١٣٥ - وفي رواية أخرى: "واحدةٌ في الجنَّة، وهي الجماعة، وإنه سيَخرجُ في أُمَّتي قومٌ تَتَجارى بهم تلك الأَهواءُ كما يَتَجارَى الكَلَبُ بصاحبهِ، لا يبقى منهم عِرقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخَله".
"وفي رواية معاوية: واحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة"، والجماعة عند أهل اللغة: هم أهل العلم والفقه، وعن سفيان: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعةَ، وزاد في روايته: "وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم"؛ أي: تدخل فيهم وتجري "تلك الأهواء" والبدَع في مفاصلهم.
"كما يتجارى الكَلَب" بفتحتين: داء يَعرِض للإنسان من عضِّ الكَلْب المجنون، ويتفرَّق أثره.
"بصاحبه"؛ أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه، فكذلك تدخل البدَعُ فيهم وتؤثر في جميع أعضائهم.
"بحيث لا يبقى منهم عرقٌ ولا مِفصلٌ إلا دخلَه"، وذكر (الأهواء) بصيغة الجمع؛ تنبيهًا على اختلاف أنواع الهوى.
* * *
١٣٦ - وقال: "لا تجتمعُ هذه الأُمةُ - أو قال: أُمة محمدٍ - على ضَلالةٍ، ويدُ الله على الجَماعةِ، ومَنْ شَذَّ شذَّ في النّارِ".
"وعن ابن عمر وأنس ﵃ أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : لا تجتمع هذه الأمة، أو قال: أمة محمَّد"، والمراد: أمة الإجابة؛ أي: لا يجتمعون "على ضلالة" غير الكفر، ولذا ذهب بعضهم إلى أن اجتماعَ الأمة على الكفر جائز؛ لأنها لا تبقى بعد الكفر أمةً له، والمَنفيُّ اجتماعُ أُمة محمَّد على الضلالة.
والحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد: اجتماع العلماء؛
стр. 212
إذ لا عِبرةَ لاجتماع العوام؛ لأنه لا يكون عن عِلم.
"ويدُ الله"؛ أي: حفظُه ونصرتُه "على الجماعة" المجتمعين على الدّين، يحفظهم الله، من الضلالة والخطأ.
"ومَن شذَّ"؛ أي: انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم يكن هم عليه "شذَّ في النار"؛ أي: انفرد فيها، معناها: انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة، وأُلقي في النار.
* * *
١٣٧ - ويُروى عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اتَّبعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنَّه مَنْ شذَّ شذَّ في النّارِ".
"وعن ابن عمر ﵁، عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: اتَّبعوا السوادَ الأعظمَ": وهو ما عليه أكثر علماء المسلمين، وقيل: جميع المسلمين الذين هم في طاعة الإمام.
"فإنَّه مَن شذ شذَّ في النار".
* * *
١٣٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بنيَّ! إنْ قدرتَ أن تُصبحَ وتمسيَ ليسَ في قلْبكَ غِشٌّ لأِحدٍ فافعلْ"، ثمَّ قال: "يا بني وذلكَ مِنْ سنَّتي، ومَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبني، ومَنْ أحبني كانَ معي في الجنَّة".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يا بني! " بضم الباء: تصغير (ابن).
"إنْ قَدرتَ أن تُصبحَ"؛ أي: تدخل في وقت الصباح.
стр. 213
"وتُمسيَ"؛ أي: تدخل في وقت المساء، والمراد: جميع الليل والنهار.
"ليس في قلبك غِشٌّ": الجملة حال من فاعل (تصبح)؛ أي: غيرُ كائنٍ في قلبك غشّ "لأحدٍ فافعلْ"، والغش: نقيض النصح، الذي هو إرادة الخير.
"ثم قال: يا بني! وذلك"؛ أي: خلوُّ القلب من الغش "من سُنَّتي، ومَن أَحبَّ سُنَّتي فقد أحبني" فيه: تنبيه على أن محبةَ سُنةٍ واحدةٍ من سُنَنه محبتُه ﷺ .
"ومَن أحبني كان معي في الجنة".
* * *
١٣٩ - وقال: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي عندَ فَسادِ أمُّتي فلهُ أجرُ مئة شَهيدٍ"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن تمسَّك بسُنَّتي"؛ أي: عَمِلَ بها.
"عند فساد أمتي"؛ أي: عند غلبة الفسق والجهل بهم.
"فله أجرُ مئة شهيد"؛ لِما يلحقه من المشقة بالعمل بها وإحيائها، وإنْ تركَهم لها فهو كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدِّين.
* * *
١٤٠ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ حين أَتاهُ عمرُ ﵁ فقال: إنّا نسمَعُ أحاديثَ منْ يهود تُعجبنا، أفترى أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال: "أَمُتَهَوِّكونَ أنتم كما تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ لقد جئتُكُمْ بها بيضاءَ نقيّةً، ولوْ كان موسى حيّاً لَما وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعي".
"وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ حين أتاه عمر ﵁ قال: إنّا لَنَسمعُ
стр. 214
أحاديث"؛ أي: حكايات ومواعظ "من يهود تُعجبنا"؛ أي: تَحسُنُ عندنا وتَميل قلوبنا إليها.
"أفتَرى": أفتَأذَنُ لنا "أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال ﵊؛ زجرًا لعمر ﵁: "أمُتهوِّكون أنتم"؛ أي: أتصيرون متحيرين متردِّدين في دِينكم.
"كما تَهوَّكتِ اليهود والنصارى"؛ أي: مثلَ تحيُّرهم.
"لقد جئتكم": جواب قسم محذوف.
"بها"؛ أي: بالمِلَّة الحنفية، بقرينة الكلام.
"بيضاءَ": حال عن ضمير (بها).
"نقيةً": صفة (بيضاء)، كلاهما عبارة عن الظهور والصفاء والخلوص عن الشك والشُّبهة، أو المراد بهما: أنها مَصُونةٌ عن التبديل والتحريف والإصر والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة؛ لأنَّ في دين اليهود إخراجَ رُبعِ مالهم زكاةً، وقطعَ موضع النجاسة من الثوب بدلًا من الغسل وغير ذلك.
"ولو كان موسى حياً ما وسعه"؛ أي: لا يجوز له "إلا اتباعي" في الأفعال والأقوال؛ يعني: لا يفعل فعلًا ولا يقول قولًا إلا بأمري، فأنتم تطلبون فائدةً من موسى مع وجودي؟! * * *
١٤١ - عن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ أكلَ طيبًا، وعملَ في سُنَّةٍ، وأمِنَ النّاسُ بوائقَهُ دخلَ الجنّةَ"، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا اليومَ في الناسِ لكثيرٌ، قال: "وسيكونُ في قُرونٍ بَعْدي".
стр. 215
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن أكلَ طيبًا"؛ أي: كان قُوتُه حلالًا.
"وعملَ في سُنَّةٍ"؛ أي: في موافقتها؛ يعني: كان قولُه وفعلُه على وفق الشرع، وتنكيرها لإشعار أن العمل في موافقة واحدة منها مع أختَيها مما يوجب دخولَ الجنة.
"وأَمِنَ الناسُ بَوائقَه" جمع: بائقة، وهي الداهية والمشقة، والمراد به هنا: الشُّرور.
"دخلَ الجنةَ، فقال رجل: يا رسولَ الله! إن هذا"؛ أي: الذي تصفه وتذكره "اليومَ لَكثيرٌ" في الناس بحمد الله، فما حالُ المستقبل؟
"قال: وسيكون" مَن لم يكن موصوفًا بهذه الصفة "في قرون بعدي" جمع: قَرن، وهو أهل عصر؛ فإن كلَّ عصر هو أبعدُ من زمان الرسول ﷺ يكون الصُّلَحاءُ فيهم أقلَّ ممن قبلَهم.
* * *
١٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنكمْ في زمانٍ مَنْ تركَ منكمْ عُشْرَ ما أُمِرَ بهِ هلكَ، ثمَّ يأتي زمانٌ مَنْ عملَ منهمْ بعُشْرِ ما أُمِرَ بهِ نَجا"، غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: إنكم" أيها الصحابةُ.
"في زمانٍ"؛ أي: زمانِ نزولِ الوحي وسماعِ كلام صاحب الرسالة.
"مَن تركَ منكم عُشرَ ما أُمر به" من الأمر المعروف والنهي عن المنكر "هلكَ"؛ لأنَّ الدِّينَ عزيزٌ، والحقَّ ظاهرٌ، وفي أنصاره كثرة.
стр. 216
"ثمَّ يأتي زمان مَن عملَ منهم بعُشر ما أُمر به نجا"؛ لانتفاء، تلك المعاني المذكورة.
"غريب".
* * *
١٤٣ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"، ثمَّ قرأَ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
"وعن أبي أمامة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه"؛ أي: على الهدى.
"إلا أُوتُوا"؛ أي: أُعطُوا "الجَدَلَ"؛ أي: ما كان ضلالُهم ووقوعُهم في الكفر إلا بسبب الجدل، وهو الخصومةُ مع نبيهم وطلبُ المعجزة منه عنادًا وجحوداً.
وقيل: مقابلة الحُجة بالحُجة، وقيل: المراد به هنا: العناد والمِراء في القرآن وضرب بعضه ببعض، والتعصُّب لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم، من غير أن يكون لهم بصيرة على ما هو الحق.
"ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ ": ما ضربوا هذا المَثَلَ " ﴿لَكَ﴾ ": يا محمدُ، وهو قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، أرادوا بالآلهة هنا: الملائكة؛ يعني: الملائكة خير أم عيسى؟ يريدون أن الملائكةَ خيرٌ من عيسى، فإذا عَبدتِ النصارى عيسى فنحن نَعبد الملائكةَ؛ يعني: ما قالوا هذا القولَ " ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ ": إلا لمخاصمتك وإيذائك بالباطل.
стр. 217
" ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ "؛ أي: كثيرو الخصومة.
* * *
١٤٦ - عن أنس ﵁: أنَّ النبي ﷺ كان يقول: "لا تُشدِّدوا على أنفُسِكُم، فيُشدِّدَ الله عليْكُمْ، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفُسِهم فشدَّدَ عليهم، فتلْكَ بقاياهُمْ في الصَّوامعِ والدِّيار ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] ".
"وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشدِّدوا على أنفسكم"؛ أي: بالأعمال الشاقة، كصوم الدهر وإحياء الليل كله واعتزال النساء؛ لئلا تَضعُفُوا عن العبادة وأداء الحقوق والفرائض.
"فيُشدِّدَ" بالنصب: جواب النهي؛ أي: يُشدِّدَ "الله عليكم؛ فإن قومًا" من بني إسرائيل "شدَّدُوا على أنفسهم" حين أُمروا بذبح بقرة، فسألوه عن لونها وسنِّها وعن غير ذلك من صفاتها، "فشدَّد الله عليهم"، بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة لم توجد بتلك الصفة إلا بقرة واحدة، لم يبعْها صاحبها إلا بملء جِلدها ذهباً.
"فتلك" الجماعة.
"بقاياهم في الصوامع" جمع: صَومَعة، وهي موضع عبادة الرُّهبان.
"والديار" جمع: الدَّير.
"رهبانية": نُصب بفعل يفسِّره ما بعده، وهو "ابتدعوها"، يقال: ابتَدَعَ: إذا أتى بشيء بديع؛ أي: جديد، لم يفعله قبلَه أحدٌ، و (الرَّهبانية) بفتح الراء المهملة: الخَصلة المنسوبة إلى الرَّهبان، وهو الخائف، فَعْلَان من: رَهِبَ رَهبةً؛ أي: خافَ، وبالضم: نسبة إلى الرُّهبان، جمع: الراهب.
"ما كتبناها"؛ أي: ما فَرَضْنا تلك الرهبانيةَ "عليهم": من تركهم التلذُّذ
стр. 218
بالأطعمة، وترك التزوُّج ومخالطة الناس، والتوطُّن في رؤوس الجبال والمواضع البعيدة عن العمرانات.
* * *
١٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزلَ القرآنُ على خمسةِ وجوهٍ: حلال، وحَرام، ومُحكَمٍ، ومُتشابهٍ، وأَمْثالٍ، فأَحِلُّوا الحَلالَ، وحرِّموا الحَرامَ، واعمَلُوا بالمُحكَم، وآمِنوا بالمُتشابه، واعتبروا بالأَمثال".
"عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال": كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، الآية.
"وحرام": كقوله تعالى: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] الآية.
"ومُحكَم": كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وغير ذلك من الأمر والنهي والموعظة.
"ومُتشابه": كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، وما أشبه ذلك.
"وأمثال"؛ يعني: قصص الأمم الماضية، كقوم نوح وصالح وغير ذلك.
"فأحِلُّوا الحلالَ، وحرِّموا الحرامَ، واعملوا بالمُحكَم، وآمنوا بالمُتشابه" من غير اشتغال بكيفيته، "واعتبروا بالأمثال".
* * *
١٤٥ - وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَمْرُ ثلاثةٌ: أمر بَينٌ رُشدُه فاتَّبعْهُ، وأَمرٌ بَينٌ غَيُّهُ فاجتنِبْهُ، وأمرٌ اختُلِفَ فيه فكِلْه إلى الله .
стр. 219
"وعن ابن عباس ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : الأمر ثلاثة: أمرٌ بينٌ رُشدُه"؛ أي: ظاهرٌ صوابُه، كأصول العبادات، مثل وجوب الصلاة والزكاة وغير ذلك.
"فاتبعْه، وأمرٌ بينٌ غيُّه"؛ أي: ظلالته، كموافقة أهل الكتاب في أعيادهم ونحوها.
"فاجتنبْه"؛ أي: احترِزْ عنه.
"وأمرٌ اختُلِفَ فيه"؛ أي: اختَلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم، من غير أن يبين الله ورسولُه حكمَه، كتعيين وقت القيامة، وحكم أطفال الكفار.
"فكِلْه"؛ أي: فوِّضْه "إلى الله "، فلا تقل فيه شيئًا من نفي أو إثبات.
стр. 220
٢ - كِتابُ العِلْمِ
стр. 221
٢ - كِتابُ العِلْمِ
(باب العلم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "بلَّغوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومَنْ كذبَ عليَّ مُتعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مقعدَهُ مِنَ النّارِ"، رواه عبد الله بن عمرو.
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن عمرو أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : بلَّغوا عني" ما استطعتم.
"ولو": كان "آيةً"، المراد بـ (الآية) هنا: الكلام المفيد، وهذا تحريضٌ على نشرِ العلم، وتعليمِ الناسِ العلمَ وأحكامَ الدِّين، ونشرِ الحديث.
"وحدِّثوا عن بني إسرائيل"؛ أي: عما وقع فيهم من القصص والوقائع العجيبة، كحكاية عُوج بن عُنُق، وقتل بني إسرائيل أنفسَهم لتوبتهم عن عبادة العِجل، ونحو ذلك.
"ولا حَرَجَ"؛ أي: لا إثمَ عليكم إنْ تحدَّثتم عنهم ما سمعتم؛ فإن في ذلك لعِبرةً وموعظة لأولي الألباب.
وأما نهيُه ﷺ في حديث جابر عن أن يُكتب من أحاديثهم؛ فلأنهم أرادوا الكتابة من أحكام التوراة وشريعة موسى ﵇، فإن جميع شرائع الأديان والكتب قد صارت منسوخة بشريعة نبينا ﷺ .
стр. 222
"ومَن كَذَبَ على متعمدًا": نصب على الحال، ليس حالًا مؤكدة؛ لأنَّ الكذب قد يكون من غير تعمُّد، وفيه: تنبيهٌ على عدم دخول الناسي فيه.
"فَلْيتبوَّأْ": لفظه أمر ومعناه خبر؛ يعني: فإن الله يُبَوِّئه "مقعده من النار"، فتعبيره بصيغة الأمر للإهانة.
وفيه: إشارة إلى أن مَن نَقلَ حديثاً وعلمَ كذبه يكون مستحقاً للنار؛ إلا أن يتوب، لا مَن نَقلَ عن راوٍ عنه - أو رأى في كتابٍ ولم يعلم كذبَه.
* * *
١٤٨ - وقال: "مَنْ حدَّثَ عني بحديثٍ يُرى أنَّه كذبٌ فهُوَ أحدُ الكاذِبَينَ".
"وعن سَمُرة بن جندب والمغيرة بن شعبة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : مَن حدَّث عني بحديث يُرَى" - بضم الياء وفتح الراء - بمعنى: يظن، وفتحهما بمعنى يعلم.
"أنَّه كَذب" بكسر الكاف وفتحها: مصدر؛ أي: ذو كذب، على حذف المضاف، أو المصدر بمعنى الفاعل.
"فهو أحد الكاذبين"، رُوي على صيغة التثنية باعتبار المفترِي والناقل عنه، وبصيغة الجمع باعتبار كثرة النقَلَة.
* * *
١٤٩ - وقال ﷺ : "مَنْ يُردِ الله بهِ خيرًا يُفقهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسمٌ والله يُعطي، ولا تَزالُ منْ أُمَّتي أُمَّة قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ولا مَنْ خالفهُمْ حتى يأتيَ أمرُ الله وهمْ على ذلك"، رواه مُعاوية ﵁.
"وعن معاوية أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن يُرِدِ الله به خيرًا": تنكيره للتفخيم.
стр. 223
"يُفقّهْه في الدِّين"؛ أي: يجعله عالمًا بأحكام الشريعة، ذا بصيرةٍ فيها، يستخرج المعاني الكثيرةَ من الألفاظ القليلة.
"وإنما أنا قاسم": لا أرجح أحدًا على غيره في قسمةِ ما أُوحي إليَّ من العلم والحكمة، بل أُسوِّي في الإبلاع، وإنما التفاوتُ في الفهم الذي يُهتدَى به إلى خفيات علوم الكتاب والسُّنة، فهو طريق عطاء الله.
"والله يعطي" ذلك لمن يشاء مِن عباده، وإنما لم يقل: مُعْطٍ؛ لأنَّ إعطاء الله تعالى يتجدَّد كلَّ ساعة.
وقيل: المراد به: قسمة المال، قاله ﵊؛ لئلا يكونَ في القلوب تنكُّر من التفاضل في القِسمة، فإنَّه أمرُ الله تعالى.
"ولا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرُّهم مَن خَذَلَهم ولا مَن خالَفَهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك": تقدم بيانه.
* * *
١٥٠ - وقال ﷺ : "الناسُ معادنُ كمعادنِ الذَّهبِ والفضَّةِ، خِيارُهم في الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإِسلامِ إذا فَقُهوا"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : الناسُ معادنُ" جمع: مَعدن، وهو مُستقَر الجواهر، والمُستوطَن أيضًا، من: عَدَنَ بالمكان: استقرَّ به، وعَدَنتُ البلدَ توطَّنته؛ أي: الناسُ معادنُ الأخلاق والأعمال والأقوال، ولكن يتفاوتون فيها.
"كمعادن الفضة والذهب" وغيرهما، إلى أن ينتهي إلى الأدنى فالأدنى؛ فمَن كان اسعداده أقوى كانت فضيلتُه أتمَّ، ومَن كان على خلافه ففضيلتُه أنقصُ.
وفيه: إشارة إلى أن ما في معادن الطبائع من جواهر مكارم الأخلاق ينبغي
стр. 224
أن يُستخرجَ برياضة النفوس، كما تُستخرج جواهر المعادن بالمقاساة والتعب.
"خيارهم في الجاهلية" بمكارم الأخلاق.
"خيارهم في الإِسلام" أيضًا بها.
"إذا فقهوا"؛ أي: صاروا فقهاءَ عالِمينَ.
* * *
١٥١ - وقال ﷺ : "لا حَسَدَ إلا في اثنتَيْنِ: رجل أَعطاه الله مالًا فسَلَّطهُ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجل آتاهُ الله حِكْمةً فهُوَ يقضي بها ويُعلِّمُها"، رواه ابن مَسْعود ﵁.
"وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا حسدَ"، المراد بالحسد هنا: الغِبْطَة، وهي أن تتمنى أن يكون لك مثلُ ما لأخيك المسلم من غير تمنّي زواله عنه، والحسد على عكسه؛ أي: لا غِبطةَ "إلا في اثنتين"؛ أي: في خصلتين اثنتين، ويروى "في اثنين"؛ أي: في شأن اثنين:
"رجل أتاه الله مالًا فسلَّطه"؛ أي: وكَّلَه الله ووفَّقَه "على هَلَكته" بفتحتين؛ أي: إنفاقه.
"في الحق"، قُيدَ به؛ لأنَّ الإنفاقَ في الحق دون الباطل.
"ورجل آتاه الله"؛ أي: أعطاه "حكمةً"؛ أي: علمَ أحكامِ الدّين، وقيل: أي: إصابةَ الحقِّ بالعلم والفعل.
"فهو يقضي بها"؛ أي: يحكم بالحكمة التي أُوتيَها.
"ويعلِّمها" غيرَه، وفي الحديث: ترغيب على التصدق بالمال وتعليم العلم.
стр. 225
١٥٢ - وقال ﷺ : "إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنهُ عملُهُ إلا منْ ثلاثةٍ: إلا منْ صَدَقَةٍ جاريةٍ، أو عِلم يُنتفَعُ بهِ، أو ولدٍ صالح يدعُو لهُ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عملُه"؛ أي: لا يُكتب له بعد موته أجرٌ وثوابٌ؛ لأنَّ الأجرَ جزاءُ العمل الصالح، وهو انقطع عنه بموته.
"إلا من ثلاثة: من صدقة جارية"؛ أي: يجري نفعُها ويدوم أجرُها، كالوَقْف، وبناء المسجد والجامع، وحفر البئر، والطريق، وإحياء العيون، وغيرهما من الأفعال في وجوه الخير.
"أو علم ينتفع به"، قيَّد العلم بالمُنتفَع به؛ لأنَّ ما لا يُنتفَع به لا يثمر أجرًا، والمراد بالمُنتفَع به؛ العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته، ويدخل فيه علم الكلام؛ أي: العقائد، والعلم بكتبه]، ويدخل فيه التفسير، وبملكوت أرضه وسمائه، ويدخل فيه علم الرياضي، والعلم بشريعة محمَّد ﵊، ويدخل فيه علم التفسير أيضًا والحديث والفقه وأصوله.
"أو ولد صالح يدعو له"، قيَّد الولد بالصالح؛ لأنَّ الأجر لا يحصل من غيره، وإنما ذَكَرَ الدعاءَ له تحريضاً للولد على الدعاء لأبيه، حتى قيل: يحصل للوالد ثوابٌ مِن عملِ الولد الصالح، سواءٌ دعا لأبيه أو لا، كما أن مَن غرسَ شجرةً مثمرةً يحصل للغارس ثوابٌ بأكل ثمراتها، سواءٌ دعا له الآكِلُ أو لا؛ فإن ثوابَ هذه الأشياء الثلاثة غيرُ منقطع بالموت.
* * *
١٥٣ - وقال: "مَنْ نفَّسَ عنْ مُؤمنٍ كُربَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا نفسَ الله عنهُ كُربةً مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ الله عليهِ في الدُّنيا
стр. 226
والآخرة، ومَنْ سَتَرَ مُسلِماً ستَرهُ الله في الدُّنيا والآخرة، والله في عَوْنِ العبْدِ ما دام العبْدُ في عَوْنِ أَخيه، ومَنْ سلكَ طَريقاً يلتمِسُ فيهِ عِلْماً سهَّلَ الله لهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّة، وما اجتمعَ قومٌ في مَسْجدٍ مِنْ مَساجدِ الله تعالى يتْلُونَ كتابَ الله ويتدارسُونه بينهُمْ إلَّا نزلَتْ عليهِمُ السَّكينةُ، وغشِيتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتْ بهِم الملائكةُ، وذكرهُمُ الله فيمنْ عنده، ومَنْ بطَّأ به عمَلُهُ لمْ يُسْرعْ بهِ نسَبُه"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن نفس"؛ أي: فرَّج "عن مؤمنٍ كُربةً"؛ أي: حزناً، وهي شدة الغَمّ، تنوينها للتحقير؛ يعني: جعله في سَعَة.
"من كُرَب الدنيا" بماله أو مساعدته أو رأيه أو إشارته، قُيد بالمؤمن؛ لأنه مَظنةُ الكُرَب في الدنيا، فأما الكافر فالله تعالى قد وسَّع عليه في الدنيا على الأعم.
"نفَّس الله عنه كربةً": تنوينها للتعظيم.
"من كُرَب يوم القيامة، ومَن يسَّر"؛ أي: سهَّل (على مُعسِر)؛ أي: فقير، وهو يشمل المؤمن والكافر؛ أي: مَن كان له على فقير دَينٌ، فسهَّل عليه بإمهالِه أو تركِ بعضه.
"يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن سَتَرَ مسلمًا" ملتبساً بفعلٍ قبيحٍ، بألا يفضحه، أو سترَ عرياناً بأن أَلبسَه ثوباً.
"سترَه الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد"؛ أي: في نصره.
"ما كان العبد": مشغولاً "في عون أخيه" المسلم وقضاء حاجته.
"ومَن سَلَكَ"؛ أي: ذهبَ.
стр. 227
"طريقًا يلتمس"؛ أي: يطلب، حال أو صفة.
"فيه علمًا"، نكَّره ليشملَ كلَّ نوع من أنواع علوم الدِّين، قليله وكثيره، وفيه: استحباب الرحلة في طلب العلم.
وقد ذهب موسى إلى خضر ﵇ وقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦].
ورحل جابر بن عبد الله مسيرةَ شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد.
"سهَّل الله له به"؛ أي: بسبب ذلك "طريقاً إلى الجنة"؛ يعني: جعلَ الله ذهابَه في طلب العلم سبباً لوصوله إلى الجنة من غير تعب، ويُجازَى عليه بتسهيل قطع العقبات الشاقة، كالوقوف والجواز على الصراط وغير ذلك.
"وما اجتمع قومٌ في مسجد من مساجد الله ": احترز به عن مساجد اليهود والنصارى؛ فإنه يُكره الدخولُ فيها.
"يتلون كتاب الله"؛ أي: يقرؤون القرآن.
"ويتدارسون بينهم": وهو قراءة بعض مع بعض تصحيحاً لألفاظه، أو كشفاً لمعانيه.
"إلا نَزلتْ عليهم السَّكينة"؛ أي: الوقار والخشية.
"وغشيتْهم الرحمة"؛ أي: أحاطت بهم، وقيل: أي: تَعْلُوهم الرحمة والبركة من الله تعالى.
"وحفَّت"؛ أي: أَحدقَتْ "بهم الملائكة": أو طافُوا بهم ودارُوا حولَهم، يسمعون القرآنَ ودراستَه، ويحفظونهم من الآفات، ويصافحونهم ويزورونهم.
"وذكرَهم الله فيمَن عنده"، المراد من العِنْدية: الرُّتبة؛ يعني: في الملائكة المقرَّبين، ويقول: انظروا إلى عبادي يذكرونني ويقرؤون كتابي، وأيُّ شرفٍ
стр. 228
أعظمُ من ذِكر الله تعالى عبادَه بين ملائكته؟
"ومَن بطَّأ به" - بتشديد الطاء - من: التبطئة، ضد التعجيل، والباء للتعدية؛ أي: أخَّره في الآخرة "عملُه" السيئ، أو تفريطُه في العمل الصالح.
"لم يُسرِع به نَسَبُه"؛ أي: لم ينفعه شرفُ نسبه، ولم ينجبر نقيضه به؛ فإن التقرُّبَ إلى الله تعالى لا يحصل بالنسب وكثرة العشائر والأقارب، بل بالعمل الصالح.
* * *
١٥٤ - وقال: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى عليهِ يومَ القيامةِ: رجلٌ استُشْهِدَ، فأَتى بهِ الله فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فِيها؟ قال: قاتلْتُ فيكَ حتَّى استُشْهِدتُ، قَالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ لأنْ يُقالَ: إنك جَريءٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلقيَ في النّار، ورجلٌ تعلَّم العِلْمَ وعلَّمَهُ وقَرأَ القُرآنَ، فأُتيَ بهِ فعَرَّفهُ نِعَمَهُ فعرفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمت العِلْمَ وعلَّمْتُهُ وقرأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذبْتَ ولكنَّكَ تعلمتَ العِلمَ لِيُقالَ: عالمٌ، وقرأْتَ القُرآنَ ليقالَ: هو قارئٌ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النّار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليهِ وأعطاهُ مِنْ أصنافِ المالِ كلِّهِ، فأُتيَ بهِ فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ مِنْ سَبيلٍ تُحبُّ أنْ يُنفقَ فيها إلَّا أنفقتُ فيها لكَ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلْتَ ليُقالَ: هو جَوادٌ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجهِهِ، ثُمَّ أُلقيَ في النّار"، رواه أبو هُريرة ﵁.
"وعنه أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أولَ الناس يُقضَى عليه يومَ القيامة"؛ أي: يُسأل فيه عن أفعاله ويُحاسَب.
"رجلٌ استُشهد"؛ أي: قُتل في سبيل الله.
стр. 229
"فأُتي به"؛ أي: بالرجل للحساب.
"فعرَّفه الله نِعَمَه"؛ أي: أَعلَمَه وذكَره بما أنعم عليه من أنواع النعم، من إعطاء القوة والشجاعة والفرس والسلاح، وغير ذلك من أسباب المحاربة مع الكفار.
"فعَرَفَها"؛ أي: الرجلُ تلك النعمَ وأقرَّ بها.
"قال"؛ أي: الله تعالى: "فما عملتَ فيها؟ " وعلى أيِّ وجه صرفتَها؟ "قال"؛ أي: الرجلُ: "قاتلتُ فيك"؛ أي: حاربتُ لإعلاء دينك ولرضاك "حتى استُشهدتُ"؛ أي: قُتلتُ في سبيلك.
"فقال"؛ أي: الله تعالى: "كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لأنَّ يقال: رجل جريء"؛ أي: شجاع؛ يعني: غرضُك مِن قتالِك إظهارُ شجاعتك، لا لإعلاء دِيني ولا لرضائي.
"فقد قيل ذلك، ثمَّ أُمر به"؛ أي: قيل لخَزَنة جهنم: ألقوه "في النار، فسُحِبَ"؛ أي: جُرَّ "على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل تعلَّم العلمَ وعلَّمه الناسَ وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه بنعمه"؛ أي: ما أنعم عليه من الفهم والفصاحة والعلم والقرآن.
"فَعَرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُه وقرأتُ فيك"؛ أي: القرآنَ في رضاك.
"قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمتَ العلمَ ليقال: هو عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسُحب"؛ أي: جُرَّ "على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه"؛ أي: كثَّر مالَه.
"وأعطاه من أصناف المال كله"؛ أي: من أنواعه من الإبل والبقر وغيرهما، ومن الذهب والفضة وغير ذلك.
стр. 230
"فأتي به، فعرَّفه نعمَه، فعَرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحب أن يُنفَق فيها إلا أنفقت فيها لك"، كبناء المساجد والمدارس، وإعطاء الزكاة والصدقات، وغير ذلك من وجوه الخيرات.
"قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليقال: هو جَواد"؛ أي: سَخِيٌّ.
"فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسُحب"؛ أي: جُرَّ "على وجهه، ثمَّ أُلقي في النار".
* * *
١٥٥ - وقال: "إنَّ الله تعالى لا يقبضُ العِلْمَ انتزاعاً ينتزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولكنْ يَقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماء حتى إذا لم يُبقِ عالِمًا اتَّخذَ الناسُ رُؤَساءَ جُهّالاً، فسُئِلُوا، فأَفْتَوْا بغيرِ عِلْم، فضَلُّوا، وأَضَلُّوا"، رواه عبد الله بن عَمْرو بن العاص.
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يقبض العلم"، المراد به: علم الكتاب والسُّنة وما يتعلق بهما.
"انتزاعًا": مفعول مطلق للفعل بعده، وهو "ينتزعه"، والجملة حالية؛ يعني: لا يقبض العلم "من العباد" على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء، ويجوز أن يكون (انتزاعا) مفعولاً مطلقًا لـ (يقبض) من غير لفظه، و (ينتزعه): صفته.
"ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالمًا" يقبضُ أرواحهم "اتخذ الناس رؤُوساً" بضم الهمزة والتنوين: جمع رأس، ورأس القوم: كبيرهم، ويروى: "رؤساء" بالمد، جمع: رئيس.
"جُهّالًا، فسُئلوا فأَفْتَوا بغير علم، فضَلُّوا"؛ أي: صاروا ضالِّين.
"وأَضَلُّوا"؛ أي: جعلوا قومَهم ضالِّين أيضًا؛ لأنَّ مَن اتبع جاهلاً يدلُّه
стр. 231
على سبيل الضلال.
* * *
١٥٦ - وقال عبد الله بن مَسْعُود ﵁: كان رسولُ الله ﷺ يتخَوَّلُنا بالمَوعظةِ في الأَيامِ كراهَةَ السّآمَةِ علَينا.
"وقال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله ﷺ يتخوَّلنا" بالخاء المعجمة؛ أي: يتعهدنا.
"بالموعظة في الأيام"؛ يعني: لا يَعِظُنا متوالياً.
"كراهةَ السّآمَة"؛ أي: المَلالة "علينا"؛ إذ لا تأثير له عند المَلالة، بل يَعِظُنا يوماً دون يوم، ووقتاً دون وقت.
ويروى بالحاء المهملة أيضًا؛ أي: يتأمَّل أحوالنا التي ننشط فيها للموعظة، فيعظُنا فيها، وكذلك لِيَفعلِ المشايخُ والوعّاظُ في تربية المُرِيدين.
* * *
١٥٧ - وقال أنس ﵁: كان النبي ﷺ إذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثًا حتى تُفهمَ عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّمَ عليهِمْ سَلَّم عليهم ثلاثًا.
"وقال أنس ﵁: كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة"؛ أي: بكلام مفيد.
"أعادها ثلاثًا حتى تُفهَم"؛ أي: لِتُفهَمَ "عنه" تلك الكلمة.
"وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثاً": تسليمة للاستئذان، وتسليمة للوداع، وتسليمة للتحية، وهذه التسليمات كلُّها مسنونة، وكان ﵊ يواظب عليها.
стр. 232
١٥٨ - وعن أبي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دلَّ على خَيْرٍ فلهُ مِثْلُ أَجْرِ فاعلِهِ".
"وعن أبي مسعود الأنصاري أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن دلَّ على خير فله مثلُ أجر فاعله": معناه ظاهر.
* * *
١٥٩ - وقال: "مَنْ سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً حسنةً فلهُ أجرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعدَهُ، مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورِهم شيءٌ، ومَنْ سنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سيِئَةً كان عليهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عملَ بها بعدَهُ، مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أَوزارِهم شيءٌ"، رواه جَرِيْر ﵁.
"وعن جرير أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن سَنَّ في الإِسلام سُنةً حسنةً"؛ أي: أتى بطريقةٍ مَرضيةٍ يُقتدَى به فيها.
"فله أجرُها"؛ أي: أجرُ عملِه.
"وأجرُ مَن عملَ بها"؛ أي: ومثلُ أجرِ مَن عملَ بتلك السُّنة.
"بعدَه"؛ أي: بعد ممات مَن سَنَّها، قُيد به دفعاً لِما يُتوهَّم أن ذلك الأجر يُكتب له ما دام حيّاً.
"من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومَن سَنَّ في الإِسلام سُنَّةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عملَ بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
* * *
١٦٠ - وقال: "لا تُقْتَلُ نفس ظُلْمًا إلَّا كانَ على ابن آدمَ الأوَّلِ كفْلٌ مِنْ
стр. 233
دَمِها؛ لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ"، رواه ابن مَسْعُود ﵁.
"وعن ابن مسعود أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ لا تُقتَلُ نفسٌ ظلماً": نصب على التمييز.
"إلا كان على ابن آدم الأول": صفة لـ (ابن)، وهو قابيل، قَتلَ أخاه هابيل.
"كِفْل"؛ أي: نصيب.
"من دمها"؛ أي: دم النفس؛ يعني: كلُّ قتل باطل يجري بعد قابيل إلى نفخة الصُّور يكون لقابيل نصيبٌ من ذلك الإثم؛ "لأنه أولُ مَن سَنَّ القتلَ".
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٦١ - عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: قال رسولُ ﷺ : "مَنْ سَلَكَ طَريقاً يطلُبُ فيهِ عِلْمًا سَلَكَ الله به طَريقاً من طُرُق الجنَّةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضَعُ أجنحتَها رِضًا لطالبِ العِلْم، وإنَّ العالمَ ليَستغفرُ لهُ مَنْ في السَّماواتِ وَمَنْ في الأَرضِ، والحِيْتانُ في جَوْفِ الماء وإنَّ فَضْلَ العالم على العابدِ كفضْلِ القمَرِ ليلةَ البَدرِ على سائرِ الكواكِبِ، وإِنَّ العُلَماء وَرثَةُ الأنبياءَ، وإِنَّ الأنبياء لم يوَرِّثوا دِيْنارًا ولا دِرهمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أخذَ بحظٍّ وافِرٍ".
"من الحسان":
" عن أبي الدرداء أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن سلكَ طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقاً"؛ أي: أذهبه الله تعالى بسبب طلب العلم في طريق "من طرق الجنة" حتى يوصلَه إليها، وفيه: إشارة إلى أن طرق الجنة كثيرة؛ فكلُّ عملٍ صالحٍ طريقٌ من طرقها، وطلبُ العلم أقربُ طريق إليها وأعظم.
стр. 234
"وإن الملائكة لتضعُ أجنحتَها رضاً": حال أو مفعول له؛ أي: يتواضعون "لطالب العلم" توقيراً للعلم، والسلام تتعلّق بـ (تضع).
وقيل: المراد به حقيقته، وهي فَرشُ الجناحِ وبسطُها له؛ لتحملَه عليها، وتبلِّغَه مقصدَه من البلاد تعظيماً لعلمه.
"وإن العالِم لَيَستغفر له مَن في السماوات"؛ لأنهم عُرفوا بتعريف العلماء، وعُظِّموا بقولهم.
"ومَن في الأرض"؛ لأنَّ بقاءَهم وصلاحَهم مربوطٌ برأي العلماء وفتواهم، ولذلك قيل: ما من شيء من الموجودات حيها وميتِها إلا وله مصلحة متعلقة بالعلم.
"والحِيتان" جمع: الحُوت.
"في جوف الماء"، وخصَّ الحِيتان بالذِّكر؛ لعدم دخولها في جملة المذكور، إذ هي في الماء، وإن سلم أن قوله: (في الأرض) يشملها فذِكرُها للإيماء إلى أن العلم ما به حياة كل شيء، فلذلك استغفر للعالِم المسبب له مَن بقاؤُه مختصٌّ به.
قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، قال ابن عباس: الماء العلم، والأودية القلوب.
"وإن فضل العالِم" الذي يقوم بنشر العلم وتعليمه مع أدائه ما توجَّه إليه من فرائض الله تعالى.
"على العابد" الذي يصرف أوقاتَه بالنوافل، ويشتغل بالتطوعات، مع كونه عالمًا بما يصح به العبادة.
"كفضل القمر ليلةَ البدر": وهي الليلة الرابع عشر من الشهر.
"على سائر الكواكب"، شبَّه العالِم بالقمر والعابد بالكواكب؛ لأنَّ كمالَ
стр. 235
العبادة ونورَها لا يتخطى العابد، وكمالَ العلم ونورَه يتعدى إلى غيره، فيُستضاء بنوره المتلقَّى من نور النبي ﵊ كالقمر المتلقِّي نورَه مِن الشمس المنيرة بالذات من خالقها .
"وإن العلماءَ وَرثَةُ الأنبياء"، وإنما لم يقل: وَرثَةَ الرُّسل؛ ليشملَ الكلَّ.
"وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهماً"، خصَّ الدرهم بالذكر؛ لأنَّ نفيَ الدينار لا يستلزم نفيَه.
ولا يَرِدُ الاعتراض على هذا بأنّه ﵊ كان له صفايا بني النضير، وفَدَك خيبر إلى أن مات، وخلَّفها، وكان لشعيب ﵇ أغنام كثيرة، وكان أيوب وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - كلٌّ منهما ذا نعمة كثيرة؛ لأنَّ المراد: أنَّه ما وَرِثَتْ أولادهم وأزواجهم شيئًا من ذلك، بل بقي ذلك بعدهم مُعداً لنوائب المسلمين.
"وإنما ورَّثوا العلمَ" وإظهارَ الدِّين ونشرَ الأحكام.
"فمَن أخذَه"؛ أي: العلمَ؛ يعني: تَعَلَّمَه.
"أخذَ بحظٍّ": الباء زائدة للتأكيد؛ أي: [أخذَ] حظًّا، وهو النصيب، أو المعنى: ملتبساً بحظ "وافر" من الحظوظ؛ أي: تام كامل؛ أي: لا حظَ أوفرُ منه، ويجوز أن يكون (أخذ) بمعنى: الأمر، والمعنى: مَن أراد أخذَه فَلْيأخذْ وافراً منه، ولا يَقْنع بقليله؛ فإن وضعَ الملائكةِ أجنحتَها واستغفارَ المخلوقات لطالِبه من أعلى المراتب للإنسان.
* * *
١٦٢ - وقال أبو أُمامة الباهلي: ذُكِرَ لرسولِ الله ﷺ رَجُلانِ أحدُهُما عابدٌ والآخَرُ عالمٌ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فضلُ العالِم على العابدِ كفَضْلي على
стр. 236
أَدناكُمْ"، ثمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله وملائكتَهُ وأهلَ السَّماواتِ والأرضِ حتَّى النَّملَةَ في جُحرِها وحتَّى الحوتَ لَيُصلُّونَ على معلّم النّاسِ الخير".
"وقال أبو أمامة الباهلي ﵁: ذُكر لرسول الله ﷺ ؛ أي: وُصف عندَه "رجلان: أحدهما عابد والآخر عالِم، فقال رسول الله ﷺ : فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم" في العلم، وهو يُشعِر أن درجةَ العلماء قاصيةٌ لا تُنال إلا باجتهاد عظيم.
"ثمَّ قال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النَّملةَ في جُحرها"؛ أي: ثقبها.
"وحتى الحوتَ في الماء لَيُصلُّون على معلِّم الناسِ الخيرَ"؛ أي: يدعُون له.
قيل: أراد بالخير هنا: علم الدّين وما به نجاة الرَّجل.
وإنما لم يطلق (المعلّم) ليُعلَم أن استحقاق الصلوات لأجل تعليم علم يوصل إلى الخير؛ أي: إلى الله تعالى.
* * *
١٦٣ - وقال أبو سَعيد الخُدريُّ ﵁: إنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ النّاسَ لكُمْ تَبَعٌ، وإِنَّ رِجالًا يأتونكُمْ مِنْ أقطارِ الأرضِ يتفقَّهُونَ في الدِّينِ، فإذا أتوْكمْ فاسْتَوْصُوا بهِمْ خَيْرًا".
"وقال أبو سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: إن الناسَ لكم تَبَعٌ" جمع: تابع، والخطاب لعلماء الصحابة ﵁؛ يعني: يتبعونكم في أفعالكم وأقوالكم؛ لأنكم أخذتم أفعالي وأقوالي.
"وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض"؛ أي: جوانبها.
"يتفقَّهون"؛ أي: يطلبون الفقه ويتعلَّمونه.
стр. 237
"في الدِّين"؛ أي: في أمور الدِّين وأحكامه.
"فإذا أتَوكم فاستَوصُوا بهم"؛ أي: اطلبوا من أنفسكم الوصيةَ مني بالإحسان إليهم وتعليمهم العلمَ، وقيل: معناه: مُرُوهم بالخير وعِظُوهم.
"خيراً": وعلّموهم إياه.
* * *
١٦٤ - وقال: "الكلِمةُ الحِكْمَةُ ضالَّةُ الحَكيم، فحيثُ وجدَها فَهُوَ أَحَقُّ بها"، رواه أبو هريرة ﵁. غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ الكلمةُ الحكمةُ"، يروى بالإضافة وبالوصف، والمراد بـ (الكلمة) هنا: الجملة المفيدة، وبـ (الحكمة): المُحكَمة الممنوعة عن الخطأ والفساد.
وقيل: الحكمة: الفقه في الدِّين، فُسّر به في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
"ضالَّة الحكيم"؛ أي: مطلوبه، والحكيم: هو المُتقِن للأمور، الذي له غَور فيها.
"فحيث وجدَها فهو أحقُّ بها"؛ أي: بقَبولها والعمل بها، أو المعنى: كلمة الحكمة ربما تفوَّه بها مَن ليس لها بأهل، فإذا وقعت في أهلها فهو أَولى بها من قائلها من غير التفاتٍ إلى حاسة قائلها، كالضالَّة؛ إذا وجدها صاحبها فإنَّه أحقُّ بها من غيره.
"غريب".
* * *
١٦٥ - وقال: "طلَبُ العِلْم فريضةٌ على كُلِّ مُسلم"، رواه أنسٌ ﵁.
стр. 238
"وعن أنس ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : طلبُ العلم"؛ أي: العلمِ الشرعيِّ "فريضة"؛ أي: فرضُ عينِ.
"على كل مسلم"؛ أي: بالغِ، كعلم الكلام المتكفل ببيان معرفته تعالى بالوحدانية ومعرفة صفاته وصدق الرسول، وكعلم الطهارة والصلاة والصوم، والزكاة إن كان له مال، والحج إذا وجبَ عليه، وأما بلوغُ رتبة الاجتهاد والفُتيا ففرضُ كفايةٍ.
* * *
١٦٦ - وقال: "لَفَقيهٌ أشدُّ على الشيطانِ مِنْ ألفِ عابدٍ"، رواه ابن عباس ﵄.
"وعن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : لَفقيهٌ واحدٌ"؛ أي: بقاؤُه وحياتُه.
"أشدُّ" وأبغضُ "على الشيطان مِن" بقاءِ "ألف عابدٍ" غيرِ فقيهِ وحياتِهم؛ لأنَّ الفقيه يأمر الناس بالإيمان والطاعة، ويدعوهم إلى سبيل الرحمن، فيكون عدوّاً للشيطان، ولا كذلك العابد، والمراد بالألف هنا: الكثرة.
* * *
١٦٧ - وقال: "خَصلَتانِ لا تجتمعانِ في مُنافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، ولا فِقْهٌ في الدِّين"، رواه أبو هُريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : خصلتان لا تجتمعان في منافق": بألا يكون فيه واحدة منهما، أو تكون واحدة منهما دون الأخرى.
"حسن سَمْت"؛ أي: سيرة وطريقة في الدِّين.
стр. 239
"ولا فقه في الدِّين"؛ أي: معرفة بالعلوم الشرعية؛ إذ لا اعتقادَ له، ولو تعلم منها يكون لمصلحة الأمور الدنيوية ودفع السيف عن نفسه.
والحديث يدل على عظم قَدر هاتين الخصلتين، وفيه: تحريض للمسلمين عليهما لينالوا فضيلةَ ما لا يناله المنافقون.
* * *
١٦٨ - وقال: "مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ فهو في سَبيلِ الله حتَّى يرجِعَ"، رواه أنس ﵁.
"وعن أنس ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن خرج" من بيته "في طلب العلم فهو في سبيل الله"؛ أي: في الجهاد.
"حتى يرجع" إلى بيته؛ يعني: يحصل له أجر الجهاد؛ لأنَّ الدِّينَ يعلو بالعلم ويحيا به، كما يعلو بالجهاد.
* * *
١٦٩ - وقال: "مَنْ طَلَبَ العِلمَ كان كفّارةً لِما مضَى"، رواه عبد الله بن سَخْبَرَة الأزدي ﵁. ضعيف.
"وعن سَخْبَرة الأزدي، عن النبي ﷺ أنَّه قال: مَن طلبَ العلمَ كان كفارة لما مضى" من ذنوبه، والكفارة: ما يَستر الذنوبَ ويُزيلها، من "كَفَرَ" إذا سَتَرَ.
"ضعيف".
* * *
١٧٠ - وقال: "لَنْ يَشبَعَ المؤمنُ مِنْ خَيْرٍ يسمَعُهُ حتَّى يكونَ مُنتهاهُ الجنَّةُ"،
стр. 240
رواه أبو سَعيد الخُدري ﵁.
"وعن أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ أنَّه قال: لن يَشبعَ المؤمنُ من خيرٍ"؛ أي: من علمٍ.
"يسمعُه حتى يكونَ منتهاه"؛ أي: غايتُه ونهايتُه "الجنةَ"؛ يعني: يكون حريصاً على طلب العلم، ولا يَشبَع ولا يَمَلّ منه، حتى يموتَ فيدخلَ الجنةَ.
* * *
١٧١ - وقال: "مَنْ سُئلَ عن عِلْمٍ عَلِمَهُ ثمَّ كتمَهُ أُلجمَ يومَ القيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن سُئل عن علمٍ عَلِمَه"، والسائل محتاجٌ إليه في أمور دينه.
"ثمَّ كتَمَه"؛ أي: سترَه.
"أُلجمَ يومَ القيامة بلِجامٍ"؛ أي: أُدخل في فمه لِجامٌ "من نارٍ"، وإنما عُذِّبَ فمُه؛ لأنه موضعُ خروج العلم منه، فلما لم يُجِبِ السائلَ وسكتَ جازاه الله تعالى عن سكوته بإلجامه من النار.
* * *
١٧٢ - وقال: "مَنْ طلَبَ العِلْمَ ليُجارِيَ بِهِ العُلماءَ، أو ليُمارِيَ بِهِ السّفهاءَ، أو يَصرِفَ بِهِ وُجُوهَ النّاسِ إليهِ أدخلَهُ الله النّار"، رواه كعب بن مالك ﵁.
"وعن كعب بن مالك، عن النبي ﵊ أنَّه قال: مَن طلبَ العلمَ ليُجارِيَ"؛ أي: ليُقاوِمَ، وقيل: لِيُفاخرَ.
стр. 241
"به العلماءَ"، ويقول لهم: أنا عالِمٌ مثلُكم، ويترفَّع ويتفاخر، كما ابتُلي به أكثر الناس إلا مَن عصمَه الله تعالى.
"أو لِيُمارِيَ": أو ليُجادلَ.
"به السفهاءَ" جمع: سفيه، وهو خفيف العقل، والمراد به هنا: الجاهل؛ يعني: ليجادل الجاهلين ويقول لهم: أنا عالِمٌ، وأنتم لستُم بعالِمين، فأنا خيرٌ منكم.
وقيل: المراد بـ (السفهاء): شِرار العلماء، الذين ضيَّعوا أعمارَهم في الطلب، ولم ينفعهم علمهم، بل زادهم ذلك سفاهةً وشرًا، سماهم سفهاء؛ لأنَّ عقولَهم ناقصةٌ، بالنسبة إلى العلماء الربّانيين.
"أو يصرفَ به"؛ أي: يُميلَ بالعلم "وجوهَ الناس إليه"، فيُعظّمونه ويُعطونه المال.
"أدخلَه الله النارَ". وفي الحديث: وعيد لمن لم يكن له غرض صحيح في طلب العلم.
* * *
١٧٣ - وقال: "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مما يُبتغى بهِ وَجْهُ الله، لا يتعلَّمُهُ إلا لُيصيبَ بهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنيا لمْ يَجد عَرفَ الجنةِ يومَ القيامَةِ"؛ يعني: ريحَها، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : مَن تعلَّم علمًا مما مما يُبتغَى"؛ أي: يُطلَب.
"به وجهُ الله"؛ أي: رضاه، كالعلوم الشرعية.
"لا يتعلَّمه إلا ليُصيبَ به عَرَضًا من عَرَض الدنيا"؛ يعني: لم يَقصد في تعلُّمه إلا أن ينالَ الحظوظَ الدنيويةَ كالمال والجاه، نكَّر (عَرَضاً) ليتناول جميعَ
стр. 242
أنواع الأغراض، قليلَه وكثيرَه.
"لم يجد عَرفَ الجنة يومَ القيامة؛ يعني: ريحها" الطيبة حين يجدها علماء الدِّين من مكان بعيد، فيكون يومَئذٍ كصاحب الأمراض الكائنة في الدماغ المانعة عن إدراك الروائح، وهذا تهديدٌ وزجرٌ عن طلب الدنيا بعمل الآخرة.
* * *
١٧٤ - وقال: "نضَّرَ الله عبدًا سَمعَ مَقالَتي فحفِظَها ووَعاها وأَدّاها، فرُبَّ حامِلٍ فِقْهٍ غيرِ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ مِنْهُ".
"وعن ابن مسعود، عن النبي ﵊ أنَّه قال: نضَّر الله عبدًا"؛ أي: يجعله ذا نَضارة، وهي النعمة والبَهجة.
"سمعَ مقالتي، فحفظَها"؛ أي: عملَ بموجبها؛ فإن الحفظَ قد يُستعار للعمل، قال الله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]؛ أي: العاملون لفرائضه.
"ووَعاها"؛ أي: دامَ على حفظها.
"وأدّاها"؛ أي: أوصلَها إلى الناس وعلَّمها، وفيه: إشارة إلى الفُسحة في الأداء؛ حيث لم يُوجبْه معجَّلًا، وإنما دعا ﵊ بالنضارة؛ لأنه جدَّد بحفظِه ونقلِه طراوةَ الدِّين وجلبابَه، ورواه كما سمعه غضّاً طريّاً من غير تحريف وتغيير.
"فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ": صفة لـ (حامل)، وهذا تعليل للحفظ والوعي؛ فإن الحاملَ قد لا يكون فقيهاً، فيجب عليه أن يحفظَ كلام الرسول ﷺ ويؤدِّيَه إلي الفقيه ليَفهمَ المرادَ به.
"ورُبَّ حاملِ فقهٍ" قد يكون فقيهاً ولا يكون أفقه، فيحفظه فيَعِيه ويبلِّغه
стр. 243
"إلى مَن هو أفقهُ منه"؛ ليُبرزَ الأفقهُ من جوامع الكلم النبوية كوامنَ الأحكام.
* * *
١٧٤/ -م - وقال: "ثلاث لا يُغَلُّ عليهِنَّ قلبُ مُسلمٍ: إخلاصُ العَملِ لله، والنَّصيحةُ للمُسلمينَ، ولزومُ جماعَتِهِمْ، فإنَّ دعوتَهُمْ تُحيطُ مِنْ ورائِهِمْ"، رواه ابن مَسْعود ﵁.
"وعن ابن مسعود، عن النبي ﵊: ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال.
"لا يَغِلُّ" بفتح الياء وكسر الغين: وهو الحِقد.
"عليهن قلب مسلم"؛ أي: لا يكون ذا حقد على هذه الخِصَال، ويروى بضم الياء من: الإغلال، وهو الخيانة؛ أي: لا يخون قلب مسلم في هذه الخصال، والنفي هنا بمعنى النهي.
"إخلاص العمل لله": بألا يكونَ للرِّياء وتحصيل جاهٍ أو مالٍ.
"والنصيحة للمسلمين": بإرادة الخير لهم، وبأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه.
"ولزوم جماعتهم": بألا يخالفا في الاعتقاد وفيما عليه إجماعُ المسلمين.
"فإن دعوتَهم"؛ أي: دعوة الجماعة. "تُحيط"؛ أي: تَدُورُ "مِن ورائهم"، فيحرسهم ويحفظهم عن كيد الشيطان وإغوائه.
وفيه: تنبيه على أن مَن خرجَ مِن جماعتهم لم تَنَلْه بركةُ دعائهم؛ لأنه خارجٌ عما أحاطَ بهم.
* * *
стр. 244
١٧٥ - وقال: "نَضَّرَ الله امْرءًا سَمعَ مِنَّا شيئًا فَبَلَّغَهُ كما سَمِعَهُ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى له مِنْ سامِعٍ"، رواه ابن مَسْعود ﵁.
"وعنه، عن النبي ﷺ : نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئًا فبلَّغَه كما سمعه": هذا أخص من قوله: "سمع مقالتي"؛ لأنه لا يندرج فيه غير الصحابي.
"فرُبَّ مبلَّغ أَوْعَى له"؛ أي: أحفظُ "مِن سامعٍ".
* * *
١٧٦ - وقال: "اتَّقُوا الحديثَ عنِّي إلَاّ ما عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذبَ عليَّ مُتَعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مَقْعدَهُ مِنَ النَّار".
"وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: اتَّقُوا الحديثَ"؛ أي: احذروا روايةَ الحديث "عني" فيما لا تعلمون أنه حديثي؛ أي: لا تُحدِّثوا. "إلا ما عَلِمتُم" أنه حديثي.
"فمَن كَذَبَ عليَّ متعمدًا فَلْيتبوَّأْ مقعدَه من النار": تقدم بيانه.
* * *
١٧٦/ -م - وقال: "مَن قالَ في القُرْآنِ برأْيهِ فليتبوَّأْ مَقعدَهُ مِنَ النَّار"، رواه ابن عباس ﵁.
وفي روايةٍ أُخرى: "مَنْ قالَ في القُرآنِ بغيْرِ علْمٍ فليتبوَّأْ مَقْعدَهُ مِنَ النَّارِ".
"وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن قال في القرآن برأيه"؛ أي: فسَّره مِن تِلقاء نفسه من غير أن يتبعَ (١) أقوالَ الأئمة.
стр. 245
"فَلْيتبوَّأْ مقعدَه من النار، وفي رواية: مَن قال في القرآن"؛ أي: قال فيه قولًا "بغير علم": من غير أن يكونَ له وقوفٌ على لغة العرب ووجوه استعمالاتها من الحقيقة والمجاز، والمشترك والعام والخاص، وغير ذلك من سبب نزول الآية والناسخ والمنسوخ.
"فَلْيتبوَّأْ مقعده من النار".
* * *
١٧٧ - وقال: "مَنْ قالَ في القُرآنِ برأْيهِ فأَصابَ فقدْ أخطَأَ"، رواه جُندُب ﵁.
"وعن جُندب، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن قال في القرآن برأيه" على حَسْب ما يقتضيه عقله.
"فأصاب"؛ أي: صار مصيبًا فيما قاله.
"فقد أَخطَأ" وأَثِمَ؛ لأنه لا إذنَ في التكلُّم فيه من غير علم.
* * *
١٧٨ - وقال: "المِراءُ في القُرآنِ كُفْرٌ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: المِرَاءُ في القرآن كفرٌ"؛ أي: الشك في كونه كلامَ الله، أو المِراء: المجادلة فيما فيه مِرية؛ أي شك، وهو من أعمال الكفار، أو المِرَاء: الجدال المشكِّك في الآي المتشابه منه، المؤدِّي إلى الجُحود، فسمَّاه كفرًا باسم ما يُخشى عاقبتُه إلا مَن عصمَه الله.
وقيل: هو المِرَاء في قراءته المَروية، بأن يُنكرَ بعضَها، فتوعَّدهم به لينتهوا
стр. 246
عن المِرَاء فيها والتكذيب بها؛ إذ كلُّها يجب الإيمان به.
* * *
١٧٩ - وقال عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه: سمعَ النبيُّ ﷺ قومًا يَتَدَارَؤُنَ في القُرآن، فقال: "إنَّما هلكَ مَنْ كَانَ قبلَكُمْ بهذا، ضَربُوا كتابَ الله بعضَهُ ببعضٍ، وإنَّما نزَلَ كتابُ الله يُصدِّقُ بعضُهُ بعضًا، فلا تُكَذِّبُوا بعضَهُ ببعضٍ، فما عَلِمْتُمْ منه فقولُوه، وما جهلتُم فكِلُوهُ إلى عالمِهِ".
"وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سمع النبي ﵊ قومًا يَتَدارَؤُون"؛ أي: يختلفون "في القرآن"، ويدفع بعضُهم دليلَ بعضٍ منه، كما يَستدل أهلُ السُّنة على كون الخير والشر من الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وأنكره القَدَري مستدلًا بقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
"فقال: إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا" التدارُؤ.
"ضَرَبُوا"؛ أي: خَلَطُوا.
"كتابَ الله بعضَه ببعضٍ"، فلم يميزوا بين المُحكَم والمُتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمُطلَق والمُقيَّد ونحوها، بل حَكَمُوا في كلِّها حكمًا واحدًا.
وقيل: معناه: صرفوا كتاب الله بعضه ببعض عن المعنى المراد إلى ما مالَ إليه أوهامهم، كما فعلت اليهود بالتوراة، والنصارى بالإنجيل.
"وإنما نزل كتاب الله مصدقًا (١) بعضُه بعضًا"؛ يعني: الإنجيلُ بيَّن أن التوراةَ كلامُ الله، وهو حق، والقرآنُ بيَّن أن جميع الكتب المنزلة من الله تعالى كلامُ الله، أنزله بالحق على عباده.
стр. 247
"فلا تكذِّبوا بعضَه ببعض"، بل قولوا: كل ما أنزل الله على رسوله حق، وفيه: حثٌّ على طلب التخلُّص من التناقض الظاهر.
"فما عَلِمتُم منه فقولوا، وما جهلتم" كالمتشابهات وغيرها "فكِلُوه"؛ أي: فوِّضُوه "إلى عالِمِه"، وهو الله تعالى، أو مَن هو أعلمُ منكم مِن العلماء، ولا تقولوا معنًى من تِلقاء أنفسكم.
* * *
١٨٠ - وقال: "أَلا سأَلوا إذْ لم يعلَمُوا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤال"، رواه جابر.
"وعن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﵊ أنه قال: ألا": حرف تخصيص بمعنى: هلا.
"سألوا إذا لم يعلَموا": وهذا يدل على أن السؤالَ عند عدم العلم واجبٌ.
"فإنما شفاءُ العِيِّ" بكسر العين وتشديد الياء: التحيُّر في الكلام، والمراد به هنا: الجهل؛ يعني: شفاء الجهل "السؤال" والتعلُّم، فكلُّ جاهل لا يستحيى عن التعلُّم يجد شفاء دائه الذي هو الجهل، وإلا فلا يَبرَأ أبدًا منه.
* * *
١٨١ - وقال: "أُنْزِلَ القُرآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولكلِّ حدٍّ مَطْلَعٌ"، رواه ابن مسعود ﵁.
"وعن ابن مسعود، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: أُنزل القرآنُ على سبعة أحرف" جمع: حرف، وهو الطَّرَف، والمراد: أطراف اللغة العربية.
стр. 248
وقيل: المراد بها: القراءات السبع المعروفة، وقيل: اللغات السبع المشهورة بالفصاحة، وهي قريش وهُذَيل وهوازن واليمن، وبنو تميم، وطيئ وثقيف.
وقيل: معناه: أُنزل مشتملًا على سبعة معانٍ، هي: الأمر، والنهي، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد، والموعظة.
"لكل آية منها"؛ أي: من القرآن.
"ظَهر": وهو لفظها المَتلوُّ.
"وبَطن": وهو تأويلها، وقيل: ظَهرها: ما ظَهر بيانُه من غير رؤية وفكر، وبَطنها: ما هو بخلافه.
"ولكلِّ حدٍّ" من حدود الله تعالى، وهي أحكام الدِّين التي شُرعت للعباد.
"مُطَّلَع"؛ أي: موضع اطِّلاع من القرآن، فمَن وُفِّق أن يرتقيَ ذلك المُرتقَى اطَّلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المُطَّلع.
وقيل: المطَّلع: الفَهم، وقد يفتح الله تعالى على المتدبر المتفكِّر فيه من المعاني والتأويلات ما لا يَفتحَ على غيره، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
* * *
١٨٢ - وقال: "العِلْمُ ثلاثةٌ: آيةٌ مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادِلَةٌ، وما كان سِوى ذلكَ فَهُوَ فَضْلٌ"، رواه عبد الله بن عمرو ﵁.
"وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: العلم"؛ أي: أصل علوم الدِّين ومسائل الشرع.
"ثلاثة: آية مُحْكَمَة"؛ أي: غير منسوخة.
"أو سُنَّة قائمة"؛ أي: ثابتة صحيحة عن أصحاب الحديث.
стр. 249
"أو فريضة عادلة"، قيل: هي الحكم المستنبط من الكتاب والسُّنة لمعادلة الحكم المنصوص فيهما، ومساواته له في وجوب العمل به.
وقيل: معناه: معدَّلة بالكتاب والسُّنة والفريضة: ما اتفق عليها المسلمون، وهو إشارة إلى الحكم الثابت بالإجماع.
"وما كان سوى ذلك" المذكور "فهو فَضْلٌ"؛ أي: زائدٌ لا ضرورةَ إلى معرفته، كالنحو والتصريف والعروض والطب، وغير ذلك.
* * *
١٨٣ - وقال: "لَا يَقُصُّ إلَاّ أميرٌ، أو مأْمورٌ، أو مُختالٌ" رواه عَوْف بن مالك الأَشجَعي ﵁.
"وعن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: لا يَقُصُّ"، القَصُّ: التكلُّم بالقصص، ويُستعمل في الوعظ؛ أي: لا يَعِظ.
"الناسَ إلا أمير"؛ أي: حاكم.
"أو مأمور": وهو الذي يأمره الأمير ويَأذَن له، فهذان يجوز لهما الوعظ.
"أو مختال" من اختالَ: إذا تكبَّر، فالمراد به: الواعظ بلا إذن الأمير، فهو متكبر فُضُولي طالب للرئاسة.
وفي هذا زجر عن الخطابة والوعظ بغير إذن الإمام؛ فإن الإمامَ أعرفُ بمصالح الرعية وبمن هو أهلٌ للوعظ من العلماء؛ وهو مَن كان فيه ديانةٌ وتركُ الطمعِ، وحسنُ العقيدةِ، وسكونُ النفس عن العداوة مع الناس.
* * *
стр. 250
١٨٤ - وقال: "مَنْ أُفتيَ بغيرِ عِلْمٍ كان إثمُهُ على مَنْ أفتاه، ومَنْ أشارَ على أخيهِ بأمْرٍ يعلَمُ أنَّ الرُّشْدَ في غيرهِ فقدْ خانَهُ"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: مَن أُفتي" على صيغة المجهول من: الإفتاء.
"بغير علم"؛ يعني: كلُّ جاهلٍ سألَ عالِمًا عن مسألة من أحكام الشرع، فأفتاه العالِم بجواب باطل، فعملَ السائلُ بها ولم يعلم بطلانها.
"كان إثمه على مَن أفتاه، ومَن أشار على أخيه" بعد الاستشارة "بأمر يعلم"، المراد بالعلم أعمُّ من الظَّنِّ وغيره.
"أن الرُّشدَ" والمصلحةَ "في غيره فقد خانَه"؛ لأنه دلَّه على ما ليس فيه مصلحة.
* * *
١٨٥ - وقال مُعاوية ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن الأُغلوطات.
"وقال معاوية ﵁: إن النبي ﵊ نَهَى عن الأُغلوطات" جمع: أُغْلُوطة، وهي ما يُغلَط به من المسائل الملتبسة، وإنما نهى عنها لعدم نفعها في الدِّين.
وقيل: الأُغلُوطة: هي المسألة التي يُوقِع السائلُ بها المسؤولَ عنها في الغلط؛ لغموضه فيها، فيَمتحنه ليظهر فضل نفسه، وهذا مَنهيٌّ عنه؛ لأن فيه تحقيرًا وإذلالًا (١).
* * *