعْبَ فصالحوا على حَقْنِ دمائهم، فخرجوا إلى قرى خيبر وإلى غيرها مما لم يفتح من البلاد، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة.
والحديث يدل على جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، وتحريق بيوتهم وأموالهم إذلالاً لهم.
"ولها"؛ أي: لتلك الواقعة أو لنخلهم.
"يقول حسان" بن ثابت، شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
"وهَان" أي: سهل.
"على سَرَاة بني لُؤَيٍّ"؛ أي: على سادات بني قريش، ولؤي بن غالب من أجداد النبي ﷺ ، وهُمْ مِنْ قريش.
"حريق"؛ أي: مُحْرِقٌ.
стр. 2085
"بالبُويرَةِ": اسم موضع من بلد بني النَّضير.
"مُسْتَطِير": صفة حريق؛ أي: متفرِّق كثير.
"وفي ذلك نزلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ "؛ أي: من شجر نخل.
﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾؛ أي: لم تقطعوها.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: لا بأس عليكم بما قطعتم من النَّخيل وبما تركتم قَطْعَهُ.
* * *
٢٩٩٣ - عن عبدِ الله بن عَوْنٍ: أن نافِعًا كتبَ إليه يُخْبرُهُ، أن ابن عمرَ أخبَرَهُ: أنَّ النبيَّ ﷺ أَغَارَ على بني المُصْطَلَقِ غَارِّينَ في نعَمِهِم بالمُرَيْسيعِ، فقتَلَ المُقاتِلة وسَبَى الذُّرِّيَّةَ.
"عن عبد الله بن عون: أن نافعاً كتَبَ إليه يُخْبرُهُ أن ابن عمر أخبره: أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق غارِّين": حال من (بني المصطلق)؛ أي: غافلين.
"في نَعَمِهم"؛ أي: مواشيهم.
"بالمُرَيْسِيع" بضم الميم وفتح الراء المهملة: اسم ماء لهم.
"فقتل المُقَاتِلة": جمع مُقَاتل، والتَّاء للتأنيث على تأويل الجماعة، والمراد بها هنا: مَنْ يصلح للقتال، وهو الرجل البالغ العاقل.
"وسبى الذُّرية": وهذا يدل على جواز قتل الكفار وأخذ أموالهم حال كونهم غافلين.
* * *
٢٩٩٤ - وعن أبي أُسَيْدٍ: أن النبيَّ ﷺ قالَ لنا يومَ بدرٍ حينَ صَفَفْنَا لقُرَيشٍ
стр. 2086
وصَفُّوا لنا: "إذا أَكْثَبُوكُمْ فعليكم بالنَّبْلِ".
وفي روايةٍ: "إذا أكْثَبوكم فارمُوهم، واسْتَبْقُوا نَبْلَكم".
"عن أبي أُسَيْدٍ أن النبي ﷺ قال لنا يوم بدر حين صَفَفْنَا لقريش"؛ أي: لمحاربتهم.
"وصَفُّوا لنا: إذا أَكْثَبُوكم"؛ أي: قاربوا منكم بحيث تصل إليهم سهامُكم.
"فعليكم بالنَّبْل"؛ أي: ارموهم بالنَّبْل وهو السِّهام، ولا ترموهم على بُعْدِ.
"وفي رواية: إذا أَكْثَبوكم فارموهم واسْتَبْقُوا نَبْلَكُم"؛ يعني: لا ترموهم بجميعها بل اتركوا شيئاً منها؛ لئلا يغلبوا عليكم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٩٩٥ - رُوِيَ: أن النبيَّ ﷺ كانَ يَستَفتِحُ بصَعَالِيكِ المُهاجرينَ.
"من الحسان":
" عن أُميَّة بن خالد بن عبد الله بن أسيد: أن رسول الله ﷺ كان يَسْتَفْتِحُ"؛ أي: يطلب الفتح والظَّفر على الكفار من الله.
"بصَعَالِيك المهاجرين"؛ أي: بفقرائهم، يعني: ببركة دعائهم بأن يقول: اللهم انصرنا على الأعداء بحقِّ عبادك الفقراء المهاجرين، وهذا يدل على تعظيم الفقراء والرغبة إلى دعائهم والتَّبرك (١) بوجودهم.
стр. 2087
٢٩٩٦ - عن أبي الدَّرداءَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ابغوني في ضُعَفائكم فَإنَّمَا تُرْزَقُون وتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ".
"وعن أبي الدَّرداء عن النبي ﷺ ابغوني في ضُعَفائكم"؛ أي: اطلبوني في حفظ حقوقهم، وجَبْرِ قلوبهم، تجدوني هنالك فإنيِّ معهم بالصورة في بعض الأوقات، وبالقلب في جمعيها لما أعلم من شرفهم وعظم منزلتهم عند الله.
"فإنَّما تُرْزَقون وتُنْصَرون بضعفائكم".
* * *
٢٩٩٧ - قال عبدُ الرَّحمن بن عَوْفٍ: عَبَّأَنَا النبيُّ ﷺ ببدرٍ ليلاً.
"قال عبد الرحمن بن عوف: عَبَّأَنَا النبي ﷺ "؛ أي: رتَّبنا في مواضعنا وهيأنا للحرب؛ يعني: سوَّى الصفوف وأقام كُلاً مقاماً يصلح له "ببدر ليلاً".
* * *
٢٩٩٨ - ورُوِيَ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إنْ بَيَّتكُم العدوُّ فليكنْ شِعَارُكم: (حم لا يُنْصَرُون) ".
"وروي أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن بَيَّتكُم العدو"؛ أي: قصدَكُم ليلاً للقتال.
"فليكن شعاركم" أي: علامتكم التي يَعرِفُ بها بعضكم بعضاً؛ ليتميز بها عن الكفار قول كل منكم إذا لقي أحداً: "حم لا ينصرون"؛ معناه: اللهم لا ينصرون، خبر لا دعاء وإلا لجزم، وقيل: السور التي أوائلها ﴿حم﴾ لها شأن، فنبَّه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهره به على استنزال النَّصر من الله، و (لا ينصرون) كلام مستأنف كأنه قيل: ماذا يكون إذا قلنا ﴿حم﴾ فقال: لا ينصرون.
стр. 2088
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله، فكأنه يُقْسِم به أنهم لا ينصرون.
* * *
٢٩٩٩ - وعن سَمُرَة بن جُنْدَب! قال: كان شِعارُ المهاجرين: (عبد الله) وشعارُ الأنصارِ: (عبدُ الرحمن).
"عن سَمُرَة بن جُنْدَب قال: كان شِعَار المهاجرين: عبد الله، وشِعار الأنصار: عبد الرحمن".
* * *
٣٠٠٠ - قال سلَمةُ بن الأكوعِ: غَزَوْنَا مع أبي بكرٍ زمنَ النبيَّ ﷺ فَبَيَّتنَاهُم نقتُلُهم، وكانَ شِعارُنا تِلكَ الليلَةِ: (أَمِتْ، أَمِت) ".
"وقال سَلَمَة بن الأكوع: غزوْنَا مع أبي بكر في زَمَنِ النبي ﷺ فَبَيَّتنَاهُم"؛ أي: قصدناهم ليلاً للقتال.
"نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أَمِتْ أَمِتْ": أمر مخاطب؛ أي: أَمِتِ العدوَّ اللهم، والتكرير للتأكيد، كأنهم إنما اختاروا هذه الكلمة للقتال بالنصرة.
* * *
٣٠٠١ - عن قيسِ بن عُبَادٍ قال: كَانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ يَكرهُونَ الصَّوتَ عندَ القتالِ.
"عن قيس بن عُبَاد (١) قال: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصَّوت عند القتال": لأن رفع الصَّوت من عادة الأبطال لتعظيم نفسه، أو لتخويف عدوِّه، أو
стр. 2089
لإظهار الشجاعة، والصحابة كرهوه؛ إذ لا تقرب إليه تعالى في شيء من ذلك.
* * *
٣٠٠٢ - عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "اقتلوا شيوخَ المُشركينَ، واستَحْيوا شَرْخَهُم"، أي: صِبيانَهم.
"عن الحسن عن سَمُرَة ﵁ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: اقتلوا شُيُوخ المشركين": جمع شيخ، وهو المُسِنُّ الأشيب، قيل: المراد بهم هنا: الشُّبان الذين لهم جَلَدٌ وقوَّة على القتال، والأولى أن يراد بهم: أصحاب الرأي وذو الفتنة.
"واستَحْيوا شَرْخَهُم؛ أي: صبيانهم": تفسير من المؤلف؛ يعني: استبقوهم أحياء للاسترقاق والاستخدام.
* * *
٣٠٠٣ - قال النبيُّ ﷺ لأسامَة: "أَغِرْ على أُبنى صباحاً وحَرِّقْ".
"وعن عُرْوَة بن الزُّبير قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأيامَةَ: أَغِرْ": بصيغة الأمر من الإغارة.
"على أُبنى" بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح النون: اسم موضع من فلسطين بين عَسْقَلان والرَّمْلَة، وقيل: من بلاد جهينة، وهذا أقرب، إذ لم تبلغ غزواته ﷺ إلى بلاد الشام في حياته.
"صباحاً وحرِّق".
* * *
٣٠٠٤ - عن أبي أُسَيْدٍ قال: قال النبيُّ ﷺ يومَ بَدْرٍ: "إذا أَكْثَبُوكم
стр. 2090
فارمُوهم، ولا تَسُلُّوا السُّيوفَ حتى يَغْشَوْكُم".
"عن أبي أُسَيْد قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم بدر: إذا أَكْثَبُوكُمْ فارمُوْهم ولا تَسُلُّوا السُّيوف"؛ أي: لا تُخْرِجُوها من غِمْدِها.
"حتى يَغْشَوْكُم"؛ أي: حتى يقربوا منكم بحيث تَصِلُ إليهم سيوفكم.
* * *
٣٠٠٥ - عن رباحِ بن الربيعِ قال: كنّا معَ رسولِ الله ﷺ في غزوةٍ، فَرَأَى الناسَ مجتمعين على شيءٍ, فبعثَ رَجُلاً فقال: "انظرْ عَلَامَ اجتمَع هؤلاءَ؟ " فجاءَ فقالَ: امرأةٌ قتيلٌ، فقال: "ما كانَتْ هذه لِتُقَاتِلَ"، وعلى المُقَدِّمَةِ خالدُ بن الوليدِ، فبعثَ رجلاً وقال: "قُلْ لخالدٍ: لا تقتلْ امرأةً ولا عَسِيفاً".
"عن رباح بن ربيع - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في غَزْوَة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر عَلَامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: امرأةٌ قتيل": يستوي فيه المذكر والمؤنث.
"فقال: ما كانت هذه لِتُقَاتل" اللام لتأكيد النفي؛ يعني: إنما ينبغي أن يُقْتَلَ الكافر المحارب، وهذه ما كانت مِنَ المحاربين.
"وعلى المقدمة" وهي الجماعة المتقدِّمة على الجيش.
"خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: قُلْ لخالد: لا تقتُلْ امرأة ولا عَسِيفاً" أي: أجيراً؛ يعني: لا تقتل خدَّام الكفار إذا لم يحاربوا كرعاة دوابهم.
* * *
٣٠٠٦ - عن أنسٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "انطلِقُوا باسم الله، وبالله،
стр. 2091
وعلى مِلَّةِ رسولِ الله، لا تَقتلُوا شَيْخاً فانِياً، ولا طِفْلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غنائِمَكم، وأَصْلِحُوا، وأَحْسِنُوا فإنَّ الله يُحِبُّ المحسنين".
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: انطلقوا باسم الله" أي: سيروا متبركين وملابسين ومعتصمين باسمه تعالى.
"وبالله، وعلى ملَّة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً" أي: ضعيفاً من غلبة الكبر.
"ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تَغُلُّوا" أي: لا تسرقوا من الغنيمة شيئاً.
"وضُمُّوا" أي: اجمعوا.
"غنائِمَكُمْ" ولا تأخذوا شيئاً قبل القِسْمَة.
"وأصلحوا" أي: أموركم.
"وأحسنوا": إلى الناس "فإن الله يحبُّ المحسنين".
* * *
٣٠٠٧ - قال عليٌّ ﵁: تقدَّمَ عُتْبَةُ بن ربيعةَ، وتَبعَهُ ابنهُ وأخوهُ، فنادَى: مَن يبارِزُ؟ فانتدبَ له شبابٌ مِن الأنصارِ فقالَ: مَن أنتم؟ فأَخبرُوه، فقال: لا حاجةَ لنا فيكم، إنَّما أردْنَا بني عَمِّنا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُمْ يا حمزةُ! قُمْ يا عليُّ! قُمْ يا عُبيدةُ بن الحارثِ! " فأقبلَ حمزةُ إلى عتبةَ، وأقبَلْتُ إلى شيبةَ، واختلفَ بينَ عُبيدةَ والوليدِ ضربتانِ، فأَثْخَنَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَهُ، ثم مِلْنَا على الوليدِ فَقَتَلْنَاهُ، واحْتَمَلْنَا عُبَيْدة.
"قال علي - رضي الله تعالى عنه -: تقدَّم عُتْبَةُ بن ربيعة" يوم بدر.
стр. 2092
"وتبعه ابنه"؛ يعني: الوليد.
"وأخوه"؛ يعني: شَيْبَة.
"فنادى" أي: عتبة: "مَنْ يُبَارز؟ " أي: مَنْ يخرج إلى المحاربة؟
"فانْتَدَبَ" أي: أجاب.
"له شُبَّان": جمع شاب.
"من الأنصار فقال: مَنْ أنتم؟ فأخبروه" أي: قالوا: نحن شُبَّان من المدينة.
"فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا" أي: القرشيين.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قُمْ يا حمزة، قُمْ يا عليُّ، قُمْ يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة فقتَلَهُ، وأقبلْتُ إلى شَيْبَةَ فقتلتُهُ، واختلف" أي: تردَّد.
"بين عُبَيدة والوليد ضربتان، فَأَثْخَنَ" أي: أَوْهَنَ وأَضْعَفَ من الجراحة "كلُّ واحد منهما صاحبه، ثم مِلْنَا على الوليد فقتلناه، واحتملناه" أي: حملنا "عبيدة"، وفيه جواز المعونة عند الضَّعف أو العَجْز عن القرن.
* * *
٣٠٠٨ - عن ابن عمرَ قال: بعَثَنَا رسولُ الله ﷺ في سَرِيةٍ، فحاصَ الناسُ حَيْصةً، فَأَتَيْنَا المدينةَ فاختَفَيْنَا بها، وقلنا: هَلَكْنا، ثم أَتينا رسولَ الله ﷺ فقلْنَا: يا رسولَ الله! نحنُ الفرَّارونَ؟ قال: "بل أنتَمْ العَكَّارُونَ، وأنا فِئَتُكم".
وفي روايةٍ قال: "لا، بل أنتم العَكَّارون"، قال: فَدَنَوْنَا فقبَّلْنَا يَدَهُ فقال: "أنا فِئَةُ المُسلمين".
"وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: بعثَنَا رسولُ الله صلى الله
стр. 2093
تعالى عليه وسلم في سَرِيَّة فحاصَ الناس حَيْصَةً"؛ أي: مَالوا وعدلوا عن جهتهم إلى جهةٍ أخرى؛ يريد به: الفرار والانهزام، والمراد بالناس هنا: أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"فأتينا المدينة فاختفينا بها"؛ استحياء من النبي ﷺ .
"وقلنا: هَلَكْنَا" أي: صِرْنا مستحقين للعذاب؛ لفرارنا من الحرب.
"ثم أتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! نحن الفرَّارون، قال: بل أنتم العَكَّارون" أي: العائدون إلى القتال.
"وأنا فِئَتُكم" وهي الطائفة المقيمة وراء الجيش؛ للالتجاء إليهم عند الهزيمة.
"وفي رواية: لا بل أنتم العكارون" مَهَّدَ ﷺ بذلك عذرهم وأشار إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]؛ لأن مَنْ فَرَّ على نِيَّةِ الالتجاء إلى جيش آخر والرجوع إلى الحرب فلا إثم عليه.
"قال فدنونا" أي: فقربنا "فقبَّلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين".
* * *
٦ - باب حُكْمِ الأُسارىَ
" باب حكم الأُسَرَاء": جمع الأسير، والمراد به هنا: الكفار الذين أخذهم المسلمون.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠١٠ - عن سَلَمةَ بن الأكْوَعِ ﵁ قال: أتى النبَّيَّ ﷺ عينٌ مِنَ المشركينَ وهو في سفرِ، فجلسَ عندَ أصحابهِ يتحدثُ، ثم انفتَلَ، فقالَ النبيُّ ﷺ :
стр. 2094
"اُطلبُوه واقتلُوهُ"، فَقَتَلْتُهُ، فنفَّلَنِي سَلَبَهُ.
"من الصحاح":
" عن سَلَمَة بن الأَكْوَع قال: أتى النَّبي ﷺ عَيْنٌ" أي: جاسوس.
"من المشركين، وهو" أي: النبي ﷺ "في سفر، فجَلَسَ" أي: العيْنُ.
"عند أصحابه" أي: أصحاب النبي ﷺ .
"يتحدَّث ثم انْفَتَلَ" أي: انصرف.
"فقال النبي ﷺ : اطلبوه واقتلوه، فأدركْتُهُ فقتلْتُهُ"، قتله لدخوله من دار الحرب بلا أَمَان، وإن كان ذمياً فلنقْضِ العَهْدِ بالتَّجَسُّسِ للكفار.
"فنفَّلَني سَلَبَه" أي: أعطاني ما عليه من الثياب والسلاح والفرس.
* * *
٣٠٠٩ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "عَجبَ الله من قومٍ يدخُلونَ الجنةَ في السَّلاسِلَ".
وفي روايةٍ: "يُقادُونَ إلى الجنةِ بالسَّلاسلِ".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ قال: عَجبَ الله من قوم" أي: رضي منهم، وقيل: أي عظم شأنهم عنده.
"يدخلون الجنة في السَّلاسل، وفي رواية: يُقَادون إلى الجنة بالسَّلاسل"؛ يعني: يؤخذون أسارى عنوة في السَّلاسل والقيود، فيدخلون في دار الإسلام، ثم يرزقهم الله الإيمان، فيدخلون به الجنة، فأَحَلَّ الدُّخول في الإسلام مَحَلَّ دخول الجنة لإفضائهم إليه.
* * *
стр. 2095
٣٠١١ - وعن سَلَمَةَ بن الأكوَعِ قال: غَزَوْنَا مع رسولِ الله ﷺ هَوَازِن، فَبَيْنَا نحنُ نتَضَحَّى معَ رسولِ الله ﷺ إذ جاءَ رجلٌ على جملٍ أحمرَ فَأَنَاخَهُ، وجَعَلَ ينظرُ، وفينا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِن الظَّهْرِ، وبعضُنا مشاةٌ، إذ خرجَ يشتدُّ فأَتَى جملَهُ فَأَثَارَهُ، فاشتدَّ به الجَمَلُ، وخرجْتُ أشتدُّ حتى أخذتُ بخِطامِ الجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فلمَّا وضعَ ركبتَهُ في الأرضِ اخْتَرَطْتُ سيفي فضربْتُ رأسَ الرَّجلِ، ثم جئتُ بالجملِ أقودُه وعليهِ رَحْلُه وسِلاحُه، فاستقبلَني رسولُ الله ﷺ والناسُ فقالَ: "مَن قتلَ الرَّجلَ؟ " قالوا: ابن الأكوَعِ، قال: "لهُ سَلَبَهُ أَجْمَعُ".
"وعن سَلَمَة بن الأَكْوَع قال: غزوْنَا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هوازن" قبيلة من قيس، وهذه الغزوة هي غزوة حنين.
"فبينا نحن نتضحَّى" أي: نأكل الغداء وقت الضُّحى.
"مع رسول الله، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه" أي: فأبركه.
"وجعل" أي: طفق.
"ينظر وفينا ضَعْفَةٌ" أي: ضعفاء.
"ورِقَّةٌ"، وهي استعارة للقلَّة "من الظَّهر" أي: المركوب.
"وبعضنا مشاة" جمع الماشي، خلاف الراكب.
"إذ خرج" أي: الرجل بعد ما رآنا وعرف حالنا.
"يشتدُّ" أي: يعدو.
"فأتى جَمَلَهُ فأثَارَه" أي: أقامَهُ من موضعه فأزعجه.
"فاشتدَّ به الجمل" أي: أسرع.
"وخرجت أشتدُّ" أي: أعدو.
"حتى أخذْتُ بخِطَام الجمل فأنختُهُ، فلمَّا وضَعَ ركبته في الأرض
стр. 2096
اخْتَرَطْتُ سيفي" أي: سللته من غمده.
"فضربْتُ به رأسَ الرجل، ثم جئْتُ بالجمل أقودُهُ عليه رَحْلُهُ"؛ أي: متاعه "وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والناس فقال: مَنْ قتلَ الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع، قال" ﷺ : "له سَلَبُهُ أجمع"؛ أي: كله.
* * *
٣٠١٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: لما نزَلَتْ بنو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سعدِ بن معاذٍ، بعثَ رسولُ الله ﷺ فجاءَ على حمارٍ فلمَّا دَنَا قالَ رسولُ الله ﷺ : "قوموا إلى سَيدِكم"، فجاءَ فجلسَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ هؤلاء نزَلُوا على حُكْمِكَ"، قال: فإني أَحْكُمُ أنْ تُقتَلَ المُقاتِلَةُ وأنْ تُسْبَى الذُّرِّيةُ، قال: "لقد حكمْتَ فيهم بحُكْمِ المَلِكِ".
ويروى: "بحُكْمِ الله".
"عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزَلَتْ بنو قُرَيْظَةَ" بعد ما حصرهم النبي ﷺ خمساً وعشرين ليلة وجهدهم الحصار.
"على حُكْم سَعْدِ بن معاذ" سيد الأوس؛ ظناً منهم بمراعاة جانبهم.
"بَعَثَ رسولُ الله ﷺ إليه" أي: إلى سعد، وكان قد أُصِيْبَ يوم الخندق.
"فجاء على حمار" شاكياً وَجَعَه.
"فلمَّا دنا"؛ أي: قرب من النبي ﷺ .
"قال النبي ﷺ " لحاضريه من الأوس: "قوموا إلى سيدكم"، قال الطيبي: هذا القيام ليس للتَّعظيم بل كان للإعانة على النزول؛ لكونه وَجِعًا ولو كان المراد منه قيام التوقير لقال: قوموا لسيدكم.
стр. 2097
"فجاء فجلس" مجلسه منه ﷺ .
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنَّ هؤلاء" أي: أهل بني قُرَيظة "نزلوا على حُكْمِكَ، فقال: فإني أحكم أن تقتل المقاتِلَة وأن تُسْبَى الذُّرِّية قال: لقد حكمْتَ فيهم بحُكْم الملِك" بكسر اللام، هو الله؛ أي: أصبْتَ فيهم وقضيْتَ بقضاء ارتضاه الله، ويُروى بفتحها؛ أي: النَّازل بالوحي، أو الذي يُلقِي الصواب في القلب.
"ويروى: بحكم الله"، وهذه تُؤَيد الرواية الأولى.
* * *
٣٠١٣ - وعن أبي هريرةَ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خيلاً قِبَلَ نَجْدٍ فجاءَتْ برجلٍ مِن بني حَنِيفةَ يقال له: ثُمَامَةُ بن أُثالٍ سَيدُ أهلِ اليَمامةِ، فربطوهُ بساريةٍ من سَوَارِي المسجدِ فخرجَ إليه رسولُ الله ﷺ فقال: "ماذا عندَكَ يا ثُمَامَةُ؟ "، قال: عندي يا محمدُ! خيرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكِرٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المالَ فسلْ تُعْطَ منه ما شئتَ، فترَكَهُ رسولُ الله ﷺ حتى كانَ الغدُ فقالَ لهُ: "ما عندَكَ يا ثُمَامَةُ؟ "، قال: عندي ما قلتُ لك: إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ، وإنْ تَقْتُلْ تقتلْ ذا دَمٍ، وإنْ كُنْتَ تريدُ المالَ فَسَلْ تُعْطَ منهُ ما شِئتَ، فتركَهُ رسولُ الله ﷺ حتى كانَ بعدَ الغدِ فقال: "ما عِندكَ يا ثُمامَةُ؟ "، قال: عندي ما قلتُ لكَ: إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ، وإنْ تقتُلْ تقتُلْ ذا دمٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المالَ فسلْ تُعْطَ منه ما شئتَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَطْلِقوا ثُمامَةَ"، فانطلَقَ إلى نخلٍ قريبٍ من المسجدِ فاغتسلَ ثم دخلَ المسجدَ فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أن محمَّداً عبدُه ورسولُه، يا محمدُ! والله ما كانَ على الأرضِ وَجْهٌ أبغضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوجوهِ كلِّها إليَّ، والله ما كانَ مِن دِينٍ أبغضَ إليَّ مِن دينِكَ فأصبحَ دينُكَ أحبَّ الدِّينِ كلِّه
стр. 2098
إليَّ، والله ما كَانَ مِن بلدٍ أبغضَ إليَّ من بلدِكَ، فَأَصْبَحَ بلدُكَ أحبَّ البلادِ كلِّها إليَّ، وإنَّ خيلَكَ أَخَذَتْني وأنا أُريدُ العُمْرةَ فماذا ترى؟ فَبَشَّرَهُ رسولُ الله ﷺ وَأَمَرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ، فلمَّا قَدِمَ مكةَ قالَ له قائلٌ: صَبَأْتَ؟! فقال: لا، ولكنِّي أسلَمْتُ مع رسولِ الله ﷺ ، وَلَا والله لا يأْتِيكُمْ مِن اليمامَةِ حَبّهُ حِنْطَةٍ حتى يأذَنَ فيها رسولُ الله ﷺ .
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خَيْلاً" أي: جيشاً.
"قِبَلَ نَجْدٍ" أي: جانب أرض نجد، وذلك في السنة السادسة.
"فجاؤوا برجل من بني حَنِيفة يقال له: ثُمامة بن أُثال سيد أهل اليَمامة، فربطوه بسارية" أي: بعمود.
"من سواري المسجد" أي: من أعمده.
"فخرج إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ماذا عندك" أي: ما يقتَضيْ رأيُكَ "يا ثُمَامة؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تَقْتُلْ تَقْتلْ ذا دم"، يحتمل أن يريد به: شرفه في قومه، وأنه ليس ممن يَبْطُل دمه، بل يُطْلَبُ ثأره، أو أراد: مَنْ توجَّه عليه القتل بما أصابه من دم، وهذا أنسب لباقي كلامه.
قال الشافعي: كان قد توجَّه على ثُمَامة القصاص في الكفر.
"وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر" أي: إن تعتقني أشكرك وأعرف نعمتك عليَّ.
"وإن كنْتَ تريد المال فسَلْ تُعْطَ منه ما شِئْتَ، فتركَهُ رسولُ الله ﷺ حتى كان الغد فقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلْتُ لك، إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دم، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شِئْتَ، فتركه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى كان بَعْد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلْتُ لك، إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ
стр. 2099
ذا دم، وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعْطَ منه ما شِئْتَ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أطلقوا ثمامة"؛ أي: خلُّوا سبيله، وفيه دلالة على جواز المنِّ على الكافر بالإطلاق بلا فداء، ودخوله المسجد، وربط الأسير فيه، وتقديمه القتل على أخويه في اليوم الأول لمكان غضبه ﷺ فيه، وتوسيطه في الثاني والثالث للرجاء حذاقة منه، وحَدَس وحُسْن سؤال الذي هو نصف العلم.
"فانطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمدا والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ، والله ما كان من دينِ أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدِّين كلِّه إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وإنِّي أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمره أن يعتمر" تبشيره ﷺ إيَّاه؛ إما بما ناله بالإسلام على يده، أو بصحبته، أو بما سيناله من ثواب العمرة.
"فلمَّا قدم مكة، قال له قائل" أي: كافر من كفار مكة! "صَبَوْتَ" أي: مِلْتَ عن الحقِّ إلى الباطل.
"فقال لا"؛ يعني: ما صَبَوْتُ.
"ولكني أسلمْتُ مع رسول الله ﷺ ؛ أي: على يديه.
"ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حَبّه حِنْطَة حتى يأذَنَ فيها رسول الله ﷺ ، وفيه دلالة على أنه يأمر بأوامره ﷺ ولا يخرج عنه بحال.
* * *
٣٠١٤ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال في أُسارَى بدرٍ: "لو
стр. 2100
كانَ المُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حَيًّا ثم كلَّمني في هؤلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهم له".
"عن جُبَيْرِ بن مُطْعِم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال في أُسَارى بدر: لو كان مُطْعِم بن عَديٍّ حَيًّا" مُطْعِم هذا: أبو الراوي، وكان له عنده ﷺ يَد؛ لأنه أجاره وذَبَّ عنه المشركين حين رجع ﷺ من الطَّائف فأحبَّ ﷺ مكأفاته بأنه لو كان حياً، "ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى" جمع نتِن، بمعنى مُنْتِن كالزمنى، سماهم (نَتْنَى) لتدنسهم بالكفر فجعلهم بمثابة الجيف المنتنة.
"لتركتهم له" أي: هؤلاء الأسارى لأجله، قيل: إنما قال ﷺ ذلك تطييباً لقلب ابنه وتأليفاً له على الإسلام، وفيه بيان حسن المكافآت، وجواز فرض المحال.
* * *
٣٠١٥ - عن أنسٍ: أنَّ ثمانينَ رَجُلاً مِن أهلِ مكَّةَ هَبَطُوا على رسولِ الله ﷺ مِن جبلِ التَّنعيم مُتَسَلِّحِينَ، يُريدونَ غِرَّةَ النبيِّ ﷺ وأصحابهِ، فأخذَهم سِلْماً فاستَحْيَاهُم - ويُروى: فَأَعْتَقَهُمْ - فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ ".
"عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكَّة هبطوا" أي: نزلوا.
"على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من جبل التَّنعيم متسلِّحين" أي: مجهزين بالسلاح.
"يريدون"؛ أي: يقصدون.
"غِرَّة النبي ﷺ " بكسر الغين المعجمة؛ أي: غفلته.
"وأصحابه"؛ أي: غِرَّة أصحابه.
"فأخذهم"؛ أي: النبي ﷺ أولئك.
стр. 2101
"سِلْماً"؛ أي: أُسَرَاء.
"فاسْتَحْيَاهم" أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم.
"ويروى: فأعتقهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ ".
* * *
٣٠١٦ - عن أبي طلحةَ: أن نبيَّ الله ﷺ أمرَ يومَ بدرٍ بأربعةٍ وعشرينَ رَجُلاً من صَنَادِيدِ قُرَيشٍ، فَقُذِفُوا في طَوِيٍّ من أطواءِ بدرٍ خَبيثٍ مُخْبثٍ، وكانَ إذا ظهرَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصَةِ ثلاثَ ليالٍ، فلمَّا كانَ ببدرٍ اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلَتِهِ فَشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مَشَى، واتَّبَعَهُ أصحابُهُ، حتى قامَ على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعلَ يُنادِيهِم بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم: "يا فُلانُ بن فلانٍ، ويا فُلَانُ بن فلانٍ، أَيَسرُّكم أنكم أطَعْتُم الله ورسولَهُ؟ فإنَّا قد وَجَدْنَا ما وَعَدَنَا ربنا حَقًّا، فهل وجدْتُم ما وَعَدَ ربُّكم حقاً؟ قالَ عمرُ: يا رسولَ الله! ما تُكَلِّمُ مِن أجسادٍ لا أَرْوَاحَ لها؟ قال النبيُّ ﷺ : والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، ما أنتُم بأسمَعَ لِمَا أقولُ منهم".
وفي روايةٍ: "ما أنتُمْ بأسمعَ منهم، ولكنْ لا يُجيبونَ".
"عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ أَمَرَ يومَ بَدْرٍ بأربعة وعشرين رجلاً من صَنَاديد قريش" جمع صِنْدِيد، وهو كل عظيم غالب، وقال الجوهري: السَّيد الشُّجاع، والمراد هنا: أكابر كفار مكة.
"فَقُذفوا": أي: أُلقوا.
"في طَوِيٍّ"، وهي البئر المطوية بالحجارة؛ أي: المحكمة بها.
"من أطواء بدر خبيث": صفة بئر، وصفها به لإلقاء الجيف فيها.
"مُخْبث"؛ أي: ذي خَبَث، أو أصحابه خبثاء، أو خبيث ماؤها؛ أي:
стр. 2102
كريه الطعم، و (مخبث): فيها أشياء خبيثة كخرق الحيض وغيرها.
"كان"؛ أي: النبي ﷺ .
"إذا ظهر" أي: غلب.
"على قوم أقام بالعَرْصَة" أي: عرصتهم وأرضهم، والعَرْصَة أيضًا: كل موضع واسع لا بناء فيه، والمراد هنا: المعترك.
"ثلاث ليال"؛ ليطهر تلك الناحية من الكفرة.
"فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فَشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مشى"؛ أي: النبي ﷺ .
"واتَّبعه أصحابه حتى قام"؛ أي: وقف.
"على شَفَةِ الرَّكِيِّ"؛ أي: على طرف البئر التي أُلقِيَ فيها أولئك الصَّناديد.
"فجعل"؛ أي: طفق.
"يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله"؛ يعني: تتمنون أن تكونوا مسلمين بعد ما كُشِفَ عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب الله.
"فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً" من أن يجعلنا غالبين عليكم ويقوى ديننا بالنصرة عليكم ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ من العذاب كذلك.
"فقال عمر - رضي الله تعالى عنه: - يا رسول الله! ما تكلِّم"، (ما) مبتدأ بمعنى الذي "من أجسادٍ" بيان (ما) "لا أرواح لها" خبره؛ يعني: ما تكلم معهم يا نبي الله أجساد لا أرواح لها فكيف يجيبونك، وقيل: (ما) استفهامية و (من) زائدة.
"قال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول
стр. 2103
منهم" متعلق بـ (أسمع)، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخاً وحسرة وندامة.
"وفي رواية: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون"؛ لعدم قدرتهم عليه.
* * *
٣٠١٧ - عن مروانَ، والمِسْوَرِ بن مَخْرَمَة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ حينَ جاءَهُ وفدُ هَوازِنَ مسلمينَ فسألُوهُ أَنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبْيَهم، قال: "فاختارُوا إحدى الطَّائفَتينِ: إمَّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ"، قالوا: فإنَّا نختارُ سَبْيَنَا، فقامَ رسولُ الله ﷺ فَأَثْنَى على الله بما هوَ أهلُهُ ثم قالَ: "أمَّا بعدُ فإنَّ إخوانَكم قد جَاؤوا تائبينَ، وإني قد رأيتُ أنْ أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فَمَنْ أَحَبَّ منكم أنْ يُطَيبَ ذلكَ فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحبَّ منكُمْ أنْ يكونَ على حظِّهِ حتى نُعطِيَهِ إيَّاهُ مِن أوَّلِ ما يُفِيءُ الله علينا فليَفْعَلْ"، فقالَ الناسُ: قد طَيَّبنا ذلكَ يا رسولَ الله! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنا لا نَدري مَن أذِنَ منكم ممن لَمْ يأذنْ، فارجِعُوا حتى يرفعَ إلينا عُرَفاؤُكم أَمْرَكُم"، فرجعَ النَّاسُ فكلَّمَهم عُرَفاؤُهم، ثم رَجَعُوا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبروهُ أنهم قد طَيَّبُوا وأَذِنُوا.
"عن مروان والمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال حين جاءه وفد هَوَازِن مسلمين" بعد ما أغار ﷺ على قبيلتهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذريتهم.
"فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهُم، قال": بدل من (قال) الأول.
"فاختاروا إحدى الطائفتين"، يريد به: أحد الأمرين.
"إما السَّبْي وإما المال، قالوا: فإنا نختار سَبْيَنَا، فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين"؛ أي: مسلمين.
стр. 2104
"وإني قد رأيْتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم"؛ أي: مسبيَّهم.
"فمَنْ أحبَّ منكم أن يُطَيب ذلك" بتشديد الياء؛ أي: يردَّ ما في يده بطِيب قلبه "فليفعل"، وإنما استأذنهم ﷺ في ذلك لصيرورته مُلْكاً للمجاهدين، فلا يجوز استردادها منهم إلا بطِيب قلوبهم.
"ومن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه"؛ أي: يكون له نصيب عوض ما رده.
"حتى نعطيه" أي: ذلك الحظ.
"إيَّاه من أول ما يفيء الله تعالى علينا"؛ أي: يعطينا فيئاً، وهو ما حصل من أموال الكفار من غير قتال.
"فليفعل" أي: ليرده.
"فقال الناس: قد طَيَّبنا ذلك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَنْ أَذِنَ" أي: مَنْ رَضي "منكم" في ردِّ السَّبي.
"ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم": جمع العريف، وهو القيم بالأمور؛ أي: يخبرنا رضاءكم في غيبتي.
"فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه أنهم طَيَّبوا وأَذِنُوا".
* * *
٣٠١٨ - عن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ قال: كان ثَقِيفٌ حليفاً لبنِي عُقَيْلٍ، فأسَرَتْ ثَقيفٌ رجلينِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وأَسَرَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ رجلاً من بني عُقَيْلٍ، فأَوْثَقوهُ فطَرَحُوه في الحَرَّةِ، فمرَّ به النبيُّ ﷺ فَنَادَاهُ: يا مُحمدُ! يا محمدُ! فيمَ أُخِذْتُ؟ قال: "بجريرةِ حُلفائِكم ثَقيفٍ"، فتركَهُ ومضى، فنادَاهُ: يا محمدُ! يا محمدُ! فَرَحِمَهُ رسولُ الله ﷺ فرجَعَ فقال:
стр. 2105
"ما شأنُكَ؟ "، فقال: إنِّي مُسلِمٌ، فقال: "لو قُلْتَها وأنتَ تملِكُ أمرَكَ أفلحْتَ كلَّ الفَلَاحِ"، قال: فَفَدَاهُ رسولُ الله ﷺ بالرَّجُلَينِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُما ثقيفٌ.
"عن عِمْرَان بن حُصَيْن قال: كان ثَقِيْفٌ حليفاً" أي: محالفاً.
"لبني عُقَيل" بالتصغير: قبيلة، وكان بينه ﷺ وبين ثَقِيْفُ عهداً: أن لا يتعرضوا لأحد من المسلمين.
"فأسَرَتْ ثَقِيْفُ رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، وأَسَرَ أصحاب رسول الله"؛ أي: أخذوا.
"رجلاً من بني عُقَيْل" عوضاً عن الرجلين الذين أخذهما ثَقِيْف، وكان عادة العرب أن يأخذوا الحليف بجرم حليفه، ففعل ﷺ هذا الصَّنيع على عادتهم.
"فأوثقوه" أي: شدُّوه بالوثاق.
"وطَرَحُوه" أي: ألقوه.
"في الحرَّة" وهي الأرض الكثيرة الحجارة السُود بين جبلين بظاهر المدينة.
"فمرَّ به رسول الله، فناداه: يا محمد! فِيْمَ أُخِذْتُ؟ " استفهام عن السبب الموجِب للأخذ.
"قال بِجَرِيْرَة حلفائكم ثَقِيْف"؛ أي: بجنايتكم، وهذا يحمل على ابتداء الإسلام ثم نسخ.
"فتركه" أي: النبي ﷺ ذلك الرجل.
"فمضى، فناداه: يا محمد! يا محمد! فرحمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجع فقال: ما شأنك؟ فقال: إني مسلم، فقال: لو قلتها" أي: كلمة الشهادة.