فقالوا: هذا المسيح الدجال": خروجه على صفة نقص الخلقة، واعوجاج البنية، على صورة كريهة المنظر خبيث الباطن؛ متكئًا على التلبيس، فيدور حول الدين ليحدث فيه ثلمة.
"وفي رواية: قال في الدجال: "رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعورُ عينه اليمنى، أقربُ الناس به شبها ابن قطن".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٤٠ - عن فاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ في حديثِ تَميمٍ الدَّارِيِّ قال: فإذا أنا بامرأةٍ تجُرُّ شَعْرَها، قال: ما أَنْتِ؟ قالت: أنا الجَسَّاسَةُ، اذهَبْ إلى ذلكَ القَصْرِ، فأتيتُهُ، فإذا رَجُلٌ يجُرُّ شَعْرَهُ، مُسَلْسَلٌ في الأَغْلالِ، يَنْزُو فيما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ، فقُلت: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا الدَّجَّالُ.
"من الحسان":
" عن فاطمة بنت قيس في حديث تميم الداري قال: فإذا أنا بامرأة تجرُّ شعرها قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة": جساسة هذه امرأة، وفي الحديث المتقدم: أنها دابة؛ فيحمل على أن للدجال جاسوسين دابة وامرأة، وكلاهما شيطان واحد، إلا أنه رآه تارة على صورة دابة، وأخرى على صورة امرأة، والشيطان يتصور بأي صورة شاء.
"اذهب إلى ذلك القصر، فأتيته، فإذا رجل يجر شعره مسلسل" أي: معلق.
"في الأغلال يَنْزُو"؛ أي: يتحرك مع القيد مضطربًا بلا قرارٍ.
"فيما بين السماء والأرض": متعلق بقوله: (مسلسل)، ويجوز تعليقه
стр. 2872
بـ (ينزو)، وهو الأظهر.
"فقلت: من أنت؟ قال: أنا الدجال".
* * *
٤٢٤١ - عن عُبادَة بن الصَّامِت، عن رَسولِ الله ﷺ قال: "إنِّي حَدَّثتُكُمْ عنِ الدَّجَّالِ حتَّى خَشِيْتُ أنْ لا تَعْقِلوا، إنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ رَجُلٌ قَصيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أعوَرُ، مَطْموسُ العينِ، ليستْ بناتِئَةٍ ولا حَجْراءَ فإنْ أُلْبسَ عليكُمْ فاعلَمُوا أنَّ ربكُّمْ ليسَ بأعوَرَ".
"عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت"؛ أي: خفت.
"أن لا تعقلوا"؛ أي: لا تفهموا ما حدثتكم في شأن الدجال، أو تنسوه من كثرة ما قلت في وصفه، أو خشيت أن يضلكم بخوارقه، فأحدثكم عنه بما تأمنون معه عن الضلال.
"إن المسيح الدجال": بكسر الهمزة.
"رجل قصير أفحَجُ": بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الحاء قبل الجيم هو الذي تباعد بين رجليه إذا مشى.
"جعد أعور مطموسُ العين"؛ أي: ممسوحها، والطمس: استئصالُ أثر الشيء.
"ليس بناتئة"؛ أي: مرتفعة.
"ولا حجراء": بفتح الجيم وسكون الحاء؛ أي: ليست بمنخفضة.
"فإن ألبس عليكم": الإلباس: الخلط والاشتباه، يعني: إن اشتبه عليكم أمر ما يدعيه في الإلهية.
стр. 2873
"فاعلموا أن ربكم ليس بأعور"؛ لأنه منزه عن النقصان، وليس بموصوف بما لا يليق به.
* * *
٤٢٤٢ - عن أبي عُبَيْدةَ بن الجَرَّاحِ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّهُ لمْ يكُنْ نبيٌّ بعدَ نوُحٍ إلَّا قدْ أنذَرَ الدَّجَّالَ قومَهُ، وإنِّي أُنْذِرُكُموهُ"، فَوَصَفَهُ لنا فقالَ: "لعلَّهُ سيُدْرِكُهُ بعضُ مَنْ رآني أو سمعَ كلامي"، قالوا: يا رسولَ الله! فكيفَ قُلوبنا يَوْمَئِذٍ؟ قال: "مِثْلُها - يعني: اليومَ - أو خَيْرٌ".
"عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إنه لم يكن نبي بعد نوح، إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أُنذِرُكُموه. فوصفه لنا، فقال: لعله سيدركه"؛ أي: الدجال.
"بعض من رآني، أو سمع كلامي": المراد بمن سمع كلامه ﷺ : من وصل إليه أحاديثه ﷺ وإن كان بعد طول زمان.
"قالوا: يا رسول الله! فكيف قلوبنا يومئذ؟ قال: مثلها؛ يعني: اليوم، أو خير": عطف على مثلها.
* * *
٤٢٤٣ - عن عمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قال: قال حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ قال: "الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بالمَشْرِقِ يُقَالُ لها: خُراسانُ، يتْبَعُهُ أَقْوامٌ كأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".
"عن عمرو بن حُريث، عن أبي بكر الصديق قال: حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال
стр. 2874
لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة": تقدَّم بيانه.
* * *
٤٢٤٤ - عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَمعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأ عنهُ، فوالله إنَّ الرَّجُلَ لَيأْتِيهِ وهو يَحسِبُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيتَّبعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهاتِ".
"عن عمران بن حصين ﵁ قال: [قال] رسول الله ﷺ : من سمع بالدجال"، أي: بخروجه.
"فلْينأَ"؛ أي: فليبعد.
"منه، فوالله إن الرجل ليأتيه"؛ أي: الدجَّال.
"وهو"؛ أي: الرجل.
"يحسب أنه"؛ أي: الدجال.
"مؤمن، فيتبعه"؛ أي: الرجلُ الدجالَ.
"مما"؛ أي: من أجل ما "يبعث به من الشبهات": كالسحر، وإحياء الأموات، وغير ذلك من الإنبات والأمطار.
أكَّد ﷺ اتباع بعض أمته للدجال باليمين، فينبغي لمن سمع خروجه أن لا يأمنَ من فتنته، ويبعد منه بُعدَ المشرقين، حتى لا يقع فيها، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
* * *
٤٢٤٥ - عن أسماءَ بنتِ يَزيدَ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَمْكُثُ الدَّجَّالُ في الأَرْضِ أَرْبعينَ سَنَةً، السَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعةِ، والجُمُعةُ كاليَوْمِ، واليَوْمُ كاضْطِرامِ السَّعَفَةِ في النَّارِ".
стр. 2875
"عن أسماء بنت يزيد": بن السكن بفتحتين.
"قالت: قال النبي ﷺ : يمكث الدجال في الأرض أربعينَ سنة، السنة كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كاضطرام السعفة": وهو بفتحتين: غُصَينُ النخل، وقيل: الغصن الرقيق من النخل، وقيل: ورق النخل؛ أي: كالتهابها "في النار".
* * *
٤٢٤٦ - عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يتبَعُ الدَّجَّالَ منْ أُمَّتي سَبعونَ ألفًا عليهِمُ السِّيجانُ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفَّا عَليهم السِّيجان، بكسر السين المهملة وبالجيم: جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر، وقيل: المنقوش ينسج كذلك.
نبه ﷺ بهذا القول عن كثرة سوادهم؛ يعني: إذا كان أصحاب الثروة سبعون ألفًا، فما ظنك بالفقراء؟! * * *
٤٢٤٧ - عن أَسْماءَ بنتِ يَزيدَ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ في بَيتي، فذكرَ الدَّجَّالَ فقال: "إنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثلاثَ سِنينَ: سنة تُمْسِكُ السَّماءُ فيها ثُلُثَ قَطْرِها والأرْضُ ثُلُثَ نبَاتِها، والثَّانِيةُ تُمْسِكُ السَّماءُ ثلُثَيْ قَطْرِها والأرْضُ ثلُثَيْ نَبَاتِها، والثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّماءُ قَطْرَها كُلَّهُ والأَرْضُ نبَاتَها كُلَّهُ، فلا يبقَى ذاتُ ظِلْفٍ ولا ذَاتُ ضرْسٍ مِنَ البَهائِم ألَّا هلكَ، وإنَّ أَشَدَّ فِتنَتِهِ أنَّهُ يأتي الأَعْرابيَّ فيقولُ: أرأَيْتَ أنْ أحيَيْتُ لكَ أبلَكَ ألسْتَ تَعْلَمُ أنِّي رَبُّكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيُمثَّلُ لهُ نحوَ إبلِهِ كأَحْسَنِ ما يكونُ ضُرُوعًا وأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً" قال: "ويأتي الرَّجُلَ قدْ
стр. 2876
ماتَ أَخُوهُ، وماتَ أبوهُ، فيقولُ: أرأيتَ إنْ أَحْيَيْتُ لكَ أباكَ وأخاكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أنِّي ربُّكَ؟ فيقولُ: بَلَى، فيُمَثَّلَ لهُ الشَّياطِينُ نحوَ أبيهِ ونَحْوَ أخيهِ"، قالت: ثُمَّ خَرَجَ رسولُ الله ﷺ وسلم لحاجَتِهِ، ثمَّ رَجَعَ والقَومُ في اهتِمامٍ وغَمٍّ ممَّا حدَّثهُمْ، قالت: فأخذَ بِلُجْمتَي البابِ فقالَ: "مَهْيَمْ أسماءُ؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! لقدْ خَلَعْتَ أفئِدَتَنَا بذِكرِ الدَّجَّالِ، قال: "إنْ يَخْرُجْ وأنا حَيٌّ فأنا حَجيجُهُ، وإلَاّ فإنَّ ربي خَليفَتي على كلِّ مُؤمنٍ"، فقُلتُ: يا رسولَ الله! والله إنَّا لَنَعْجنُ عَجينَنا، فما نَخْبزُهُ حتَّى نَجُوعَ، فكيفَ بالمُؤْمنينَ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "يَجْزِيهِمْ ما يُجْزِي أهلَ السَّماء مِنَ التَّسبيح والتَّقْديسِ".
"وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: كان النبي في بيتي، فذكر الدجال، فقال: إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء فيها ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء فيها ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظِلْفٍ": أراد به: البقر والغنم والظبي.
"ولا ذاتُ ضرس": أراد به: السباع.
"من البهائم إلا هلكت، وإن من أشدِّ فتنته: أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت"؛ أي: أخبرني.
"إن أحييت لك إبلَك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له نحو إبله"؛ أي: يتصور مثل إبله.
"كأحسن ما يكون ضروعًا وأعظمِه أسنمَة. قال: ويأتي الرجلَ قد مات أخوه، ومات أبوه، فيقول: أرأيتَ إن أحييت لك أباك وأخاك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه. قالت"؛ أي: أسماء.
стр. 2877
"ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته، ثم رجع والقوم في اهتمام وغمٍّ مما حدثهم، قالت: فأخذ بلَحْمَتي الباب": بفتح اللام وسكون الحاء المهملة والميم المفتوحة؛ أي: بناصيتي الباب.
"فقال: مَهْيَمْ": كلمة يمانية يستفهم بها، معناه: ما لك؟ وما شأنك؟
"أسماء"؛ أي: يا أسماء.
"قلت: يا رسول الله! لقد خلعت أفئدتنا"؛ أي: كسرت قلوبنا.
"بذكر الدجال، قال: إن يخرج وأنا حيٌّ فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كلِّ مؤمن. فقلت: يا رسول الله! والله إنا لنعجن عجيننا"؛ أي: نُهيئ العجين للخبز.
"فما نخبزه حتى نجوع"؛ أي: لا نستطيع أن نخبزه؛ لأجل همٍّ عظيم خلع أفئدتنا وحيَّر عقولنا بذكر الدجال.
"فكيف بالمؤمنين يومئذٍ؟ "؛ أي: كيف يكون حال من ابتلي بزمانه؟
"قال: يجزيهم ما يجزي أهل السماء"؛أي: يكفيهم ما يكفي الملأ الأعلى.
"من التسبيح والتقديس"؛ يعني: من ابتلي بزمانه لا يحتاج إلى الأكل والشرب، كما لا يحتاج الملأ الأعلى إليهما.
* * *
٥ - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ
(باب قصة ابن الصياد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٤٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ: أنَّ عُمرَ بن الخَطَّابِ انطلقَ معَ
стр. 2878
رسولِ الله ﷺ في رَهْطٍ منْ أَصْحابهِ قِبَلَ ابن صيَّادٍ حتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ معَ الصِّبيانِ في أُطُمِ بني مَغالةَ، وقدْ قارَبَ ابن صيَّادٍ يَوْمَئذٍ الحُلُمَ، فَلَمْ يَشعُرْ حتَّى ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ ظَهْرَهُ بيدِه ثمَّ قالَ: "أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ " فنظرَ إليهِ فقالَ: أَشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الأمّيينَ، ثُمَّ قال ابن صيَّادٍ: أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ فَرَضَّهُ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قالَ: "آمنتُ بالله ورسولهِ"، ثُمَّ قالَ لابن صيّادٍ: "ماذا تَرَى؟ " قال: يأتِيني صادِقٌ وكاذِب، قالَ رسولُ الله ﷺ : "خُلِّطَ عَلَيكَ الأمرُ"، قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي خَبأْتُ لكَ خَبيئًا"، وخَبأَ لهُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، فقالَ: هوَ الدُّخُّ، قالَ: "اخْسَأْ، فلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"، قال عُمَرُ: يا رسولَ الله! أتأْذَنُ لي فيهِ أضْرِبْ عنُقَه؟ قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ يَكُنْ هوَ فلا تُسلَّطُ عليهِ، وإنْ لمْ يكُنْ هوَ فلا خيرَ لكَ في قتلِهِ"، قال ابن عمرَ: انطلقَ بعدَ ذلكَ رسولُ الله ﷺ وأُبَيُّ بن كَعْبٍ الأَنْصارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ التي فيها ابن صيَّادٍ، فطَفِقَ رسولُ الله ﷺ يتَّقي بجُذوعِ النَّخْلِ، وهوَ يَخْتِلُ أنْ يسمعَ منْ ابن صيَّادٍ شيئًا قبلَ أنْ يراهُ، وابن صيَّادٍ مُضْطَجعٌ علَى فِراشِهِ في قَطِيفَةٍ لهُ فيها زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أمُّ ابن صيَّادٍ النَّبيَّ ﷺ وهوَ يتَّقي بجُذوعِ النَّخْلِ فقالت: أيْ صَافِ! وهوَ اسمُه، هذا مُحَمَّد، فتَنَاهَى ابن صيَّادٍ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "لو تَرَكَتْهُ بيَّنَ"، قالَ عبدُ الله بن عُمَرَ: قامَ رسولُ الله ﷺ في النَّاسِ فأثنَى على الله بما هوَ أَهْلُهُ، ثمَّ ذَكرَ الدَّجَّالَ فقالَ: "إنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وما منْ نبَيٍّ إلا وقدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لقد أنذرَهُ نُوحٌ قومهُ، ولكنِّي سأقولُ لكمْ فيهِ قَوْلًا لمْ يقلْهُ نبيٌّ لقومِهِ: تعلمونَ أنَّهُ أَعْوَرُ، وأنَّ الله ليسَ بأَعْوَرَ".
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب انطلق مع النبي ﷺ في رهط من أصحابه": والرهط: ما دون العشرة من الرجال، اسم مفرد وُضع للجمع.
стр. 2879
"قِبَل ابن صياد" أي: جانبه، قيل: هو الدجال، وقيل: هو يهودي وُلِدَ في المدينة.
"حتى وجدوه": (حتى) هاهنا حرف ابتداء يُستأنفَ بعده الكلام، ويفيد انتهاء الغاية.
"يلعب مع الصبيان": حال من الضمير المنصوب في (وجدوه).
"في أُطُم" بضم الهمزة: جمع (إِطام) بالكسر، وهو الحصين.
"بني مَغالَة" بفتح الميم والغين المعجمة: قبيلة؛ أي: في حصونهم.
"وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم"؛ أي: البلوغ.
"فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه"؛ أي: ابن صياد إلى رسول الله ﷺ .
"وقال: أشهد أنك رسول الأميين": أراد بهم: أمة العرب؛ فإنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
وهذا الكلام منه جرى على سُنةِ اليهود، وهي أنهم إذا عجزوا عن الطعن في نبوة نبينا ﵊، زعموا أنه بعث إلى العرب خاصة، لا إلى الكافة.
"ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرصَّه النبي": بفتح الصاد المهملة المشددة، وهو الصواب؛ أي: فتناوله وضغطه حتى ضمَّ بعضه بعضًا بالعصر، وإنما لم يقتله النبي ﷺ مع أنه ادعى النبوة بحضرته ﷺ ؛ لأنه كان غير بالغ، أو لأنه في أيام مهادنة الرسول ﵊ اليهودَ وحلفائهم، وهو منهم، أو دخيلٌ فيهم.
"ثم قال"؛ أي: النبي ﵊:
стр. 2880
"آمنت بالله ورسله، ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب "؛ أي: كانت له تارات يصيب في بعضها، ويخطئ في بعضها؛ لأن ذلك كان شيئًا يلقيه إليه الشيطان، ويجريه على لسانه؛ قد يكون صادقًا، وقد يكون كاذبًا.
"قال النبي ﷺ : خلطَ عليك الأمر"؛ أي: هو شيطان خلَّط عليك الكذب بالصدق؛ ليغويك.
"قال ﷺ : إني خبأتُ لك خبيئًا"؛ أي: أضمرت لك مضمرًا؛ لتخبرني عنه.
"وخبأ له "؛ أي: اضمر النبي ﷺ لابن صياد: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقال: هو الدُّخُّ" بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشددة: لغة في الدخان.
"فقال: اخسَأْ": كلمة زجر واستهانة؛ أي: ابعد واسكت صاغرًا، فإنك وإن أخبرت عن خبيئتي: "فلن تعدوَ قدرك"؛ أي: لن تستطيع أن تتجاوز الحد الذي حُدَّ لك، يريد: أن الكهانة لا ترفع صاحبها عن القدر الذي هو عليه، وإن أصاب في كهانته، وإنما امتحنه ﷺ بذلك؛ ليظهر إبطال حاله للصحابة، وأنه كاهن ساحر، يأتيه الشيطانُ، فيلقي على لسانه.
وقيل: معنى قوله ﷺ : "فلن تعدو قدرك" أنه دعاء عليه بعدم بلوغه قدره من مطالعة الغيب؛ وحيًا كما للأنبياء، أو إلهامًا كما للأولياء.
"قال عمر ﵁: يا رسول الله! أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال ﵊: إن يكن هو": الضمير المستكن يعود إلى الدجَّال، والمنفصل إلى [ابن] صياد، ويجوز بالعكس، والضمير المنفصل خبر (كان).
قيل: كان حقه أن يقال: إن يكن إياه، فوضع المرفوع المنفصل موضع المنصوب المنفصل، وقيل: في (يكن) ضمير للشأن، وهو مبتدأ محذوف
стр. 2881
الخبر، والتقدير: إن يكن الشأن ابن صياد الدجال.
"لا تُسلِّط عليه"؛ أي: لا تقدر أن تقتله؛ لأن قاتله عيسى ﵇.
"وإن لم يكن هو، فلا خيرَ لك في قتله": منعه ﷺ عن قتله؛ لأنه كان صغيرًا، وقد منع ﷺ عن قتل الصبيان، أو لأنه كان من أهل الذمة.
وهذا يدل على أن عهد الوالد يجري على ولده الصغير.
"قال ابن عمر: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأُبي بن كعب الأنصاري يؤمان"؛ أي: يقصدان.
"النخل التي فيها ابن صياد، فطفق"؛ أي: شرع.
"رسول الله ﷺ يتقي"؛ أي: يستر نفسه.
"بجذوع النخل، وهو يختلُ"؛ أي: يراود ويطلب من حيث لا يشعر.
"أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه"؛ يعني: يريد أن يسترقَ السمع منه؛ ليعلم أنه على الحق، أو على الباطل.
"وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة"؛ أي: دثار.
"له فيها زَمْزَمة": بزايين معجمتين؛ أي: صوت لا يفهم منه شيء.
"فرأتْ أم [ابن] صياد النبي ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل فقالت: أي صاف! وهو اسمه، هذا محمد، فتناهى ابن صياد"؛ أي: امتنع من زمزمته، وسكت عنها.
"قال رسول الله ﷺ : لو تركته"؛ أي: أمه على حاله، ولم تخبره بمجيئي، لبيَّن باختلاف كلامه ما يهوِّنُ عليكم شأنه، وقيل: أي: أوضح ما في نفسه، وكنت أسمع ما يقول.
"قال عبد الله بن عمر ﵁: قام رسول الله ﷺ ، فأثنى على الله بما هو
стр. 2882
أهله، ثم ذكر الدجَّال فقال: إني أنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور".
* * *
٤٢٤٩ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيَ قال: لقِيَهُ رسولُ الله ﷺ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ في بَعْضِ طُرُقِ المَدينةِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ " فقال هو: تَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "آمنتُ بالله وملائِكتِهِ وكتبهِ ورُسُلِهِ، ما تَرَى؟ " قال: أَرَى عَرْشًا على الماءَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "تَرَى عَرْشَ إِبْليسَ على البَحْرِ، وما تَرَى؟ " قالَ: أَرَى صادِقَيْنِ وكاذِبًا، أو كاذِبَيْنِ وصَادِقًا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لُبسَ عليهِ فَدَعوهُ".
"عن أبي سعيد الخدري أنه قال: لقيه"؛ أي: ابن صياد.
"رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ما ترى؟ " قال ابن صياد: "أرى عرشًا على الماء، فقال رسول الله ﷺ : ترى عرشَ إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا"؛ يعني: يأتيني شخصان يخبران بما هو صدق، وآخرُ بما هو كذب، أو بالعكس، والشك منه يدل على افترائه؛ لأن المؤيَّد لا يكون كذلك.
"فقال رسول الله ﷺ : لُبس عليه"؛ أي: خُلِط الأمر عليه في كهانته.
"فدعوه"؛ أي: اتركوه، وأعرضوا عنه؛ فإنه لا يحدث بشيء يقول عليه.
* * *
стр. 2883
٤٢٥٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ ابن صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عنْ تُربةِ الجنَّةِ، فقال: "دَرْمَكَة بَيْضاءُ مِسْكٌ خالِصٌ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن ابن صياد سأل النبي ﵊ عن تربة الجنة، فقال: دَرْمَكةٌ" بفتح الدال وسكون الراء المهملتين: ترقيق (١) الحُوارى، ويروى: (درمقة)، وهو بمعناه، فقوله: "بيضاء"؛ للتأكيد، شبَّه تربة الجنة بها لبياضها.
"مسك خالص": شبَّهها بالمسك؛ لطيبها.
* * *
٤٢٥١ - عن نافعٍ قال: لقيَ ابن عُمرَ ابن صَيَّادٍ في بَعْضِ طُرُقِ المدينةِ، فقالَ لهُ قولًا أَغْضَبَهُ، فانتَفَخَ حتَّى مَلأَ السِّكَّةَ، فدخلَ ابن عُمرَ على حَفْصَةَ وقدْ بَلَغَها، فقالتْ لهُ: رَحِمَكَ الله، ما أَرَدْتَ منْ ابن صَيَّادٍ؟ أما علِمْتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّما يَخْرُجُ منْ غَضْبةٍ يغضَبُها".
"قال نافع: لقي ابن عمر ابن صياد في بعض طرق المدينة، فقال له"؛ أي: ابن عمر لابن صياد "قولًا أغضبه" ذلك القول.
"فانتفخ"؛ أي: صار بدنه منتفخًا من الغضب.
"حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة، وقد بلَّغها"؛ أي: ابن عمر تلك القصة التي جرى بينه وبين ابن صياد إلى حفصة زوج النبي ﷺ .
"فقالت له: رحمك الله! ما أردت": (ما) للاستفهام، محله نصب؛ لكونه مفعول (أردت) مقدمًا عليه؛ أي: أي شيء أردت "من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج"؛ أي: الدجَّال.
стр. 2884
"من غضبة يغضبها؟ "؛ يعني: إنما يخرج حين يغضب، وهذا يدل على أنَّ ابن صياد هو الدجال.
* * *
٤٢٥٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: صَحِبْتُ ابن صَيَّادٍ إلى مَكَّةَ، فقالَ لي: ما لقيتُ من النَّاسِ؟ يَزْعُمونَ أنِّي الدَّجَّالُ، ألسْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنَّهُ لا يُولَدُ له؟ وقدْ وُلِدَ لي، أوَ ليسَ قدْ قالَ: هو كافِرٌ؟ وأنا مُسْلِمٌ، أَوَ لَيس قدْ قالَ: لا يَدْخلُ المدينةَ ولا مَكَّةَ؟ وقدْ أَقْبَلْتُ منَ المدينةِ وأنا أُريدُ مَكَّةَ، ثمّ قالَ لي في آخِر قولهِ: أَمَا والله إنِّي لأَعْلَمُ مَوْلدَهُ ومكانهُ وأيْنَ هوَ، وأعرفُ أباهُ وأُمَّهُ، قال: فَلَبَسَنِي، قال: قلتُ لهُ: تبًّا لكَ سائِرَ اليَوْمِ. قال، وقيلَ لَهُ: أيسُرُّكَ أنَّكَ ذاكَ الرَّجُلُ؟ قال: فقالَ: لوْ عُرِضَ عليَّ ما كَرِهْتُ.
"عن أبي سعيد الخدري قال: صحبتُ ابن صياد إلى مكة، فقال لي: ما لقيت": (ما) هذه استفهام بمعنى الإنكار.
"من الناس؟ يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لا يولد له، وقد وُلِد لي؟ أليس قد قال: هو كافر، وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ ": ذهب القائل بأنه الدجال إلى أن المراد من قوله ﷺ : "لا يولد له، ولا يدخل المدينة ولا مكة": أنه لا يكون كذلك بعد خروجه.
"ثم قال لي في آخر قوله: أما إني لأعلم"؛ أي لا أعرف مولده"؛ أي: زمان ولادة الدجال.
"ومكانه"؛ أي: مكان ولادته.
"وأين هو؟؛ أي: أعلم مكانه الذي الآن فيه.
стр. 2885
"وأعرف أباه وأمه، قال"؛ أي: أبو سعيد.
"فلبسني" أي: ابن صياد، من (التلبيس) بمعنى: التخليط، حيث لم يعين مولده وموضعه، بل تركه ملتبسًا، فالتبسَ عليَّ، أو معناه: أوقعني في الشك بقوله: ولد لي وبدخول المدينة ومكة، وكان ظني أنه دجال.
"قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم"؛ أي: خسرانا لك جميع اليوم أو باقي اليوم؛ يعني: ما تقدم من اليوم قد خسرت فيه، فكذا في باقيه.
"قال" أبو سعيد: "وقيل له: أيسرك أنك ذلك الرجل؟ "؛ يعني: الدجال.
"قال: فقال لو عُرِض علي"؛ أي: هذا الأمر "ما كرهت"، بل قبلت، (ما) هذه نافية، وهذا دليلٌ واضح على كفره.
* * *
٤٢٥٣ - وقالَ ابن عُمَرَ: لقِيتُهُ وقد نَفَرَتْ عَيْنُه، فَقُلْتُ: متَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ ما أَرَى؟ قال: لا أَدْرِي، قلتُ: لا تَدرِي وهيَ في رَأْسِكَ؟ قال: إنْ شاءَ الله خلَقَها في عَصاكَ، قال: فنخَر كأشَدِّ نَخِيرِ حِمارٍ سَمِعْتُ.
"وقال ابن عمر ﵁: لقيته وقد نفرت عينه "؛ أي: ورمت، وأصله من النفار؛ لأن الجلد ينفر عن اللحم؛ للداء الحادث بينهما، والجملة وقعت حالًا من الضمير المنصوب في (لقيته).
"فقلت: متى فعلت عينك ما أري" من الورم؟ أسند الفعل إلى العين مجازًا، والمراد غيره، كأنه لبس على ابن صياد؛ ليختبره أيوافقه، أو يخالفه.
"قال: لا أدري، قلت: لا تدري وهي"؛ أي: العين.
"في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك": يريد أن تكون العين في رأسي لا يقتضي أن أكون منها على خبر؛ فإن الله قادر على أن يخلق مثلها في عصاك، والعصا لا تكون منها على خبر، وكأنه ادعى بذلك الاستغراق وعدم
стр. 2886
الإحساس في أفكاره، بحيث تشغله تلك الأفكار عن الإحساس.
"قال: فنخر": بفتح النون والخاء المعجمة؛ أي: صَوَّت صوتًا منكرًا.
"كأشد نخير حمار سمعتُ": والنخير: صوت بالأنف.
* * *
٤٢٥٤ - عن مُحَمَّدِ بن المُنْكَدِر ﵁ قال: رَأَيتُ جابرَ بن عبدِ الله يَحْلِفُ بالله أنَّ ابن الصَيَّادَ الدَّجَّالُ، قلتُ: تَحلِفُ بالله؟ قال: إنِّي سَمِعْتُ عُمرَ يَحلِفُ على ذلكَ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمْ يُنكِرْهُ النَّبيّ ﷺ .
"عن محمد بن المنكدر أنه قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدَّجالُ، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك"؛ أي: على أن ابن صياد الدجال "عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم ينكره النبي ﷺ ": لعل عمر أراد بذلك: أن ابن صياد من الدجَّالين، يخرجون فيدعون النبوة، أو يضلون الناس ويلبسون الأمر عليهم، وإنما لم ينكر ﵇ عند حلفه؛ لأنه ﷺ عرف أنه مِن جملِة مَنْ حَذَّر (١) الناسَ منه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٥٥ - عن نافِع قالَ: كانَ ابن عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: "والله ما أَشُكُّ أنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ ابن صَيَّادٍ".
"من الحسان":
" عن نافع ﵁ أنه قال: كان ابن عمر يقول: والله ما أشكُّ أن المسيحَ
стр. 2887
الدجالَ ابن صياد".
* * *
٤٢٥٦ - وعن جابر ﵁ قالَ: "فُقِدَ ابن صيّادٍ يومَ الحَرَّةِ".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: فُقِد ابن صياد يوم الحرَّةِ": وهو يوم مشهور بين العرب، وقعت فيه حرب بين عسكر يزيد وأهل المدينة؛ أي: فُقِدَ من ذلك الزمان.
* * *
٤٢٥٧ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَمْكُثُ أبَوا الدَّجَّالِ ثلاثينَ عامًا لا يُولَدُ لهما ولَدٌ، ثمَّ يُولَدُ لهُما غُلامٌ أَعْوَرُ أَضرَس، وأقلُّهُ مَنْفَعَةً، تنامُ عَيْناهُ ولا يَنامُ قلبُهُ"، ثمَّ نعتَ لنا رسولُ الله ﷺ أَبَويهِ فقالَ: "أبوه طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ، كأنَّ أنفَهُ مِنْقارٌ، وأُمُّهُ امرأةٌ فِرضَاخِيّةٌ طَويلةُ اليدَيْنِ"، فقالَ أبو بَكْرَةَ ﵁: فَسَمِعْنا بمَولودٍ في اليهودِ بالمدينةِ، فذهبتُ أنا والزُّبَيْرُ بن العَوّامِ حتَّى دخَلْنَا على أبَويهِ، فإذا نَعْتُ رسولِ الله ﷺ فِيهما، فقُلْنا: هلْ لكُما وَلَدٌ؟ فقالا: مَكَثْنا ثلاثينَ عامًا لا يُولَدُ لنا وَلَدٌ، ثمَّ وُلِدَ لنا غُلامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ وأقلُّهُ مَنْفَعَةً، تنامُ عَيْناهُ ولا ينَامُ قلبُهُ، قال: فَخَرَجْنا منْ عِنْدِهِما فإذا هو مُنْجَدِلٌ في الشَّمْسِ في قَطيفَةٍ ولهُ هَمْهَمَةٌ، فكَشَفَ عنْ رأسِهِ فقالَ: ما قُلتُما؟ قُلْنا: وهلْ سَمِعْتَ ما قُلناه؛ قال: "نعمْ، تنامُ عَيْنايَ ولا ينَامُ قلبي".
"عن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: يمكث أبوا الدجالِ ثلاثين عامًا لا يُولَد لهما ولا، ثم يولد لهما غلامٌ أعورُ أضرسُ"؛ أي: عظيم الضرس، وهو السن، وقيل: هو الذي يولد مع الضرس.
стр. 2888
"وأقله"؛ أي: أقل الغلام؛ أي: لا غلام أقل منه.
"منفعةً، تنام عيناه، ولا ينامُ قلبها: وعدم نوم القلب قد يكون لاستيلاء الأفكار الفاسدة على المخيلة؛ لما يلقيه إليه الشيطان، وهذا من أوصاف الكهنة، وقد يكون من الأفكار الصالحة، كما في الأنبياء والأولياء.
"ثم نعت لنا رسول الله ﷺ "؛ أي: وصف.
"أبويه، فقال: أبوه طُوال": بالضم والتخفيف؛ أي: طويل، وقد يشدد مبالغة.
"ضرب اللحم"؛ أي: خفيف اللحم مستدق.
"كأن أنفه منقار"؛ أي: في أنفه طول بحيث يشبه منقار الطائر.
"وأمه امرأة فِرضاخية": بكسر الفاء؛ أي: ضخمة، عظيمة الثديين، والياء للمبالغة.
"طويلة اليدين، فقال أبو بكرة: فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة، فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه، فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما"؛ أي: وصفه موجود في أبويه.
"فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا ولد، ثم ولد لنا غلام أعور أضرس، وأقله منفعة، تنام عيناه، ولا ينام قلبه، قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل"؛ أي: غلام ملقى على وجه الأرض.
"في الشمس، وله همهمةٌ" أي: كلام خفي ضعيف لا يُفهَم.
"فكشف"؛ أي: الغلام القطيفة "عن رأسه، فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم، تنام عيناي، ولا ينام قلبي".
* * *
стр. 2889
٤٢٥٨ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ امرأةً منَ اليهودِ بالمَدينةِ ولَدَتْ غُلامًا مَمْسُوحَةً عَيْنُهُ طالعَةٌ نابُهُ، فأشْفَقَ رسولُ الله ﷺ أنْ يكونَ الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطيفَةٍ يُهَمْهِمُ، فآذنتهُ أُمّهُ فقالت: يا عبدَ الله! هذا أبو القاسم، فَخَرَجَ منَ القَطِيْفَةِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما لها؟ قاتَلَها الله، لو تَرَكتْهُ لبَيَّنَ"، فَذَكَرَ مِثلَ مَعْنَى حديثِ ابن عُمَرَ، فقالَ عُمرُ بن الخَطَّابِ ﵁: ائذَنْ لي يا رسولَ الله! فأقتُلَهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ يكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صاحبَهُ، وإنَّما صاحِبُهُ عيسَى ابن مَرْيَمَ ﵇، وإلا يكُنْ هوَ فَلَيسَ لكَ أنْ تقتُلَ رَجُلًا منْ أَهْلِ العَهْدِ"، فلمْ يزَلْ رسولُ الله ﷺ مُشْفِقًا أنهُ الدَّجَّالُ.
"وعن جابر ﵁: أن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلامًا ممسوحةً عينه، طالعةً نابه"؛ أي: سنه.
"فأشفق رسول الله ﷺ "؛ أي: خاف.
"أن يكون الدجال، فوجده تحت قطيفة يُهمهِمُ، فآذنته"؛ أي: أعلمته "أمه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم، فخرج من القطيفة، فقال ﷺ : ما لها": (ما) للاستفهام مبتدأ، و (لها) خبره؛ أي: أيُّ شيء لها؟ "قاتلها الله"؛ أي: دعاء عليها.
"لو تركته لبيَّن. فذكر مثل معنى حديث ابن عمر"، ومعنى حديثه هو: أنه قال قولًا أغضبه.
"فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله فأقتله، فقال ﷺ : إن يكن هو"؛ أي: ابن صياد الدجال.
"فلست صاحبه"؛ أي: قاتله.
"إنما صاحبه عيسى ابن مريم": و (إنما) تفيد الحصر، معناه: لا يقدر أحدٌ على قتله إلا عيسى ابن مريم.
стр. 2890
"وإن لم يكن هو، فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد، فلم يزلْ رسول الله ﷺ مشفقًا"؟ أي: خائفًا "أنه الدجال".
والوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد على ما فيها من الاختلاف والتضاد: أن يقال: إنه ﷺ حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال، فلما أُخبر - عليه الصلاة السلام - بما أخبر به من شأنه وقصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده، تبين له ﷺ أن ابن صياد ليس بالذي توهمه، ويؤيده ما ذكره أبو سعيد حين صحبه إلى مكة.
وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد؛ فليس مما يقطع به قولًا؛ فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين.
وكذا حلف عمر وابنه ﵄ مع عدم إنكاره ﵊ عليه، وكذا إشفاقه ﵇ من ابن صياد أن يكون دجالًا، كلُّ ذلك قبل تبيُّنِ الحال، وقد كان ابن صياد دجَّال الفِعالِ موافقًا له في بعض علاماته، فجرَّأ ذلك على الحلف، وأورث في النبي ﷺ إشفاقًا منه.
стр. 2891
شرح مصابيح السنة للإمام البغوي
تأليف
المحدث الفقيه ابن الملك الرومي محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني الرومي الحنفي
المتوفى سنة ٨٥٤ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد السادس]
تَابع (٢٥) كِتابُ الفِتَنِ
٦ - باب نزول عيسى ﵇
(باب نزول عيسى ﵇
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٥٩ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "والذِي نفسِي بيدِه، ليُوشكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابن مَرْيمَ حَكَمَاً عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّليبَ، ويقتُلَ الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجزيةَ، ويَفِيضَ المالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتَّى تكونَ السَّجْدَةُ الواحِدةُ خيراً منَ الدُّنيا وما فيها"، ثُمَّ يقولُ أبو هُريرةَ ﵁: واقرَؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية.
"من الصحاح":
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لَيوشكنَّ": بفتح اللام جواباً للقسم؛ أي: ليشرعن وليقربن.
"أن ينزل فيكم"؛ أي: في أهل دينكم.
стр. 2895
"ابن مريم حكمًا": بالتحريك؛ أي: حاكمًا وإمامًا.
"عدلًا"؛ أي: عادلًا، كلاهما منصوبان على الحال.
"فيكسر الصليب": وهو في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة، يدَّعون أن عيسى ﵊ صُلِب على خشبة على تلك الصورة، وقد تكون فيه صورة المسيح، وقد لا تكون.
ومعنى كسره: إبطال النصرانية، والحكم بشرع الإسلام.
"ويقتل الخنزير": معناه: تحريم اقتنائه وأكله، وإباحة قتله.
"ويضع الجزية": معنى وضعها: أنه لا يقبلها عن أهل الكتاب، بل يحملهم على الإسلام.
"ويفيض المال"؛ أي: يكثر "حتى لا يقبله أحد"؛ إذ لا يوجد فقيرٌ في ذلك الزمان.
"حتى تكون السجدة الواحدة": أراد بالسجدة نفسها، أو الصلاة.
"خيرًا"؛ أي: عند المسلمين.
"من الدنيا وما فيها": والمعنى: أنهم يرغبون في طاعة الله تعالى، ويعرضون عن الدنيا؛ لكثرة المال، فلا طاعةَ في بذله والتصدق به.
"ثم يقول أبو هريرة ﵁: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ": والضمير لعيسى ﵊ على ما أراده أبو هريرة، أو لمحمد ﷺ ؛ لأن عيسى ﵊ يومئذ على دين محمد ﵊، أو لله تعالى.
стр. 2896
﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: موت عيسى ﵊، أو أهل الكتاب.
"الآية".
* * *
٤٢٦٠ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "والله لَيَنْزِلنَّ ابن مَرْيَمَ حَكَمَاً عَدْلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّليبَ، ولَيقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزيَةَ، ولَيَتْرُكَنَّ القِلَاصَ ولا يَسعَى عَلَيها، ولَتَذْهَبن الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فلا يقبَلُهُ أَحَدٌ".
"وقال رسول الله ﷺ : والله لينزلنَّ ابن مريم حكماً عدلاً، وليكسرنَّ الصليبَ، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، وليتركن القلاصَ" بكسر القاف: جمع (قَلوص) بالفتح، وهي الناقة الشابة.
"فلا يَسعَى عليها"؛ أي: يترك العمل عليها؛ استغناءً عنها بكثرة غيرها، أو معناه: لا يأمر أحداً أن يسعى على أخذها وتحصليها للزكاة؛ لعدم من يقبلها.
"ولتذهبن الشحناء"؛ أي: العداوة.
"والتباغض"؛ أي: جريان البغض بين اثنين.
"والتحاسد"؛ يعني: تزول عن قلوبهم هذه الأخلاق الذميمة؛ لأنها نتيجة حبِّ الدنيا.
"وليدعونَّ إلى المال، فلا يقبله أحد".
* * *
стр. 2897
٤٢٦١ - وقال: "كَيْفَ أنتُمْ إذا نزَلَ ابن مَرْيمَ فيكُمْ وإمامُكُمْ منكُمْ؟ ".
"وقال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامُكُمْ منكم"؛ أي: من أهل دينكم، وقيل: من قريش.
وفي بعض: (فأمَّكم منكم)؛ أي: من جنسكم، معناه: يأمكم بكتاب ربكم، وسنة نبيكم.
والظاهر: أن المعنى: وإمامكم واحد منكم، أو يأمكم واحد منكم دون عيسى ﵇ مع وجوده، وإنما يكون عيسى ﵊ بمنزلة الخليفة.
وهذا يدل على أن عيسى عليه الصلاة السلام لا يكون من أمة محمد ﵊، بل مقررًا لدينه ﷺ وعونًا لأمته.
* * *
٤٢٦٢ - وقال: "لا تزالُ طائِفَة منْ أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحَقِّ ظاهِرينَ إلى يَوْمِ القيامَةِ". قال: "فينزِلُ عيسَى بن مَرْيمَ، فيقولُ أميرُهُمْ: تعالَ صَلِّ لنا، فيقولُ: لا، إنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَراءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الأمّةَ".
"وقال: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقَّ ظاهرين"؛ أي: غالبين.
"إلى يوم القيامة، قال: فينزلُ عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ لنا، فيقول"؛ أي: عيسى ﵇: "لا، إن بعضكم على بعض أمراءُ، تكرمةَ الله": منصوب على أنه مفعول له، والعامل محذوف؛ أي: شرع الله
стр. 2898
أن يكون إمام المسلمين منهم؛ لتكرمته تعالى.
"هذه الأمة": (هذه) في موضع نصب مفعول به لـ (تكرمة)، و (الأمة) صفة لـ (هذه)، ويجوز رفع (التكرمة) خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: تأمُّرُ بعضكم على بعض تكرمةٌ من الله تعالى لهذه الأمة.
* * *
٧ - باب قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه
" باب قرب الساعة وأن من مات"؛ أي: إن الشأن من مات "فقد قامت قيامته": قيل القيامة ثلاثة:
الكبرى، وهي: حشر الأجساد وسوقهم إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي موت كل واحد من الإنسان.
والوسطى: وهي موت جميع الخلائق.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٦٣ - عن قتَادَةَ عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كهاتينِ". قال قَتادَةُ في قَصَصِهِ: كفَضْلِ إحْداهُما على الأُخرَى.
"من الصحاح":
" عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بعثت أنا والساعة": بالرفع، ويجوز النصب مفعولًا معه؛ أي: بعثني مع الساعة متقاربان "كهاتين"؛ أي: كتقارب هاتين الإصبعين السبابة والوسطى.
ويحتمل أن يكون المراد: ارتباط دعوته ﷺ بها بحيث لا يتخلل بينهما دينٌ آخر، كما لا يتخلل بين هاتين الإصبعين إصبع أخرى.
стр. 2899
"قال قتادة في قصصه": بكسر القاف، والضمير لـ (قتادة).
"كفضل إحداهما على الأخرى": يريد: ما بيني وبين الساعة من مستقبل الزمان بالإضافة إلى ما مضى مقدارُ فضل الوسطى على السبابة.
* * *
٤٢٦٤ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ قبلَ أنْ يَمُوتَ بشَهْرٍ: تَسْألونني عنِ السَّاعةِ؟ وإنَّما عِلْمُها عندَ الله، وأُقسِمُ بالله ما على الأَرْضِ منْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ تأتِي عليها مِئَةُ سَنَةٍ".
"عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض": (ما) بمعنى: ليس، وهو جواب القسم.
"من نفس": (من) زائدة.
"منفوسة": صفة (نفس)؛ أي: مولودة.
"تأتي عليها مئة سنة؛ يعني: لا تبقى نفس مولودة اليوم إلى مئة سنة، والفائدة من الإعلام تنبيهٌ على قدرته تعالى في إهلاك جميع العالم، والإتيان بغيرهم.
قيل: قاله ﷺ على الغالب، وإلا فقد عاش بعضٌ أكثر من ذلك؛ فقيل: عاش سلمان الفارسي ثلاث مئة سنة وخمسين، وقيل: مئتين وخمسين.
* * *
٤٢٦٥ - وعن أَبي سعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا تأتِي مئة سَنَةٍ وعلى الأَرْضِ نَفْسٌ من مَنفوسَةٌ اليَوْمَ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا تأتي مئة سنة وعلى
стр. 2900
الأرض نفسٌ منفوسة اليوم": إشارة إلى زمانه ﵇.
* * *
٤٢٦٦ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رِجالٌ منَ الأَعْرابِ جُفاةٌ يأتونَ النَّبيَّ ﷺ ويَسأَلونَهُ عن السّاعةِ، فكانَ ينظُرُ إلى أَصْغرِهِمْ فيقولُ: "إنْ يَعِشْ هذا لا يُدرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ عَلَيكُمْ ساعتُكم".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي ﵊، فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرِهِمْ، فيقول: إن يعشْ هذا": إشارة إلى الأصغر.
"لا يدركه الهرمُ حتى تقومَ عليكم ساعتُكم": أراد به: القيامة بطريق موتهم؛ فإن الرجل إذا مات يرى جزاء ما فعل، فكأنه رأى القيامة؛ يعني: قبل أن يصير هذا الصغير هرماً يأتي على بعضكم أو على جميعكم الموت.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٦٧ - عن المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "بُعِثْتُ في نَفَسِ السَّاعةِ، فسبَقْتُها كما سبَقَتْ هذِه هذِه"، وأَشارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَبَّابَةِ والوُسْطَى.
"من الحسان":
"عن المُستورِد بن شدَّاد ﵁، عن النبي ﷺ قال: بعثت في نَفَسِ الساعة": بفتح النون والفاء؛ أي: في قربها، وظهور أشراطها المتتابعة الخارقة للعادة.
"فسبقتها"؛ أي: الساعة.
стр. 2901
"كما سبقت هذه هذه": فـ (هذه) الأولى محلها رفع؛ لأنها فاعل سبقت، وهذه الثانية محلها نصب لأنها مفعول به.
"وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى"؛ يعني: مقدار ما بيني وبين الساعة من الزمان مقدار ما فضل الوسطى على السبابة.
* * *
٤٢٦٨ - عن سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنِّي لأَرْجُو أنْ لا تَعجزَ أُمَّتي عِنْدَ ربها أنْ يؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ"، يعني: خَمْسَ مِئَةِ سَنَةٍ.
"عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن لا تعجزَ أمتي"؛ أي: أن لا تفوت.
"عند ربها": مِنْ أعجزه الشيء؛ أي: فاته.
"أن يؤخرهم": بدل من قوله: (أن لا تعجز)، قيل: أراد به: بقاء دينه وملته في الدنيا مدة خمس مئة سنة، أو متعلق به على حذف (عن)؛ أي: عن يؤخرهم الله في الدنيا سالمين عن العقوبات والذلة والشدائد.
"نصف يوم؛ يعني: خمس مئة سنة": وقيل: أن لا يؤخرهم إلى يوم القيامة أكثر من خمس مئة سنة، وهذا ليسلموا عن شدائد الزمان ومن فتنته.
* * *
٨ - باب لا تقومُ السَّاعةُ إلا على الشِّرارِ
(باب لا تقوم الساعة إلا على الشِّرار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٦٩ - عن أَنسٍ ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَاعةُ حتَّى
стр. 2902
لا يُقالَ في الأَرْضِ: الله، الله".
"من الصحاح":
" عن أنس ﵁ أنه ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله"؛ يعني: لا تقوم الساعة ما دام على وجه الأرض موحِّدٌ يذكر الله تعالى.
وهذا يدل على أن بركة العلماء والصلحاء تصلُ إلى من في العالم من الإنس والجن والدواب والطير، وتكرير لفظ (الله) عبارة عن ذكره كثيرًا، وقيل: معناه: الله حسبي، أو الله هو الإله لا غيره، أو الله هو المستحق للعبودية لا غيره.
فالأول مبتدأ، والثاني خبره.
* * *
٤٢٧٠ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَاعَةُ على أَحَدٍ يَقولُ: الله، الله".
"وقال: لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله".
* * *
٤٢٧١ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا تَقُومُ السَاعةُ إلّا على شِرارِ الخَلْقِ".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلق".
* * *
٤٢٧٢ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَضْطَرِبَ ألَياتُ نِساءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذي الخَلَصَةِ -وذو الخلَصَةِ: طاغِيَةُ دَوْسٍ التي كانوا يَعْبُدونَ في الجاهِليَّةِ-".
стр. 2903
"وقال: لا تقوم الساعة حتى تضطربِ"؛ أي: تتحرك.
"أَلَياتُ" بالفتحات: جمع ألية، وهي لحم المقعد.
"نساء دوس" بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة: قبيلة من اليمن.
"حول ذي الخَلَصة" بالفتحات: جمع خالص، وذو الخلصة "طاغية دوس"؛ أي: صنمهم.
"التي كانوا يعبدون في الجاهلية": سمي بذي الخلصة زعماً منهم أن من عبده وطاف حوله فهو خالص، وقيل: ذو الخلصة بيت فيه أصنام لهم؛ يعني: أنهم سيرتدون ويرجعون إلى عبادة الأصنام، فترمل نساؤهم بالطواف حول ذي الخلصة، فتتحرك أكفالهن.
* * *
٤٢٧٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَذْهَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ حتَّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى"، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حينَ أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنَّ ذلكَ تامٌ، قال: "إنَّهُ سَيَكونُ مِنْ ذلكَ ما شاءَ الله، ثُمَّ يَبعَثُ الله ريْحاً طَيبةً، فتَوَفَّى كُلَّ مَنْ كانَ في قَلْبه مِثقالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فيَبقَى مَنْ لا خيرَ فيهِ، فيَرجِعونَ إلى دينِ آبائهِمْ".
"عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقول: لا يذهب الليلُ والنهار"؛ أي: لا تقوم الساعة.
"حتى تُعبَد اللاتُ": وهو اسم صنم لثقيف.
"والعُزَّى" بضم العين المهملة وفتح الزاي المعجمة المشددة: اسم صنم لغطفان وسليم.
стр. 2904
"فقلت يا رسول الله! إن كنت": (إن) هذه مفخخة من المثقلة، واللام في
"لأظن" للفرق بينهما وبين (إن) الشرطية والنافية؛ أي: أن الشأن كنت أظن "حين أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ "؛ أي: بالتوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو دين الإسلام.
" ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] = أن ذلك تامٌ"؛ أي: أن عبادة الأصنام قد تمت، ولا تكون كذلك بعدُ أبدًا.
"قال"؛ أي: النبي ﷺ .
"إنه": الضمير للشأن.
"سيكون من ذلك"؛ أي: من عبادتها.
"ما شاء الله تعالى"؛ أي: مدةً يشاءُها، وقد بيَّن ذلك بقوله:
"ثم بعث الله ريحًا طيبة؛ فتوفيَّ كلَّ من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم":المشركين.
* * *
٤٢٧٤ - عن عبدِ الله بن عمرو ﵁ قال: رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فيمكث أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو عامًا-، فيبعثُ الله عيسي بن مريم ﵉ كأنَّهُ عُروةُ بن مسعودٍ ﵁ فيطلبه فيهلكه، ثُمَّ يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوةٌ، ثم يرسلُ الله ريحًا باردَةً من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الارض أحدٌ في قلبهِ مثقال ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلَّا قَبضَتهُ، حتى لو أحدكم دخل في كبد جبلٍ لدخلتهُ عليه حتي تقبضهُ" قال: فيبقي شرارُ النَّاس في خِفَّةِ الطير وأحلام السِّباع، لا يعرفون معروفًا
стр. 2905
ولا يُنْكِرُونَ مُنكَرًا، فيتَمثَّلُ لهُمُ الشَّيطانُ فيقولُ: ألا تستحيُونَ؟ فيقولونَ: فما تأْمُرُنا؟ فيأمُرُهُمْ بِعبادَةِ الأَوْثْانِ، وهُمْ في ذلك دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثمَّ يُنفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أصْغَى لِيتًا ورَفَعَ لِيتًا". وقال: "وأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلوطُ حَوْضَ إبلهِ، فيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النَّاسُ، ثمّ يُرسِلُ الله مَطَرًا كأنَّهُ الطَّلُّ فينبُتُ منهُ أَجْسادُ النَّاسِ، ثمَّ يُنفَخُ فيهِ أُخرَى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثمَّ يُقالُ: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمَّ إلى ربكُمْ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، ثمَّ يُقالُ: أَخرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فيُقالُ: مِنْ كَمْ؟ فيُقالُ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وتسعَةً وتِسعينَ، قال: فذاكَ يومَ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، وذلكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ".
"عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج الدجالُ فيمكث" في الأرض "أربعين، لا أدري أربعين يومًا، أو شهرًا، أو عامًا": هذا من كلام الراوي؛ أي: لا أدري أيًا أراد به النبي ﵊ من هذه الثلاثة.
"فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناسُ سبعَ سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل"؛ أي: في جوفه ووسطه، وكبد كل شيء: وسطه.
"لدخلته عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرارُ الناس في خِفَّةِ الطير": بكسر الخاء المعجمة وتشديد الفاء؛ أي: اضطرابها وتنفرها بأدنى توهم.
"وأحلام السباع": جمع الحلم: العقل؛ أي: هم في قلة المعرفة واستيلاء الجهل عليهم في أحلام السباع.
"لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا": شبَّه حال الأشرار وعدم ثباتهم وميلهم إلى الفسق والفجور بحال الطير والسباع.
стр. 2906
"فيتمثل لهم الشيطانُ، فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ ": (ما) هذه استفهامية؛ أي: أي شيء تأمرنا؟
"فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك"؛ أي: في عبادتها.
"دارٌّ"؛ أي: نازل.
"رزقهم، حسن عيشهم، ثم يُنفَخُ في الصور، فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى"؛ أي: أمال.
"لِيتًا": بكسر اللام؛ أي: صفحة عنقه.
"ورفع ليتاً"؛ يعني: من سمع ذلك يسقط رأسه إلى أحد شقيه خوفاً ودهشة، فتسقط قواه، فيميل ليتًا، ويرفع ليتًا.
"وأول من يسمعُهُ رجلٌ يلوط حوضَ إبله"؛ أي: يطينه ويصلحه.
"فيصعق"؛ أي: يموت هو، "ويصعق الناس"؛ أي: يموتون، والصعق: أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما استُعمِلَ في الموت كثيرًا.
"ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطَّلُّ" بفتح الطاء: أضعف المطر.
"فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون"؛ أي: فإذا جميع الخلائق يقومون من قبورهم، وينظرون أهوال يوم القيامة.
"ثم يقال: يا أيها الناس هلم": اسم فعل يستوي فيه الواحد والجمع؛ أي: تعالوا وارجعوا.
"إلى ربكم: " ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ ": الخطاب فيه للملائكة، وضمير المفعول للناس؛ أي: احبسوهم وقفوهم.
" ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] "، فيسألون، "ثم يقال: اخرجوا بعث النار":
стр. 2907
(البعث): الجماعة يبعثون لأمر إلى موضع، والمراد: المبعوثون إلى النار.
"فيقال: من كم كم؟ ": هذا استفهام عن مقدار المخرج منه والمخرج، قيل: (كم) الأولى خبر مقدم، و (كم) الثانية مبتدأ.
"فيقال: من كل ألف تسع مئة": مفعول فعل محذوف؛ أي: أخرجوا تسع مئة "وتسعة وتسعين": قيل: هم ممن استوجبَوا النار بذنوبهم، يُعرضون عليها، ويُتركون فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبهم، ويجوز أن يُصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة.
"قال: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ": جمع وليد، وهو الصبي.
" ﴿شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ": جمع أشيب؛ أي: يصير الأطفال شيبًا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، ويجوز أن يراد به: عظم الأهوال، لا حقيقة صيرورتهم شيبًا؛ يعني: لو أن وليدًا شابَ من واقعة عظيمة، لكان شاب في ذلك اليوم.
"وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] "؛ أي: عن أمر عظيم، وهو: أهوال القيامة، والساق: الشدة والمشقة، يقال: كشفت الحربُ عن الساق: إذا اشتد الأمر في الحرب.
مِنَ الحِسَان: * * *
٤٢٧٥ - عن مُعاوِيَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ منْ مَغْرِبها".
"من الحسان":
" عن معاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله ﷺ : لا تنقطع الهجرةُ"؛ أي: من المعاصي إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإيمان" أو عن ديار الشر إلى ديار الخير.
стр. 2908
"حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها".
* * *
١ - باب النَّفْخِ في الصورِ
(باب النفخ في الصور)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٧٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "ما بينَ النَّفْختَيْنِ أَرْبعون"، قالوا: يا أبا هُريرةَ! أَرْبعونَ يَوْماً؟ قال: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ شَهْراً؟ قالَ: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ، "ثمَّ يُنزِلُ الله منَ السَّماء ماءً فيَنبُتونَ كما ينبُتُ البقْلُ"
قالَ: "وليسَ مِنَ الإنسانِ شَيْءٌ لا يَبْلَى إلا عَظْمًا واحِداً، وهوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، ومنهُ يُركبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ".
وفي رِوايةٍ: "كُلُّ ابن آدمَ يَأكلُهُ التُّرابُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منهُ خُلِقَ وفيه يُركَبُ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ما بين النفختين"؛ أي: نفخة النشور ونفخة الصعق.
"أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ"؛ أي: امتنعت عن الجواب، فإني لا أعلمه.
"قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ"، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره! أربعون سنة.
стр. 2909
"ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى": خبر (ليس)، وقوله: (من الإنسان) في المعنى صفة لي (شيء)، فلما تقدم على موصوفه انتصبَ على الحال.
"إلا عظما واحداً": استثناء من موجب؛ لأن نفي النفي إثبات، فيكون تقديره: كل شيء من الإنسان يبلى إلا عظمًا واحدًا.
"وهو عَجْبُ الذنب" بفتح العين وسكون الجيم: عظم في أسفل الصُّلب عند العجز بين الأليتين، والمراد منه: طول بقائه تحت التراب، لا أنه لا يبلى أصلًا؛ فإنه خلاف المحسوس، والحكمة فيه: أنه قاعدة بدن الإنسان وأساسه، فبالحريِّ أن يكون أصلبَ من الجميع، فيكون أطول بقاء، "فمنه يُركَب الخلق يوم القيامة".
"وفي رواية: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجيب الذنب، فمنه خُلِق، ومنه يركَّب": قيل: خُصَّ منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن الله حرم على الأرض أجسادهم.
* * *
٤٢٧٧ - وقال: "يَقْبضُ الله الأَرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينهِ، ثمَّ يقولُ: أنا المَلكُ، أَيْنَ مُلوكُ الأَرْضِ؟ ".
"وقال: يقبض الله الأرضَ يوم القيامة": فهذا تصوير لكمال القدرة، ونفاذ التصرف فيها.
"ويطوي السماءَ بيمينه"؛ أي: بقدرته، والمراد من الطي: التسخير التام، والقهر الكامل.
"ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"؟
* * *
стр. 2910
٤٢٧٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَطوِي الله السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ المُتكَبرُونَ؟ ثمَّ يَطْوِي الأَرْضينَ بشِمالِه - وفي رِوايةٍ: ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه الأُخْرىَ - ثمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجَبَّارونَ؟ أينَ المُتكبرونَ؟ ".
"عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يطوي الله تعالى السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله": تخصيص السماء باليمين والأرض بالشمال بحسب شرف المقبوض؛ لشرف العلويات على السفليات، وإلا فلا يمينَ له حقيقةً، ولا شمال.
"وفي رواية: ثم يأخذهن بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون"؟
* * *
٤٢٧٩ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: "جَاءَ حَبْرٌ منَ اليهودِ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا مُحَمَّدُ! إنَّ الله يُمسِكُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامةِ على إِصبَعٍ، والأَرضينَ على إِصْبَعٍ، والجبالَ والشَّجَرَ على إِصبَع، والماءَ والثَّرَى على إِصْبَعٍ، وسائِرَ الخَلْقِ على إِصبَعٍ، ثم يَهُزُّهُن فيقولُ: أنا الملِكُ، أنا الله، فَضَحِكَ رسولُ الله ﷺ تَعَجُّباً مِمَّا قالَ الحَبْرُ تَصْدِيقاً لهُ، ثُمَّ قَرأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمَّد! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع": يراد به: سعة القدرة.