Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
"فيتمثل لهم الشيطانُ، فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ ": (ما) هذه استفهامية؛ أي: أي شيء تأمرنا؟
"فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك"؛ أي: في عبادتها.
"دارٌّ"؛ أي: نازل.
"رزقهم، حسن عيشهم، ثم يُنفَخُ في الصور، فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى"؛ أي: أمال.
"لِيتًا": بكسر اللام؛ أي: صفحة عنقه.
"ورفع ليتاً"؛ يعني: من سمع ذلك يسقط رأسه إلى أحد شقيه خوفاً ودهشة، فتسقط قواه، فيميل ليتًا، ويرفع ليتًا.
"وأول من يسمعُهُ رجلٌ يلوط حوضَ إبله"؛ أي: يطينه ويصلحه.
"فيصعق"؛ أي: يموت هو، "ويصعق الناس"؛ أي: يموتون، والصعق: أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما استُعمِلَ في الموت كثيرًا.
"ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطَّلُّ" بفتح الطاء: أضعف المطر.
"فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون"؛ أي: فإذا جميع الخلائق يقومون من قبورهم، وينظرون أهوال يوم القيامة.
"ثم يقال: يا أيها الناس هلم": اسم فعل يستوي فيه الواحد والجمع؛ أي: تعالوا وارجعوا.
"إلى ربكم: " ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ ": الخطاب فيه للملائكة، وضمير المفعول للناس؛ أي: احبسوهم وقفوهم.
" ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] "، فيسألون، "ثم يقال: اخرجوا بعث النار":
стр. 2907
(البعث): الجماعة يبعثون لأمر إلى موضع، والمراد: المبعوثون إلى النار.
"فيقال: من كم كم؟ ": هذا استفهام عن مقدار المخرج منه والمخرج، قيل: (كم) الأولى خبر مقدم، و (كم) الثانية مبتدأ.
"فيقال: من كل ألف تسع مئة": مفعول فعل محذوف؛ أي: أخرجوا تسع مئة "وتسعة وتسعين": قيل: هم ممن استوجبَوا النار بذنوبهم، يُعرضون عليها، ويُتركون فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبهم، ويجوز أن يُصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة.
"قال: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ": جمع وليد، وهو الصبي.
" ﴿شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ": جمع أشيب؛ أي: يصير الأطفال شيبًا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، ويجوز أن يراد به: عظم الأهوال، لا حقيقة صيرورتهم شيبًا؛ يعني: لو أن وليدًا شابَ من واقعة عظيمة، لكان شاب في ذلك اليوم.
"وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] "؛ أي: عن أمر عظيم، وهو: أهوال القيامة، والساق: الشدة والمشقة، يقال: كشفت الحربُ عن الساق: إذا اشتد الأمر في الحرب.
مِنَ الحِسَان: * * *
٤٢٧٥ - عن مُعاوِيَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ منْ مَغْرِبها".
"من الحسان":
" عن معاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله ﷺ : لا تنقطع الهجرةُ"؛ أي: من المعاصي إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإيمان" أو عن ديار الشر إلى ديار الخير.
стр. 2908
"حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها".
* * *
١ - باب النَّفْخِ في الصورِ
(باب النفخ في الصور)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٧٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "ما بينَ النَّفْختَيْنِ أَرْبعون"، قالوا: يا أبا هُريرةَ! أَرْبعونَ يَوْماً؟ قال: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ شَهْراً؟ قالَ: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ، "ثمَّ يُنزِلُ الله منَ السَّماء ماءً فيَنبُتونَ كما ينبُتُ البقْلُ"
قالَ: "وليسَ مِنَ الإنسانِ شَيْءٌ لا يَبْلَى إلا عَظْمًا واحِداً، وهوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، ومنهُ يُركبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ".
وفي رِوايةٍ: "كُلُّ ابن آدمَ يَأكلُهُ التُّرابُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منهُ خُلِقَ وفيه يُركَبُ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ما بين النفختين"؛ أي: نفخة النشور ونفخة الصعق.
"أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ"؛ أي: امتنعت عن الجواب، فإني لا أعلمه.
"قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ"، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره! أربعون سنة.
стр. 2909
"ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى": خبر (ليس)، وقوله: (من الإنسان) في المعنى صفة لي (شيء)، فلما تقدم على موصوفه انتصبَ على الحال.
"إلا عظما واحداً": استثناء من موجب؛ لأن نفي النفي إثبات، فيكون تقديره: كل شيء من الإنسان يبلى إلا عظمًا واحدًا.
"وهو عَجْبُ الذنب" بفتح العين وسكون الجيم: عظم في أسفل الصُّلب عند العجز بين الأليتين، والمراد منه: طول بقائه تحت التراب، لا أنه لا يبلى أصلًا؛ فإنه خلاف المحسوس، والحكمة فيه: أنه قاعدة بدن الإنسان وأساسه، فبالحريِّ أن يكون أصلبَ من الجميع، فيكون أطول بقاء، "فمنه يُركَب الخلق يوم القيامة".
"وفي رواية: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجيب الذنب، فمنه خُلِق، ومنه يركَّب": قيل: خُصَّ منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن الله حرم على الأرض أجسادهم.
* * *
٤٢٧٧ - وقال: "يَقْبضُ الله الأَرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينهِ، ثمَّ يقولُ: أنا المَلكُ، أَيْنَ مُلوكُ الأَرْضِ؟ ".
"وقال: يقبض الله الأرضَ يوم القيامة": فهذا تصوير لكمال القدرة، ونفاذ التصرف فيها.
"ويطوي السماءَ بيمينه"؛ أي: بقدرته، والمراد من الطي: التسخير التام، والقهر الكامل.
"ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"؟
* * *
стр. 2910
٤٢٧٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَطوِي الله السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ المُتكَبرُونَ؟ ثمَّ يَطْوِي الأَرْضينَ بشِمالِه - وفي رِوايةٍ: ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه الأُخْرىَ - ثمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجَبَّارونَ؟ أينَ المُتكبرونَ؟ ".
"عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يطوي الله تعالى السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله": تخصيص السماء باليمين والأرض بالشمال بحسب شرف المقبوض؛ لشرف العلويات على السفليات، وإلا فلا يمينَ له حقيقةً، ولا شمال.
"وفي رواية: ثم يأخذهن بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون"؟
* * *
٤٢٧٩ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: "جَاءَ حَبْرٌ منَ اليهودِ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا مُحَمَّدُ! إنَّ الله يُمسِكُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامةِ على إِصبَعٍ، والأَرضينَ على إِصْبَعٍ، والجبالَ والشَّجَرَ على إِصبَع، والماءَ والثَّرَى على إِصْبَعٍ، وسائِرَ الخَلْقِ على إِصبَعٍ، ثم يَهُزُّهُن فيقولُ: أنا الملِكُ، أنا الله، فَضَحِكَ رسولُ الله ﷺ تَعَجُّباً مِمَّا قالَ الحَبْرُ تَصْدِيقاً لهُ، ثُمَّ قَرأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمَّد! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع": يراد به: سعة القدرة.
стр. 2911
"والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهنَّ فيقول: أنا الملك، أنا الله، فضحك رسول الله ﷺ تعجباً مما قال الحبرُ تصديقاً له، ثم قرأى؛ أي: رسول الله ﷺ .
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عرفوه حقَّ معرفته.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾: الواو للحال؛ أي: والأرضون السبع.
﴿قَبْضَتُهُ﴾؛ أي: مقبوضة.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ يعني: في ملكه وتصرفه، يتصرف فيها كيف يشاء بلا مزاحم مع سهولة؛ أي: هن بعظمتهن بالنسبة إلى قدرته تعالى ليست إلا قبضة واحدة.
﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: مجموعات بقدرته.
أو معناه: مفنيات بقسَمِهِ؛ لأنه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنه يفنيها، وفيه تنبيه للناس على عظمته؛ ليعرفوه حق معرفته، ويعظموه حق عظمته، ولا يصفوه كما وصفه اليهود والمشركون بنسبة الولد إليه والشريك.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]؛ أي: نزَّه نفسه تنزيها وتعظَّم عما يصفون له مما لا يليق بذاته وصفاته.
* * *
٤٢٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: سَاَلْتُ رسولَ الله ﷺ عنْ قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: فأَينَ يكونُ النّاسُ يومئذٍ؟ قالَ: "علَى الصِّراطِ".
"عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن قوله:
стр. 2912
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: التبديلُ: تغييرُ الشيء عن حاله، والإبدال: جعل الشيء مكان آخر.
قال الأزهري: تبديل الأرض: تسيير جبالها، وتفجير أنهارها، وتكوينها مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتبديل السموات: بانتشار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسف قمرها.
"فأين يكون الناس يومئذ؟ فقال: على الصراط".
* * *
٤٢٨١ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكوَّرانِ يَوْمَ القِيامَةِ".
"قال ﵊: الشمس والقمر مكوَّرانِ يوم القيامة"؛ أي: مجموعان ومكفوفان، ومنه تكوير العمامة، وقيل: يُلفُّ ضوءهما لفًّا، فيذهب انبساطهما في الآفاق، وقيل: من (كوَّره): إذا ألقاه، فمعناه: يلقيان من فلكيهما.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٨٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أَنْعَمُ وصاحِبُ الصُّورِ قدِ التَقَمَهُ، وأصْغَى سَمْعَهُ، وحنَى جَبْهَتَهُ متَى يُؤمَرُ بالنفْخ؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله! وما تأمُرُنا؟ قال: "قُولُوا: حَسْبنا الله ونعْمَ الوَكيلُ".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أي: كيف أَنْعَمُ"؛ أي: كيف أتنعم؟ وقيل: كيف أفرح؟
"وصاحبُ الصور قد التقمه"؛ أي: وضع طرف الصور في فيه.
"وأصغى سمعه"؛ أي: أمال أذنه.
стр. 2913
"وحنى جبهته"؛ أي: أمالها ينتظر.
"متى يُؤمَرُ بالنفخ، فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله": وهو مبتدأ، خبره (حسبنا)؛ أي: كافينا.
"ونعم الوكيل"؛ أي: نعم الموكول إليه الله، فعيل بمعنى: مفعول، والمخصوص بالمدح محذوف.
٤٢٨٣ - عن عبد الله بن عَمْرٍو ﵁، عَن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الصُّورُ قَرْن يُنْفَخُ فيهِ".
"عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الصورُ قرنٌ ينفخ فيه": قيل: دائرة رأسه كعرض السموات والأرض.
* * *
٢ - باب الحَشْرِ
(باب الحشر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٨٤ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ على أَرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَم لأَحَدٍ".
"من الصحاح":
" قال رسول الله ﷺ : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء"؛ أي: خالية من الغرس.
"عفراء": وهي البيضاء التي ليست بشديدة البياض.
стр. 2914
"كقُرصةِ النقيِّ": وهو صفة لمحذوف؛ أي: الخبز النقي، يريد بذلك: استدارتها واستواء أجزائها، شبَّهها بقرصة النقي باعتبار صغر أجزائها؛ لأنها تدكُّ يومئذ دكًا.
"ليس فيها علم لأحد": من الأبنية وغيرها، بل تكون مستوية؛ لئلا يختفي بها أحد.
* * *
٤٢٨٥ - وقالَ: "تكونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يتكَفَّؤُها الجَبَّارُ بيدِه، نزلاً لأَهْلِ الجَنَّةِ".
"وقال: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة": معناه كمعنى قُرصة النقي.
"يتكفَّؤها الجبارُ": صفة (خبزة)؛ أي: يقلبها ويميلها ويبدلها.
"بيده نزلاً لأهل الجنة": و (النزل) بالضم: ما يُهيَّأ للنزيل، وهو الضيف.
وقيل: المراد ما عند الله من الأجر والثواب.
وقيل: أنه ﷺ لم يرد أن جرم الأرض ينقلب يومئذ في الشكل والطبع خبزة واحدة، بل أراد به: أنها تكون حينئذ بالنسبة إلى ما أعده الله تعالى لأهل الجنة كقرصة النقي يستعجل المضيف بها نزلاً للضيف، ونبه ﷺ بذلك على عظم نعم الآخرة، وحقارة نعم الدنيا بالإضافة، وأشار إلى سهولة تصرفه فيها.
ومنهم من أجرى الحديث على ظاهره، فإن الله تعالى قادر على أن يقلب طبع الأرض إلى طبع المطعوم.
* * *
стр. 2915
٤٢٨٦ - وقال: "يُحْشَرُ النَّاسُ على ثلاثِ طرائِقَ: راغِبينَ راهِبينَ، واثنانِ على بعيرٍ، وثلاثة على بَعيرٍ، وأَرْبَعة على بَعيرٍ، وعَشَرة على بَعيرٍ، وتَحْشُرُ بقيتَهُمُ النَّارُ، تَقيلُ مَعَهُمْ حيثُ قالُوا، وتَبيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبحُ مَعَهُمْ حيثُ أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حيثُ أَمْسَوْا".
"وقال: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثِ طرائقَ"؛ أي: ثلاث فرق.
"راغبين"؛ أي: الأول: قوم يرغبون، ويحرصون باختيارهم إلى أرض المحشر، وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم أصحاب اليمين.
"راهبين"؛ أي: الثاني: قوم يرهبون؛ أي: يخافون، يريد به: عوام المؤمنين الذين يترددون بين الخوف والرجاء؛ فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم، وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات، وهم أصحاب الميمنة.
"واثنان على بعير": الواو للحال.
"وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير": يريد: أنهم يتناوبون، يعتقبون البعير الواحد، والأولى أن يُحمَل ذلك على الاجتماع؛ لأن في الاعتقاب لا يكون الاثنان ولا الثلاثة على بعير، وهذا تفصيل لمراتبهم ومنازلهم في السبق وعلو الدرجة على سبيل الكناية والتمثيل، وأن تفاوتهم في المراكب بحسب تفاوت نفوسهم واختلاف أقدامهم في العلم والعمل، فمن كان أعلى مرتبة كان أقل شركة وأشد سرعة وأكثر سباقاً، وإنما لم يذكر منهم من يتفرد على بعير؛ لأن ذلك مخصوص بالأنبياء إكرامًا لهم، فالمراد بالناس: غير الخواص.
"وتحشر بقيتهم النار"؛ أي: الثالث: قوم تسوقهم النار، وهم أصحاب المشأمة.
стр. 2916
"تقيل معهم": من القيلولة، وهي النوم في الظهيرة؛ أي: تقيل النار مع المحشورين
"حيث قالوا، وتبيت"؛ أي: النار "معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا"؛ يعني: تلازمهم النار في جميع أحوالهم، بحيث لا تفارقهم أصلًا، ولا يفارقونها، وهم الكفرة.
وقيل: هذا الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة أحياء إلى الشام بقرينة قيلولتهم وبيتوتهم؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون في الدنيا.
وهذا آخر أشراط الساعة، كما في حديث آخره: "وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تطرد الناس إلى محشرهم"، فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور؛ فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، وإنما هو كما أخبر: أنهم يبعثون حفاة عُراة غُرلاً، كما في الحديث التالي.
وقيل: يكون بعد البعث؛ لأن الحشر إذا ذُكِر مطلقًا يُصرَف إلى ما بعد الموت، وهو مختار الإِمام التوربشتي؛ لما رُوِي عن أبي هريرة ﵁: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم"، وكونهم حفاة عراة لا ينافي كونهم ركباناً.
* * *
٤٢٨٧ - وقالَ: "إنَّكم مَحْشورونَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، "وأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يومَ القِيامةِ إبراهيمُ، وإنَّ ناساً منْ أَصْحابي يُؤْخَذُ بهمْ ذاتَ الشِّمالِ فأقولُ: أَصْحابي، أَصْحابي، فيقولُ: إنَّهُمْ لنْ يَزالوا مُرْتَدِّينَ على أَعْقابهم مُذْ فارَقْتَهُمْ، فأقولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
стр. 2917
"وقال: إنكم تحشرون حُفاة": جمع الحافي، نصب على الحال.
"عُراة": جمع العاري.
"غُرْلاً" بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة: جمع الأغرل، وهو الأقلف، والغُرْلة: القُلْفة.
"ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾: الكاف متعلق بمحذوف دلَّ عليه (نعيده)، تقديره: نعيد الخلق إعادةً مثل الخلق الأول؛ يعني: بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾؛ أي: واجبًا علينا إنجازه، نصب على المصدر من غير لفظ الفعل؛ لأن الإعادة ومحمد، ويجوز أن يكون (علينا) صفة لـ (وعدا)؛ أي: وعداً واجبًا علينا بإيجابنا.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ أي: الإعادة والبعث.
"وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم"، وإنما خُصَّ بكرامة الكسوة أولًا؛ لأنه أول من عُرِّي وجُرِّد في سبيل الله من النبيين حين أرادوا إلقاءه في النار، لا لأنه أفضل من نبينا ﷺ ؛ لأنه تعالى اختصه بفضائل لم يشاركه فيها أحدٌ من النبيين، أو لكون إبراهيم ﵇ أباه، وتقدمه في اللباس لغرة الأبوة، والحديث مخصوص بنبينا ﷺ ، لكن في غير هذه الرواية: أن نبينا ﷺ يُكسَى على أثره.
"وإن ناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أُصيحابي! أصيحابي! ": تصغير أصحاب، وهو جمع قلة، وإنما صُغِّر لقلة عددهم، وهم الذين دخل عليهم بعده ﷺ دواخلُ الشيطان، فأخلدوا إلى الدنيا، قيل: كثعلبة، وبسر بن أرطاة.
"فيقول"؛ أي: قائل، أو مجيب، أو مناد.
стр. 2918
"إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم حين فارقتهم": لم يرد به الردة عن الإِسلام؛ إذ لم يرتد أحدٌ من الصحابة، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، بل المعنى: تخلفوا عن بعض الحقوق الواجبة، وأساءوا السيرة، بدليل التقييد بـ (على أعقابهم).
"فأقول كما قال العبد الصالح": وهو عيسى ﵇.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: رقيباً أمنعهم من الكفر.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أي: قبضتني ورفعتني إليك.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾؛ أي: الحفيظ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: تحفظ أعمالهم، ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾: بإقامتهم على الكفر.
﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: أحقاء بالتعذيب؛ لأنك المالك المتصرف.
﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: للمؤمنين منهم، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
"إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ": تلخيصه: إن تعذب فعدل، وإن تغفر ففضل.
* * *
٤٢٨٨ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلاً"، قلتُ: يا رسولَ الله! الرِّجالُ والنِّسَاءُ جَميعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ؟ فقالَ: "يا عائشةُ! الأَمرُ أَشَدُّ مِنْ أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ".
"عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر
стр. 2919
الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلاً، قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظرَ بعضهم إلى بعض": المراد من الأمر: أهوال يوم القيامة وشدته من دنو الشمس، وطول الموقف، والسؤال والحساب.
* * *
٤٢٨٩ - عن أنس ﵁: أنَّ رَجُلاً قالَ: يا نبيَّ الله! يُحْشَرُ الكافِرُ على وَجْههِ يومَ القِيامَةِ؟ قال: "أليْسَ الذِي أمْشاهُ على الرِّجلَيْنِ في الدُّنيا قادِرٌ على أنْ يُمْشِيَه على وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ ".
"عن أنس ﵁: أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ": قيل: كان سؤال السائل عند نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ الآية، فإن الحشر إذا كان على الوجه، يفهم منه أن المشي يكون كذلك باستصحاب الحال، كأن السائل قال: كيف يمشي الكافر على وجهه؟
* * *
٤٢٩٠ - عن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "يَلقَى إبراهيمُ أباهُ يومَ القِيامَةِ وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقولُ لهُ إبراهيمُ: ألمْ أقُلْ لكَ: لا تَعْصِني؟ فيقولُ لهُ أبوهُ: فاليَوْمَ لا أَعصِيكَ، فيقُولُ إبراهيمُ: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخزِيَني يَوْمَ يُبعَثونَ، فأيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أبي الأَبْعَدِ؟ فيقولُ الله : إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ على الكافِرينَ، ثُمَّ يُقالُ لإبراهيمَ: ما تحتَ رِجلَيْكَ؟ فينظُرُ فإذا هوَ بذِيخٍ مُتَلطّخٍ، فيُؤخَذُ بقَوائِمِهِ فيُلقَى في النَّارِ".
стр. 2920
"عن أبي هريرة ﵁[قال]: قال النبي ﷺ : يلقى إبراهيم ﵇ أباه يوم القيامة وعلى وجه آزرَ" بالمد: اسم أبي إبراهيم ﵇.
"قتَرةٌ وغبرةٌ": وهما بفتحتين بمعنى، وقيل: القترة: غبارٌ معه سواد، وعن ابن زيد: القترة: ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، والغبرة: ما كان أسفل في الأرض.
"فيقول له إبراهيم: ألم أقلْ لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليومَ لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزي أخزى من أبي"؛ أي: من خزي أبي "الأبعد؟ "؛ أي: الأهلك، والبعد: الهلاك، أو الأبعد من رحمة الله تعالى، وفي خزي الأب إهانة الابن.
"فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين": أجيب إبراهيم ﵇ بأن تعذيب الكافر ليس خزياً بالحقيقة، والوعد حينئذ بأن لا يخزيه؛ أي: في نفسه، وفي حق مَنْ لا يستحقُّ الخزيَ.
"ثم يقال لإبراهيم: انظر ما تحت رجليك؟ ": (ما) استفهام مبتدأ، وخبره (تحت)، ويحتمل أن يكون بمعنى: الذي؛ أي: انظر إلى الذي تحت رجليك.
"فينظر فإذا هو بِذِيْخ" بالذال المعجمة المكسورة، والياء الساكنة المثناة من تحت والخاء المعجمة: ولد الضبع، والأنثى: ذيخة؛ أي: غُير أبوه على صورة ذيخ.
وفي بعض بالباء الموحدة الساكنة، والحاء المهملة، وهو: ما يذبح.
"متلطخ"؛ أي: برجيعه، أو بالطين.
"فيؤخذ بقوائمه": جمع قائمة، وهي ما تقوم به الدوابُّ بمثابة الأرجل من الإنسان.
стр. 2921
"فيلقى في النار": حوَّل الله تعالى صورته إلى تلك الصورة تسليةً لإبراهيم ﵇؛ لئلا يخزيه لو رآه قد ألقاه في النار على صورته.
* * *
٤٢٩١ - وقالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبعينَ ذِراعًا، ويُلْجمهُمْ حتَّى يَبْلُغَ آذانَهُمْ".
"وقال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً": قيل: سبب هذا العرق تراكم الأهوال، وتزاحم حرِّ الشمس والنار، كما جاء في الرواية: أن جهنم تُديرُ أهلَ المحشر يوم القيامة، فلا يكون للجنة طريق إلا الصراط.
"ويلجمهم"؛ أي: يصلُ العرق إلى أفواههم، فيصير لهم كاللجام يمنعهم عن الكلام.
"حتى يبلغ آذانهم".
* * *
٤٢٩٢ - وقال ﷺ "تُدْنىَ الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ حتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كمِقْدارِ مِيلٍ، فَيكونُ النَّاسُ على قَدْرِ أَعْمالهِمْ في العَرَقِ، فمِنْهُمْ مَنْ يكونُ إلى كَعْبَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى رُكبتَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى حَقْويهِ، ومنهُمْ مَنْ يُلْجمُهُ العَرَقُ إِلْجاماً". وأَشَارَ رسولُ الله ﷺ بيدِه إلى فيهِ.
"وقال ﷺ : تُدنى الشمسُ يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل": أراد به: الميل الذي تكتحل به العين، وقيل: ثلث فرسخ، وقيل: قطعة من الأرض ما بين العلمين، وقيل: مد البصر.
"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه،
стр. 2922
ومنهم من يكون إلى رُكبتيه، ومنهم من يكون إلى حَقْويه": الحَقْو: معقد الإزار، وهو الخاصرة.
"ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، وأشار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده إلى فيه": فإن قلت: إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض، فكيف يصل إلى كعبي الآخر؟
قلت: يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض تحت أقدام البعض.
أو يقال: يمسك الله عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يصلُ إلى غيره منه شيء، كما أمسك جَرْية البحر لموسى وقومه حين اتبعهم فرعون.
* * *
٤٢٩٣ - عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله تعالَى: يا آدمُ! فيقُولُ: لبّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، قال: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وتسْعَة وتِسْعونَ، فعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ "، قالوا: يا رسولَ الله! وأينا ذلكَ الوَاحِدُ؟ قال: "أَبْشِرُوا، فإنَّ مِنْكُم رَجُلاً، ومِنْ يأجُوجَ ومأجوجَ ألفًا، ثُمَّ قال: "والذِي نَفْسِي بيدِه، إنِّي أَرْجُو أنْ تكونوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فكَبَّرنا، فقال: "أرجُو أنْ تكونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنةِ" فكبَّرنا، فقال: "أرجُو أنْ تكونوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ"، فكبرنا، قال: "ما أنتُم في النَّاسِ إلَّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداء في جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أو كشَعرَةٍ بيضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁: قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى"؛ أي في يوم الموقف.
стр. 2923
"يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير بيديك، قال: أخرجْ بعثَ النار"؛ أي: الجماعة المبعوث لها.
"قال: وما بعثُ النار؟ ": (ما) بمعنى: كم العددية.
"قال"؛ أي: الله تعالى: "من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده"؛ أي: عند ذلك التقاول "يشيبُ الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ "، وهما كنايتان عن شدة أهوال يوم القيامة، معناه: لو تصورت الحوامل والصغائر هنالك لوضعن أحمالهن، ولشاب الصغائر، وإنما خص آدم بهذا الخطاب؛ لأنه أصل الجميع.
وَتَرَى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾؛ أي: من الخوف.
﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾؛ أي: من الخمر.
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] , قالوا: يا رسول الله! وأيُّنا ذلك الواحد": الباقي من الألف.
"قال: أبشروا؛ فإن منكم رجلاً": الخطاب للصحابة وغيرهم من المؤمنين.
"ومن يأجوج ومأجوج ألفًا، ثم قال: والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، قال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود"؛ يعني: أنتم قليلون بالإضافة إلى الأمم السالفة، أو الكفار مطلقًا.
* * *
٤٢٩٤ - وقالَ: ﷺ "يَكْشِفُ ربنا عنْ ساقِهِ، فيَسْجُدُ لهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ،
стр. 2924
وَيبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ في الدُّنيا رِياءً وسُمْعَةً، فيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِداً".
"وقال: يكشِفُ ربنا عن ساقه": معناه عند المؤوِّلين: مَثَلٌ في شدة الأمر وصعوبة الخطب، والأصل فيه: أن يموت الولد في بطن الناقة، فيدخل الرجل يده في رحمها، فيأخذ بساقه؛ ليخرجه، فإذا هو الكشف عن الساق، ثم استعمل في كل أمر فظيع، وأضافَ الساق إلى ربنا؛ تنبيهاً على أن الساق هي الشدة التي لا يُجلِّيها لوقتها إلا هو.
"فيسجد له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة": السُّمعة، الصيت والشهرة.
"فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحد": الطبق: فِقارُ الظهر، واحدها: طبقة، يريد: أنه تفسير فِقاره كلها كالفقرة الواحدة، فلا يقدر عَلى السجود.
* * *
٤٢٩٥ - وقالَ ﷺ : "لَيَأتيَنَّ الرَّجُلُ العَظيمُ السَّمِيْنُ يَوْمَ القيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ"، وقالَ: "أقرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ".
"وقال ﷺ : ليأتي الرجلُ العظيمُ السمين يوم القيامة لا يزنُ عند الله جناحَ بعوضة"؛ أي: ما له قدر ومنزلة؛ لخسته وحقارته.
"وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] "؛ أي: قدراً.
مِنَ الحِسَان:
* * *
стр. 2925
٤٢٩٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قرأَ رسولُ الله ﷺ هذِه الآيةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قالَ: "أتدْرونَ ما أَخْبارُها؟ " قالوا: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "فإنَّ أَخْبارَها أنْ تَشْهَدَ على كُل عبدٍ أو أَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها، أنْ تقولَ: عَمِلَ عليَّ كذا يومَ كذا وكذا، قالَ: فهذِه أَخْبارُها"، غريب.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] "؛ أي: الأرض أخبارها.
"وقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل عليَّ كذا وكذا، يوم كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها".
"غريب".
* * *
٤٢٩٧ - وقال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أحَدٍ يَمُوتُ إلا نَدِمَ". قالوا: وما نَدامَتُهُ يا رسولَ الله؟ قالَ: "إنْ كانَ مُحْسِناً نَدِمَ أنْ لا يكونَ ازدادَ، وإنْ كانَ مُسِيئاً نَدِمَ أنْ لا يكونَ نزَعَ".
"وقال"؛ أي: أبو هريرة ﵁: "قال رسول الله ﷺ : ما من أحدٍ يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسناً، ندم أن لا يكونَ ازداد"؛ أي: خيرًا.
"وإن كان مسيئاً، ندم أن لا يكون نزَعَ"؛ أي: كفَّ نفسه عن ارتكاب المعاصي.
* * *
стр. 2926
٤٢٩٨ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القِيامةِ ثَلاثَةَ أَصْنافٍ: صِنْفاً مُشَاة، وصِنْفاً رُكباناً، وصِنْفَا على وجُوهِهمْ" قيلَ: يا رسولَ الله! وكيفَ يَمْشونَ على وجُوهِهم؟ قال: "إنَّ الذِي أمْشاهُمْ على أَقْدامِهِمْ قادِرٌ على أنْ يُمشِيَهُمْ على وجُوهِهِمْ، أما إنَّهمْ يتَّقونَ بِوُجُوهِهمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : يحشر الناسُ يوم القيامة ثلاثةَ أصناف: صنفاً مشاة": إنما بدأ بالمشاة دون الركبان؛ لأنهم الأكثرون من أهل الإيمان.
"وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم، قيل: يا رسول الله! وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيهم على وجوههم، أما" بالتخفيف: كلمة تنبيه.
"إنهم"؛ أي: الكفرة.
"يتقون"؛ أي: يحترزون.
"بوجوههم كلَّ حدب": وهو ما ارتفع من الأرض.
"وشوك"؛ يعني: يجعلون وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى؛ لأجل أن غُلَّت أيديهم وأرجلهم، وفي الدنيا الأمر على العكس، وهذا بيان لغاية هوانهم وبلوغ اضطرارهم إلى حدِّ أن جعلوا وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن كل مُؤذٍ للبدن، وذلك لأنهم لم يسجدوا بوجوههم لمن خلقها وصوَّرها، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] فشروا بأنه يلقى الكافر مغلولًا في النار، فلا يقدر أن يدفعَ عن نفسه النار إلا بوجهه.
* * *
стр. 2927
٤٢٩٩ - عن ابن عُمَر ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيقرأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
"عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة"؛ أي: إلى أهوالها.
"كأنه رأيُ عين"؛ أي: مرئيُّها.
"فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير: ١] و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١] و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] ": فإن هذه السور مشتملة على ذكر أحوال القيامة.
* * *
٣ - باب الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ
(باب الحساب والقصاص والميزان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣٠٠ - عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يدخلُ منْ أُمَّتي الجَنَّةَ سَبعونَ ألفًا بغيرِ حِساب".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : يدخل من أمتي الجنة سبعونَ ألفًا بغير حساب": يحتمل أن يراد به الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
٤٣٠١ - عن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ أَحَدٌ
стр. 2928
يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ إلَّا هَلَكَ"، قلتُ: أَوَ ليسَ يقولُ الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ نقالَ: "إنَّما ذلكَ العَرْضُ، ولكنْ مَنْ نُوقشَ في الحِسابِ يَهلِكُ".
"عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك"؛ أي: على تقدير المناقشة؛ أي: الاستقصاء في الحساب.
"قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨]؟! قال: إنما ذلك"؛ أي: الحسابُ اليسيرُ "العرضُ"؛ أي: في عرض عمله، لا في الحساب على ما ينبغي.
"ولكن من نُويشَ في الحسابِ يهلك": يقال: ناقشه في الحساب؛ أي: عاسره فيه، فلا يترك قليلاً ولا كثيرًا.
* * *
٤٣٠٢ - وقالَ ﷺ : "ما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سيُكلمُهُ ربُّه، ليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرجُمان ولا حِجاب يَحجُبُهُ، فيَنظُر أيمنَ منهُ فلا يَرى إلَّا ما قدَّمَ منْ عَمَلِهِ، وينظُرُ أشْأَمَ منهُ فلا يرَى إلَّا ما قَدَّمَ منْ عَمَلِهِ، ويَنْظُرُ بينَ يدَيْهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ تِلْقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بشِقِّ تَمْرَة".
"وقال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه"؛ أي: ليس بين ربه تعالى وبين العبد.
"تُرجمان" بضم التاء والجيم وبفتح التاء أيضًا؛ يعني: مفسِّر.
"ولا حجابٌ يحجبه"؛ أي: تحجب ذلك الحجاب العبد من ربه.
"فينظر"؛ أي: العبد.
"أيمنَ منه"؛ أي: يمينًا حيرة ودهشة من ذلك الموقف.
"فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله": الذي عمله في الدنيا.
стр. 2929
"وينظر أشأمَ منه"؛ أي: شمالاً.
"فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه، فاتقوا النارَ"؛ أي: فإذا كان كذلك، فاحذروا النار.
"ولو بشقِّ تمرة"؛ أي: ولو بشيء يسير من عمل البر.
* * *
٤٣٠٣ - وقالَ ﷺ : "إنَّ الله يُدْني المُؤْمِنَ فيضَعُ عليهِ كَنَفَهُ وَيسْترُه فيقولُ: أتعْرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيقولُ: نعمْ، أيْ رَبِّ! حتَّى إذا قرَّرَهُ بذُنوبهِ ورأَى في نَفْسِهِ أنَّهُ هَلَكَ قالَ: ستَرتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليَوْمَ، فيُعْطَى كتابَ حَسناتِهِ، وأمَّا الكُفارُ والمُنافِقُونَ فيُنادَى بهِمْ على رؤُوسِ الخَلائقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ".
"وقال: إن الله تعالى يدني المؤمنَ"؛ أي: يقربه قربَ كرامةٍ لأقرب مسافة.
"فيضعُ عليه كَنَفه": بالتحريك؛ أي: جانبه، وهذا تمثيلٌ معناه: إظهار عنايته عليه، وصونه عن الخزي بين أهل الموقف، كمن يضع كنف ثوبه على رجل إذا أراد صيانته.
"ويستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب! حتى [إذا] قرره بذنوبه"؛ أي: جعله مقراً بها.
"ورأى في نفسه"؛ أي: علم الله أنه في ذاته: "أنه هلك"؛ أي: المؤمن، ويجوز أن يكون الضمير في (رأى) للمؤمن، والواو للحال.
"قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم": تقديم (أنا) يفيد التخصيص؛ لأن الذنوب لا يغفرها يومئذ إلا الله.
стр. 2930
"فيعطى": علي بناء المجهول؛ أي: المؤمن.
"كتابَ حسناته": بالنصب مفعوله الثاني.
"وأما الكفار والمنافقون؛ فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
* * *
٤٣٠٤ - وقالَ ﷺ : "إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دفعَ الله إلى كُلِّ مُسْلِم يَهودياً أو نصرانِيًّا فيقولُ: هذا فَكاكُكَ مِنَ النَّارِ".
"وقال ﷺ : إذا كان يوم القيامة": (كان) هذه تامة.
"دفع الله إلى كل مسلم"؛ أي: أعطاه "يهودياً، أو نصرانياً، فيقول: هذا فِكاكُكَ من النار": (فِكاكُ الرهن) بكسر الفاء وفتحها: ما يفتك به؛ أي: يخلِّص؛ يعني: كان لك منزل في النار، لو كنت استحققته، لدخلتَ فيه، فلما استحقه هذا الكافر، صار كالفِكاك لك؛ لأنك نجوت منه، وتعين الكافر له، فالقه في النار فداءك، لعل تخصيص اليهود والنصارى؛ لاشتهارهم بمضادة المسلمين.
* * *
٤٣٠٥ - وقالَ: "يُجَاءُ بنوْحٍ يومَ القِيامَةِ فيُقالُ له: هلْ بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعمْ، يا رَبِّ! فتُسألُ أمَّتُهُ: هلْ بلَّغَكُمْ؟ فيقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، فيُقالُ: مَنْ شُهودُكَ؟ فيقول: مُحَمَّد وأُمَّتُهُ"، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فيُجاءُ بِكُمْ فتَشْهَدونَ أنه قدْ بَلَّغَ"، ثُمَّ قَرأَ رسولُ الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
стр. 2931
"وقال ﷺ : يُجاء بنوح ﵇ يومَ القيامة، فيقال: هل بلغتَ؟ فيقول: نعم يا رب! فيسأل أمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا": (ما) فيه نافية.
"من نذير"؛ أي: منذر.
"فيقال: من شهودك؟ ": (من) فيه استفهامية، طلب الله من نوح شاهدًا على تبليغه أمته، وهو أعلم به؛ إقامةً للحجة عليهم.
"فيقول محمَّد وأمته، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فيجاء بكم، فتشهدون أنه قد بلَّغ"؛ أي: نوحًا قد بلغ أمته ما أوحى الله إليه وأنذرهم.
"ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾؛ أي: كما هديناكم، فضَّلناكم بأن جعلناكم ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا، أو عدولًا، وإنما كانت هذه الأمة وسطًا؛ لأنهم لم يغلوا غلوَّ النصارى، ولا قصَّروا تقصيرَ اليهود في تكذيب أنبيائهم وقتلهم إياهم.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: بأن يسأل ﵇ عن حال أمته، فيزكيهم، ويشهد بصدقهم، وإنما شهد أمة محمَّد ﷺ بذلك مع أنهم بعد نوح؛ لعلمهم بالفرقان أن الأنبياء كلهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به.
* * *
٤٣٠٦ - عن أنس ﵁ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسولِ الله ﷺ فضَحِكَ، فقالَ: "هلْ تَدْرونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قال: قُلنا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: "مِنْ مُخَاطَبةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يقولُ: يا رَبِّ! ألمْ تُجرْني مِنَ الظُّلم؟ "، قال: "فيقولُ: بَلَى"، قالَ: "فيقولُ: فإنِّي لا أُجيزُ على نفسِي إلَّا شاهِداً مِنِّي"، قال: "فيقولُ: كَفَى بنفْسِكَ
стр. 2932
اليَوْمَ عليكَ شَهيداً، وبالكِرامِ الكاتِبينَ شُهوداً"، قال: "فيُختَمُ على فيهِ، فيُقالُ لأَرْكانِهِ: انْطِقي"، قالَ؛ "فتَنْطِقُ بأَعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بينهُ وبينَ الكلامِ"، قال: "فيقولُ: بُعْداً لَكُنَّ وسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ ".
"عن أنس ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ ، فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تُجرْني من الظلم؟ "؛ أي: ألم تؤمِّني من أن تظلم علي؟
(قال: يقول)؛ أي: الله تعالى في جوابه العبد.
"بلى" قد أجرتك من الظلم.
"قال: فيقول"؛ أي: العبد.
"فإني لا أجيز" بالزاي المعجمة من الإجازة.
"على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا": نصب على الحال، و (عليك) متعلق به، خبر بمعنى الأمر؛ أي: اكتفى نفسُكَ في حال كونك شهيدا عليك.
"وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيُختَم على فيه"؛ أي: على فيه.
"فيقال لأركانه"؛ أي: لجوارحه.
"انطقي، فتنطق بأعماله": فتقول اليد: بي أخذت مال فلان وبطشت بفلان، والرجل: بي ذهبت إلى المعصية الفلانية، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
"ثم يخلَّى"؛ أي: العبد المختوم.
"بينه وبين الكلام"؛ أي: يرفع الختم عن فيه، فيقدر على التكلم.
"قال: فيقول، لجوارحه: "بعدًا لَكُنَّ وسحقًا": كلاهما بمعنى، منصوبان
стр. 2933
على المصدرية، وجب حذف فعلهما؛ لكثرة الاستعمال.
"فعنكنَّ كنتُ أناضل": يقال: ناضلت عنك؛ أي رميت عنك وحاججت ودافعت وتكلمت بعذرك، وأصل المناضلة: المراماة بالسهام.
والمراد هنا: المحاجة بالكلام؛ يعني: كنت أجتهد وأخاصم مع الله في خلاصكنَّ من النار، فأنتن تشهدن، وتلقين أنفسكنَّ في النار.
* * *
٤٣٠٧ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: يا رسولَ الله! هلْ نرَى ربنا يومَ القِيامةِ؟ قال: "هلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ في الظَّهيرَةِ ليسَتْ في سَحابَةٍ؟ " قالوا: لا، قالَ: "فهل تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ ليسَ في سَحابَة؟ " قالوا: لا، قالَ: "فوالذي نَفْسِي بيدِه، لا تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ ربكُمْ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيةِ أَحَدِهما. قال: "فيَلقَى العَبْدَ فيقولُ: أيْ فُلْ! ألَمْ كرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وأُسخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإبلَ وأدرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلَى". قالَ: "فيقولُ: أفَظننْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: فإنِّي قدْ أَنْساكَ كما نسِيتَني، ثُمَّ يَلقَى الثَّانيَ، فَذَكَرَ مِثْلَه، ثُمَّ يَلقَى الثَّالثَ فيقولُ لهُ مثلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! آمَنْتُ بكَ وبكتابكَ وبرُسُلِكَ، وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثني بخَيْر ما استَطاعَ، فيقولُ: ها هُنا إذًا، ثُمَّ يُقالُ: الآنَ نبعَثُ شاهِداً علَيكَ، ويتَفَكَّرُ في نفسِهِ: مَنْ ذا الذي يَشْهَدُ عليَّ؟ فيُختَمُ على فيهِ، ويُقالُ لفَخِذِه: انْطِقي، فتنطِقُ فخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِهِ، وذلكَ ليُعذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وذلكَ المُنافِقُ وذلك الذي سَخِطَ الله عَلَيهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضارون": يروى بالتشديد والتخفيف من (الضر) و (الضير)،
стр. 2934
وهما متقاربا المعنى؛ أي: لا تخالفون، ولا تجادلون.
"في رؤية الشمس"؛ لوضوحه وظهوره.
"في الظهيرة": نصف النهار.
"ليست في سحابة": جملة حالية.
وقيل: لا تَضارون بفتح التاء؛ أي: لا تظلمون؛ أي: لا تسترون في الرؤية؛ يعني: لا يلحقكم ضرر الازدحام لرؤيته عند النظر إليه.
"قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤبة القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما": وإنما قال ﷺ ذلك تحقيقا لرؤيته، وهو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي.
" قال: فيَلقَى"؛ أي: الرب.
"العبدَ، فيقول: أيْ فُل" بضم الفاء وسكون اللام، معناه: يا فلان! قيلْ هذا ليس ترخيمًا له؟ إذ لو كان ترخيمًا له لم تلحقه التاء في المؤنث نحو: يا فلة، ولم يحذف منه الألف.
"ألم أكرمك وأسوِّدك": من السيادة؛ أي: ألم أجعلك سيدًا؟
"وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك"؛ أي: أتركك.
"ترأس"؛ أي: تكون رئيسهم.
"وتربع"؛ أي: تأخذ المرباع من أموالهم، وهو الربع من رأس مالٍ غنموه عند غزو بعضهم بعضًا، كان الرئيس في الجاهلية يأخذه دون أصحابه، والمِرْباع أيضًا: ناقة تحمل قبل الوقت.
"فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننتَ أنك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول:
стр. 2935
فإني قد أنساكَ كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فذكر مثله، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني"؛ أي: على الله.
"بخير ما استطاع، فيقول ها هنا"؛ أي: أثبت مكانك.
وإذاً": حتى تعرف أعمالك.
"ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك، ويتفكَّر"؛ أي: العبد.
"في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ، فيُختَم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك"؛ أي: إنطاق أعضائه.
"ليُعذِرَ من نفسه": على بناء الفاعل من (الإعذار)؛ أي: ليزيل عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه، وشهادة أعضائه عليه بحيث لم يبقَ له عذرٌ يتمسَّك به.
"وذلك المنافقُ، وذلك الذي سخط الله عليه".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٣٠٨ - عن أبي أُمامَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "وَعَدَني ربي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ منْ أُمَّتي سَبْعينَ ألفًا لا حِسابَ عَلَيهمْ ولا عذابَ، معَ كُلِّ ألفٍ سَبْعونَ ألفاً، وثلاثُ حَثَياتٍ منْ حَثَياتِ ربي".
"من الحسان":
" عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: وعدني ربي أن يُدخِلَ الجنةَ من أمتي سبعين ألفًا": المراد منه الكثرة، لا العدد.
"لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفًا، وثلاثَ": بالنصب عطفًا على (سبعين).
стр. 2936
"حثيات": جمع حثية، وهي ملءُ الكف.
"من حثيات ربي": وهذا على وجه التمثيل والمبالغة في الكثرة بحيث يخفى على العادين تقديره وإحصاؤه؛ لأن حثيات الكريم لا تكون إلا كذلك، كما أن المأخوذ من التراب بالكف لا يُحصى ولا يعلم عدده، وإلا فلا كفَّ ثمةَ ولا حثيَ.
* * *
٤٣٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُعرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فأمَّا عَرْضَتانِ فجدال ومَعاذيرُ، وأمَّا العَرْضَةُ الثَّالثةُ فعِنْدَ ذلكَ تَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي فآخِذٌ بيَمينهِ وآخِذ بشِمالِهِ"، ضعيف.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يُعرَض الناس يوم القيامة ثلاثَ عرضات؛ فأما العرضتان فجدال": وهو عبارة عن دفع الذنوب عن الأنفس، لا سيما الكفار المنكرين لإبلاغ الرسل وتكذيبهم الأنبياء.
"ومعاذيرُ": جمع معذرة، وهي عبارة عن اعترافِ العبد بالذنوب والاعتذارِ عنها بالسهو والاضطرار ونحو ذلك.
"وأما العرضة الثالثة": فلقطعِ الخصومات، وإظهارِ الحق، وتقويةِ قول الأنبياء، وتأكيدِ شهادة الحفظة على صدق العبد أو كذبه.
"فعند ذلك تطاير": أصله تتطاير؛ أي: تتفرق.
"الصحف": جمع صحيفة، وهي المكتوب.
"في الأيدي، فآخذ بيمينه"؛ أي: بعضهم يأخذ كتابه بيمينه، وهم أهل السعادة.
стр. 2937
"وآخذٌ بشماله"؛ أي: بعضهم يأخذ كتابه بشماله، وهم أهل الشقاوة.
"ضعيف".
* * *
٤٣١٠ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله يَسْتَخْلِصُ رَجُلاً منْ أُمَّتي على رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ، فيَنْشُر عليهِ تِسْعَةً وتسعينَ سِجلًا، كُلُّ سِجل مِثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أتُنْكِرُ مِنْ هذا شَيْئاً؟ أَظَلَمَكَ كتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: أفلَكَ عُذر؟ قالَ: لا، يا رَبّ! فيقولُ: بَلَى، إنَّ لكَ عِنْدَنا حَسَنةً، وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليَوْمَ، فتُخرَجُ بِطاقة فيها: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احضُرْ وَزنَكَ، فيقولُ: يا رَب! ما هذهِ البطاقَةُ معَ هذهِ السجلاتُ؟ فيقولُ: إنَّكَ لا تُظلَمُ، قال: فتُوضَعَ السِّجلاتُ في كَفَّةٍ والبطاقَةُ في كَفةٍ، فطاشَتِ السِّجلاتُ وثَقُلتِ البطاقَةُ، فلا تثْقُلُ معَ اسم الله شَيْءٌ".
"وقال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى يستخلِصُ"؛ أي: يختار.
"رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سِجلاً": وهو الكتاب الكبير.
"كل سِجل مثل مدِّ البصر": وهذا عبارة عما ينتهي إليه بصر الإنسان؛ يعني: كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه البصر.
"ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عُذر؟ قال: لا يا رب، فيقول: بلى، أن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلمَ عليك اليوم، فتُخرَج بِطاقة" بكسر الباء الموحدة: رقعة صغيرة - وهي كلمة كثيرة الاستعمال في البلاد المصرية والشامية - يكتب فيها أمر
стр. 2938
عظيم الخطب من أمور المملكة، وتُشدُّ بطاقةٍ من طاقات ريش الحمامة؛ لتذهب بها إلى الحاكم ببلدة من تلك البلاد؛ ليعلم ذلك الأمر، ويسعى في تدبيره.
"فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول"؛ أي: الله تعالى.
"احضر وزنك"؛ أي: الوزنَ الذي لك، أو وزنَ عملك.
"فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كِفَّة": بكسر الكاف وفتحها؛ أي: كفة الميزان.
"والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات"؛ أي: خفت، والطيش: خفة العقل.
"وثقلت البطاقة، فلا يثقلُ مع اسم الله تعالى شيءٌ"؛ أي: لا يقاومه شيء من المعاصي، بل يترجَّح ذكر الله على سائر المعاصي.
فإن قيل: الأعمال أعراض لا يمكن وزنها إنما توزن الأجسام.
قلنا: إنما يوزن السجلُ الذي كُتِبَ فيه الأعمال.
أو أنه تعالى يخلق في كفة ميزان السعداء ثقلاً، وفي كفة ميزان الأشقياء خفة، وهي علامة السعادة والشقاوة.
والجوابان على قول من يجري الوزن والميزان على الظاهر، وهو مذهب أهل السنة، وأما من يحمله على المعنى؛ فيقول: إن الوزن في الأجسام علامةٌ يُعرَف بها الربح والخسران، وفي الأعم الذي الآخرة علامة تظهر بها السعادة والشقاوة، نحو بياض الوجوه وسوادها عند المعتزلة والفلاسفة.
* * *
٤٣١١ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها ذَكَرَت النَّارَ فَبَكَتْ، فقالَ
стр. 2939
رسولُ الله ﷺ : "ما يُبكيكِ؟ " قالت: ذَكَرْتُ النَّارَ فبَكيتُ، فهلْ تذكُرونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيامةِ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أمَّا في ثلاثةِ مَواطِنَ فلا يَذْكُرُ أحد أحدًا: عِنْدَ الميزانِ حتَّى يَعْلَمَ أيَخِفُّ ميزانُه أم يثقُلُ، وعندَ الكتابِ حينَ يُقالُ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حتَّى يَعْلَمَ أينَ يقعُ كتابُه أفي يمينهِ أمْ في شِمالِهِ أو منْ وراءِ ظهرِه، وعند الصِّراطِ إذا وُضعَ بينَ ظَهْراني جَهَنَّمَ".
"عن عائشة ﵂: أنها ذكرت النار، فبكت، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: ذكرتُ النارَ فبكيتُ فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ ": خطاب مع النبي ﷺ ، أو مع مَنْ حضرَ من الرجال.
"فقال رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطنَ فلا يذكر أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخفُّ ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] "؛ أي: خذوه وانظروا ما فيه.
"حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه، أم في شماله، أو من وراء ظهره"؛ لأن يده تكون مشددة إلى ظهره.
"وعند الصراط إذا وُضع"؛ أي: الصراطُ "بين ظَهْراني جهنم"؛ أي: في وسطها.
* * *
٤ - باب الحَوْضِ والشفاعة
(باب الحوض والشفاعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣١٢ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "بَيْنا أنا أَسيرُ في الجنَّةِ إذا أَنا بنهْرٍ حافَّتاهُ
стр. 2940
قِبابُ الدّرِّ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جِبْريلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ الذي أَعْطاكَ ربُّكَ، فإذا طِينُه مِسْكٌ أذفَرُ".
"من الصحاح":
" قال رسول الله ﷺ : بينا أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا": (إذا) هذه للمفاجأة.
"بنهر حافتاه"؛ أي: طرفاه.
"قِبابُ الدُّر" بكسر القاف: جمع قُبَّة.
"المجوف": وهو الذي له جوفٌ.
"قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك": و (الكَوْثَر) على وزن فَوْعَل من (الكثرة).
قال ابن عباس ﵄: الكوثر: الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه، وقيل: القرآن والنبوة.
"فإذا طينه مسكٌ أذْفَرُ"؛ أي: شديد الرائحة، قيل: الذَّافر بالتحريك: يقع على الطيب والكريه، ويُفرَّق بينهما بما يضاف إليه، أو يوصف به.
* * *
٤٣١٣ - وقالَ: "حَوْضي مَسيرةُ شَهْرٍ، وزَواياهُ سَواءٌ، ماؤُهُ أبيضُ مِنَ اللَّبن، وريحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وكِيزانُه كنُجومِ السَّماء، مَنْ يشْرَبْ منها فلا يَظمأُ أبدًا".
"وقال رسول الله ﷺ : حوضي ميسرةُ شهرٍ، وزواياه": جمع زاوية، وهي الناحية والجانب.
"سواء"؛ أي: يستوي طوله وعرضه، وقيل: عمقه أيضًا.
стр. 2941
"ماؤه أبيضُ"؛ أي: أشد بياضًا "من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه": جمع كوز.
"كنجوم السماء"؛ أي: كعدد نجومها في الكثرة.
"من شرب منها"؛ أي: من الكيزان.
"فلا يظمأ أبدًا"؛ لأن الشرب منها علامةٌ للمغفرة، والمغفورُ لا يلحقه ضررُ ظمأ ولا غيره.
* * *
٤٣١٤ - وقال: "إنَّ حَوْضي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنَ، لهوَ أَشدُّ بَياضاً مِنَ الثَّلْج، وأَحْلَى مِنَ العَسَلِ باللبن، ولَانيَتُهُ أكثَرُ منْ عَدَدِ النُّجومِ، وإنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنهُ كما يَصُدُّ الرَّجُلُ إبلَ النَّاسِ عنْ حَوْضهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أتعْرِفُنَا يومئذٍ؟ قال: "نعمْ، لكُمْ سِيما ليستْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُراً مُحَجَّلينَ مِنْ أثرِ الوُضُوءَ".
ويُروَى: "تُرَى فيهِ أَبارِيقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كعَدَدِ نُجومِ السَّماءَ".
ويُروَى: "يَغُتُّ فيهِ ميزابانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُما مِنْ ذَهَبٍ، والآخَرُ منْ وَرِقٍ".
"وقال: إن حوضي أبعد من أَيْلَةَ"؛ أي: من بعد أيلة بفتح الهمزة وسكون الياء: بلد بالساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن.
"من عدن": آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند.
وقد جاء في حديث ثوبان: "ما بين عدن إلى عُمان"، وفي حديث حارثة: "كما بين صنعاء والمدينة" والتوفيق: أن إخباره ﵇ عن ذلك على طريق التقريب، لا على سبيل التحديد، والتفاوت من اختلاف أحوال السامعين في
стр. 2942
الإحاطة بها علماً.
"لهو أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثرُ من عدد النجوم، وإني لأصدُّ الناسَ عنه"؛ أي: لأمنعهم عن حوضي، قيل: أراد بها: الكفار، ويجوز أن تكون أمة غيره من الأمم.
"كما يصدُّ الرجل"؛ أي: يمنع "إبلَ الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذ، قال: نعم، لكم سِيمَا"؛ أي: علامة.
"ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غُراً": جمع الأغر، وهو الأبيض الوجه.
"محجَّلين": المحجل مفعول من (التحجيل)، وهو بياض الأيدي والأرجل إلى المرافق، وهما منصوبان على الحال؛ يعني: علامة أمتي من بين الأمم نورٌ يلوح في أعضاء وضوئهم
"من أثر الوضوء"، وبذلك يتميزون عن غيرهم.
"وفي رواية أنس ﵁: ترى فيه"؛ أي: في حوضي.
"أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء".
"وفي رواية ثوبان: يغت فيه"؛ أي: يسيل متتابعًا.
"ميزابان يمدانه"؛ أي: الحوض.
"من الجنة؛ أحدُهما من ذهب، والآخرُ من وَرِقٍ"؛ أي: فضة.
* * *
٤٣١٥ - وقال: "إنِّي فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، مَنْ مرَّ عليَّ شَرِبَ، ومَنْ شرِبَ لمْ يَظْمَأ أَبَداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أَقْوامٌ أعرفُهُمْ وَيعْرِفُونَنِي ثمَّ يُحَالُ بَيْني وبَيْنَهُمْ، فأقولُ: إنَّهمْ مِنِّي، فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدري ما أَحْدَثوا بَعْدَكَ، فأقولُ: سُحْقًا سُحْقاً لَمنْ غَيَّرَ بَعْدِي".
стр. 2943
"وقال: إني فرطكم"؛ أي: متقدمكم وسابقكم.
"على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً"؛ أي: بعداً "لمن غيَّر بعدي".
* * *
٤٣١٦ - عن أنس: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يُحْبَسُ المُؤْمِنونَ يَوْمَ القِيامةِ حتى يهِمُّوا بذلكَ، فيقولونَ: لَوِ استشْفعْنا إلى رَبنا فيُريحُنا منْ مَكانِنا، فيأتونَ آدمَ فيقولونَ: أنتَ آدمُ، أبو النَّاسِ، خَلقَكَ الله بيدِه، وأَسْكَنَكَ جنتهُ، وأَسْجَدَ لكَ ملائكَتَهُ، وعلَّمَكَ أسماءَ كُل شيءٍ، اشفَعْ لنا عِنْدَ ربكَ حتَّى يُريحَنا منْ مكانِنا هذا، فيقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكرُ خَطِيئتَهُ التي أَصابَ، أكلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وقدْ نُهيَ عنها, ولكنِ ائتوا نُوحاً أوَّلَ نبيٍّ بَعَثَهُ الله إلى أَهْلِ الأَرْضِ، فيأتونَ نُوْحاً فيقولُ: لَسْتُ هُناكمْ، ويَذْكرُ خَطِيئتَهُ التي أَصابَ، سُؤالَه ربَّهُ بغيرِ عِلْم، ولكنِ ائتوا إبراهيمَ خليلَ الرَّحمَن". قال: "فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنِّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكرُ ثلاثَ كِذْباتٍ كَذَبَهُنَّ، ولكنِ ائتوا مُوْسَى عَبْداً آتاهُ الله التَّوراةَ وكلَّمَهُ وقَرَّبَهُ نَجيًّا، قال: فيَأتونَ مُوْسَى فيقولُ: إنِّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكرُ خَطِيئتَهُ التي أَصابَ، قَتْلَهُ النَّفْسَ، ولكنِ ائتوا عيسَى عبدَ الله ورسولَهُ ورُوحَ الله وكلِمَتَهُ، قال: فيأتونَ عيسَى فيقول: لَسْتُ هُناكُمْ، ولكنِ ائتوا مُحَمَّداً عَبْداً غَفَرَ الله لهُ ما تَقَدَّمَ منْ ذَنْبهِ وما تأخرَ". قال: "فيَأتونَنِي، فأَسْتَأذِنُ على ربي في دارِه، فيُؤْذَنُ لي عَلَيهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِداً، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، فيقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ"، قال: "فَارْفَعُ رَأْسي، فأُثني على ربي بثناءً وتَحْمِيدٍ! يُعلِّمُنيهِ، ثمَّ أَشْفَعُ فيَحُدُّ لي حَداً فأَخْرُجُ، فأُخْرِجُهُمْ مِنَ
стр. 2944
النَّارِ فأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فأَسْتَأذِنُ على ربي في دارِه، فيُؤذَنُ لي عليهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِداً، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يدَعَني، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، وسَلْ تُعطَهْ، قال: فَأَرْفَعُ رَأْسي فَأُثني على رَبي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشْفَعُ فيَحُدُّ لي حَداً فأَخْرُجُ، فأُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثةَ، فأَسْتأذِنُ على ربي في داره، فيُؤذَنُ لي عليهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِدًا، فيدَعُني ما شاءَ الله أن يدَعَني، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، قالَ: فأَرْفَعُ رَأْسي، فأُثني على ربي بثناءٍ وتَحْميدٍ يُعلِّمُنيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًا فأَخْرُجُ، فأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، حتَّى ما يبقى في النَّارِ إلَّا مَنْ قد حَبَسَهُ القُرْآنُ"، أيْ: وَجَبَ عليهِ الخُلودُ، ثُمَّ تلا هذهِ الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وقالَ: "وهذا المَقَامُ المَحْمُودُ الذي وُعِدَهُ نبيُّكُمْ ﷺ ".
"وعن أنس ﵁ قال: [قال] ﷺ : يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يُهمُّوا": علي بناء المجهول؛ أي: يقلقوا ويحزنوا.
"بذلك": الحبس.
"فيقولون: لو استشفعنا": (لو) هذه للتمني؛ أي: لو سألنا أن يُشفَع لنا.
"إلى ربنا، فيريحَنا": بالنصب جواب للتمني؛ أي: يزيلنا.
"من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول"؛ أي؟ آدم.
"لست هُنَاكم"؛ أي: لست بالمكان الذي تظنونني فيه من الشفاعة، و (هُنا) إذا ألحق به كاف الخطاب يكون للتبعيد عن المكان المشار إليه؛ يعني: أنا بعيد من مقام الشفاعة.
стр. 2945
"ويذكر خطيئته التي أصاب": والمفعول محذوف؛ أي: أصابها.
"أكلَهُ": بالنصب بدل من (خطيئة)؛ أي: يذكر أكله.
"من الشجرة، وقد نهي عنها": الواو للحال.
"ولكن ائتوا نوحاً أوَّلَ نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض": أراد بهم الكفار.
"فيأتون نوحًا، فيقول: لست هُنَاكم، ويذكر خطيئته التي أصاب؛ سؤالَهُ": بالنصب أيضًا.
"ربَّه بغير علم": وهو قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥].
"ولكن ائتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إني لست هُنَاكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن": إحداها: إني سقيم، والثانية: بل فعله كبيرهم هذا، والثالثة: قوله لزوجته سارة: هي أختي، وسميت كذبات، وإن كان الخليل ﵇ أتى بها في صورة المعاريض؛ لكونها في صورة الكذب، والكاملُ قد يؤاخَذ بما هو عبادة في حقِّ غيره، فإن حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين.
"ولكن ائتوا موسى ﵊ عبدًا آتاه الله التوراة، وكلَّمه وقرَّبه نجياً، قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هُنَاكم، ويذكر خطيئته التي أصاب قتلَهُ النفسَ"؛ يعني: القبطي.
"ولكن ائتوا عيسى عبدَ الله ورسولَهُ، وروحَ الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هُنَاكم": إنما قال كذا مع أن خطيئته غير مذكورة، لعله كان لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه بأنه ابن الله .
"ولكن ائتوا محمدًا صلى الله تعالى عليه وسلم عبدًا غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتونني، فاستأذن على ربي في داره"؛ أي:
следующие страницы →