ولقد رَهَنَ النَّبيّ ﷺ دِرْعًا بالمَدينةِ عندَ يهودي وأخذَ منهُ شَعيرًا لأَهْلِهِ، ولقد سَمِعْتُه يقولُ: ما أَمْسَى عندَ آلِ مُحَمَّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ، وإنَّ عِنْدَه لَتِسعَ نِسْوَة.
"عن أنس ﵁: أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة" بكسر الهمزة: ما أُذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، وقيل: الوَدَك، وهو دسم الشحم، وقيل: كل دُهن يُؤتَدَم به.
"سَنِخَة" بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة؛ أي: متغيرة لطول المكث.
"ولقد رَهنَ النبيُّ ﷺ درعًا له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيرًا لأهله، ولقد سمعته"؛ أي: قال راوي هذا الحديث عن أنس ﷺ : سمعتُ أنسًا "يقول: ما أمسى"؛ أي: لم يُدَّخر في الليل للغد "عند آل محمد صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ" للقُوت.
"وإن عنده": الواو للحال.
"لَتسعَ نسوةٍ".
٤٠٤٩ - وقال عُمَرُ ﵁: دَخَلْتُ على رَسولِ الله ﷺ ، فإذا هو مُضْطَجعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ فِرَاشٌ، قد أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبه، مُتَّكِئًا على وِسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، قلتُ: يا رسولَ الله! اُدْعُ الله فلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ، فإنَّ فارِسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وهم لا يَعبُدونَ الله، فقال: "أَوَ في هذا أَنْتَ يا ابن الخطابِ! أُولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في الحياةِ الدنيا".
وفي رِوايةٍ: "أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهُم الدُّنيا ولَنَا الآخِرَةُ؟ ".
стр. 2697
"وقال عمر ﵁: دخلت على النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجعٌ على رمالِ حصيرٍ" بكسر الراء المهملة وضمها: جمع رَمِيل بمعنى: مَرمُول؛ أي: منسوج، ويُستعمل في الواحد، وهذا من إضافة الجنس إلى النوع، كـ (خاتم فضة)؛ أي: رمال من حصير، والمراد هنا: المنسوج من ورق النخل.
وقيل: الرمال: ما يُنسَج عُودًا عُودًا.
"ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّر الرمال بجنبه ﷺ ، متكئًا على وسادةٍ من أدم، حشوُها لِيفٌ، قلت: يا رسولَ الله! ادعُ الله فَلْيوسِّعْ على أمتك؛ فإن فارسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: أوفي هذا أنتَ": استفهام على سبيل الإنكار؛ أي: أأنت في هذا ونظرُك مرتهنٌ بهذه الأشياء؟! أي: أين أنت من النِّعَم الباقية الغائبة عنك "يا ابن الخطاب؟! " وفي ترك مخاطبته بـ (عمر) في هذا المعرض معنًى لطيفٌ؛ لأن الارتهانَ بطيبات الدنيا من خصال ذوي الجهل والعمى، فكان نسبتُه ﷺ إلى أبيه ذي الجهل والعمى أَولى وأليقَ بالكلام، كأنه قال: يا ابن ذلك المقيَّد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم الآخرة.
"أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا، وفي رواية: أَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ".
٤٠٥٠ - عن أبي هُريرةَ قال: "لقد رأيتُ سَبْعينَ مِن أصحابِ الصُّفَّةِ، ما مِنهم رَجلٌ عليه رِداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وإمَّا كساءٌ، قد رَبطوا في أَعْناقِهم، فمِنْها ما يبلُغُ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبينِ، فيَجمعَه بيدِه كراهِيةَ أنْ تُرَى عورتُه".
"عن أبي هريرة ﵁: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة": وهم الفقراء الذين بايعوا النبي ﷺ .
стр. 2698
"ما منهم رجلٌ عليه رداء"؛ أي: لم يكن منهم رجلٌ عليه رداءٌ وإزارٌ، بل يكون له "إما إزارٌ" فقط يستر به عورتَه، "وإما كِساءٌ" يشتمل به.
"قد ربطوا في أعناقهم، فمنها"؛ أي مِن كِساءٍ "ما يَبلُغ نصفَ الساقين، ومنها ما يَبلُغ الكعبين، فيجمعه بيده؛ كراهيةَ أن تُرى عورتُه".
٤٠٥١ - وقال رَسولُ الله ﷺ : "إذا نَظَرَ أَحَدُكم إلى مَن فُضلَ عليهِ في المالِ والخَلْقِ، فلْيَنظرْ إلى مَن هو أَسْفَلَ منهُ".
"وقال أبو هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نظر أحدُكم إلى مَن فُضلَ"؛ أي: زِيدَ "عليه في المال والخَلق"؛ يعني: إذا رأى أحدُكم مَن هو أكثر منه مالًا وجثةً ولباسًا وجمالًا.
"فَلْينظرْ إلى مَن هو أسفلُ"؛ أي: أقلُّ "منه" في ذلك؛ ليَعرفَ أن الله تعالى أنعمَ عليه نعمةً كثيرةً بالنسبة إليه.
٤٠٥٢ - وقال: "انظُرُوا إلى مَن هو أَسْفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم، فهوَ أَجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله علَيْكم".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : انظروا إلى مَن هو أسفلُ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ"؛ أي: النظرُ إلى مَن هو أسفلَ منكم مالًا وجمالًا وجثةً ولباسًا أحقُّ "أن لا تزدروا"؛ أي: بألا تحتقروا "نعمةَ الله عليكم"؛ لأنكم بذلك النظرِ علمتُم أن لله تعالى عليكم نعماءَ كثيرةً.
стр. 2699
مِنَ الحِسَان:
٤٠٥٣ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَبْشِروا يا مَعْشَرَ صَعَاليكِ المُهاجرينَ! بالنُّورِ التامِّ يومَ القيامةِ، تَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أغنياءِ النَّاسِ بنصْفِ يَوْمٍ وذلكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أَبشِروا يا مَعشرَ صعاليك المهاجرين" جمع: صُعلوك، الفقير الذي لا مالَ له ولا اعتمالَ.
"بالنور التام يومَ القيامة، تدخلون الجنَّةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة"؛ فإن اليومَ الأخرويَّ مقدارُ طولِه ألفُ سنة من سِنِي الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، فنصفه خمس مئة.
٤٠٥٤ - وقال: "يدخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قبلَ الأَغْنياءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عامٍ نصفِ يومٍ".
"عن أبي هريرة وجابر - رضي الله تعالى عنهما - قالا: قال رسول الله ﷺ : يدخل الفقراءُ الجنَّةَ قبل الأغنياء بخمسِ مئةِ عامٍ، نصفِ يومٍ" بالجر: بدل، أو عطف بيان عن (خمس مئة عام).
٤٠٥٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللهمَّ! أَحْيني مِسْكينًا، وأَمِتْني مِسْكينًا، واحشُرْني في زُمْرةِ المَساكينِ"، فقالت عائِشَةُ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنَّهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنِيائهم بأَرْبعينَ خَرِيفًا، يا عائِشةُ! لا تَرُدِّي
стр. 2700
المِسْكِينَ، ولو بِشِقِّ تمرةٍ، يا عائِشَةُ! أَحِبي المَساكينَ وقَرِّبيهم، فإنَّ الله يُقَرِّبُكِ يومَ القِيامةِ".
"عن أنس ﵁: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم أَحْيني مسكينًا، وأَمِتْني مسكينًا، واحشرْني في زُمرة المساكين"، معناه: اجعلْني متواضعًا لا جبارًا متكبرًا، وقد فسَّر النبيُّ ﷺ المسكينَ: "وهو الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يُفطَن به فيتصدَّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس"، قيل: هذا تعليم منه لأمته ﷺ أن يعرفوا فضلَ الفقراء ليحبُّوهم وليجالسوهم لينالَهم بركتهم، ويجوز أن يُراد بهذا أن يجعل قُوتَه عليه كفافًا، ولا يشغله بالمال؛ فإن كثرةَ المال مذمومةٌ في حق المقرَّبين.
"فقالت عائشة: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنَّةَ قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة! لا تردِّي المسكينَ ولو بشق تمرة، يا عائشةُ! أحبي المساكينَ وقرِّبيهم؛ فإن الله تعالى يقرِّبك يومَ القيامة"، "غريب".
٤٠٥٦ - عن أبي الدَّرْداءَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ابغُونِي في ضُعَفَائِكُم، فإنَّما تُرْزَقُونَ وتُنصَرونَ بضُعَفائِكُم".
"عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: ابغوني في ضعفائكم" بهمزة قطع ووصل، من: بَغَى بُغَاءً بالضم: طلبَ؛ أي: اطلبوا رضائي في رضا ضعفائكم؛ فمَن أكرمَهم فقد أكرمَني، ومَن آذاهم فقد آذاني.
"فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم".
٤٠٥٧ - ورُوِيَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَستفتِحُ بصَعَاليكِ المُهاجِرينَ.
стр. 2701
"ورُوي: أن رسولَ الله ﷺ كان يَستفتح"؛ أي: يطلب الفتحَ والنصرةَ من الله الكريم "بصعاليك المهاجرين"؛ أي: ببركة فقرائهم.
٤٠٥٨ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْبطَنَّ فاجِرًا بنعْمَةٍ، فإنك لا تَدري ما هوَ لاقٍ بعدَ مَوْتِه، إنَّ لهُ عندَ الله قاتِلًا لا يَموتُ"، يعني: النَّار.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَغبطَنَّ فاجرًا"، قيل: أي: كافرًا.
"بنعمةٍ"؛ يعني: لا تتمنَّيَنَّ أن يكونَ لك ما له من النِّعَم.
"فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إن له"؛ أي: للفاجر.
"عند الله قاتلًا" من: القتل، كذا في أكثر النسخ.
"لا يموت"؛ أي: لا يَفْنَى.
"يعني: النار": تفسير (قاتلًا).
وفي "شرح السُّنة": " قائلًا"؛ أي: مَقيلًا، من: القَيلولة.
٤٠٥٩ - وقال: "الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وسَنَتُهُ، فإذا فارقَ الدُّنْيا فارقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ".
"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : الدنيا سجنُ المؤمن وَسَنتُه"؛ أي: قحطُه وشدةُ عيشِه.
"فإذا فارقَ الدنيا فارقَ السجنَ والسَّنةَ".
стр. 2702
٤٠٦٥ - وعن قتادَةَ بن النُّعْمانِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أَحَبَّ الله عَبْدًا حَماهُ الدُّنْيا كما يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحمِي سَقيمَهُ الماءَ".
"عن قتادة بن النعمان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إذا أحبَّ الله عبدًا حَمَاه الدنيا"؛ أي: منعَه منها ووقاه أن يتلوثَ بزينتها؛ كيلا يمرضَ قلبُه بداء محبتها.
"كما يظلُّ أحدكم"؛ أي: كما طفقَ أحدُكم.
"يحمي سقيمَه"؛ أي: مريضَه المستسقي "من الماء"؛ كيلا يزيدَ مرضُه بشربه.
٤٠٦١ - عن مَحْمودِ بن لَبيدٍ: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اثنتانِ يَكرَهُهُما ابن آدَمَ: يَكْرَهُ المَوْتَ، والمَوْتُ خيرٌ للمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، ويَكْرَهُ قِلّةَ المالِ، وقِلّةُ المالِ أقلُّ للحِسابِ".
"عن محمود بن لبيد: أن النبي ﷺ قال: اثنتان يكرههما ابن آدم: يكرهُ الموتَ؛ والموتُ خيرٌ للمؤمن من الفتنة"؛ والفتنةُ التي الموتُ خيرٌ منها هي الوقوعُ في الشِّرك أو في فتنة يتسخَّطها الإنسان ويجري على لسانه ما لا يليق، وفي اعتقاده ما لا يجوز.
"ويكرهُ قلةَ المال؛ وقلةُ المال أقلُّ للحساب".
٤٠٦٢ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي أُحِبُّكَ، قالَ: "اُنظُرْ ما تقولُ"، فقالَ: والله إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثلاثَ مرَّاتٍ، قال:
стр. 2703
"إنْ كُنتَ صَادِقًا فأَعِدَّ لِلفَقْرِ تِجْفافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرعُ إلى مَنْ يُحِبني مِنَ السَّيْلِ إلى مُنْتهَاهُ"، غريب.
"عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني لأَحبُّك، قال: انظرْ ما تقول؟ " قاله لتفخيم شأن المقول؛ أي: فكِّر فيما تقول في أنك تحبني، أنتَ صادق في هذه الدعوى أم لا؟
"فقال: والله إني لأَحبُّك، ثلاث مرات، قال: إن كنتَ صادقًا فأعدَّ"؛ أي: فهيئ.
"للفقر تِجْفَافًا" بكسر التاء وسكون الجيم: شيء يُلبَس لدفع السلاح؛ يعني: آلةً تدفع بها عن دِينك ضررَه من الصبر والقناعة والرضا، كنَّى بالتِّجفاف عن الصبر؛ لأنه يستر الفقرَ كما يسترُ التجفافُ البدن.
(لَلفقر): اللام لام الابتداء.
"أسرعُ إلى مَن يحبني من السيل إلى منتهاه"؛ يعني: لابد من وصول الفقر إليه.
"غريب".
٤٠٦٣ - عن أنسٍ قال: قال رَسولُ الله ﷺ : لقدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخافُ أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيْتُ في الله وما يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ منْ بينِ ليلةٍ وَيوْمٍ وما لِي ولِبلالٍ طَعامٌ يأْكْلُهُ ذُو كَبدٍ، إلا شَيءٌ يُوارِيهِ إبْطُ بِلالٍ".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد أُخِفتُ" بصيغة المجهول من: الإخافة.
"في الله"؛ أي: في إظهار دينه.
стр. 2704
"وما يُخاف أحدٌ" بصيغة المجهول؛ أي: مثلَ ما أُخِفتُ.
"ولقد أُوذيتُ في الله، وما يُؤذَى أحَدٌ"؛ أي: مثلَ ما أُوذيتُ؛ يعني: كنتُ وحيدًا في ابتداء إظهاري الدينَ، فخوَّفني الكفارُ وآذَوني في ذلك، ولم يكن معي أحد يوافقني في تحمُّل الأذيَّة.
"ولقد أتَتْ عليَّ"؛ أي: قد كان بعضُ الأوقات مرَّ عليَّ.
"ثلاثون من بين ليلةٍ ويومٍ"، (بين): زائدة، تقديره: من ليلةٍ ويومٍ كان بلالٌ رفيقي في ذلك الوقت.
"وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكلُه ذو كبد": هذا إشارة إلى قلته، والمراد بـ (ذو كبد) هاهنا: نحو الفأرة والهِرَّة مما يَشبَع بأدنى شيء.
"إلا شيءٌ": بدل من (طعام).
"يُوارِبه"؛ أي: يسترُه.
"إبطُ بلال" من خبز ونحوه، كنَّى بالمواراة تحت الإبط عن الشيء اليسير، وعن عدم ما يُجعَل فيه الطعامُ من الظَّرف.
٤٠٦٤ - عن أبي طَلْحَةَ قال: "شَكَونْا إلى رَسولِ الله ﷺ الجُوعَ، ورَفْعنا عنْ بُطونِنا عنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فرفعَ رسولُ الله ﷺ عنْ بَطْنِه عنْ حَجَرَينِ"، غريب.
"عن أبي طلحة ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوعَ، ورفعْنا عن بطوننا عن حَجَرٍ حَجَرٍ": بدل اشتمال، كما تقول: زيدٌ كشفَ عن وجهِه عن حُسنٍ خارقٍ.
عادة أهل الرياضة إذا اشتد جوعُهم أن يربطَ كلُّ واحدٍ منهم حَجَرًا على
стр. 2705
بطنه؛ كيلا يسترخي بطنُه، وتنزلَ أمعاؤه، فيشقُّ عليه التحريك.
"فرفع رسولُ الله ﷺ عن بطنه عن حَجَرَين"؛ لأنه ﷺ أكثرُهم جوعًا وأشدَّهم رياضةً.
"غريب".
٤٠٦٥ - عن أبي هُريرةَ: أنَّهُ أصابَهُم جُوْعٌ، فأَعْطاهُمْ رسولُ الله ﷺ تَمْرَةً.
"عن أبي هريرة ﵁: أنه أصابهم جوعٌ، فأعطاهم رسولُ الله ﷺ تمرةً تمرةً".
٤٠٦٦ - عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "خَصْلتانِ مَنْ كانتا فيهِ كتَبَهُ الله شاكِرًا صابرًا: مَنْ نظَرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ فَوْقَهُ فاقْتَدَى بهِ، ونظَرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، فحَمِدَ الله على ما فضَّلَهُ الله عليهِ؛ كتبَهُ الله شاكِرًا صابرًا، ومَنْ نظرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، ونظرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هو فَوْقَهُ، فأَسِفَ على ما فاتَهُ منهُ؛ لمْ يكتُبْهُ الله شاكِرًا ولا صابرًا".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ عن النبي ﷺ قال: خصلتانِ مَن كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: مَن نَظرَ في دينه إلى مَن هو فوقَه"؛ أي: نظر في الأعمال الصالحة إلى مَن هو أكثرُ منه عبادةً ورياضةً وقناعةً.
"فاقتدى به، ونظرَ في دنياه إلى مَن هو دونَه"؛ أي: إلى مَن هو أفقرُ وأقلُّ مالاً منه.
стр. 2706
"فحمد الله"؛ أي شكرَه "على ما فضَّله الله"؛ أي: على ما أعطاه من الفضل.
"كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومَن نظر في دينه إلى مَن هو دونَه، ونظرَ في دنياه إلى مَن هو فوقَه فأَسِفَ"؛ أي: غضبَ وحزنَ "على ما فاته منه"؛ أي: من المال الدنيوي وغيره.
"لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا".
٣ - باب الأَمَلِ والحِرْصِ
(باب الأمل والحرص)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٦٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قال: خَطَّ النَّبيّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَط خَطًّا في الوَسَطِ خارِجًا منهُ، وخَطَّ خُطُوطًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوَسَطِ من جانِبهِ الذِي في الوسَطِ فقال: "هذا الإِنسانُ، وهذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بهِ، وهذا الذي هوَ خارجٌ أَمَلُهُ، وهذهِ الخُطُوطُ الصِّغارُ الأَعراضُ، فإنْ أخْطَأَهُ هذا نهَشَهُ هذا، وإنْ أَخْطَأَهُ هذا نهَشَهُ هذا".
"من الصحاح":
" عن عبد الله ﵁ قال: خطَّ النبي ﷺ خطًّا مربَّعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخط خطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط" بهذه الصورة.
стр. 2707
"فقال: هذا"؛ أي: الخطُّ الذي في وسط المربع "هو الإنسان، وهذا"؛ أي: الخطُّ المربع "أجلُه محيطٌ به"، بحيث لا يمكنه الفرارُ والخروجُ منه.
"وهذا الذي هو خارج" من المربع "أملُه" الذي يظنُّ أنه يدركُه قبلَ موته، وهو ظنٌّ خطأ منه؛ لأن أجلَه أقربُ إليه منه.
"وهذه الخطوطُ الصغارُ الأعراضُ" من الآفات والعاهات، كالمرض وغيره، فهذه الأعراضُ مكتنفةٌ به من جميع جوانبه.
"فإنْ أخطأه هذا"؛ أي: عرضٌ من هذه الأعراض؛ أي: تجاوزَ.
"نهشَه"؛ أي: أخذَه ولدغَه "هذا"؛ أي عرضٌ آخرُ.
"وإنْ أخطَأه هذا نهشَه هذا".
٤٠٦٨ - وعن أنسٍ قال: خَطَّ النَّبيّ ﷺ خُطُوطًا فقال: "هذا الأَمَلُ، وهذا أَجَلُهُ، فبينَما هو كذلكَ إذْ جاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ".
"وعن أنس رضي الله تعالى عنه: خطَّ النبيُّ ﷺ خطوطًا، فقال: هذا الأملُ، وهذا أجلُه، فبينما هو كذلك"؛ أي: في الحالة التي يرجو أن يبلغَ أملَه.
"إذ جاءه الخطُّ الأقربُ" الذي هو أجلُه قبلَ وصوله إلى الأبعد، الذي هو أملُه.
٤٠٦٩ - عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "يَهْرَمُ ابن آدَم ويَشِبُّ مَعَه اثنتانِ: الحِرْصُ على المالِ، والحِرْصُ على العُمُرِ".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يَهرَم ابن آدم"؛ أي: يَكبر سِنُّه.
стр. 2708
"وَيشِبُّ" بفتح الياء وكسر الشين المعجمة والباء المشددة.
"منه اثنان": هذا استعارة؛ يعني: تستحكم الخصلتان في قلب الشيخ، كاستحكام قوة الشاب في شبابه.
"الحرص على المال، والحرص على العمر"، إنما لم تنكسر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسانَ مجبولٌ على حُبِّ الشهوات (١)، والشهوةُ إنما تُنال بالمال والعمر.
* * *
٤٠٧٠ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يزالُ قَلْبُ الكبيرِ شَابًّا في اثنتَينِ: في حُبِّ الدُّنْيا، وطُولِ الأَمَلِ".
"وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يزال قلبُ الكبير شابًّا في اثنتين، في حبِّ الدنيا، وطولِ الأمل".
* * *
٤٠٧١ - وقال: "أَعْذَرَ الله إلى امرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أَعذَرَ الله إلى امرئ"، قيل: الهمزة في (أعذر) للسلب؛ أي: أزالَ عذرَ امرئ.
"أخَّر أجلَه حتى بلَّغه ستين سنةً"، فلم يتب عن المعاصي، ولم يصلح حالَه ومآلَه؛ يعني: أنه لم يترك له شيئًا في الاعتذار يتمسك به.
* * *
стр. 2709
٤٥٧٢ - وعن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لوْ كانَ لابن آدَم وادِيانِ منْ مالٍ لابْتغَى ثالِثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابن آدَم إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ الله على مَنْ تابَ".
"وعن ابن عباس ﵄، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لو كان لابن آدم واديانِ من مال" المراد منه: الإبل.
"لَابتغى لهما ثالثًا"؛ أي: واديًا ثالثًا.
"ولا يملأ جوفَ ابن آدمَ إلا الترابُ"؛ يعني لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموتَ ويمتلئَ جوفُه من تراب قبره، وهذا حكمٌ على الغالب.
"ويتوب الله على مَن تاب"؛ أي: يَقبَل التوبَة من التائب عن حرصه المذموم، وعن غيره من المذمومات.
* * *
٤٠٧٣ - وعن ابن عُمَرَ قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ ببَعْضِ جَسدِي فقال: "كُنْ في الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أو عابرُ سَبيلٍ، وعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أهْلِ القُبورِ".
"وعن ابن عمر قال: أخذ رسولُ الله ﷺ ببعض جسدي فقال: كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ"، (أو) هذه بمعنى: بل، وفي هذا ترقٍّ من التشبيه الأول؛ لأن الغريبَ قد يَسكُن في بلاد الغربة ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل.
"وعُدَّ نفسَك من أهل القبور".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٥٧٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: مَرَّ بنا رَسولُ الله ﷺ وأنا وأُمِّي نُطينُ
стр. 2710
شَيْئًا فقال: "ما هذا يا عبدَ الله؟ " فقُلتُ: شَيءٌ نُصْلِحُهُ، قال: "الأَمْرُ أَسْرَعُ منْ ذلِك"، غريب.
"من الحسان":
" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مرَّ بنا رسولُ الله ﷺ ، وأنا وأمِّي نُطين شيئًا"؛ أي: نُصلح شيئًا من البيت بالطِّين.
"فقال: ما هذا يا عبدَ الله؟ قلت: شيءٌ نصلحه، قال: الأمرُ أسرعُ من ذلك"؛ أي: الأجلُ أقربُ من تخرُّب هذا البيت؛ يعني: تصلح بيتَك خشيةَ أن ينهدمَ قبل أن تموتَ، وربما تموت قبل أن ينهدمَ، فإذا كان كذلك فإصلاحُ عملِك أَولى من إصلاح بيتك.
"غريب".
* * *
٤٠٧٥ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُهْريقُ الماءَ فَيَتَيَمَّمُ بالتُّرابِ، فأقولُ: يا رسولَ الله! إِنَّ الماءَ مِنْكَ قريبٌ، فيقولُ: "ما يُدرِيني؟ لَعَلِّي لا أبلُغُه".
"عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يُهريق الماء"؛ أي: يبول، وقيل: يَستعمل الماءَ قبل الوقت.
"فيتيمَّم" في الوقت "بالتراب، فأقول: يا رسولَ الله! إن الماءَ منك قريب، يقول: ما يدريني"، (ما): للاستفهام.
"لعلي لا أَبلُغُه"؛ أي: الماءَ.
* * *
стр. 2711
٤٠٧٦ - عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "هذا ابن آدَمَ، وهذا أَجَلُهُ"، ووَضَعَ يدَهُ عندَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَ فقال: "وثَمَّ أمَلُهُ".
"عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: هذا ابن آدمَ، وهذا أجلُه، ووضعَ يدَه عند قفاه"؛ يعني: وضع ﷺ يَده على قفاه "ثم بسط"؛ أي: مدَّ يدَه وأشار إلى موضعٍ أبعدَ من قفاه.
"فقال: وثَمَّ" بفتح الثاء "أملُه"، وفيه: إشارة إلى أن أجلَه أقربُ إليه من أمله، وإلى أن أملَه أطولُ من أجله.
* * *
٤٠٧٧ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غَرَزَ عُودًا بينَ يدَيهِ، وآخرَ إلى جَنْبهِ، وآخرَ أَبْعَدَ منهُ فقال: "هلْ تدرونَ ما هذا؟ " قالوا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: "هذا الإِنسانُ، وهذا الأَجَلُ"، أُراهُ قال: "وهذا الأملُ، فيتَعاطَى الأَمَلَ، فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ".
"عن أبي سعيد الخُدري ﵁: أن النبي ﷺ غَرزَ عودًا بين يدَيه"؛ أي قُدَّامَه.
"وآخرَ"؛ أي: غرزَ عودًا آخرَ "إلى جنبه"؛ أي: جنب عُوده.
"وآخرَ أبعدَ منه"؛ أي: من ذلك العود الأبعد.
"فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا الإنسان، وهذا الأجل" إشارةً إلى الذي إلى جنبه.
"أراه"؛ أي: قال الراوي: أظنُّ أنه ﷺ "قال: وهذا الأمل": إشارةً إلى العُود الأبعد.
"فيتعاطى"؛ أي: يتناولُ الإنسانُ "الأملَ ويباشره"؛ أي يشتغل بما يأمل.
стр. 2712
"فلحقَه الأجلُ دون الأمل"؛ أي: قبل أن يَتمَّ أملُه.
* * *
٤٠٧٨ - عن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مُثِّلَ ابن آدَمَ وإلى جَنْبه تِسعٌ وتِسعونَ مَنيَّةً، إنْ أَخْطَأَتْهُ المنَايا وَقَعَ في الهَرَمِ".
"عن عبد الله بن الشِّخير - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مُثِّلَ" بصيغة الماضي المجهول؛ أي: صُوِّرَ وخُلِقَ.
"ابن آدم إلى جنبه": حال، سواء كان بالواو أو دونها.
"تسعٌ وتسعون مَنِيَّةً"، وروي: "مَثَلُ" على وزن: فَرَس، مبتدأ خبره الجملة التي بعده؛ أي: صفته وحاله العجيبة أن تسعًا وتسعين منية متوجهةً نحوه منتهيةً إلى جانبه، وقيل: خبره محذوف؛ أي: مَثَلُه مَثَلُ مَن يكون إلى جانبه.
"إن أخطأتْه المنايا وقع في الهَرَم": تقدم بيانه في (باب عيادة المريض).
* * *
٤٠٧٩ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "عُمْرُ أُمَّتي منْ ستِّينَ سنةً إلى سَبعين سَنَةً"، غريب.
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: عُمرُ أمتي من ستين سنةً إلى سبعين"، "غريب".
* * *
٤٠٨٠ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ "أَعْمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتينَ إلى السَّبْعينَ، وأقلُّهُم مَنْ يَجُوزُ ذلكَ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعمارُ أمتي ما بين الستين
стр. 2713
إلى السبعين، وأقلُّهم"؛ أي: أقلُّ أمتي "مَن يَجُوزُ"؛ أي: يَعبُرُ "ذلك"؛ أي: السبعين.
* * *
٤ - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ
(باب استحباب المال والعمر للطاعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٨١ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرآنَ، فهوَ يقومُ بهِ آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله مالًا، فهوَ يُنفِقُ منه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآنَ فهو يقوم به آناءَ الليل وآناءَ النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناءَ الليل وآناءَ النهار": تقدم بيانه في (كتاب فضائل القرآن).
* * *
٤٠٨٢ - وقال: "إنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ".
"عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يحبُّ العبدَ التقيَّ": وهو مَن يتقي المعاصي، وقيل: أراد به: مَن لا يصرف مالَه في المعاصي.
стр. 2714
"الغنيَّ" بغنى القلب.
"الخفيَّ" عن أعين الناس في نوافله؛ لئلا يُداخلَه الرياء، وقيل: الخفيُّ مَن لا يتكبَّر على الناس ولا يفتخر عليهم بالمال، بل يجعل نفسَه منكسرةً من التواضع، وقيل: أراد به خفيَّ الذِّكر لخموله، أو قليل التردُّد والخروج إلى الأسواق ونحوها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٨٣ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁: أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسولَ الله! أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ" قالَ: فأيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ".
"من الحسان":
" عن أبي بَكرة ﵁: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: مَن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه، قال: فأيُّ الناسِ شرٌّ؟ قال: مَن طالَ عمرُه وساء عملُه".
* * *
٤٠٨٤ - وعن عُبَيْدِ بن خالدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ آخَى بينَ رَجُلَينِ، فقُتِلَ أحدُهُما في سبيلِ الله، ثُمَّ ماتَ الآخَرُ بعدَهُ بجُمُعَةٍ أو نَحْوِها، فَصَلَّوا عليهِ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "ما قُلتُمْ؟ " قالوا: دَعَوْنا الله أنْ يَغْفِرَ لهُ وَيرْحَمَهُ ويُلحِقَهُ بصاحِبهِ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "فأيْنَ صَلاتُهُ بعدَ صَلاتِهِ، وعملُهُ بعدَ عَمَلِهِ؟ - أو قال: صِيامُهُ بعدَ صِيامِهِ - لَمَا بَيْنَهما أَبْعَدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأَرْضِ".
"وعن عُبيد بن خالد ﵁: أن النبي ﷺ آخى"؛ أي: عقدَ الأخوةَ.
стр. 2715
"بين رجلَين، فقُتل أحدُهما في سبيل الله، ثم مات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلَّوا عليه، فقال النبي ﷺ : ما قلتُم؟ قالوا: دَعَونا الله أن يغفرَ له ويرحَمَه ويُلحقَه بصاحبه"؛ أي: الذي قُتل.
"فقال النبي ﷺ : فأين صلاتُه؟ "؛ أي صلاةُ الميت "بعدَ صلاتِه"؛ أي: صلاة القتيل؟
"وعملُه بعدَ عملِه"؛ فإن الميتَ قد عملَ الطاعةَ بعده؟
"أو قال: صيامُه بعدَ صيامِه"؛ يعني: هذه الزوائد التي زادها هذا بعد قتلِ ذاك يُثاب عليها زائدًا عليها؛ وذلك لأن هذا أيضًا مُرابط في سبيل الله، وإلا فلا عملَ أزيدُ ثوابًا على الشهادة جهادًا في سبيل الله وإظهارًا لدينه، خصوصًا في مبادئ الدعوة إليه، ومع قلة أعوانه.
"لَمَا بينهما": اللام فيه توطئة للقَسَم، أو للابتداء؛ أي: التفاوتُ التي بينهما في القرب عند الله تعالى "أبعد مما بين السماء والأرض".
* * *
٤٠٨٥ - وعن أبي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ثلاثٌ أُقْسِمُ عَلَيهِنَّ، وأُحَدِّثُكُمْ حَديثًا فاحفَظُوهُ، فأمَّا الذي أُقسِمُ عليهِنَّ، فإنَّهُ ما نَقَصَ مالُ عَبْدٍ منْ صَدَقةٍ، ولا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عليها إلا زادَهُ الله بها عِزًا، ولا فتحَ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلةٍ إلَّا فتحَ الله عَلَيهِ بابَ فَقرٍ، وأمَّا الذي أُحَدِّثُكُمْ حديثًا فاحفَظُوه"، قال: "إنَّما الدُّنيا لأَرْبعةِ نفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ الله مالًا وعِلْمًا، فهوَ يَتَّقي فيهِ ربَّهُ، وَيصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ويَعملُ لله فيهِ بحقِّهِ، فهذا بأفضَلِ المنازِلِ، وعَبْدٍ رَزَقَهُ الله عِلْمَا ولمْ يرزُقْهُ مالًا، فهوَ صادِقُ النِّيَّةِ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالًا لعَمِلتُ بعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ ونِيَّتُهُ، فأَجْرُهُما سَواءٌ، وعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مالًا ولمْ يَرزُقْهُ عِلْمًا، فهو يتخبَّطُ في مالِهِ بغيرِ عِلْمٍ، لا يتَّقي فيهِ ربَّهُ، ولا يَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ولا يَعمَلُ
стр. 2716
فيهِ بحَقٍّ، فهذا بأَخبَثِ المنازِلِ، وعَبْدٍ لمْ يرزُقْهُ الله مالًا ولا عِلْمًا، فهوَ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالًا لعمِلْتُ فيهِ بعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ بنيَّتِهِ، فوِزْرُهُما سَواءٌ"، صحيح.
"وعن أبي كبشة الأنماري ﵁: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: ثلاثٌ أُقسِم عليهن، وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه"؛ أي: الحديثَ.
"فأمَّا الذين أُقسم عليهن فإنه ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلِمَ عبدٌ مَظلمةً" بفتح الميم وكسر اللام: اسم ما أخذه الظالم ظلمًا.
"فصبر عليها، إلا زاده الله تعالى به عزًّا، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألة إلا فتحَ الله عليه بابَ فقرٍ، وأمَّا الذي أُحدثكم فاحفظوه فقال: إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رزقَه الله مالًا وعلمًا"، قيل: هو علم كيفية صرف المال في وجوه البر.
"فهو يتقي فيه ربَّه"؛ يعني: لا يصرف مالَه في معصية.
"ويصل فيه رَحِمَه"؛ أي: بالمواساة إلى أقاربه والإحسان إليهم بما أَحسن الله إليه من المال.
"ويعمل لله فيه بحقه"؛ أي: بحق المال؛ أي: يؤدي ما في المال من الحقوق، كالزكاة والكفارات والنفقات وإطعام الضيف وغيرها، ويجوز أن يكون الضمير في (بحقه) راجعًا إلى الله؛ أي: بحق الله الواجب في المال.
"فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقَه الله علمًا ولم يرزقْه مالًا، فهو صادقُ النية، يقول: لو أن لي مالًا لَعملتُ بعمل فلان، فهو نيتُه، فأجرُهما"؛ أي: أجرُ القِسم الأول والثاني "سواءٌ"؛ لأن الثاني كانت نيتُه صرفَ المال في وجوه الخير لو كان له مال، فهو يُثاب بنيته كما يُثاب صاحب المال ببذل المال في وجوه الخير.
"وعبدٍ رزقَه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يتخبَّط في ماله بغير علم،
стр. 2717
لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِلُ فيه رَحِمَه ولا يعمل فيه بحق؛ فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لَعملتُ فيه بعمل فلان"؛ يعني: لو كان لي مال لَصرفتُه فيما تشتهيه نفسي من لبسِ الملابس الفاخرة واستمتاعِ بالملاهي والمناهي.
"فهو بنيتِه"؛ أي يجد الإثمَ ويُكتب عليه الذنبُ بنيته قصدَ الفسق.
"ووِزرُهما"؛ أي: وِزْرُ القِسم الرابع والثالث "سواءٌ". "صحيح".
ولا منافاةَ بين هذا وبين قوله ﷺ : "إن الله تجاوَزَ عن أمتي ما وسوستْ به صدورُها ما لم تَعملْ به"؛ لأنه قد عَملَ هنا بالقول اللساني، والمُتجاوَزُ عنه هو القولُ النفسيُّ.
* * *
٤٠٨٦ - عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى إذا أرادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا استَعْمَلَهُ"، فقيل: وكيفَ يستعمِلُهُ يا رسولَ الله؟ قال: "يُوفِّقُهُ لِعَمَلٍ صالِحٍ قبلَ المَوْتِ".
"عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبدٍ خيرًا استعملَه، فقيل: فكيف يستعمله يا رسولَ الله؟ قال: يوفِّقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت".
* * *
٤٠٨٧ - عن شَدَّادِ بن أَوْسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الكَيسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنْ أتبَعَ نفسَهُ هَواها وتَمنَّى على الله تعالى".
"عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الكَيسُ" يريد به:
стр. 2718
العاقل الحازم المحتاط في الأمور.
"مَن دانَ نفسَه"؛ أي: أذلَّها واستعبدَها، وقيل: أي حاسبَها في الدنيا أنه عملَ خيرًا أم شرًا؟ فإن كان خيرًا حمدَ الله، وإن كان شرًّا تابَ واستغفرَ وندمَ قبل أن يُحاسَبَ في الآخرة.
"وعملَ لِمَا بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أَتبعَ نفسَه هواها"؛ أي: أَعطَى ما أرادتْ من المحرَّمات.
"وتمنَّى على الله"؛ يعني: العفوَ والمغفرةَ والجنةَ من غير توبةٍ واستغفارٍ.
* * *
٥ - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ
" باب التوكل والصبر" والمراد بـ (التوكل): وهو التوكل الخاص، هو أن يتيقَّن أنه لا يصيبه إلا ما كَتَبَ الله له من النفع والضر.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٨٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يدخُلُ الجَنَّةَ منْ أُمَّتي سَبعُونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الذينَ لا يَسْتَرْقونَ، ولا يتَطيَّرونَ، وعلى ربهمْ يَتوَكَّلونَ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حسابٍ، هم الذين لا يَسْتَرْقُون"؛ أي: لا يطلبون الرقيةَ.
"ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون": وهذا من صفة الأنبياء والأولياء
стр. 2719
المُعرِضين عن أسباب الدنيا، وهي درجة الخواصِّ، وأما العوامُّ فقد رُخِّصَ لهم الرقية والتداوي بالعلاج، كما مرَّ في بابها.
* * *
٤٠٨٩ - عن ابن عبَّاسٍ قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ يومًا فقال: "عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمرُّ النَّبيّ ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّهْطُ، والنبيُّ وليسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فرأَيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرجَوْتُ أنْ يكونَ أُمَّتي، فقيلَ: هذا موسَى في قومِهِ، ثُمَّ قيلَ لي: انظُرْ هكذا، فرأيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: انظُرْ هكذا وهكذا، فرأيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: هؤلاءِ أُمَّتُكَ، ومعَ هؤلاءَ سَبْعونَ ألفًا قُدَّامَهُمْ، يَدخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ؛ هُمُ الذينَ لا يَتَطيَّرونَ، ولا يَسْتَرْقونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعلَى ربهمْ يتَوكَّلونَ"، فقامَ عُكَّاشَةُ بن مِحْصَنٍ فقالَ: ادعُ الله أنْ يَجعَلَني منهُمْ، فقال: "اللهمَّ! اجْعَلْهُ منهُمْ"، ثمَّ قامَ رَجُلٌ آخرُ فقال: ادع الله أنْ يَجعلَني منهُمْ، قال: "سَبقَكَ بها عُكَّاشَةُ".
"وعن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسولُ الله ﷺ يومًا، فقال: عُرضتْ عليَّ الأممُ"؛ أي: أراني الله! لأنبياءَ مع أممهم.
"فجعل"؛ أي: طفقَ.
"يمرُّ النبيُّ ومعه الرجلُ"؛ يعني: لم يؤمن به إلا رجلٌ.
"والنبيُّ ومعه الرجلان، والنبيُّ ومعه الرَّهطُ، والنبيُّ وليس معه أحدٌ، فرأيتُ سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق"؛ أي: سترَه من كثرته، "فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفقَ، فقيل: هؤلاء
стр. 2720
أمتُك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا قُدَّامَهم يدخلون الجنةَ بغير حساب، هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسْتَرْقُون ولا يَكْتَوُون" من: الكَيِّ.
"وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكاشة" - بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها - "ابن مِحْصَن فقال: يا رسولَ الله! ادع الله أن يجعلَني منهم، فقال: اللهم اجعلْه منهم، ثم قام رجل آخر"، قيل: هو سعد بن عبادة.
"فقال: يا رسولَ الله! ادع الله أن يجعلَني منهم، فقال سَبَقَك بها"؛ أي بتلك الدعوة والمسألة "عُكاشةُ"؛ لأنه لم يُؤذَن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد.
وفيه: تحريض للناس على المسارعة إلى الخيرات وطلب الأدعية الصالحة من الصالحين والصالحات؛ لأن في التأخير آفاتٍ، وقيل: كان ذلك الرجلُ منافقًا ولم يكن مستحقًا لتلك المنزلة، فأجابه ﷺ بكلامٍ محتمل، ولم يُرِدِ التصريحَ له بأنك لستَ منهم؛ لحسن خُلقه.
* * *
٤٠٩٠ - عن صُهَيْبٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمنِ، إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ له خيرٌ، وليسَ ذلكَ لأَحَدٍ إلَّا للمُؤْمنِ، إنْ أصابتْهُ سرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خيرًا لهُ، وإنْ أصابتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيْرًا لهُ".
"عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : عجبًا لأمر المؤمن! إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابتْه سَرَّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضَرَّاءُ صبر فكان خيرًا له".
* * *
٤٠٩١ - وقال: "المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمنِ
стр. 2721
الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، اِحْرِصْ على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ بالله ولا تَعْجزْ، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كذا كانَ كذا وكذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ، فإنَّ لوْ تفتحُ عَمَلَ الشَّيطانِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المؤمنُ القويُّ"؛ أي: في الاعتقاد بالله وفي التوكل عليه، وقيل: أراد به: مَن صبر على مجالسة الناس وتحمُّل أذاهم وعلَّمهم الخيرَ.
"خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف": الذي يفرُّ من الناس ولا يخالطهم؛ لعدم تحمُّل أذاهم، ولا ينفع إلا نفسَه.
"وفي كلٍّ خيرٌ"؛ أي: في كلُّ مؤمنٍ خيرٌ؛ لقيام الإيمان به، وقيل: أي: في كل أمرٍ من الاختلاط بالناس والاعتزال عنهم خيرٌ من وجهٍ، إلا أن الاختلاطَ معهم أَولى.
"احرصْ على ما ينفعُك، واستعنْ بالله ولا تَعجَزْ"؛ أي: عن العمل بما أُمرت، ولا تتركْه مقتصرًا على الاستعانة، بل كمالُ الإيمان أن ينتفعَ أحدُهما بالآخر.
"وإن أصابك شيء" مما تكرهه "فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله"؛ أي: كذا وكذا؛ أي: كان ذلك بتقدير الله ومشيئته، "وما شاء الله فعل"، لا مَردَّ له، ومعناه: لا تُنازِعِ القَدَرَ ولا تتأسَّفْ على الفائت.
"فإن لو"؛ أي لفظة (لو) "تفتح عملَ الشيطان"؛ أي: تقع فاتحةَ كلامٍ يفضي إلى عمل الشيطان؛ لأن التكذيبَ بالقَدَر وعدمَ الرضا بصنع الله من عمل الشيطان، قيل: النهي عن تلفظ (لو) إنما هو لمن قاله معتقدًا ذلك حتمًا، وأما قوله ﷺ في قلب الحج إلى العمرة: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم
стр. 2722
أَسُقِ الهَدْيَ" فليس من هذا القبيل، وإنما هو كلامٌ قَصدَ به تطييبَ قلوبهم، وتحريضَهم على التحلُّل من أعمال الحج إلى أعمال العمرة، كما مرَّ في بابه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٩٢ - عن عمرَ بن الخَطَّاب ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لوْ أنَّكمْ تتوكَّلونَ على الله حَقَّ توكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كما يَرْزُقُ الطَّيرَ، تَغْدو خِماصًا، وتَرُوحُ بِطانًا".
"من الحسان":
" عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّلهِ"؛ يعني: لو اعتمدتم على الله اعتمادًا تامًا، وعلمتُم أن الله لا يُخلِف وعدَه فيما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
"لَرَزقَكم"؛ أي: لَوصَّلَ إليكم رزقَكم من غير سعي منكم.
"كما يَرزُق الطيرَ؛ تغدو"؛ أي: بُكرة. "خِماصًا" بكسر الخاء المعجمة: جمع خميص، وهو الضامر، والمراد هنا: الجائع.
"وتَرُوحُ"؛ أي: عِشاءً "بِطَانًا" بكسر الباء: جمع بطين، وهو عظيم البطن، والمراد: الشِّبَع، يُحكى: أن فرخَ الغراب عند خروجه من بيضته يكون أبيضَ اللون، فيُنكره الغراب، فيتركه ويذهب، ويبقى الفرخُ جائعًا، فيُرسل الله إليه الذبابَ والنملَ، فيلتقطهما إلى أن يَكبرَ قليلًا ويسودَّ، فيرجع إليه الغراب، فيراه أسودَ، فيضمُّه إلى نفسه ويتعهَّده، فهذا يَصِلُ إليه رزقُه بلا سعي، وهو المراد في الحديث.
قيل: هذا الحديث ليس لمنع الناس عن الاكتساب
стр. 2723
والاحتراف، بل لتعليمهم وتعريفهم أن الرازقَ هو الله تعالى.
قال الشيخ أبو حامد: مَن ظنَّ أن التوكلَ تركُ الكسب بالبدن والتدبير بالقلب فقد أخطَأ؛ فإنه حرامٌ في الشرع.
وقال الإمام القُشيري: محلُّ التوكل القلبُ، والحركةُ بالظاهر لا تنافيه.
* * *
٤٠٩٣ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيُّها النَّاسُ! ليسَ مِنْ شيءٍ يُقرِّبُكُمْ إلى الجَنَّةِ ويُباعِدُكُمْ مِنَ النارِ إلَّا قدْ أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليسَ شيءٌ يُقرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ويُباعِدُكُم مِنَ الجنَّةِ إلَّا قدْ نَهيتُكُمْ عنهُ، وإنَّ الرُّوحَ الأَمينَ - ويُروى: وإنَّ رُوحَ القُدُسِ - نَفَثَ في رُوْعِي: أنَّ نَفْسًا لنْ تموتَ حتَّى تَستكمِلَ رِزْقَها، ألا فاتَّقُوا الله وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّكُمُ استِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطلُبوهُ بمَعاصِي الله، فإنَّهُ لا يُدرَكُ ما عِندَ الله إلَّا بطاعتِهِ".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: أيها الناسُ! ليس من شيء"، (من): زائدة.
"يقرِّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتُكم به، وليس شيءٌ يقرِّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نَهيتُكم عنه، وإن الروحَ الأمينَ"؛ يعني: جبريل ﵊.
"ويروى: وإن رُوحَ القدسِ نفثَ"؛ أي أَوحَى أو نفخَ.
"في روعي"؛ أي في نفسي وقلبي، والغرض: أنه أَوحَى إليه وحيًا غيرَ جَلِىٍّ.
"أن نفسًا" بفتح الهمزة ويجوز الكسر؛ لأن الإيحاءَ في معنى القول.
стр. 2724
"لن تموتَ حتى تستكملَ رزقَها، ألا فاتقوا الله وأَجمِلُوا في الطلب"؛ أي: اكتسبوا المالَ الحلالَ بوجهٍ جميلٍ؛ أي: شرعي.
"ولا يَحمِلَنَّكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله"، إنما قال: "استبطاء الرزق) دون إبطائه؛ لأن الرزقَ لا يُـ[ـستـ]ـبطأ عن وقته، ولكن يُستعجل قبل وقته المقدَّر، فإذا لم يأتِ قبل ذلك الوقت استُبطِئ.
"فإنه": الضمير للمشار.
"لا يُدرَك ما عند الله، من الجنة التي وعدَها الله تعالى للمؤمنين، أو من الرزق "إلا بطاعته".
فإن قلت: قد يُدرَك الرزق بالمعاصي؟
قلت: ما يُدرَك به لا بركةَ فيه، فكأن إدراكَه كعدمه، أو أُريد بالإدراك: الطلب؛ لأنه لازمُه، أو المراد به: الرزق الحلال.
* * *
٤٠٩٤ - عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الزَّهادَةُ في الدُّنْيا ليستْ بتَحْريم الحَلالِ، ولا إِضَاعَةِ المالِ، ولكنِ الزَّهادَةُ في الدُّنْيا أنْ لا تكونَ بما في يَديْكَ أوْثَقَ مِمَّا في يَدَي الله، وأنْ تكونَ في ثَوابِ المُصيبَةِ إذا أَنْتَ أُصِبْتَ بها أرْغَبَ فيها لوْ أنَّها أُبقِيَتْ لكَ", غريب.
"عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الزَّهادةُ في الدنيا"؛ أي: تركُ الرغبة فيها.
"ليست بتحريم الحلال"؛ أي: بأن تحرِّم حلالًا على نفسك بألا تأكلَ لحمًا، ولا تَلبَسَ ثوبًا جديدًا؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
стр. 2725
"ولا إضاعة المال، ولكن الزَّهادةَ في الدنيا أن لا تكونَ بما في يدَيك أوثقَ مما في يد الله"؛ يعني: ليكنِ اعتمادُك بوعد الله من إيصال الرزق إليك أقوى وأشدَّ مما في يدك من المال؛ فإن ما في يدك منه يمكن تلفُه، وما عند الله باقٍ.
"وأن تكونَ في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبتَ" بضم الهمزة: مجهول المخاطَب.
"بها"؛ أي: بالمصيبة.
"أرغبَ فيها لو أنها أُبقيت لك"؛ أي لو أن تلك المصيبةَ مُنعت وأُخِّرت عنك، وهو حال من فاعل (أرغب)، المعنى: أن تكون في وصول المصيبة وقتَ إصابتها أرغبَ من نفسك في المصيبة حالَ كونك غيرَ مصابٍ بها؛ لأنك لا تُثاب بوصولها إليك، ويفوتك الثوابُ إذا لم تَصِلْ إليك.
"غريب".
* * *
٤٠٩٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: "كُنْتُ خَلْفَ رسولِ الله ﷺ يَوْمًا، فقال: يا غلامُ! احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فاسأَلِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتَمَعَتْ على أنْ يَنفَعُوكَ بشيءٍ لمْ يَنفعوكَ إلا بشَيْءٍ قدْ كتبَهُ الله لك، ولو اجتمَعُوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ لمْ يَضرُّوكَ إلا بشَيْءٍ قدْ كتبَهُ الله عليكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ، وجَفَّتْ الصُّحُفُ".
"عن ابن عباس ﵄ قال: كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: يا غلامُ: احفظِ الله"؛ أي: احفظْ حدودَ الله، وامتثلْ أوامَره، واجتنبْ نواهيَه.
"يحفظْك": في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من العقاب والدركات.
стр. 2726
"احفظِ الله تجدْه تجاهَك"؛ أي: تلقاءَك؛ يعني: إذا حفظتَ طاعةَ الله وجدتَه يحفظك وينصرك في مهماتك أينما توجهت من الأمور، ويسهِّل أمورَك التي تقصدها.
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله، واعلم أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ"؛ أي: أقلامُ التقدير عن كتابة الأقدار والأقضية.
"وجفَّت الصُّحف": التي دُؤنَ فيها أقضية المخلوقين، فلا توضَع عليها الأقلامُ بعدُ بتدوين شيء آخر، وعبَّر عن سبقِ القضاء والقَدَر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيهًا بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته.
* * *
٤٠٩٦ - عن سَعْدٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مِنْ سَعادةِ ابن آدمَ رِضاهُ بما قَضَى الله لهُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدمَ تركُهُ استِخارَةَ الله، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدمَ سَخَطُهُ بِما قَضَى الله لهُ"، غريب.
"وعن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من سعادةِ ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومِن شقاوة ابن آدم تركُه استخارةَ الله"، والاستخارة: طلب الخير، ومعنى تركه ذلك: ألا يرضى بما استخار الله له ويتركَه.
"ومِن شقاوة ابن آدم سخطُه"؛ أي: غضبه.
"بما قضى الله ﵎" من الًافات والفقر والمرض وغير ذلك.
"غريب".
* * *
стр. 2727
٦ - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ
" باب الرِّياء والسُّمعة" يقال: فعلَ ذلك سُمعةً؛ أي: ليراه الناسُ من غير أن يكونَ قصدَ به التحقيقَ.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٩٧ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأموالِكُمْ، ولكنْ يَنْظُرُ إلى قُلوبكُمْ وأعمالِكُمْ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله لا ينظر"؛ أي: نظرَ العطف والرحمة والاختيار.
"إلى صوركم" المجردة عن السِّيَر المرضية.
"وأموالكم" العارية عن الخيرات.
"ولكن ينظر إلى قلوبكم" التي هي موضع التقوى.
"وأعمالكم" التي يُتقرَّب بها إلى الله، جعل نظرَه إلى ما هو سِرٌّ ولُبٌّ، وهو القلب وخالص العمل؛ لأنه تعالى منزَّه عن شبه المخلوقين، فإن نظرَهم وميلَهم إلى الصور المعجبة والأموال الفائقة.
* * *
٤٠٩٨ - وقال: "قالَ الله تعالَى: أنا أغنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أشركَ فيهِ معي غَيْري تركتُهُ وشِرْكهُ".
وفي رِوايةٍ: "فأنا منهُ بَريءٌ, هوَ للذي عملَهُ".
стр. 2728
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، مَن عملَ عملًا أَشركَ فيه معي غيري تركتُه وشِركَه": وقد مر هذا في (كتاب الإيمان).
"وفي رواية: فأنا منه"؛ أي: من ذلك العمل "بريء، وهو للذي عملَه"؛ أي: ذلك العملُ لفاعله؛ يعني: تركتُ ذلك العملَ وفاعلَه، لا أَقبلُه ولا أُجازي عليه؛ لأنه لم يَعملْه لي.
* * *
٤٠٩٩ - وعن جُنْدَبٍ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ، ومَنْ يُرائِي يُرائي الله بهِ".
"وعن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به"، يقال: سَمَّعتُ به تسميعًا وسُمعة: إذا شهرتُه، يريد: مَن عمل عملًا مِن الطاعات لا على وجه الإخلاص، بل ليشتهرَ بين الناس بالصلاح جازاه الله بمثل فعله، بأن يُشهِرَ عيوبَه يومَ القيامة، ويفضحَه على رؤوس الأشهاد.
"ومَن يُرائي يُرائي الله به"؛ يعني: مَن فعل فعلًا من الأفعال الصالحة ليراه الناس ويعطوه شيئًا، أو يمدحوه على فعله، يجزيه الله جزاءَ المُرَائين، بأن يقول له: اطلبْ جزاءَ فعلِك ممن فعلتَه لأجله.
* * *
٤١٠٠ - وعن أبي ذَرٍّ قال: قِيلَ لِرَسولِ الله ﷺ : أرأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ مِنَ الخيرِ ويَحْمَدُهُ النَّاسُ عليهِ؟ قال: "تلكَ عاجِلُ بُشْرَى المُؤْمنِ".
وفي رِوايةٍ: "ويُحِبُّهُ النَّاسُ عليهِ".
стр. 2729
"وعن أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيتَ الرجلَ"؛ أي: أخبرْني بحال الرجل.
"يعمل العملَ من الخير" خالصًا لله.
"ويحمدُه الناسُ عليه": هل يبطل ثوابُه بمدح الناس إياه أم لا؟ "قال: تلك عاجلُ بشرى المؤمن"؛ يعني: ثوابُهم العاجلُ في الدنيا بأن يُوقِعَ المحبةَ في قلوب الناس، والذِّكر بالخير على ألسنتهم، وأما ثوابُهم في الآخرة فالجنةُ واللقاءُ.
"وفي رواية: ويحبُّه الناس عليه"؛ أي على الخير.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٠١ - عن أبي سعيدِ بن أبي فَضالَةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إذا جَمَعَ الله النَّاسَ يومَ القِيامَةِ ليومٍ لا ريبَ فيهِ نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أَشْرَكَ في عَمَلٍ عَمِلَهُ لله أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عندِ غيرِ الله، فإنَّ الله أَغْنَى الشُّرَكاءَ عَنِ الشِّرْكِ".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد بن أبي فَضَالة": بفتح الفاء والضاد المعجمة.
"عن رسول الله ﷺ قال: إذا جمعَ الله الناسَ يومَ القيامة ليومٍ لا ريبَ فيه نادى منادٍ: مَن كان أَشركَ في عمل عملَه لله أحدًا فليطلبْ ثوابَه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشِّرك".
* * *
стр. 2730
٤١٠٢ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو: أنَّه سَمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بعَمَلِهِ سَمَّعَ الله بهِ أَسامعَ خلقِهِ وحَقَّرَهُ وصَغَّرَهُ".
"عن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: مَن سَمَّعَ الناسَ بعمله سَمَّعَ الله به أسامعَ خلقِه": بالنصب على المفعولية، جمع: أَسْمُع؛ أي: يفضحه يومَ القيامة، ويروى بالرفع: صفة لله؛ أي: الذي هو أسامعُ خلقِه.
"وحقَّره وصغَّره".
* * *
٤١٠٣ - عن أنسٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ كانتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ الله غِناهُ في قلبهِ، وجَمَعَ لهُ شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَة، ومَنْ كانتْ نيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيا جَعَلَ الله الفَقْرَ بينَ عَيْنَيْهِ، وشَتَّتَ عليهِ أَمْرَهُ، ولا يأتيهِ منها إلا ما كُتِبَ لهُ".
"عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: مَن كانت نيتُه طلبَ الآخرة جعلَ الله غناه في قلبه": بأن جعله قانعًا بالكفاف، ولا يُتعب نفسَه في طلب الزيادة، فهذا هو الغنى الحقيقي.
"وجمعَ له شملَه"؛ أي: متفرقاتِه؛ يعني: جعله الله مجموعَ الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يدري.
"وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ: الواو للحال؛ أي: ذليلةٌ حقيرةٌ، لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير.
"ومَن كانت نيتُه طلبَ الدنيا جعل الله الفقرَ بين عينَيه، وشتَّت"؛ أي فرَّق.
"عليه أمرَه، ولا يأتيه منها إلا ما كُتِبَ له".
* * *
стр. 2731
٤١٠٤ - عن أبي هُريرةَ قال: قلتُ يا رسولَ الله! بَيْنا أنا في بيتي في مُصَلَّايَ، إذْ دَخَلَ عليَّ رَجُلٌ، فأَعْجَبني الحالُ التي رآني عليها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "رَحِمَكَ الله يا أبا هُريرةَ! لكَ أجرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العلانِيَّةِ"، غريب.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلت: يا رسولَ الله! بينا أنا في بيتي في مُصلَّاي إذ دخل عليَّ رجل، فأعجبتْني الحال التي رآني عليها"؛ أي: أنه أعجبه ثناءُ الناس، لا أنه أعجبه ليعلمَ منه ذلك ويعظمَ عليه؛ لأنه حينَئذٍ رياءٌ، وقيل: إنما أعجبه رجاءَ أن يعملَ مَن رآه بمثل عمله، فيكون له مثلُ أجره؛ لأن "مَن سَنَّ سُنةً حسنة كان له أجرُها وأجرُ مَن عملَ بها".
"فقال رسول الله ﷺ : رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجرانِ: أجرُ السِّرِّ" من جهة إخلاصك.
"وأجرُ العلانية" من جهة اقتداء الناس بك.
"غريب".
* * *
٤١٠٥ - عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَخرُجُ في آخرِ الزَّمانِ رِجالٌ يَختِلونَ الدُّنْيا بالدِّينِ، يَلْبَسونَ للنَّاسِ جُلودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلسِنتهُم أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ قُلوبُ الذِّئابِ، يقولُ الله تعالى: أَبي يَغترُّونَ؟ أمْ عليَّ يَجْترِئُونَ؟ فبي حَلَفْتُ، لأَبْعَثَنَّ على أُولئِكَ منهُمْ فِتنةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج في آخر الزمان رجالٌ يَختِلون الدنيا"؛ أي: يُرادون أهلَها بالخداع.
"بالدين"؛ أي بعمل أهل الدِّين.
стр. 2732
"يَلبَسون للناس جلودَ الضأن"؛ أي: يَلبَسون الصوفَ؛ ليظنَّهم الناسُ زهَّادًا عبَّادًا تاركين للدنيا.
"من اللِّين" أراد به: التخلُّق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مُريدين لهم.
"ألسنتُهم أحلى من السكَّر، وقلوبُهم قلوبُ الذئاب"؛ أي: مسودَّة من شدة حب الدنيا والجاه وكثرة العداوة والبغض والصفات الذميمة الراسخة في قلوبهم.
"يقول الله تعالى: أبي" الهمزة: للاستفهام؛ أي: أبإهمالي إياهم "يغترُّون؟ " المراد بالاغترار هنا: عدم الخوف من الله، وترك التوبة من فعلهم القبيح؛ أي: أفلا يخافون من سخطي وعقابي؟
"أم عليَّ يجترِئون" بمكرهم الناسَ في إظهار الأعمال الصالحة والاجتراء الانبساط والتشجع؟ "في" الباء: للقَسَم؛ أي: بحقِّ عظمتي.
"حَلفتُ لأَبعثَنَّ على أولئك"؛ أي: على أولئك الرجال و (مِن) في "مِنهم": للتبيين.
"فتنة"؛ أي: عذابًا، أو متعلقة بـ (فتنة)؛ أي: فتنةً ناشئةً منهم.
"تَلأَعُ"؛ أي: تترك تلك الفتنةُ.
"الحليمَ"؛ أي: العالِمَ العاقلَ.
"فيهم حيرانَ"؛ أي: متحيرًا لا يَقدِر على دفع ذلك العذاب عن نفسه؛ لشدته وصعوبته، وفي بعض النسخ: "الحكيم" بالكاف، معناه واحد.
* * *
стр. 2733
٤١٠٦ - عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله ﵎ قال: لقدْ خَلقْتُ خَلْقًا ألسِنتُهُمْ أحلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فبي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ، فبي يغترُّونَ" أمْ عليَّ يَجْتَرِئُونَ؟ "، غريب.
"عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ قال: لقد خلقتُ خلقًا ألسنتُهم أحلى من السكَّر، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبر، بكسر الباء: الدواء المُرُّ.
"فبي حلفت لأُتيحنَّهم"؛ أي: لأَقدرَنَّ لهم "فتنة تَدَعُ الحليمَ فيهم حيرانَ، فبي يغترُّون أم عليَّ يجترئون؟! غريب".
* * *
٤١٠٧ - عن أبي هُريرةَ قال: قال النَّبيّ ﷺ : "إنَّ لكُلِّ شَيءٍ شِرَّة، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فإنْ كانَ صاحبُها سَدَّدَ وقارَبَ فارْجُوهُ، وإنْ أُشِيرَ إليهِ بالأَصابعِ فلا تعُدُّوهُ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيءٍ شِرَّةً": وهي - بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة - النشاط والرغبة والجِدَّة في العبادة.
"ولكل شِرَّةٍ فترة"؛ يعني: أن العابدَ يُبالغ فيها في أول أمره، وكلُّ مُبالِغٍ يَفتُر وتسكُن جدته ومبالغته بعدَ حين.
"فإنْ صاحبُها"؛ أي: صاحبُ الشِّرَّة.
"سدَّد"؛ أي قصدَ السدادَ؛ يعني: استقام في العمل من غير غلوٍّ ولا تقصيرٍ.
стр. 2734
"وقارَبَ"؛ أي: دَنَا من المتوسط.
"فارجُوه"؛ أي: فكونوا على رجاء منه على الخير؛ فإن مَن سلك الطريقَ المتوسطَ يَقدِر على المداومة والمواظبة، وأفضلُ الأعمال عند الله أدومُها وإن قلَّ، وإنْ بالَغَ في العمل وأَتعبَ نفسَه عجزَ عن المداومة على ذلك وانقطعَ عنه، بل ربما إذا بالَغَ وأقبلَ الناسُ عليه بوجوههم اغترَّ بنفسه، وتداخلَه أنه خيرٌ من غيره، فيصير أحمقَ مُعجَبًا بنفسه متكبرًا بعمله، ولهذا قال ﷺ : "وإنْ أُشير إليه بالأصابع"؛ أي: وإن صار مشهورًا معروفًا بالعبادة "فلا تَعدُّوه"؛ أي: لا تعدوه شيئًا؛ يعني: فلا تعتقدوا فيه صلاحًا، ولا تتوقعوا فيه فلاحًا، ولا تعدُّوه من أهل الخير، وهذا في حقِّ مَن بالَغَ في العبادة للشهرة، وأما مَن خلصتْ نيتُه وصدقتْ طويتُه فبمعزلٍ عن هذا، ومِن هذا مَنِ اجتهدوا في العبادة كلَّ الاجتهاد، فرُّوا مِن الناس وسكنوا المواضع الخالية؛ حذرًا من الرياء واجتماع الناس إليهم، فلما تمَّ لهم الأمرُ سَكنوا البلادَ ودَعَوُا العبادَ إلى الله، واقتصدوا في العبادة والرياضة، ولم يغترُّوا بإقبال الناس عليهم؛ لأن قلوبَهم صارتْ مطمئنةً بالحق، مزيَّنةً بنور التجلِّي، فصارت كالبحر لا تكدِّره القاذورات؛ لصفاء خواطرهم.
* * *
٤١٠٨ - وعن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "بِحسْبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يُشارَ إليهِ بالأَصابعِ في دينٍ أو دُنْيا، إلَّا مَنْ عَصَمَهُ الله".
"وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: بحسْبِ امرئ": الباء زائدة؛ أي: يكفيه.
"من الشرِّ أن يُشارَ إليه بالأصابع في دِينٍ أو دنيا"؛ لأن مَن اشتُهر في خصلةٍ من الخصال الدينية أو الدنيوية قلَّما يَسلَم من الآفات الخفية، كالعُجب والكِبْر والرِّياء والسُّمعة وغير ذلك؛ "إلا مَن عصمَه الله".
стр. 2735
روي: أنه قيل للحسن البصري: إن الناس أشاروا إليك بالأصابع؟ فقال: لا يعني النبيُّ ﷺ ذلك؛ وإنما عَنَى به المُبتدِعَ في دِينه، الفاسقَ في دنياه.
* * *
٧ - باب البكاء والخوف
(باب البكاء والخوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِه، لوْ تَعْلَمونَ ما أعلمُ لبَكَيْتُمْ كثيرًا، ولضحِكْتُمْ قَليلًا".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم"؛ أي: من شدة العذاب وغضب الله وصفة النار.
"لَبكيتُم كثيرًا" من خشية الله.
"ولَضحكتم قليلًا"؛ فإن قيل: الخطاب إن كان للمؤمنين خاصة فليس ثمةَ ما يوجب تقليلَ الضحك وتكثيرَ البكاء؛ لأن المؤمنَ وإن دخل النارَ عاقبتُه الجنة لا محالَة مخلَّدًا فيها، فكان مدةُ ما يوجب البكاءَ بالنسبة إلى ما يوجب الضحكَ والسرورَ نسبةَ شيءٍ يسيرٍ إلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب العكسَ، وإن كان عامًا فليس للكافر ما يوجب ضحكًا أصلًا؟ قلنا: الخطاب للمؤمنين، وخرج في مقام ترجيح الخوف على الرجاء إخافةً على الخاتمة.
* * *