Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
٤١٠٤ - عن أبي هُريرةَ قال: قلتُ يا رسولَ الله! بَيْنا أنا في بيتي في مُصَلَّايَ، إذْ دَخَلَ عليَّ رَجُلٌ، فأَعْجَبني الحالُ التي رآني عليها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "رَحِمَكَ الله يا أبا هُريرةَ! لكَ أجرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العلانِيَّةِ"، غريب.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلت: يا رسولَ الله! بينا أنا في بيتي في مُصلَّاي إذ دخل عليَّ رجل، فأعجبتْني الحال التي رآني عليها"؛ أي: أنه أعجبه ثناءُ الناس، لا أنه أعجبه ليعلمَ منه ذلك ويعظمَ عليه؛ لأنه حينَئذٍ رياءٌ، وقيل: إنما أعجبه رجاءَ أن يعملَ مَن رآه بمثل عمله، فيكون له مثلُ أجره؛ لأن "مَن سَنَّ سُنةً حسنة كان له أجرُها وأجرُ مَن عملَ بها".
"فقال رسول الله ﷺ : رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجرانِ: أجرُ السِّرِّ" من جهة إخلاصك.
"وأجرُ العلانية" من جهة اقتداء الناس بك.
"غريب".
* * *
٤١٠٥ - عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَخرُجُ في آخرِ الزَّمانِ رِجالٌ يَختِلونَ الدُّنْيا بالدِّينِ، يَلْبَسونَ للنَّاسِ جُلودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلسِنتهُم أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ قُلوبُ الذِّئابِ، يقولُ الله تعالى: أَبي يَغترُّونَ؟ أمْ عليَّ يَجْترِئُونَ؟ فبي حَلَفْتُ، لأَبْعَثَنَّ على أُولئِكَ منهُمْ فِتنةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج في آخر الزمان رجالٌ يَختِلون الدنيا"؛ أي: يُرادون أهلَها بالخداع.
"بالدين"؛ أي بعمل أهل الدِّين.
стр. 2732
"يَلبَسون للناس جلودَ الضأن"؛ أي: يَلبَسون الصوفَ؛ ليظنَّهم الناسُ زهَّادًا عبَّادًا تاركين للدنيا.
"من اللِّين" أراد به: التخلُّق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مُريدين لهم.
"ألسنتُهم أحلى من السكَّر، وقلوبُهم قلوبُ الذئاب"؛ أي: مسودَّة من شدة حب الدنيا والجاه وكثرة العداوة والبغض والصفات الذميمة الراسخة في قلوبهم.
"يقول الله تعالى: أبي" الهمزة: للاستفهام؛ أي: أبإهمالي إياهم "يغترُّون؟ " المراد بالاغترار هنا: عدم الخوف من الله، وترك التوبة من فعلهم القبيح؛ أي: أفلا يخافون من سخطي وعقابي؟
"أم عليَّ يجترِئون" بمكرهم الناسَ في إظهار الأعمال الصالحة والاجتراء الانبساط والتشجع؟ "في" الباء: للقَسَم؛ أي: بحقِّ عظمتي.
"حَلفتُ لأَبعثَنَّ على أولئك"؛ أي: على أولئك الرجال و (مِن) في "مِنهم": للتبيين.
"فتنة"؛ أي: عذابًا، أو متعلقة بـ (فتنة)؛ أي: فتنةً ناشئةً منهم.
"تَلأَعُ"؛ أي: تترك تلك الفتنةُ.
"الحليمَ"؛ أي: العالِمَ العاقلَ.
"فيهم حيرانَ"؛ أي: متحيرًا لا يَقدِر على دفع ذلك العذاب عن نفسه؛ لشدته وصعوبته، وفي بعض النسخ: "الحكيم" بالكاف، معناه واحد.
* * *
стр. 2733
٤١٠٦ - عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله ﵎ قال: لقدْ خَلقْتُ خَلْقًا ألسِنتُهُمْ أحلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فبي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ، فبي يغترُّونَ" أمْ عليَّ يَجْتَرِئُونَ؟ "، غريب.
"عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ قال: لقد خلقتُ خلقًا ألسنتُهم أحلى من السكَّر، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبر، بكسر الباء: الدواء المُرُّ.
"فبي حلفت لأُتيحنَّهم"؛ أي: لأَقدرَنَّ لهم "فتنة تَدَعُ الحليمَ فيهم حيرانَ، فبي يغترُّون أم عليَّ يجترئون؟! غريب".
* * *
٤١٠٧ - عن أبي هُريرةَ قال: قال النَّبيّ ﷺ : "إنَّ لكُلِّ شَيءٍ شِرَّة، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فإنْ كانَ صاحبُها سَدَّدَ وقارَبَ فارْجُوهُ، وإنْ أُشِيرَ إليهِ بالأَصابعِ فلا تعُدُّوهُ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيءٍ شِرَّةً": وهي - بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة - النشاط والرغبة والجِدَّة في العبادة.
"ولكل شِرَّةٍ فترة"؛ يعني: أن العابدَ يُبالغ فيها في أول أمره، وكلُّ مُبالِغٍ يَفتُر وتسكُن جدته ومبالغته بعدَ حين.
"فإنْ صاحبُها"؛ أي: صاحبُ الشِّرَّة.
"سدَّد"؛ أي قصدَ السدادَ؛ يعني: استقام في العمل من غير غلوٍّ ولا تقصيرٍ.
стр. 2734
"وقارَبَ"؛ أي: دَنَا من المتوسط.
"فارجُوه"؛ أي: فكونوا على رجاء منه على الخير؛ فإن مَن سلك الطريقَ المتوسطَ يَقدِر على المداومة والمواظبة، وأفضلُ الأعمال عند الله أدومُها وإن قلَّ، وإنْ بالَغَ في العمل وأَتعبَ نفسَه عجزَ عن المداومة على ذلك وانقطعَ عنه، بل ربما إذا بالَغَ وأقبلَ الناسُ عليه بوجوههم اغترَّ بنفسه، وتداخلَه أنه خيرٌ من غيره، فيصير أحمقَ مُعجَبًا بنفسه متكبرًا بعمله، ولهذا قال ﷺ : "وإنْ أُشير إليه بالأصابع"؛ أي: وإن صار مشهورًا معروفًا بالعبادة "فلا تَعدُّوه"؛ أي: لا تعدوه شيئًا؛ يعني: فلا تعتقدوا فيه صلاحًا، ولا تتوقعوا فيه فلاحًا، ولا تعدُّوه من أهل الخير، وهذا في حقِّ مَن بالَغَ في العبادة للشهرة، وأما مَن خلصتْ نيتُه وصدقتْ طويتُه فبمعزلٍ عن هذا، ومِن هذا مَنِ اجتهدوا في العبادة كلَّ الاجتهاد، فرُّوا مِن الناس وسكنوا المواضع الخالية؛ حذرًا من الرياء واجتماع الناس إليهم، فلما تمَّ لهم الأمرُ سَكنوا البلادَ ودَعَوُا العبادَ إلى الله، واقتصدوا في العبادة والرياضة، ولم يغترُّوا بإقبال الناس عليهم؛ لأن قلوبَهم صارتْ مطمئنةً بالحق، مزيَّنةً بنور التجلِّي، فصارت كالبحر لا تكدِّره القاذورات؛ لصفاء خواطرهم.
* * *
٤١٠٨ - وعن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "بِحسْبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يُشارَ إليهِ بالأَصابعِ في دينٍ أو دُنْيا، إلَّا مَنْ عَصَمَهُ الله".
"وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: بحسْبِ امرئ": الباء زائدة؛ أي: يكفيه.
"من الشرِّ أن يُشارَ إليه بالأصابع في دِينٍ أو دنيا"؛ لأن مَن اشتُهر في خصلةٍ من الخصال الدينية أو الدنيوية قلَّما يَسلَم من الآفات الخفية، كالعُجب والكِبْر والرِّياء والسُّمعة وغير ذلك؛ "إلا مَن عصمَه الله".
стр. 2735
روي: أنه قيل للحسن البصري: إن الناس أشاروا إليك بالأصابع؟ فقال: لا يعني النبيُّ ﷺ ذلك؛ وإنما عَنَى به المُبتدِعَ في دِينه، الفاسقَ في دنياه.
* * *
٧ - باب البكاء والخوف
(باب البكاء والخوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِه، لوْ تَعْلَمونَ ما أعلمُ لبَكَيْتُمْ كثيرًا، ولضحِكْتُمْ قَليلًا".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم"؛ أي: من شدة العذاب وغضب الله وصفة النار.
"لَبكيتُم كثيرًا" من خشية الله.
"ولَضحكتم قليلًا"؛ فإن قيل: الخطاب إن كان للمؤمنين خاصة فليس ثمةَ ما يوجب تقليلَ الضحك وتكثيرَ البكاء؛ لأن المؤمنَ وإن دخل النارَ عاقبتُه الجنة لا محالَة مخلَّدًا فيها، فكان مدةُ ما يوجب البكاءَ بالنسبة إلى ما يوجب الضحكَ والسرورَ نسبةَ شيءٍ يسيرٍ إلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب العكسَ، وإن كان عامًا فليس للكافر ما يوجب ضحكًا أصلًا؟ قلنا: الخطاب للمؤمنين، وخرج في مقام ترجيح الخوف على الرجاء إخافةً على الخاتمة.
* * *
стр. 2736
٤١١٠ - وقال: "والله لا أَدْري وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُمْ".
"عن أم العلاء الأنصارية - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : والله لا أدري وأنا رسولُ الله": الواو فيه للحال.
"ما يُفعَل بي ولا بكم"، (ما) هذه: للاستفهام، لا يجوز حملُ نفي الدراية على تردده ﷺ في مآل أمره؛ لدلالة الكتاب والسُّنة على اجتبائه تعالى إياه، بل يُحمل على نفي علم الغيب عن نفسه بالمقدور والمكنون من أمره وأمر غيره، وكان هذا القولُ منه ﷺ حينَ قالت امرأ في حقِّ عثمان بن مظعون لمَّا تُوفي: هنيئًا لك الجنة؛ زجرًا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب، وقيل: كان قبل نزول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
قال الحسن البصري: معناه: لا أدري أموتُ أم أُقتل؟ ولا أدري ما يُفعل بكم مثلَ ما فُعل بالأمم المكذِّبة من رمي الحجارة من السماء والخَسف ومسخ الصُوَر أم لا؟
* * *
٤١١١ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النَّارُ، فَرَأَيتُ فيها امرَأةً منْ بني إسرائيلَ تُعذَّبُ في هِرَّةٍ لها، رَبَطَتْها فلم تُطْعِمْها، ولم تَدعْها تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأَرْضِ حتَّى ماتتْ جُوْعًا، ورأيتُ عَمْرَو بن عامِرٍ الخُزَاعِيِّ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ".
"وعن جابر وابن عمر ﵃ أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : عُرضت عليَّ النارُ، فرأيت فيها امرأةً من بني إسرائيل تعذَّب في هِرَّة لها، ربطتْها فلم تطعمْها، ولم تَدَعْها تكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعًا": تقدم بيانه في فصل الصدقة.
стр. 2737
"ورأيت عمرو بن عامر الخزاير يجرُّ قُصْبَه"بالضم ثم السكون؛ أي: أمعاءَه.
"في النار، وكان"؛ أي: عمرو بن عامر "أولَ مَن سيَّب السوائبَ"؛ أي وضعَ تحريم السوائب، جمع: سائبة، وهي الناقة التي يُسيبها الرجل عند برئه من المرض أو قدومه من السفر، فيقول: ناقتي سائبة، فلا تُمنع من المرعى ولا تُردَّ عن حوضٍ ولا علفٍ، ولا يُحمل عليها، ولا تُركَب، ولا تُحلَب، فكان ذلك تقرُّبا منهم إلى أصنامهم، وقيل: هي الناقة التي وَلدت عشرَ إناث على التوالي، وكانوا يسيبون العبيد فيقولون للعبيد هي سائبة، فيَعتِق، ولا يكون ولاؤه لمُعتِقِه، ويضع مالَه إذا لم يكن له وارثٌ حيث شاء.
* * *
٤١١٢ - عن زينَبَ بنتِ جَحْشٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عليها يَوْمًا فَزِعًا يقولُ: "لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قدِ اقتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ منْ رَدْمِ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ مِثْلُ هذهِ"، وحَلَّقَ بإِصبعَيْه، الإبهامِ والتي تَلِيها، قالتْ زينبُ: فقلتُ: يا رسولَ الله! أَفَنَهْلِكُ وفِينا الصَّالِحونَ؟ قال: "نعمْ، إذا كثُرَ الخَبَثُ".
"وعن زينب بنت جحش - رضي الله تعالى عنها -: أن النبي ﷺ دخل عليها يومًا فَزِعًا، يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب، من شرٍّ قد اقترب"؛ أي: قد قَرُبَ خروج جيش يقاتل العربَ.
"فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ"؛ أي: سدِّ.
"يأجوج ومأجوج" الذي بناه ذو القرنين، وهما طائفتان كافرتان من التُّرك.
"مثلُ هذه، وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها"؛ أي؛ جعلَهما حلقةً،
стр. 2738
والمراد: أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبةٌ إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، وانفتاحها من علامات يوم القيامة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
"قالت زينب: فقلت: يا رسولَ الله! أفنَهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ": مصدر: خَبُثَ يَخْبُثُ، والمراد به: الفسق والفجور.
* * *
٤١١٣ - وقال: "لَيَكُونَنَّ في أُمَّتي أَقوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أَقوامٌ إلى جَنبِ عَلَمٍ يَروحُ عليهمْ بسارِحَةٍ لهُمْ، يأتيهمْ رَجُلٌ لحاجةٍ فيقولون: ارجِعْ إلينا غدًا، فيُبيتُهمْ الله، ويَضَعُ العَلَمَ، وَيمسَخُ آخرينَ قِردَةً وخنازيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
"عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لَيكونَنَّ في أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ": قيل: وهو مخفف الحِرْح، وهو الفَرْج؛ أي: يستحلُّون الفروج بالأنكحة الفاسدة أو بالزنا، زاعمين أن الرجلَ والمرأةَ إذا رضيَا حلَّ بينهما جميعُ أنواع الاستمتاعات، ويقولون: المرأة مثل البستان، فكما أن لصاحب البستان أن يبيحَ ثمرةَ بستانه لمن شاء؛ فكذلك يجوز للزوج أن يبيحَ زوجتَه لمن شاء؛ وهذا مُعتقَد الملاحدة والجوالق والقَلَندرية.
ذكر صاحب "خلاصة الفتاوى": أن الشيخ الإمام عزَّ الدين الكندي أفتى بسمرقند بقتل الملاحدة والإباحي، والخاقان إبراهيم بن محمد طَمْغَاج خان قَبلَ فتواه وقتلَهم.
"والحريرَ والخَمرَ والمعازفَ": - بفتح الميم - جمع مِعْزَف، من: العَزْف، اللعب بآلة اللهو بضرب، وقد عَزَفَ يَعزِف، كأنه أُخذ من عَزْف السحاب، وهو صوتها.
стр. 2739
"ولَينزلَنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ؛ أي: جَبَلٍ.
"يروح عليهم": أضمر فاعله اعتمادًا على فهم السامعين، يقال: راحَ القومُ ويروحوا؛ أي: ساروا أيَّ وقتٍ كان؛ يعني: يأتيهم راعيهم كلَّ حين.
"بسارحهٍ"؛ أي بماشيةٍ "لهم": التي تَسرَح بالغداة من الغنم وغيرها ينتفعون بألبانها وأوبارها.
"يأتيهم" يومًا من الأيام "رجلٌ لحاجةٍ": يلتمس منهم قُوتًا، فيمنعونه.
"فيقولون له: ارجعْ إلينا غدًا" لنعطيَك.
"فيبيتهم الله"؛ أي: يرسلُ عليهم العذابَ أو الهلاكَ بَيَاتًا.
"ويضع العَلَمَ"؛ أي: الجبلَ على بعضهم حتى يهلكوا، فلم يُرَ منهم أثر.
"ويمسخ آخرين"؛ أي: يغير صُوَرَ بعضهم.
"قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة"، ولم يبين في هذا الحديث مكانَهم ولا دِينَهم وإنما أفادَ أنه يكون في آخر الزمان نزولُ الفتن ومسخ الصور في هذه الأمة، كما كان في سائر الأمم.
* * *
٤١١٤ - وقال: "إذا أَنْزَلَ الله بقَوْمٍ عَذابًا؛ أصابَ العَذابُ مَنْ كانَ فيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا على أَعْمَالِهِمْ".
"عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أَنزلَ الله بقوم عذابًا أصاب العذابُ مَن كان فيهم" من الصالح والظالم والطالح؛ يعني: يصيب الصالحَ ما أصاب الطالحَ بشؤمه.
"ثم بُعثوا" يومَ القيامة "على أعمالهم": يُبعث الصالحُ على أعماله الصالحة فيفوز، والفاجرُ على معصيته فيعذَّب.
* * *
стр. 2740
٤١١٥ - وقال: "يُبعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على ما ماتَ عليهِ".
"وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يُبعث كلُّ عبدٍ"؛ أي: يُحشَر يومَ القيامة "على ما مات عليه" من العمل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١١٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما رَأَيتُ مِثْلَ النَّارِ نامَ هارِيُها، ولا مِثْلَ الجنَّةِ نامَ طالِبُهَا".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما رأيتُ مثلَ النار"؛ أي: شدةً وهولًا.
"نامَ هاربُها"؛ أي: صار غافلًا عنها؛ يعني: ينبغي للهارب من عذاب النار أن يفرَّ عن المعاصي والمناهي كلَّ الفرار؛ ليمكنَه الخلاصُ من أليم الجحيم.
"ولا مثلَ الجنة"؛ أي: بهجةً وسرورًا.
"نام طالبُها"؛ يعني: ينبغي لطالبها أن يجدَّ كل الجدِّ في الإتيان بالأوامر، طالبا بذلك الامتثالَ لحضرة ذي الجلال؛ ليمكنَه الوصولُ إلى النعيم المقيم.
* * *
٤١١٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَلِجُ النَّارَ مَن بَكَى مِنْ خَشيةِ الله حتَّى يَعودَ اللَّبن في الضَّرْعِ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يَلِجُ النارَ"؛ أي: لا يدخلُها.
стр. 2741
"مَن بَكَى من خشية الله تعالى": هذا أرجى للعصاة التائبين الباكين من خشية الله.
"حتى يعودَ اللَّبن في الضرع": وذلك من التعليقات المستحيلة.
* * *
٤١١٨ - وعن أبي ذَرٍّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي أرَى ما لا تَرَوْنَ، وأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعونَ، أَطَّتِ السَّماء, وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، والذي نفسي بيدِه، ما فيها مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصابعَ إلَّا ومَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لله، والله لو تَعلمونَ ما أعلمُ لضَحِكتُمْ قليلًا ولَبكَيْتُمْ كثيرًا، وما تلذَّذْتُمْ بالنِّساءِ على الفُرُشاتِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرونَ إلى الله"، قالَ أبو ذَرٍّ: يا لَيْتني كنتُ شَجَرةً تُعْضَدُ.
"وعن أبي ذَرِّ ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني أرى ما لا تَرَون، وأسمع ما لا تسمعون؛ أَطَّتِ السماءُ"؛ أي: صاحتْ وأنَّتْ من كثرة ما فيها من الملائكة، وفي "الصحاح ": الأطيط: صوت الرجل والإبل من ثقل أحمالها. وهذا مَثَلٌ وإيذانٌ بكثرتهم فيها، وتقريرُ عظمته تعالى وإن لم يكن ثَمَّ أطيطٌ.
"وحُقَّ" على بناء المجهول؛ أي: ينبغي.
"لها أن تئطَّ"؛ أي: تصيحَ وتئنَّ.
"والذي نفسي بيده! ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلا ومَلَكٌ واضعٌ جبهتَه ساجدًا لله تعالى"، قيل: إن لها أطيطًا وخريرًا متناسبًا، منه أُخذت الألحان والتناسبات الموسيقية، وقيل: أطيطها من خشية الله تعالى، فإذا كانت تخشى من الله مع أنها جمادٌ وموضعُ عبادةِ الملائكة؛ فإن الإنسانَ أَولى بأن يخشى، مع أنه ملَّوثٌ بالذنوب، وقيل: أطيطها من ازدحام الملائكة فيها في السجود.
стр. 2742
"والله لو تعلمون ما أعلم لَضحكتُم قليلًا ولَبكيتُم كثيرًا، وما تلذَّذتُم بالنساء على الفُرُشات": جمع فُرُش - بضمتين -، وهو جمع: فِراش.
"ولَخرجتم إلى الصُّعُدات" بضمتين، وهو جمع: صعيد، كـ (طريق وطُرُق وطُرُقات)، وقيل: جمع: صُعْدَة كـ (ظُلْمة وظُلمات)، وهي فِناءُ الدار وممرُّ الناس بين يدَيك؛ يعني: ولَخرجتُم من منازلكم إلى البراري والصحاري.
"تجأرون"؛ أي: تتضرَّعون "إلى الله"، رافعين أصواتكم بالدعاء فعل الوجل من نزول البلاء.
"قال أبو ذَرٍّ: يا ليتَني كنتُ شجرةً تُعضَد"؛ أي: تُقطَع؛ يعني يا ليتَني كنتُ بريئًا من الذنوب لم أُحشَر يومَ القيامة، كالشجرة التي تُعضَد، ولم أعذَّب، وهذا القولُ منه من غاية خشية الله تعالى، ظاهره يدل على أنه من كلام أبي ذَرٍّ، وقيل: هو من كلامه ﷺ .
* * *
٤١١٩ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أدْلَجَ، ومَنْ أدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله غاليةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله الجنَّةُ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَن خافَ"؛ أي: مِن عدوٍّ.
"أَدْلَجَ"؛ أي: هربَ في أول الليل؛ لأن العدوَّ يُغِيرُ في آخره.
"ومَن أَدْلَجَ بَلَغَ المنزلَ" يريد: مَن خاف الله فَلْيهربْ من المعاصي إلى الطاعات.
"ألا": حرف تنبيه.
"إن سلعةَ الله"؛ أي: متاعه "غاليةٌ"؛ أي: رفيعةُ القيمة، لا يَليق بثمنها
стр. 2743
إلا النفسُ والمالُ.
"ألا إن سلعةَ الله الجنةُ".
* * *
٤١٢٠ - عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله جلَّ ذِكرهُ: أخرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكرني يَوْمًا، أو خافَني في مَقامٍ".
"عن أنس ﵁ أنه ﵇ قال: يقول الله : أَخرِجوا مِن النار مَن ذكرَني يومًا": وهذا بشرط أن يكون مؤمنًا بنبينا محمد ﷺ ، أو نبي آخر من الأنبياء قبلَ نسخ دِينه.
"أو خافَني في مقام"؛ أي: من ارتكاب معصية من المعاصي، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].
* * *
٤١٢١ - وعن عائشَةَ ﵂ قالت: سألتُ رَسولَ الله ﷺ عنْ هذهِ الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أَهُم الذينَ يَشْرَبونَ الخَمْرَ وَيسرِقونَ؟ قال: "لا يا ابنةَ الصِّدِّيقِ! ولكنَّهُم الذينَ يَصومونَ ويُصَلُّونَ ويتَصَدَّقونَ، وهُمْ يَخافونَ أنْ لا يُقبَلَ منهُمْ، أولئِكَ الذينَ يُسارِعونَ في الخَيْراتِ".
"عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ "؛ أي: يعملون ما عملوا.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾؛ أي: خائفة.
"أهم الذين يشربون الخَمرَ ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصدِّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدَّقون، وهم يخافون أن لا يُقبَلَ منهم، أولئك
стр. 2744
الذين ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: وهذا يدل أن مقامَ الخوف أفضلُ من مقام الرجاء، وبه قال بعضهم.
* * *
٤١٢٢ - عن أُبيِّ بن كعْبٍ قال: كانَ النَّبيّ ﷺ إذا ذَهَبَ ثُلُثا اللَّيلِ قامَ فقالَ: "يا أيُّها النَّاسُ! اذْكُروا الله، اذكُروا الله، جاءتِ الرَّاجِفَةُ، تتبَعُها الرَّادِفةُ، جاءَ المَوْتُ بما فيه، جاءَ المَوْتُ بما فيه".
"عن أُبي بن كعب ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناسُ! ": أراد بها: المشركين.
"اذكروا الله، اذكروا الله، جاءتِ الراجفةُ"؛ أي الزلزلة، وهي النفخة الأولى التي يموت منها الخَلقُ وتتزلزل الأرضُ عندها.
"تتبعها الرادفةُ": وهي النفخة الثانية التي يحيا فيها الخَلقُ.
"جاء الموتُ بما فيه"؛ أي: مع ما فيه من أهوال القبر والقيامة.
"جاء الموت بما فيه".
* * *
٤١٢٣ - عن أبي سعيدٍ قال: خرج النَّبيّ ﷺ لِصَلاةٍ فرأَى النَّاسَ كأنَّهمْ يَكْتَشِرونَ، فقالَ: "أمَا إنَّكمْ لوْ أَكْثرتُمْ ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشغلَكُمْ عمَّا أرَى، فأكْثِروا ذِكرَ هادِمِ اللَّذَّاتِ المَوْتِ، فإِنَّهُ لمْ يأْتِ على القَبْرِ يَوْمٌ إلَّا تكلَّمَ فيقولُ: أنا بَيْتُ الغُربةِ، وأنا بيتُ الوَحْدةِ، وأنا بيتُ التُّرابِ، وأنا بيتُ الدُّودِ، وإذا دُفِنَ العَبْدُ المُؤْمِنُ قالَ لهُ القَبْرُ: مَرْحبًا وأهلًا، أمَا إنْ كنتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي على ظَهري إليَّ، فإذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وصِرْتَ إليَّ فَسَترَى صَنيعي بكَ"، قال: "فيتَّسعُ لهُ
стр. 2745
مَدَّ بَصَرِه، ويُفتَحُ لهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، وإذا دُفِنَ العَبْدُ الفاجِرُ أو الكافِرُ قالَ لهُ القَبْرُ: لا مَرحَبًا ولا أهلًا، أمَا إنْ كنتَ لأَبغَضُ مَنْ يَمشي على ظَهري إليَّ، فإذْ وُلِّيتُكَ اليومَ وصِرْتَ إليَّ فَسَترَى صَنيعي بكَ، قال: فيَلْتَئِمُ عليهِ حتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ"، قالَ: وقالَ رسولُ الله ﷺ بأصابعِهِ، فأَدْخَلَ بعضَها في جَوْفِ بعضٍ، قال: "ويُقيَّضُ لهُ سَبعونَ تِنِّينًا، لوْ أنَّ واحِدًا منها نَفَخَ في الأَرْضِ ما أنبتَتْ شَيئًا ما بَقيتِ الدُّنْيا، فيَنْهَشْنَهُ ويَخْدِشْنَّهُ حتى يُفْضَى بهِ إلى الحسابِ".
قال: وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّما القبرُ رَوْضة منْ رِياضِ الجنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ منْ حُفَرِ النَّارِ".
"عن أبي سعيد ﵁ قال: خرج النبي ﷺ للصلاة، فرأى الناسَ كأنهم يَكتَشِرُون" من: الكَشْر، ظهور الأسنان للضحك.
"قال: أما إنكم لو أكثرتُم ذكرَ هاذم اللذات لَشغلَكم عما أرى"؛ أي: من التبسم والضحك.
"الموت" مرفوع: فاعلًا لـ (شغل)، أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النصب بإضمار (أعني)، والجر صفةً لـ (هاذم اللذات).
"فأكثِرُوا ذكرَ هاذمِ اللذات الموتِ"؛ يعني: اهدموا اللذاتِ بذكر الموت.
"فإنه لم يأتِ على القبر يومٌ إلا تكلَّم، فيقول: أنا بيتُ الغربة، وأنا بيتُ الوحدة، وأنا بيتُ التراب، وأنا بيتُ الدُّود، وإذا دُفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا، أما"؛ أي: اعلمْ "إنْ كنتَ": إن هذه مخفَّفة من المثقَّلة.
"لأَحبَّ": أفعل تفضيل بني للمفعول.
"مَن يمشي على ظهري إليَّ": متعلق بـ (أحب).
"فإذ وُلِّيتُك اليومَ"؛ أي: صرتُ حاكمًا قادرًا عليك.
стр. 2746
"وصرت إلي"؛ أي: مقهورًا تحتَ فعلي بك.
"فسترى صنيعي بك"؛ أي: فعلي بك.
"قال: فيتسع له": أي: القبرُ.
"مَدَّ بصرِه، ويُفتَح له بابٌ إلى الجنة، وإذا دُفن العبدُ الفاجرُ أو الكافر قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إن كنتَ لأبغضَ مَن يمشي على ظهري إليَّ، فإذ وُلِّيتُيك اليومَ وصرتَ إليَّ فسترى صنيعي بك، قال: فيَلْتَئِمُ"؛ أي: ينضمُّ القبر عليه من كل جانب ويعصُره.
"حتى تختلفَ أضلاعُه"؛ أي: يدخلَ بعضُها في بعض.
"قال"؛ أي الراوي: "وقال رسول الله ﷺ بأصابعه"؛ أي: أشارَ بها.
"فأدخل بعضَها في جوف بعض": تصويرًا لاختلاف الأضلاع، وفيه: إشارة إلى شدة اختلافها.
"قال"؛ أي: رسولُ الله ﷺ : "ويُقيَّض له"؛ أي يُوكَّل عليه
"سبعون تنِّينًا، لو أن واحدًا منها نفخَ في الأرض ما أَنبتتْ شيئًا"، (ما) هذه: نافية.
"مما بقيت الدنيا"، (ما) هذه: مصدرية.
"فيَنهَشْنَه ويَخدِشْنَه"؛ أي: يَلدَغْنَه.
"حتى يُفضَى به"؛ أي: يُوصَل "إلى الحساب، وقال: قال رسول الله ﷺ : إنما القبرُ روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النيران".
* * *
٤١٢٤ - عن أبي جُحَيْفَةَ قال: قالوا: يا رسولَ الله! قدْ شِبْتَ، قال: "شَيَّبَتْني هُوْدٌ وأخَوَاتُها".
стр. 2747
وفي رِوايةٍ: "شَيَّبَتْني هُودٌ، والواقِعةُ، والمُرْسَلاتُ، و (عم يتساءلون)، و (إذا الشمس كورت) ".
"عن أبي جُحيفة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله! قد شِبْتَ"؛ أي: صرتَ أشيبَ.
"قال: شيَّبتْني هودٌ"؛ أي: جعلتْني أشيبَ (سورةُ هود)، وذلك لأن فيها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]؛ فإن الاستقامةَ على الطريق المستقيم من غير ميلٍ إلى الإفراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسيرٌ جدًا.
"وأخواتُها"؛ أي: وأشباهُها من السُّوَر التي ذُكر فيها أحوالُ القيامة وعذابُها؛ لِمَا عَرَاني من الهم والخوف على أمتي.
"وفي رواية: شيَّبتْني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) وإذا الشمس كورت) ".
* * *
٨ - باب تغيُّر الناس
(باب تغيُّر الناس)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٢٥ - قالَ رسول الله ﷺ : "إنَّما النَّاسُ كالإبلِ المئةِ، لا تَكادُ تجدُ فيها راحِلةً".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله عليه وسلم: إنما الناسُ كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة": وهي البعير الذي يرتحله الرجلُ، جَمَلًا كان أو ناقةً،
стр. 2748
فاعلة بمعنى: مفعولة، والهاء للمبالغة، يريد: أن المَرْضيَّ المُنتخَبَ من الناس في عزّة وجوده كالنجيبة الصالحة للركوب، التي لا توجد في الإبل الكثيرة القوية على الأحمال والأسفار، وقيل: معناه: الناس في أحكام الدين سواء، لا فضلَ فيها لشريفٍ على مشروف، ولا لرفيعٍ على وضيعٍ، كالإبل المئة لا يكون فيها راحلة.
* * *
٤١٢٦ - وقالَ: "لَتَتَبَّعُن سَنَنَ مَنْ قَبلَكُمْ، شِبْرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لوْ دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبعتُموهم"، قيلَ: يا رسولَ الله! اليهودَ والنَّصارَى؟ قالَ: "فمَنْ؟ ".
"عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم: لَتتبعُنَّ سَنَنَ مَن قبلكم" والمراد به: طريق أهل الأهواء والبدَع التي ابتدعوها مِن قِبَل أنفسهم بعد أنبيائهم من الأفعال القبيحة.
"شِبرًا بشِبرٍ، وذراعًا بذراع"؛ أي: ستفعلون مثلَ فعلهم سواءً بسواءٍ.
"حتى لو دخلوا جُحرَ ضَبٍّ"؛ أي: ثقبَه.
"تبعتُمُوهم، قيل: يا رسولَ الله! اليهود"؛ أي: المتبوعون هم اليهود "والنصارى" أم قوم آخرون؟ "قال: فمَن؟ "؛ أي: فمَن يكون غيرهم؛ يعني: المُتبَعُون هم لا غير، استفهام على سبيل التقرير.
* * *
٤١٢٧ - وقالَ: "يَذهبُ الصَّالِحونَ الأَوَّلُ فالأَوَّلُ، وتبقَى حُفالَةٌ كحُفالَةِ
стр. 2749
الشَّعيرِ أو التَّمرِ، لا يُباليهِمُ الله بالةً".
"وعن مِرداس الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يذهب الصالحون"؛ أي: يموتون.
"الأول فالأول" بالرفع: على الفاعلية؛ أي: يذهب الأولُ فالأولُ، وبالنصب: على الحال؛ أي: واحدًا فواحدًا.
"ويبقى حُفالة" بضم الحاء؛ أي: الرديء من كل شيء.
"كحُفالة الشعير أو التمر": وهو ما يسقط من رديئهما.
"لا يباليهم الله بالةً"؛ أي: لا يرفع لهم قَدْرًا ولا يقيم لهم وزنًا، يقال: ما بَاليتُ الشيءَ وبالشيءِ ومن الشيءِ مبالاة وباليةً وبالةً؛ أي: لم أهتمَّ ولم أَكترِثْ به، وقيل: (بالةً)؛ أي: مبالاةً، فيكون محذوف الميم والألف، ويجوز أن يكون معناه: أي: لا يبالي الله حالةً من أحوالهم بسوئها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٢٨ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: قال رَسولُ الله ﷺ : "إذا مشَتْ أمَّتي المُطَيْطِيَاءَ، وخدَمَتْهُم أبناءُ المُلوكِ، أبناءُ فارِسَ والرُّومِ، سَلِّطَ الله شِرارَها على خِيارِها"، غريب.
"من الحسان":
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مَشَتْ أمتي المُطَيطِياءَ": - ممدودة ومقصورة - بمعنى: التمطِّي والتبختُر ومدِّ اليدَين، ويروى بغير الياء الأخيرة، ونصبه على أنه مفعول مطلق، وقيل: منصوب على الحال؛ أي: إذا صارت أمتي متكبرين.
стр. 2750
"وخدمتْهم أبناءُ الملوك أبناءُ فارسَ والروم": وهذا الحديث من أدلة نبوته ﷺ ؛ لمطابقة أخباره للواقع بعده، فإن الصحابةَ لمَّا فتحوا بعدَه ﷺ بلادَ فارس والروم، وغنموا أموالهم، وسَبَوا أولادهم، فاستخدموهم وتجبَّروا وتكبَّروا.
"سلَّط الله شرارَها على خيارِها": قيل: كتسليط قتَلَة عثمانَ عليه، ثم تسليط بني أمية على بني هاشم، ففعلوا ما فعلوا.
"غريب".
* * *
٤١٢٩ - عن حُذَيْفةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَقْتُلوا إمامَكُمْ، وتَجْتَلِدُوا بأَسْيافِكُمْ، وَيرِثَ دُنياكُمْ شِرارُكُمْ".
"عن حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ قال: لا تقوم السَّاعةُ حتى تقتلوا إمامَكم" والمراد به: الخليفة أو السلطان.
"وتجتلدوا"؛ أي: تتقابلوا "بأسيافكم"؛ يعني: يحاربُ بعضُ المسلمين بعضًا بالسيوف.
"وَيرِثُ دنياكم شرارُكم"؛ أي: يصير المُلك والمال في أيدي الظَّلَمَة.
٤١٣٠ - وقالَ: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يكونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابن لُكَعٍ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعةُ حتى يكونَ أسعدَ الناس بالدنيا"؛ أي: أكثرَهم مالًا وأطيبَهم عيشًا وأنفذَهم حكمًا.
"لُكَعُ ابن لُكَعٍ"؛ أي: لئيمٌ ابن لئيمٍ، أو أراد به: مَن لا يُعرف له أصلُ ولا يُحمَد له خُلق، وحذف التنوين من (لُكَع) الأول لإجراء اللفظين مجرى
стр. 2751
عَلَمَي شخصَين خسيسَين لئيمَين، ثم في بعض النسخ بنصب (أسعد) على أنه خبر (كان)، وفي بعضها برفعه على أن يكون الضمير في (يكون) للشأن، والجملة بعده تفسير الضمير المذكور.
* * *
٤١٣١ - وعن مَنْ سَمعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ قال: إنَّا لَجُلوسٌ معَ النَّبيِّ ﷺ في المَسْجدِ، فاطَّلعَ علينا مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ ما عليهِ إلَّا بُردَةٌ لهُ مَرْقُوعَةٌ بفَرْوٍ، فلَمَّا رآهُ رسولُ الله ﷺ بكَى للَّذِي كانَ فيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، والذي هُوَ فيهِ أليومَ، ثمَّ قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ بكُمْ إذا غَدا أَحَدُكُمْ في حُلَّةٍ وراحَ في حُلَّةٍ، ووُضعَتْ بينَ يدَيْهِ صَحْفَةٌ ورُفِعتْ أُخرَى، وسَتَرْتُمْ بُيوتَكمْ كما تستَرُ الكَعْبةُ؟ "فقالوا: يا رسولَ الله! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خيرٌ مِنَّا اليومَ، نتفرَّغُ للعِبادَةِ، ونُكفَى المُؤْنةَ؟ قال: "لا، أنتُمُ اليومَ خَيْرٌ منكُمْ يَوْمَئِذٍ".
"وعمن سمع"، في بعض: "عن" "محمد بن كعب: حدثني مَن سمع عليَّ بن أبي طالب أنه قال: إنَّا لَجلوسٌ عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد، فاطَّلع علينا مصعب بن عُمير": وهو كان مِن أغنياء قريش، هاجَرَ وترك النعمةَ بمكة، وكان من كبار الصحابة وأصحاب الصُّفَّة الساكنين في مسجد قُباء.
"ما عليه إلا بُردة له موقوعةٌ بفروٍ، فلما رآه النبي ﵊ بكى للذي"؛ أي: للأمر الذي.
"كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم، ثم قال النبي ﵊: كيف بكم"؛ أي: كيف يكون حالُكم.
"إذا غدا أحدُكم في حُلَّةٍ وراح في حُلَّةٍ"؛ يعني: إذا كَثُرت أموالكم بحيث
стр. 2752
يَلبَس كل واحد منكم أولَ النهار حلةً، وآخرَه أخرى من غاية النِّعَم.
"ووُضعت بين يديه صَحْفة"؛ أي: قَصْعة.
"ورُفعت أخرى، وسترتم بيوتَكم"؛ أي: زيَّنتموها بالثياب النفيسة من فرط التنعُّم.
"كما تُستَر الكعبة؟ فقالوا: يا رسولَ الله! نحن يومَئذٍ خيرٌ منا اليومَ، نتفرَّغ للعبادة ونُكفَى المُؤْنَةَ"؛ أي: نستغني عن تحصيل القُوت، هاتان الجملتان سبقتا لبيان كونهم يومَئذٍ خيرًا منهم اليومَ.
"قال: لا"؛ أي: ليس الأمرُ كما تظنون.
"بل أنتم اليومَ خيرٌ منكم يومَئذٍ"؛ لأن طيباتِ الدنيا آفة الدِّين.
* * *
٤١٣٢ - عن أنسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يأْتي على النَّاسِ زَمان الصَّابرُ فيهِمْ على دينِهِ كالقابضِ على الجَمْرِ"، غريب.
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يأتي على الناس زمان الصابرُ فيهم" أي: في أهل ذلك الزمان.
"على دِينه كالقابض على الجمر": وهو الحطب المحترق، قبل أن تخبوَ نارُه؛ يعني: كما أن القابضَ على الجمر لا يَقدِر أن يصبرَ عليه لاحتراق يده، كذلك المتدين يومَئذٍ لا يَقدِر على ثباته على دينه؛ لغلبة العصاة والمعاصي، وانتشار الفسق، وضعف الإيمان.
"غريب".
* * *
стр. 2753
٤١٣٣ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ أُمَراؤُكُمْ خِيارَكمْ، وأَغْنِياؤُكُمْ أَسْخِياءَكُمْ، وأُمورُكُمْ شُورَى بينكُمْ، فظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكُمْ مِنْ بَطْنِها، وإذا كانَ أُمَراؤُكُمْ شِراكمْ، وأَغْنِياؤُكُمْ بُخَلاءكُمْ، وأُمورُكُمْ إلى نِسائِكُمْ، فبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكُمْ مِنْ ظَهْرِها"، غريب.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان أمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم أسخياءَكم، وأمرُكم شورى": مصدر بمعنى: التشاور.
"بينكم"، لا ينفرد أحدٌ برأيٍ دون صاحبه.
"فظُهرُ الأرض خيرٌ لكم مِن بطنها"، ظَهرها: كناية عن الحياة، وبطنها: كناية عن الممات.
"وإذا كان أمراؤكم شرارَكم، وأغنياؤكم بخلاءَكم، وأمورُكم إلى نسائكم فبطنُ الأرض خيرٌ لكم من ظهرها" "غريب".
* * *
٤١٣٤ - عن ثَوْبانَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تُوشِكُ الأمَمُ أنْ تتَداعَى عَلَيكُمْ كما تتَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها"، فقالَ قائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "بَلْ أنتُمْ يَوْمَئِذٍ كثيرٌ، ولكنَّكُمْ غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صُدورِ عدُوِّكُم المَهابَةَ مِنْكُمْ، ولَيقذِفَنَّ في قُلوبكُم الوَهْنُ". قالَ قائِلٌ: يا رسولَ الله! وما الوَهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنْيا وكَراهِتةُ المَوْتِ".
"عن ثَوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك الأمم"؛ أي: تَقرُب.
"أن تَدَاعَى عليكم"، أصله: تتداعى، أراد بـ (الأمم): فِرَق الكَفَرة والضلال؛ أي: تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا لمقاتلتكم وكسرِ شوكتكم وسلب ما ملكتُمُوه من الديار والأموال.
стр. 2754
"كما تتداعى الآكِلَةُ"؛ أي: الفئة أو الجماعة الآكِلَةُ بعضُهم بعضًا.
"إلى قصعتها" التي يتناولونها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها، كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعبٍ ينالهم.
"فقال قائل: ومِن قلةٍ نحن" يُتداعى علينا "يومَئذٍ؟ قال: بل أنتم يومَئذٍ كثير، ولكنكم غُثَاءٌ كغُثَاءَ السيل"، وهو - بضم الغين المعجمة - ما يجيء فوق السيل من زَبَد ووسخ، وقيل: ما يبس من النبت كالتِّبن والحشيش، فحملَه الماء وألقاه في الجوانب؛ يعني: لا يكون لكم قوة وشجاعة، بل تخافون من الأعداء، وتكونون متفرقين ضعيفي الحال دانيي القَدْر.
"وَلَينزعَنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابةَ"؛ أي: الهيبةَ منك.
"وَلَيقذفَنَّ"؛ أي: لَيَرميَنَّ "في قلوبكم الوَهنَ"؛ أي: الضعفَ.
"قال قائل: يا رسولَ الله! وما الوهنُ؟ " ليس السؤال عن نفس الوهن، بل عن سببه وموجبه.
"قال: حُبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت"؛ فإنهما يدعوانكم إلى احتمال الذل من العدو، ووقوع الوهن في قلوبكم.
* * *
٩ - باب
"باب" فيه ذكر الإنذار والتحذير.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٣٥ - عن عِياضِ بن حِمارٍ المُجَاشِعيِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ ذاتَ يَوْمٍ في خُطبتِهِ: "ألا إنَّ ربي أَمَرَني أنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهلتُمْ مِمَّا علَّمني يومي
стр. 2755
هذا، كُلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنفاءَ كُلَّهمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّياطينُ فاجتالَتْهُمْ عنْ دِيِنهِمْ، وحَرَّمَتْ عليهمْ ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وأَمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ بهِ سُلْطانًا، وإنَّ الله نَظَرَ إلى أهلِ الأَرْضِ فمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وعجَمَهُمْ، إلَّا بَقايا منْ أهلِ الكِتابِ، وقال: إنَّما بَعَثْتُكَ لأبتَلِيَكَ وأبتَليَ بكَ، وأَنْزَلتُ عليكَ كِتابًا لا يَغْسِلُهُ الماءُ، تَقرَؤُهُ نائِمًا ويَقْظانَ، وإنَّ الله أمَرَني أنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فقلتُ: رَبِّ! إذًا يَثْلَغوا رَأْسي فيَدَعوهُ خُبْزَةً، قال: استَخْرِجْهُمْ كما أَخْرجُوكَ، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأنْفِقْ فسنُنْفِقَ عليكَ، وابعَثْ جَيْشًا نبَعَثْ خَمْسةً مِثلَهُ، وقاتِلْ بمَنْ أَطاعَكَ مَنْ عَصَاكَ".
"من الصحاح":
" عن عِيَاض بن حِمَار المُجاشِعي ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال ذاتَ يومٍ في خطبة: ألا إن ربي أَمرَني أن أعلِّمَكم ما جهلتُم مما علَّمَني يومي هذا: كلُّ مالٍ نَحَلْتُه"؛ أي: أعطيتُه، فهذا من مقول الله تعالى؛ أي: أعطاه الله.
"عبدًا حلالٌ"؛ أي: لا يستطيع أحدٌ أن يحرِّمَه من تلقاء نفسه، ويمنعَه من التصرُّف تصرُّفَ المُلَّاك في أملاكهم، قيل: يمكن أن يكون المراد بهذا نفيَ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
والبحيرة: هي الولد العاشر من الناقة، كانوا يسيبون الأم والولد، ويشقُّون أذن الولد للعلامة، فلم يركبْها، والوصيلة من الغنم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذَكَرًا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكر أو أنثى وصلت أخاها فلم يذبحوها.
والحام على ما قاله ابن عباس ﵄ وابن مسعود ﵄: إذا نُتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: يُحمَى ظهرُه، وسُيبَ لأصنامهم، فلا يحملون عليه.
стр. 2756
"وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم"؛ أي مستعدين لقَبول الحق والميل عن الضلال إلى الاستقامة، وقيل: معناه: طاهري الأعضاء من المعاصي، لا أنه خلقَهم كلَّهم مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
وقيل: أراد أنه خلقهم مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاقَ، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فلا يوجد أحد إلا وهو مقرٌّ بأن له ربًّا وإنْ أَشركَ به.
"وإنهم أتتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم"؛ أي: ساقتْهم الشياطينُ "عن دينهم"، يقال: اجتال الرجلُ الشيءَ: إذا ساقَه وذهبَ به، وقيل: معناه: حملتْهم على جولانهم؛ أي: انحرافهم وميلهم عن الدين، والجائل: الزائل والمائل عن مكانه، أضاف الفعل - وهو الاجتيال - إلى السبب له وهو الشياطين؛ لأنه تعالى جعلهم سببًا لإظهار مشيئته فيهم.
"وحرَّمتْ"؛ أي: الشياطينُ "عليهم ما أَحللتُ لهم" يريد به: البحيرة والسائبة وغيرهما.
"وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا"؛ أي حُجَّةً وبرهانًا، قيل: هذا على سبيل التهكُّم؛ إذ لا يجوز على الله أن يُنزلَ برهانًا أن يُشرَكَ به غيره.
"وإن الله نظرَ إلى أهل الأرض"؛ أي: رآهم حين وجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة، وذلك قبل مجيء الرسول ﷺ .
"فمقتَهم"؛ أي: أبغضَهم بسوء صنيعهم.
"عَرَبَهم وعَجَمَهم"، والمَقت في الأصل: ابتداء البغض، وإنما أبغضَهم لأنهم كانوا قبلَ مجيء محمد ﵊ كفارًا؛ زعم بعضهم: أن عيسى ﵊ ابن الله، وبعضُهم أنه شريكُ الله، وغير ذلك، وباقي الناس كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والنارَ وغيرَ ذلك.
"إلا بقايا من أهل الكتاب": وهم الذين آمنوا بعيسى ﵇ قبل
стр. 2757
مبعث نبينا ﵊، وبقوا على متابعته، ثم آمنوا بنبينا ﷺ .
"وقال"؛ أي: الله تعالى: "إنما بعثتُك يا محمدُ لأبتليَك"؛ أي: لأمتحنَك بتبليغ الرسالة عني: هل تصرُّ على إيذاء قومك إياك؟
"وأبتليَ"؛ أي: ولأمتحنَ الخَلقَ بك في قَبول الرسالة عني منك، وابتلاؤه تعالى عائد إلى عباده لا إلى استعلامه.
"وأَنزلتُ عليك كتابا"؛ أي: القرآنَ.
"لا يغسله الماء"؛ أي: لا يفنى أبدًا، بل هو محفوظ في صدور الذين أُوتوا العلم؛ يعني: يسَّرت حفظَه عليك وعلى أمتك، فإذا كنتم تحفظونه فكيف يغسله الماء عن صدوركم؟ قال الله تعالى: ﴿هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
قيل: وكانت الكتب المُنزَلة لا تُجمَع حفظًا، بل يُعتمد في حفظها على الصُّحف، بخلاف القرآن.
"تقرؤه نائمًا ويقظانَ"؛ أي تجمعه حفظًا حالتَي النوم واليقظة، أو تقرؤه في نومك؛ وذلك لرسوخه في حافظته، أو تقرؤه في يسرٍ وسهولةٍ، يقال للرجل القادر على الشيء الماهر به: هو يفعله نائمًا، وقيل: أراد بـ (الغَسل): النسخ مجازًا، فالمراد بـ (الماء): الكتاب، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [فاطر: ٢٧] قيل: كتابا سماويًا، وقد يُستعمل الغَسل في الإدحاض والإبطال، وقيل: أراد به غزارةَ معناه وكثرةَ فوائده، من قولهم: مالٌ لا يفنيه الماء والنار.
"وإن الله أمرني أن أحرقَ قريشًا"؛ أي: أُهلكَ كفارَ قريش.
"فقلت: ربِّ! إذًا يَثْلَغُوا رأسي"؛ أي: يَشْدَخُوه ويكسروه.
"فيَدَعُوه خبزةً"؛ أي: يتركوه مثلَ خبزة مكسورة، يريد: لا أَقدِر على محاربتهم؛ لقلة جيشي وكثرتهم.
стр. 2758
"قال الله تعالى: استَخرِجْهم كما أخرجوك واغزُهم"؛ أي: اغزُ معهم "نُغْزِك"؛ أي نجهزْ غزوَك معهم، يقال: أَغزَيتُ فلاناً؛ أي: جهَّزتُه للغزو وهيأت أسبابه؛ يعني: ننصرْك ونقوِّ جيشَك.
"وأَنفِقْ فسننفق عليك، وابعثْ جيشاً نبعثْ خمسةً مثلَه"؛ أي: خمسةَ أمثال جيشهم من الملائكة، كما فعل يومَ بدر.
"وقاتِلْ بمن أطاعك مَن عصاك".
* * *
٤١٣٦ - عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا نَزلتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعِدَ النَّبيُّ ﷺ الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادي: "يا بني فِهْرٍ! يا بني عَدِيٍّ! " لِبُطونِ قُرَيْشٍ، حتَّى اجْتَمعُوا، فقالَ: أرأَيْتَكُمْ لوْ أَخْبَرتُكُمْ أنَّ خَيْلاً بالوادِي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكُمْ، أكنتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قالوا: نعمْ، ما جَرَّبنا عليكَ إلَّا صِدْقاً، قال: "فإنِّي نَذيرٌ لكُمْ بينَ يَدَيْ عَذابٍ شديدٍ"، قالَ أبو لَهَبٍ: تبًّا لكَ سائِرَ اليَوْمِ، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟ فنزلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
ويُروَى: "نادَى: يا بني عبدِ مَنافٍ! إنَّما مَثَلي ومثَلُكُمْ كمثَلِ رَجُلٍ رأَى العَدُوَّ، فانْطَلقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فخَشيَ أنْ يَسبقُوهُ، فجَعَلَ يَهتِفُ: يا صَباحاهْ! ".
"عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ الصَّفَا": اسم جبل بمكة.
"فجعلَ"؛ أي: طفقَ.
"ينادي: يا بني فِهْر! " بكسر الفاء وسكون الهاء.
"يا بني عَدَي! لبطون قريش"، والبطن: دون القبيلة، وهما قبيلتان من أقارب النبي ﷺ .
стр. 2759
"حتى اجتمعوا، فقال ﷺ : أرأيتُكم"؛ أي: أخبرُوني.
"لو أخبرتُكم أن خيلاً"؛ أي جيشاً.
"بالوادي": موضع معروف بقرب مكة.
"تريد أن تُغِيرَ عليكم" من: الغارة، النَّهب.
"أكنتم مُصدِّقِيَّ؟ " بتشديد الياء مضافاً إلى ياء المتكلم؛ أي: أتصدِّقونني فيما أخبرتكم؟
"قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقاً"؛ يعني: جرَّبناك وما رأينا منك إلا صدقاً، كانوا يعتقدونه ﷺ صادقاً في الأمور الدنيوية، ويكذِّبون فيما يخبرهم من أمور الدين والآخرة.
"قال ﷺ : فإني نذير"؛ أي: مُنذِر.
"لكم بين يدَي عذابٍ شديدٍ"؛ أي: قبل نزول عذاب شديد بكم؛ يعني: إن لم تؤمنوا بي ينزلْ عليكم عذاب عن قريب.
"فقال أبو لهب": وهو عم رسول الله ﷺ وإنما كُني به لشهرته بكنيته، واسمه عبد العُزَّى.
"تبًّا لك"؛ أي: خسراناً، نُصب على المصدر.
"سائرَ اليوم": منصوب على الظرفية.
"ألهذا جمعتَنا؟ فنزلت" جواباً له على سبيل الدعاء عليه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ أي خسرتْ وهلكتْ نفسُه.
﴿وَتَبَّ﴾؛ أي هلكَ، وهذا خبر، كقولهم: أهلكه الله، وقد هلك.
"ويروى: نادى: يا بني عبد مناف! إنما مَثَلي ومَثَلُكم كمَثَلِ رجلٍ رأى العدوَّ، فانطلق يَرْبَأ أهلَه"؛ أي: يصير لهم ربيئةً؛ أي: رقيباً، يحفظهم من
стр. 2760
عدوهم؛ لئلا يأتيَهم بغتةً، ولا يكون إلا على جبل أو شَرَف ينظر منه، ويقال له: الدَّيْدَبَان.
"فخشِي"؛ أي هذا الرجلُ إذا رأى العدوَّ.
"أن يسبقوه"؛ يعني: أنه لو أتى قومَه ليخبرَهم لَسبقَه العدوُّ وأغاروا عليهم قبل وصوله إليهم.
"فجعل"؛ أي طفقَ "يهتف"؛ أي يصيح وينادي من رأس الجبل: "يا صباحاه! " وهي كلمة تُقال إنذاراً بأمرٍ مَخوفٍ.
* * *
٤١٣٧ - عن أبي هُريرةَ قال: لمَّا نزَلتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعا النَّبيُّ ﷺ قُرَيْشاً، فاجتَمَعُوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا بني كَعْبِ بن لُؤَيٍّ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني مُرَّةَ بن كَعْبٍ أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النارِ، يا بني عبدِ شَمْسٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبدِ مَنافٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني هاشِمٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبدِ المُطَلِبِ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فاطِمَةُ! أَنْقِذي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فإنِّي لا أَمْلِكُ لكُمْ مِنَ الله شيئاً، غيرَ أنَّ لكُمْ رَحِماً سَأَبُلُّها ببلالِها".
وفي رِوايةٍ: "يا مَعْشرَ قُرَيْشٍ! اشتَرُوا أنفُسَكُمْ، لا أُغْني عنكُمْ مِنَ الله شَيْئاً، يا بني عبدِ مَنافٍ! لا أُغني عنكُمْ مِنَ الله شيئاً، يا عبَّاسُ بن عبدِ المُطَّلِبِ! لا أُغني عَنْكَ مِنَ الله شيئاً، ويا صَفِيَّةُ! عمَّةَ رسولِ الله ﷺ لا أُغني عنكِ مِنَ الله شيئاً، ويا فاطِمَةُ بنتَ مُحَمَّدٍ! سَلِيني ما شِئْتِ مِنْ مالي، لا أُغني عنكِ مِنَ الله شيئاً".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أنزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا
стр. 2761
النبي ﷺ قريشاً، فاجتمعوا، فعمَّ"؛ أي: النبيُّ ﷺ في النداء "وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي! أَنقِذُوا"؛ أي: أَخلِصُوا أنفسكم "أنفسَكم من النار، يا بني مرة" - بضم الميم وتشديد الراء - "ابن كعب! أَنقذوا أنفسَكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسَكم من النار، يا بني عبد مَناف! أنقذوا أنفسَكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسَكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ! أنقذي نفسَك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً"؛ أي: لا أَقدِر أن أدفعَ عنكم شيئاً من عذاب الله إن أراد أن يعذبَكم، فإنما أَشفعُ لمن أَذِنَ الله لي فيه، وإنما قال في حقهم هكذا؛ لترغيبهم على الإيمان والعمل؛ لئلا يعتمدوا على قرابته ويتهاونوا.
"غيرَ أن لكم رَحِماً"؛ أي: قرابةً.
"سأَبُلُّها ببلالِها"؛ أي: سأَصِلُها بصلة الرحم.
"وفي رواية: يا معشرَ قريش! اشتروا أنفسَكم"؛ أي: خلِّصوها من النار بترك الكفر وبالطاعة لِمَا جئتُ به والانقياد له.
"لا أغني عنكم من الله شيئًا"؛ أي لا أُبعد عنكم شيئاً من عذاب الله؛ أي: لا أَقدِر على تبعيده، من قولهم: أَغْنِ عني كذا؛ أي: بعِّدْه ونَحِّهِ.
"يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفيةُ عمَّةَ رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمةُ بنتَ محمد! سَلِيني ما شئتِ من مالي"، قيل: الظاهر أنه ليس من المال المعروف؛ إذ لم يثبت أنه ﵊ كان ذا مال، لا سيما بمكة، وإنما عبَّر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ويحتمل أن الفصلَ بين (من) و (ما) وقع ممن لم يحققه من الرواة، والأصل أن يُكتبا متصلَين؛ أي: مما لي من أمر الشرع.
стр. 2762
"لا أغني عنك من الله شيئاً".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٣٨ - عن أبي مُوسى ﷺ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أُمَّتي هذهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، ليسَ عَلَيها عَذَابٌ في الآخِرَةِ، عذابُها في الدُّنيا: الفِتَنُ والزَّلازِلُ والقَتْلُ".
"من الحسان":
" عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أمتي هذه أمةٌ مرحومةٌ، ليس عليها عذاب في الآخرة"، تأويله: أن المراد: مَن اقتدى به ﷺ كما ينبغي ويحبُّه قولاً وعملاً، أو يكون المراد: عذاب دائم؛ لأن مَن فعلَ كبيرةً فقد استحق العذابَ، ثم أمرُه إلى الله؛ إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه.
"عذابُها في الدنيا: الفتنُ والزلازلُ والقتلُ".
* * *
٤١٣٩ - عن أبي عُبَيْدَةَ ومعاذِ بن جَبَلٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إنَّ هذا الأمرَ بدأَ نبُوَّةً ورَحْمَةً، ثمَّ يكونُ خِلافةً ورَحْمَةً، ثمَّ مُلكاً عَضُوضًا، ثمَّ كائِنٌ جَبْرِيَّةً وعُتُواً وفَساداً في الأَرْضِ، يَستَحِلُّونَ الحَريرَ والفُروجَ والخُمورَ، يُرْزَقونَ على ذلكَ ويُنْصَرونَ، حتَّى يَلْقَوا الله".
"عن أبي عبيدة ومعاذ بن جبل ﵄، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن هذا الأمرَ"؛ أي: الدينَ والإسلامَ وما بُعث به ﷺ .
"بدأ"؛ أي: ظهرَ.
стр. 2763
"نبوةً ورحمةً": نصب على التمييز أو على الحال؛ يعني: أولُ الدين إلى آخر زمانه ﷺ لم يكن فيه باطل، بل كان جميعُه زمانَ نزول الوحي والرحمة.
"ثم يكون خلافةً ورحمةٍ"؛ يعني: كان بعد وفاته ﷺ زمانَ خلافةٍ زمانَ شفقةٍ ورحمةٍ وعدلٍ، وذلك زمان الخلفاء الراشدين.
"ثم ملكاً عضوضاً": مبالغة من: العَضِّ بالسِّنِّ؛ أي: يصيب الرعيةَ فيه ظلمٌ، كأنهم يعضُّون فيه عضًّا، وروي بضم العين، جمع: عِضٍّ - بالكسر -، وهو الخبيث الشرير؛ يعني: يكون ملوكٌ يظلمون الناسَ ويؤذونهم بغير حق.
"ثم كائنٌ"؛ أي الأمرُ.
"جبريةً": نصب على أنه خبر (كائن)؛ أي: قهراً وغلبةً.
"وعتواً وفساداً في الأرض"؛ يعني: يغلب الظلمُ والفسادُ على الملوك، كما هو الآن كذلك.
"يستحلُّون الحريرَ والفُروجَ والخمورَ، يُرزَقون على ذلك ويُنصَرون حتى يَلقَوا الله".
* * *
٤١٤٠ - عن عائِشَةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أوَّلَ ما يُكْفأُ - قال الرَّاوي: يعني: الإسلامَ - كما يُكْفَأُ الإناءُ"؛ يعني: الخَمْرَ. قيلَ: فكيفَ، يا رسولَ الله! وقدْ بيَّنَ الله فيها ما بيَّن؟ قال: "يُسَمُّونَها بغَيْرِ اسمِها فيَستحِلُّونَها".
"عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول"، قيل: إنه - عليه الصلاة السلام - كان يتحدث في الخمر، فقال في أثناء حديثه:
"إن أولَ ما يُكفَأ" على صيغة المجهول، يقال: كَفأتُ الإناءَ؛ أي: أَملتُه وكببتُه لإفراغ ما فيها، والمراد هنا: الشرب.
стр. 2764
"قال الراوي: يعني: الإسلام"، وقيل: وصوابه: في الإسلام، لعلها سقطت من لفظ الراوي.
"كما يُكفَأ الإناء؛ يعني: الخَمر"؛ أي: إن أولَ ما يُمال؛ أي: يُغيَّر في الإسلام من الأشياء المحرَّمة تغيراً سريعاً شبيهَ قلبِ الإناءِ بما فيه الخَمرُ.
"قيل: فكيف يا رسولَ الله وقد بيَّن الله فيها"؛ أي: في الخمر "ما بيَّن؟ "؛ يعني: كيف يشربون الخمرَ وقد بيَّن الله تحريمَها.
"قال: يسمُّونها بغير اسمها"؛ أي: يسمُّونها باسم النبيذ والمثلَّث.
"فيستحلُّونها" متأوِّلين بذلك، وقيل: يتخذونها من الذُّرة والعسل وغيرهما، ويعتقدون حلَّ هذه الأشربة، ويقولون: ليست بخمرٍ؛ لأن الخمرَ ما يُتخذ من العنب، وهذا باطل؛ لأن الخمرَ ما خامَرَ العقلَ؛ أي: سترَه، سواءٌ كان من العنب وغيره.
* * *
стр. 2765
٢٥ - كِتابُ الفِتَنِ
стр. 2766
٢٥ - كِتابُ الفِتَنِ
(كتاب الفتن)
جمع: فتنة، وهي الامتحان والاختيار.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٤١ - عن حُذَيْفةَ قال: "قامَ فِينا رَسولُ الله ﷺ مَقاماً، ما تركَ شيئاً يكونُ في مَقامِهِ ذلكَ إلى قِيامِ السَّاعةِ إلَّا حدَّثَ بهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ونسَيَهُ مَنْ نسِيَهُ، قدْ عَلِمَهُ أصحابي هؤلاءِ، وإنَّهُ لَيكونُ منهُ الشَّيءُ قدْ نسيتُهُ، فأراهُ فأذْكُرُه كما يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذا غابَ عنهُ، ثُمَّ إذا رآهُ عَرَفَهُ".
"من الصحاح":
" عن حذيفة ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً": نصب على المصدر؛ أي: خطيباً، ووعَظَنا وأخبَرَنا بما يظهر من الفتن.
"ما ترك شيئاً يكون": صفة (شيئاً)، وهي تامة.
"في مقام": اسم الزمان.
"ذلك": صفته؛ أي: في زمانِ عصرِه.
"إلى قيام الساعة إلا حدَّث به"؛ أي: بذلك الشيء الكائن.
"حفظَه مَن حفظَه، ونسيَه مَن نسيَه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه"؛ أي: وإن الشأنَ.
стр. 2767
"لَيكون منه الشيءُ"؛ أي: لَيقع شيءٌ مما ذَكرَه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"قد نسيتُه، فأَراه": على صيغة الفاعل.
"فأَذكره" عند وقوعه.
"كما يَذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفَه".
* * *
٤١٤٢ - وعن حُذَيْفَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عُوْداً عُوْداً، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنكَرَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ بَيضاءُ، حتَّى تَصيرَ على قلبَيْنِ: أَبْيضَ مِثلِ الصَّفا، فلا تَضُرُّهُ فِتنةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ، والآخرُ أسودُ مُرْبادًّا كالكُوزِ، مُجَخِّياً لَا يَعرِفُ مَعْروفاً، ولا يُنكِرُ مُنْكراً، إلَّا ما أُشْرِبَ مِنْ هَواهُ".
"وعن حذيفة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: تُعرَض الفتنُ على القلوب"؛ أي: تُوضَع عليها وتُبسَط، من: عرضَ العُود على الإناء يَعرِضه؛ أي: وضعَه عَرضاً.
"كالحصير عود عود" بالرفع، كذا ذكره مسلم، والمؤلف اختار رواية رفعه بفعل محذوف؛ أي: نُسج عودٌ عودٌ، واحد: العيدان، وهو ما يُنسَج به الحصير من طاقاته، أو خبر مبتدأ محذوف، ويروى بالنصب في غير "المصابيح" حالاً؛ أي: يُنسَج على هذه الحال، قيل: تعرَض الفتنُ على القلوب شيئاً فشيئاً وتُنسَج فيها واحدةً بعدَ واحدةٍ، كالحصير الذي يُنسَج عوداً عوداً، ويُعرَض عليها، فيؤثِّر فيها واحدةً بعدَ واحدةٍ، كتأثير عيدان الحصير في جنب النائم عليه واحداً بعدَ واحدٍ؛ أي: تُعرَض مترادفةً بعضها خلف بعض، قيل: أراد بالفتن:
стр. 2768
الاعتقادات الفاسدة.
"فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها" على صيغة المجهول؛ أي: الفتنَ، يقال: أُشرِبَ قلبُه محبةَ كذا؛ أي: خالطه وحلَّ محلَّ الشراب؛ يعني: أيُّ قلبٍ اختلط بها اختلاطَ الصبغ بالثوب.
"نُكتت فيه": على صيغة المجهول أيضاً؛ أي: نُقطت وأثَّرت في قلبه.
"نكتةٌ"؛ أي: نقطةٌ.
"سوداءُ"، وأصل النَّكت: ضرب الأرض بقضيب، فيؤثِّر فيها.
"وأيُّ قلبٍ أَنكرَها"؛ أي: امتنع عن قَبول تلك الفتن.
"نُكتت فيه نكتةٌ بيضاءُ"؛ يعني: ظَهر فيه النورُ.
قوله: "حتى تصير": غاية لكلا الأمرين؛ يعني: يصير الإنسانُ، أو قلوبُ أهل ذلك الزمان "على قلبين"؛ أي: نوعين، أحدهما:
"أبيضَ مثلَ الصَّفا" بالقصر: وهو الحجر الأبيض شديد البياض.
"فلا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض"؛ لأنها قلوبٌ صافيةٌ قد أَنكرتْ تلك الفتنَ في ذلك الزمان، فحفظها الله بعد ذلك الزمان عنها إلى يوم القيامة.
"والآخرَ أسودَ مُرْبادًّا"، وهو بضم الميم وسكون الراء المهملة وبالباء الموحدة والدال المشددة المهملة: الطِّين المتغير المُنتِن الذي صار أسودَ من غاية تغيُّره وطول مكثه لمكان، نُصب على الذم، وقيل برفعه، وفي رواية: "مُرْبَدًّا"، من: اربَدَّ، والرُّبْدَة: لون بين السواد والغبرة، وقيل: هي لون الرماد، وإنما وُصف هذا النوع بها لكونها لوناً فيه سواد وبياض، لكن سوادَه أغلبُ، وهذا القلب فيه سواد من قَبول الفتن ودخولها فيه، وفيه بياض لوجود الإيمان فيه، لكن صار مغلوباً بالاعتقادات الفاسدة.
стр. 2769
"كالكُوز مُجَخِّياً" بضم الميم وفتح الجيم قبل الخاء المعجمة المكسورة المشددة، نُصب على أنه حال عن الضمير في (مربداً)، أو عن (الكوز)، والعامل فيه معنى الفعل الكائن في الكاف الجارَّة؛ لأنه مفعول معنًى، إذ تقديره: يشبه الكُوزَ.
يقال: جَخَّى الليلُ: إذا مالَ ليذهبَ؛ أي: مائلاً منصبًّا ما فيه من المعارف والعلوم، شبه الذي لا يعي خيراً بالكُوز المائل الذي لا يَلبَث فيه شيء.
"لا يَعرِف"؛ أي: هذا القلبُ.
"معروفاً، ولا يُنكِر منكَراً"؛ يعني: لا يبقى فيه عرفانُ ما هو معروفٌ، ولا إنكارُ ما هو مُنكَرٌ.
"إلا ما أُشربَ من هواه"؛ يعني: لا يَعرف إلا ما قِيل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية.
* * *
٤١٤٣ - وقال حُذَيْفَةُ: حدَّثنا رسولُ الله ﷺ حَديثَيْنِ، رأَيتُ أَحَدَهُما، وأنا أَنتَظِرُ الآخرَ، حَدَّثنا أنَّ الأَمانةَ نَزلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثمَّ عَلِموا مِنَ القُرآنِ، ثمَّ عَلِموا مِنَ السُّنَّةِ. وحَدَّثَنا عنْ رفعِها قال: "يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمةَ فتُقْبَضُ الأَمانةُ مِنْ قلبهِ، فيَظلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمةَ فتُقْبَضُ، فيَبقَى أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كجَمْرٍ دَحْرجتَهُ على رِجلِكَ فنَفِطَ، فتراهُ مُنْتَبراً وليسَ فيهِ شيءٌ، ويُصْبحُ النَّاسُ يتَبايَعونَ ولا يكادُ أَحَدٌ يُؤدِّي الأمانةَ، فيُقال: إنَّ في بني فُلانٍ رَجُلاً أميناً، ويُقالُ للرَّجُلِ: ما أَعْقَلَهُ، وما أظرَفَهُ، وما أَجْلَدَهُ، وما في قَلْبهِ مِثقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ".
"وقال حذيفة ﵁: حدثنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم حديثين،
стр. 2770
رأيت أحدَهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة" أراد بها: الإيمان.
"نَزلت في جَذْر" بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة: أصل كل شيء؛ أي: في أصلِ "قلوب الرجال، ثم عَلِموا"؛ أي بنور الإيمان.
"من القرآن، ثم عَلِموا من السُّنة": وهي الأحاديث النبوية، وفيه: إشارة إلى أن تعلُّمَ السُّنة بعدَ تعلُّم القرآن.
"وحدَّثَنا عن رفعِها" أراد به: ارتفاع الإيمان، أو انتقاصه؛ فإنه سيكون بعد عصر آخر لا في عصر الصحابة.
"قال: ينام الرجلُ النَّومةَ، فتُقبَض الأمانة"؛ أي: بعضُها.
"من قلبه": تنقص ثمرةُ الإيمان.
"فيظلُّ أثرُها"؛ أي: يصير أثرُ الأمانة، والأثر: ما بقي من رسم الشيء.
"مثلَ أثر الوَكْت" بفتح الواو وسكون الكاف، واحدها: وَكْتَة، وهي أثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، وقيل: هي نقطة بيضاء تَظهَر في سواد العين.
"ثم ينام النَّومةَ فيُقبَض"؛ أي: بعضُ ما بقي فيه من الأمانة.
"فيبقى أثرُها مثلَ أثر المَجل"، يقال: مَجَلتْ يدُه - بالفتح - تَمْجل - بالضم والكسر - مَجْلاً بسكون الجيم، ومَجِلَتْ - بالكسر - مَجَلاً بفتحتين؛ أي: سخن جلدها وظهرَ فيها ما يشبه البثر عن الأشياء الصلبة، والمجل وإن كان مصدراً أُريد به نفس النقطة.
"كجمرٍ": بدل من (مثل أثر المَجل)؛ أي: يكون أثرُها في القلب كأثر جمرٍ، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أثرُ المَجل كجمرٍ.
"دحرجَته"؛ أي: ردَّدته على رِجلك.
"فنَفِطَ" بالكسر؛ أي: مَجلٌ من جمرٍ.
следующие страницы →