بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي بصَّرنا بالصراط المستقيم، وعرَّفنا بمنهج الدين القويم، على لسان نبيه الكريم، محمد المبعوث لكشف الظلام، عليه أفضل التحيات وأكمل السلام، وعلى آله وأصحابه الكرام، بعد:
يقول العبد الضعيف محمد بن عبد اللطيف، غفر الله له ولوالديه، وأجازهم برحمة من لديه:
إن كتابَ "المصابيح" في السنن الهدى كتابٌ فاخر، والنفعُ فيه للمنقطعين إلى العبادة وافر، له شروحٌ بعضها بسيط، وبعضها وسيط، التمس مني بعضُ إخواني أن لو كان له شرح جامع لفوائدها على طريقة الحل، لصار المتن بلا مهل انحل، فأجبت لملتمسهم مع قلة البضاعة، وقصور الباعة، مستعيناً بالله الميسر لكل عسير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، والصلاة التامة الدائمة على رسوله المُجْتبى محمدٍ سيدِ الورى، وعلى آله نجوم الهُدى.
قال الشيخ الإمام، الأجَلُّ السيدُ، محيي السنَّةِ، ناصرُ الحديث، ركن الإسلام، قُدوة الأمّة، إمام الأئمة، أبو محمد الحسينُ بنُ مسعودٍ الفَرَّاءُ البَغويُّ، نوَّر الله قبره:
стр. 38
أمّا بعد، فهذه ألفاظٌ صدرَتْ عن صدر النُّبوة، وسُنن سارت عن مَعدِن الرسالة، وأحاديثُ جاءت عن سيدِ المرسلين وخاتَم النَّبيين، هُن مصابيحُ الدُّجى، خرجَتْ عن مِشْكاةِ التقوى التَّقيِّ، ممّا أوردها الأئمةُ في كتبهم، جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة؛ لتكونَ لهم بعد كتاب الله حظًّا من السنن، وعَوناً على ما هم فيه من الطاعة.
تركتُ ذكرَ أسانيدها حَذَراً من الإطالة عليهم، واعتماداً على نقل الأئمة، وربّما سمّيتُ في بعضها الصحابيَّ الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنًى دعا إليه، وتجدُ أحاديثَ كلِّ بابٍ منها تنقسم إلى صحاح وحِسان.
أعني بـ (الصّحاح): ما أخرجه الشيخانِ؛ أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيلَ الجعفيُّ البخاريُّ، وأبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ القُشيري النيسابوريُّ رحمهما الله، في جامِعيهما، أو أحدهما.
وأعني بـ (الحسان): ما أورده أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشعثِ السجستانيُّ، وأبو عيسى محمدُ بن عيسى الترمذيُّ، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم ﵏ مما لم يخرجه الشيخان، وأكثرُها صحاحٌ بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلُغ غايةَ شرطِ الشيخين في عُلُو الدرجة من صحة الإسناد؛ إذ أكثرُ الأحكامِ ثبوتُها بطريقٍ حسنٍ.
وما كانَ فيها من ضَعيف أو غريب أشرتُ إليه، وأعرضتُ عن ذِكْرِ ما كان منكراً أو موضوعاً، والله المستعان وعليه التُّكلان.
روي عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنّيَّاتِ، وإنَّما لامرِئٍ ما نَوى، فَمَنْ كانتْ هِجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ، فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتْ هِجْرتُه إلى دُنيا يُصِيبُها أو إلى امرأةِ يتزوَّجُها فهِجْرته إلى ما هاجَرَ إليه".
стр. 39
قال المصنف رحمة الله تعالى عليه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله": إنما ابتدأ بذلك لقوله ﷺ : "كلٌّ أمر ذي بال لا يُبدَأ باسم الله"، وفي رواية: "بالحمد الله، فهو أبتر" (١)؛ أي: أقطع.
و (الحمد): عبارة عن ثناءٍ باللسان أعمَّ من أن يكون في مقابلة نعمةٍ أو لا، بشرط أن يكون للمحمود في تحصيل ما يُحمَد عليه نوع اختيار.
و (المدح): هو الحمد، لكنه أعمُّ من أن يكون للممدوح فيه نوعُ اختيار أم لا.
و (الشكر): عبارة عن ثناء في مقابلة النعمة أعمَّ من أن يكون باللسان أو بغيره.
(الله): اسم للمعبود بالحق.
"وسلام"؛ أي: سلام من الله تعالى واقعٌ أو نازلٌ "على عباده الذين اصطفى"؛ أي: اصطفاهم الله واختارهم من الأنبياء والملائكة والأولياء ومتابعيهم.
وهذا الحمد من المصنف، كما عَلَّم الله تعالى رسولَهُ في كتابه العزيز بقولى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، وتعليمٌ منه لأمته أيضاً، وتوفيقٌ لهم على رعاية هذا الأدب أمامَ كلّ كلام يفتتحون به.
"والصلاة" وهي من الله على النبي ﵇: التشريف ورفع الدرجة، ومن الملائكة: الاستغفارُ له والثناء عليه، ومن المؤمنين الدعاءُ له وزيادةُ رفع الدرجة.
"الدائمة"؛ أي: الغير المنقطعة بتتابع أمثالها.
стр. 40
"التامة"؛ أي: الكاملة البالغة في الكمال، وذلك لحصول جميع ما ينبغي بها.
"على رسوله" هو فَعُول بمعنى: المرسَل؛ أي: المبعوث إلى الناس لتشريعِ الأحكام.
"المجتبى"؛ أي: المصطفى للرسالة.
"محمد" عطف بيان، مفعول من التحميد، وهو مبالغة في الحمد والتكثير فيه، يعني: هو مَنْ حمد الله تعالى حمداً كثيراً؛ لما فيه من الخصال الحميدة.
"سيد الورى"؛ أي: الخلق.
"وعلى آله"؛ أي: أهله، والصحيح: أنهم أهل بيته المشهورين، وآل الرجل أيضاً: من يؤول إليه في دين أو نسب أو مذهب.
"نجوم الهدى"؛ أي: هم النجوم في طريق الهداية؛ لإرشادهم المؤمنين إلى طريق الدين إرشادَ النجوم لسلاك السبيل في الليل البهيم، قال ﷺ : "أصحابي كالنجوم"، وإنما سلك المصنف مسلكَ الاستعارة مبالغةً في التشبيه.
وفي بعض النسخ: "مصابيح الهدى" جمع: مصباح، وهو السراج، شبههم بالمصابيح لأن السالكين في الدين اهتدوا بأنوار علومهم المقتبسة من النبي ﷺ ، كاهتداء السالكين بالمصابيح في المسالك.
وإنما أفرد الرسول ﷺ وأصحابه ﵁ بالصلاة الموصوفة مع اندراجهم تحتَ السلامِ المذكورِ؛ لزيادة شرفهم.
"قال الشيخ الإمام مُحيي السنة" سمي به؛ لأنه لما جمع "شرحَ السنة" رأى النبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: أحياك الله كما أحييتَ سنتي، فصار عَلَماً له بطريق الغلبة.
"أبو محمد الحسين بن مسعود الفرَّاء البَغَوي" أي: منسوب إلى بَغْشُور،
стр. 41
وهي من مدائن خرسان بين هراة ومَرو الروذ، يقال لها: بغ، وبَغْشُور، وتوفي سنة عشر وخمس مئة بمرو روذ.
والاسم المركب تركيباً مزجياً يُنسَب إلى جزئه الأول كـ (معدي)، وإنما جاءت الواو في النسبةِ إجراءً لفظة (بغ) مجرى (دم)، وجعلوه محذوف العجز تقديراً، ثم ردوه في النسب، "قدس الله روحه".
"أما بعد": لفظة لتفصيل المجمل، وهو كلمة شرط محذوف وجوباً، و (بعد) من الظروف الزمانية، متعلق بالشرط المحذوف؛ أي: مهما نذكر بعد شيء من هذه الأشياء المارة.
"فهذه" إشارةٌ إلى ما تضمَّنه الكتاب من السنن، أو إلى ما في ذهنه من ذلك.
"ألفاظ صدرت" صفة (ألفاظ)، والجملة وقعت جواباً لى (أما)، ولهذا دخلها الفاء؛ أي: صادرة وجائية "عن صدر النبوة"؛ أي: أصلهم وأكبرهم رتبة، أو المراد بالصدر: العضو المخصوص الذي في الصدر، وهو القلب.
فإن قيل: الألفاظ تصدر من مخارجها، فكيف قال: صدرت عن صدر النبوة؟
قلنا: ذلك باعتبار ارتسامِ مدلولاتها في الصدر، وإضافته إلى النبوة إما بتقدير مضاف؛ أي: صاحب النبوة، أو بجعله استعارة تخييلية كـ: معدن الرسالة، أو غير تخييلية بجعل النبي ﷺ نفسه نبوة.
"وسنن": جمع: سنة، وهي الطريقةُ المسلوكة لغة، وقولُ الرسول ﷺ وفعله وتقديره اصطلاحاً.
"سارت"، أي: سائرة.
"عن معدن الرسالة"؛ أي: عمن تستخرج منه الرسالة، والمراد: الرسل،
стр. 42
وإنما كان ﷺ أصلهم ومعدنهم؛ لقوله ﷺ : "كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين" (١)، وقوله أيضًا: "أولُ ما خلق الله تعالى نوري" (٢).
"وأحاديث": جمع (أحدوثة)، وهو ما يُحدَّث به مما فيه غرابةٌ، أو جمع (حديث) على غير قياس، وقيل: إنه اسم جمع للحديث، وهو الخبر لغة، وقيل: كلام مشافهة.
"جاءت عن سيد المرسلين، وخاتم النبيين" بفتح التاء: الطابع؛ أي: ختم به الأنبياء، وبكسرها: اسم فاعل؛ أي: ختم هو نفسُهُ الأنبياء، فلا نبيَ بعده.
"هنّ"، أي: تلك الأحاديث، أو الضمير لألفاظ السنن والأحاديث.
"مصابيح الدجى" جمع مصباح، قيل: هو السراج الزاهر الاشتعال، والأولى أن يقال: هو دون السراج؛ لتشبيهه تعالى النجوم بالمصابيح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ والشمس بالسراج في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
و (الدُّجى): جمع دجية، وهي الظلمة، وإنما شبَّهها بالمصابيح للاهتداء بها في الدين اهتداءَ المستضيء بالمصابيح في المسالك.
"خرجت عن مشكاة التقوى"، وهي الكُّوةُ تكون في الحائط وغيره، يوضع فيها المصباح، وقيل: هي الوعاء الذي يُجعل فيه الدهن والفتيلة، والمراد هنا:
стр. 43
فمه ﷺ أو صدره أو قلبه، وهي استعارة تخييلية، أو المراد بالتقوى نفسُهُ مبالغةً.
"مما أوردها"؛ أي: اهتمَّ بها "الأئمة" في كتبهم.
"جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة"؛ أي: لمن انقطع عن الدنيا، وتوجَّه إلى العبادة، فمَنْ هذه صفته لا بد له من معرفة الأحاديث؛ إذ لا يمكنه سلوكُ هذا السبيل إلا بدليل حاذق يقتدي به في أفعاله وأقواله وهو رسول الله ﷺ ولا سبيلَ إلى معرفة أفعاله وأقواله بعد الصحابة إلا بتتبع الأحاديث، فمن حُرِمها حُرِمَ خيرَ الدنيا والآخرة، ومن رُزِق منها رزق حظاً كاملاً من خيرها.
"لتكون"؛ أي: الأحاديث المذكورة.
"لهم"؛ أي: للمنقطعين إليها.
"بعد كتاب الله تعالى"؛ أي: القرآن. فيه إشارةٌ إلى أن العناية به مقدمة على العناية بالسنة.
"حظاً من السنن"؛ أي: نصيباً من سنن رسول الله ﷺ فإن من علم القرآن وعمل به، ولم يعمل بالأحاديث، لم يكن حظه تاماً؛ لأن أحكام الشريعة من الأمر والنهي والحلال والحرام وغيرها من الأحوال والأهوال ليس كلُّها مذكوراً في القرآن، بل بعضها مذكور فيه، وبعضها غير مذكور.
والدليل عليه ما قال ﷺ : "أيحسب أحدُكم متكئاً على أريكته، [قد] يظنُّ أنَّ الله تعالى لم يحرِّم شيئاً إلا [ما] في [هذا] القرآن، ألا وإني والله قد أمرتُ ووعظتُ ونهيتُ عن أشياء إنها كمثلِ القرآنِ أو أكثر" (١).
"وعوناً"؛ أي: معينة لهم.
"على ما هم فيه من الطاعة": بتعلمهم كيفية العبادة، وقدر وظائف رسول الله ﷺ من الصوم والصلاة وغير ذلك، فإن العملَ بسنةٍ من سنن رسول الله يتضاعف ثوابه - وإن كانت قليلة - على عبادة ليست بسنة، وإن كانت كثيرة.
стр. 44
"وتركت ذكر أسانيدها": جمع إسناد، وهو العنعنة المتصلة به ﷺ .
وإنما ترك ذكرها لعدم الفائدة؛ لأن المطلوبَ من ذكرها هو أن يُعلَم عند التعارض راجحُ الحديث من مرجوحها، وناسخها من منسوخها، بسبب زيادة عدالة الرواة بعضهم على بعض، وتقدم البعض على البعض، ونحو ذلك من المرجحات التي لابد للمجتهد من معرفتها؛ ليمكنه الاجتهاد.
ولما عدم المجتهدون في هذه الأعصار أو ندر وجودهم، فلم يكن في ذكرها سوى التطويل من غير أن يجدي نفعاً في المطلوب، وأيضاً فالتعرض للحسن والصحيح والضعيف والغريب وغير ذلك كافٍ في معرفة الترجيح فترك ذكرها.
"حذراً"؛ أي: للحذر.
"من الإطالة"؛ أي: من تطويل الكتاب.
"عليهم واعتماداً"؛ أي: اكتفاء.
"على نقل الأئمة": الذين استخرجتُ هذه الأحاديث من كتبهم ذكروا الرواة؛ يعني: هم ذكروا رواة الأحاديث بينهم وبين رسول الله ﷺ وصححوها، فلا حاجةَ إلى ذكرهم.
"وربما سَمَّيتُ في بعضها"؛ أي: بعض الأحاديث
"الصحابيّ الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى": متعلق بـ (سميت).
"دعا إليه"؛ أي: إلى تسمية الصحابي الراوي عنه ﷺ ، فمن ذلك المعنى امتياز بعض الرواة عن بعض بعبارته، إذا روى عنه ﵊ جميعٌ من الصحابة بألفاظ مختلفة، أو يكون في رواية بعضهم ضعفاً أو إنكاراً؛ إما لجهالة الراوي، أو لكونه مرسلاً، أو منقطعاً، وليس في رواية بعضهم ضعفٌ وخلل، أو يكون الحديث قد اشتهر برواية، أو يكون رواية أحد في الحديث مطلقاً، ورواية الآخر فيه مقيداً.
ومن ذلك معرفة الحديث السابق واللاحق المفيدة في معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنه رجحان الحديث بسبب العلم بحال الراوي من علمه، أو كبر سنه، أو قدمه في الإسلام، أو فطنته، أو ورعه، أو زيادته في كلها، أو أحدها،
стр. 45
ونحو ذلك، وهذان الأخيران ينتفعُ بهما المجتهد.
"وتجدُ أحاديث كل باب منها"؛ أي: من الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب.
"تنقسم إلى صحاح وحسان"؛ أي: إلى أحاديث صحاح وأحاديث حسان.
"أعني"؛ أي: أريد "بالصحاح: ما أخرجه"؛ أي: أورده أو جمعه "الشيخان، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي"؛ أي منسوب إلى جُعفة، وهي اسم بلد، وفيها مولده.
رُوي أنه وُلد يوم الجمعة بعد صلاة العصر لثلاث عشرة ليلة خَلَت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي في عيد ليلة الفطر سنة ستة وخمسين ومئين، وقيل: الجُعْفُ حيٌّ من اليمن.
"البخاري"، وإنما نُسِبَ إليهما؛ لسكونه فيهما.
"وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري"؛ أي: منسوباً إلى قُشَير، وهو اسم قبيلة، وُلِد سنة ست ومئتين، وتوفي عشية الأحد لخمس أو ست بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومئين.
"في جامعيهما": متعلق بإخراجه؛ أي: في كتابيهما الجامع.
"أو أحدهما"؛ أي: أخرجه أحدُ الشيخين في "جامعه".
"وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود سليمانُ بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم، رحمهم الله تعالى": كأبي عبد الرحمن أحمد بن شُعيب النسائي، وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، وأبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، فإن أحاديث "المصابيح" لا تتجاوز عن كتب الأئمة السبعة؛ كتب هؤلاء الخمسة المذكورة، وصحيحي الشيخين.
стр. 46
"وأكثرها"؛ أي: أكثر الأحاديث الحسان "صحاح"، أراد بها: الصِّحاح التي في مقابلة السِّقام، وهي ما كان رُواتها عدولاً، ولهذا قيَّدها "بنقل العدل عن العدل"، وهذا القدرُ كافٍ في صحتها، "غير أنها لا تبلغُ غاية شرط الشيخين؛ يعني": البخاري ومسلم "في علو الدرجة وفي صحة الإسناد"، وشرطهما: أن يروي الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ حديثاً، ثم يرويه عنه راويان ثقتان أو أكثر من التابعين المشهورين بالرواية عن ذلك الصحابي، ثم يرويه عن كل واحد ثقتان من أتباع التابعين مشهوران بالحفظ والإتقان، ثم يرويه عن كل منهما رواة ثقات، ثم يرويه عن كل منهم الشيخان، أو أحدهما، وهذا النوع من الأحاديث في المرتبة العليا، وهي قريبةٌ من عشرة آلاف حديث احتجَّ بها الأئمة في المسائل، الشرعية وجعلوها متمسَّكاتهم في المناظرات.
وأما مطلق الصحاح فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: أنه سبع مئة ألف حديث.
اعلم أن ما نُقِلَ عن الرسول ﷺ على ثلاثة أقسام:
الأول: ما عُلِم صدقه، وهو كلُّ خبر بلغت رواته في كل طبقة مبلغاً أحالَ العقلُ تواطؤهم على الكذب، ويُسمَّى متواتراً.
والثاني: ما عُلِم كذبه، وهو ما خالف قطعيًّا، ولم يقبل التأويل، أو متضمناً لما يتوفَّر الداعي على نقله وإشاعته؛ إما لغرابته، أو لكونه أصلًا في الدين، ولم يتواتر، ويسمى موضوعاً، ولا يجوز روايته لمن علم حالَهُ إلا مقرونًا ببيان وضعه.
والثالث: ما لم يعلم أحدهما، وهو أيضاً على ثلاثة أقسام: راجح الصدق، وراجح الكذب، أو مساوي الطرفين:
فالأول: ما سلم لفظه من الركاكة، ومعناه من مخالفة آية أو خبر متواتر أو
стр. 47
إجماع، واتصل إسناده إلى النبي ﷺ بعنعنة ثقات معلومي العدالة، ويسمى صحيحًا ومسنداً ومرفوعاً، وقد يقسم هذا القسم بنوعين من التقسيم إلى أربعة أقسام:
أحدهما: أن رواته إن كانت مثنى أو أكثر في كل طبقة إلى الصحابي كالأحاديث التي أوردها الشيخان، تسمى صحاحاً، وإن كانت فرادى في كل الطبقات، أو في بعضها، تسمى حساناً.
وثانيهما: أن الحديث إن كان مما دوَّنه الحفاظُ، وشاع فيما بينهم، يسمى مشهوراً، وإن تفرد به حافظٌ واحد، ولم يذكره غيره، يسمى غريباً، وقد يطلق الغريبُ على ما رواه التابعي عن صحابى لم يكن مشهوراً به.
والثاني: أي: ما يكون راجح الكذب، وهو: ما في لفظه ركاكةٌ أو خلل لا يحسن إصلاحه، أو في معناه: بأن كان على خلاف آية أو خبر متواتر أو إجماع، ويسمى سقيماً، أو في أحد رواته قدحٌ وتهمةٌ، ويسمى ضعيفاً.
والثالث: ما لا يكون في متنه علةٌ، ولا في رواته خللٌ بينٌ، ولكن بعض رواته لم يُعلَم بعينه؛ فإن كان هو الصحابي يُسمَّى مرسلًا، وإن كان غيره يسمى منقطعاً، وإن كان كلاهما يُسمَّى معضلاً.
أو بصفته من العدالة وغيرها يسمى مجهولاً.
والمنقطعُ والمعضلُ لا استدلالَ بهما، وفي المرسل والمجهول خلافٌ.
"إذ أكثر الأحكام": جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لم ذكرت الحسان وما اقتصرت على الصحاح التي أخرجها الشيخان؟ فأجاب بأن أكثر الأحكام؛ أي: الأحكام الشرعية التي حكم بها الأئمة الأربعة "ثبوتُها بطريق حسن"؛ أي: أكثرها ثبتَ بالأحاديث الحسان، والظاهر أنه تعليل لقوله: "وأكثرها صحاح"، إذ لو لم تكن الحسان صحيحة، لم تثبت بها الأحكام.
стр. 48
"وما كان فيها"؛ أي: في الأحاديث الحسان "من ضعيف أو غريب أشرتُ إليه بالبيان"، وما لم أذكر أنه ضعيف أو غريب أو غير ذلك، فاعلم أنه متصل الإسناد، وليس فيه ضعفٌ بوجه من الوجوه.
وإنما ذكر الضعيف للاختلاف بين الأئمة في أسباب الجرح، فما هو ضعيف عند بعض للجرح في رواته قد يكون قوياً عند آخر، وكثيراً ما وقعَ الخلافُ في المسائل الشرعية، وكان مَنشؤوه ذلك، فأثبته المؤلف تعميماً لنفعه، وأشار إلى ضعفه تنبيهاً على ما هو عليه عنده.
"وأعرضتُ عن ذكر ما كان منكراً"؛ يعني: ما أوردت في هذا الكتاب حديثاً منكراً "أو موضوعاً"، وأما ذكرُهُ المنكرَ في بعض المواضع - هان كان ادَّعى الإعراضَ - عنه فلقلَّتِهِ، أو لأنه إنما أعرض عما هو منكرٌ باتفاق أئمة الحديث، والذي ذكره غيرُ منكر كذلك، فلا يخلو ذكره عن فائدة.
"والله المستعان"؛ أي: الذي يُطلَب منه العونُ، وهو النصرة، لم يذكر متعلقه، بل تركه مبهماً؛ لأن ترك الشيء كذلك مُعظِم لشأنه؛ أي: في نفسي أشياء مبهمة لا يفي بها الواصفُ، والله المستعان عليها، أو المراد: والله المستعان على إتمام هذا الكتاب.
"وعليه التكلان"؛ أي: الاعتماد، وأصله: وكلان، قلبت الواو تاءً؛ لقرب مخرجها، كـ (تجاه) و (وجاه).
قيل: المؤلف لم يُسمِّ هذا الكتاب بـ "المصابيح" نصاً منه، وإنما صار هذا الاسم علماً له بالغلبة من حيث إنه ذكر بعد قوله: أما بعد: إن أحاديث هذا الكتاب مصابيح.
وعددُ الأحاديث المذكورة في "كتاب المصابيح": أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وثمانون حديثاً؛
стр. 49
فمنها ما هو من الصحاح ألفان وأربع مئة وأربعة وثلاثون حديثاً، ومنها ما هو من الحسان: ألفان وخمسون حديثاً.
"رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال": قيل: أشار ﷺ بكلمة (إنما) إلى أن قَوامَ الأعمال
"بالنيات"، وأن لا عبرةَ بها إذا خَلَت عن النيات؛ لأنها العاملة بركنيها إيجابًا ونفياً؛ فبحرف التحقيق يثبت الشيء، وبحرف النفي يُنفَى ما عداه.
واعترض عليه بأن (ما) النافية تقتضي صدر الكلام، وكذا (إن) فكيف يجتمعان، فالأولى أن يجعل (ما) زائدة للتأكيد، كما في (سيما) وأخواتها، و (إن) لتأكيد الإثبات، وضاعفه يفيد القصر؛ لأنه ليس إلا تأكيداً للحكم على تأكيد، فالمعنى: ليست الأعمال حاصلة إلا بالنيَّة، ولا يمكنُ هاهنا نفيُ نفسِ الأعمال؛ لثبوتها حساً وصورة من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجَّهُ إليه النفي، وهو الصحة على رأي الشافعي ﵀، والتقدير: إنما صحة الأعمال واعتبارها بالنيات، وعلى رأي أبي حنيفة هو الفضيلة والكمال.
أورد الشيخ هذا الحديث في عنوان كتابه تفاؤلاً بحسن النية، وتيمنًا بهذا الحديث، واقتداء بجماعة من المحدثين المؤلفين المفتتحين به في مؤلفاتهم، منهم البخاريُّ، وليتمكنَ في النفوس: أن الأعمالَ بالإخلاص، فينبغي للمتعلم والمعلم أن يُزكيا أسرارهما، ويتوجَّها بقلوبهما إلى الحضرة الإلهية قاصدين بسعيهما - لاسيما في هذا النوع - إلى الفوزِ بالمغفرة، والتقربِ إلى الله تعالى.
"وإنما لامرئ ما نوى"؛ أي: ما حصلَ من العمل إلا ما نواه فما لم ينوِهِ لم يعتدَّ به؛ يعني: إذا كان غرضُهُ من عمله رضاءَ الله تعالى وطاعته، حصل له الثواب، وإلا لا، كما إذا جلس أحدٌ في المسجد لشغل من الأشغال الدنيوية، فلا يحصلُ له من جلوسه فيه، وإن كان للاعتكاف، أو لانتظار الصلاة، يحصلُ
стр. 50
بقدرِ جلوسِهِ فيه.
"فمن كانت هجرته"؛ أي: قصده بالهجرة، وهي: تركُ الوطن الذي بين الكفار، والانتقالُ إلى دار الإسلام.
"إلى الله ورسوله"؛ أي: إلى موضع أمرهما، لا يخلطها بشيء من أغراض الدنيا.
"فهجرته إلى الله ورسوله"؛ أي: فهجرته مقبولة عندهما، وأجره على الله تعالى.
"ومن كانت هجرته إلى دنيا": وزنه (فُعلى) مقصورٌ غير منون، تأنيث (أدنى)، ثم غلبت على هذه الدار؛ لدناءتها وخسَّتها، أو لدنوها إلى الزوال، أراد بها: متاع الدنيا.
"يصيبها"؛ أي: يصلُ إليها من الغنيمة، أو التجارة، أو نحو ذلك.
"أو امرأة"؛ أي: أو إلى امرأة "يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"؛ يعني: لا مهيمابُ على هجرته، إنما ذكرها مع كونها مندرجة تحت (دنيا) تعريضًا لمن هاجر إلى المدينة في نكاح مهاجِرةٍ، فقيل له: مهاجر أم قيس، وتنبيهًا على زيادة التحذير من ذلك.
* * *
стр. 51
١ - كِتَابُ الإيمَانِ
стр. 52
١ - كِتَابُ الإيمَانِ
(كِتَابُ الإيمَانِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١ - قال عمرُ بن الخَطَّاب ﵁: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذْ طلعَ علينا رجل شديدُ بياضِ الثيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يعرفُهُ منا أحد، حتى جلسَ إلى النبيِّ ﷺ ، وأسندَ رُكبتَيْه إلى رُكبتَيْهِ ووضَعَ يدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، فقال: يا محمَّدُ! أخبرني عن الإيمان، فقال: "الإيمانُ أنْ تُؤمنَ بالله وملائكتِهِ وكتبهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرهِ وشرِّه"، فقال: صدقتَ، قال: فأخبرْني عن الإسلام، قال: "الإِسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً"، قال: صدقتَ، قال: فأخبرْني عن الإحسان، قال: "الإحسانُ أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لمْ تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ"، قال: فأخبرني عنِ السَّاعة، قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائلِ"، قال: فأخبرْني عن أَمَاراتِها، قال: "أنْ تلدَ الأَمَةُ ربتها، وأنْ ترى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءَ يتطاولونَ في البنيانِ"، ثمَّ انطلقَ، فلبثْتُ مليًّا، ثمَّ قال لي: "يا عمرُ! أتدري مَنِ السَّائلُ؟ "، قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "فإنَّهُ جبريلُ أتاكُمْ يُعلمُكُم أَمْرَ دينِكُم".
стр. 53
ورواه أبو هريرة ﵁، وفي روايته: "وأنْ ترَى الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلوكَ الأرض في خمسٍ لا يَعلمُهُن إلَاّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية.
"من الصحاح":
" قال عمر بن الخطاب ﵁: بينما نحن عندَ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم": (بينما) ظرف كـ (وسط) في زمان أو مكان حسب المضاف إليه، وإذا قُصِدَ إضافة (بين) إلى أوقات مضافة إلى جملة، حذف الأوقاتَ، وعوَّض عنها الألف أو (ما)، فيقال: (بينما) منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجأة التي تضمنه (إذ) في قوله:
"إذ طلع علينا رجل"، والمعنى: بين أوقات جَلستنا عند رسول الله ﷺ فاجأنا طلوعُ رجل علينا وظهوره، وهو جبرائيل ﵇.
يدلُّ على أن الملك يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل شكل البشر ليستأنسَ به القوم.
"شديد بياض الثياب": بإضافة (الشديد).
فيه إرشادٌ إلى استحباب النظافة بأبلغ الوجوه في مجالس السادات والعلوم، واستحباب البياض في الثياب.
"شديد سواد الشعر": بالإضافة أيضًا. وفيه إرشادٌ إلى أن العلم ينبغي أن يُطلَب في عنفوان الشباب؛ لأن سواد الشعر يكون في زمان الشباب.
وقُدم البياض على السواد؛ لشرفه، ولئلا يفتتحَ بغتة بلون مستوحش.
"لا يُرى عليه أثر السفر": من شعث وقشف ونحوهما. فيه إشار إلى أن إزالة أثرِ السفرِ مقدَّمٌ على حضور مجالس السادات.
стр. 54
"ولا يعرفه منا"؛ أي: من الصحابة "أحد" وإلا فالرسول ﷺ قد كان يعرفه.
"حتى جلس"؛ أي: الرجل "إلى النبي ﷺ "؛ أي: إلى جانبه أو معه، (حتى) متعلق بمحذوف تقديره: استأذن وأتى حتى جلس، أو متعلق بقوله: طلع، و (جلس) بمعنى: قرب بقرينة (إلى)؛ أي: حتى قرب إلى النبي ﷺ ؛ أي: جلس بقربه.
"وأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه"؛ أي: ألصقهما إلى رُكبتي النبي ﷺ . فيه إشارةٌ إلى أن هذه الجلسة كانت كجلسة المتشهد، إلا أنه كان مفترش القدمين يتحقق إسناد الركبتين.
"ووضع"؛ أي: جبرائيل ﵇ "يديه على فخذيه"؛ أي: فخذي النبي ﷺ طلباً لإحضاره؛ ليكون أبلغَ في الاستماع إلى كلام جبرائيل ﵇.
وقيل: الضمير في (فخذيه) راجعٌ إلى جبرائيل، وهذا أقربُ إلى التواضع؛ لأنه جاء على صورة المتعلم، ومن شأنه التواضعُ وتوقيرُ المعلم.
وفي هذا رخصةُ دنوِّ السائل من المسؤول لأجل الاستكشافِ بهيئة الأدب.
"فقال: يا محمد أخبرني"؛ أي: أعلمني "عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله"؛ أي: تصدق جزمًا بوجوده بأنه موجودٌ واحدٌ قديم أزلي متصفٌ بما يليق به من صفات الكمال.
"وملائكته"؛ أي: تعتقد بأنهم عباد الله لا يَفتُرون عن عبادته لحظةً، جمع (ملك)، أصله: (مَأْلَك) من (الألوكة)، وهي الرسالة، فقُدِّم اللامُ على الهمزة، فصار (ملأكاً)، ثم حُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإذا جُمعَ رُدَّت، والتاء لتأكيد الجمع.
стр. 55
"وكتبه": جمع كتاب، وهو يشمل كلَّ كتاب أُنزِل على الرسل؛ أي: تعتقد بوجودها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، والكتبُ المنزلة مئة وأربعة كتب، منها عشرُ صحائف أُنزِلت على آدم ﵇، وخمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم ﵇، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
"ورسله": جمع رسول؛ أي: تعتقد بأنهم مبعوثون إلى الخلق بالحقِّ، وبينهم تفاوتٌ في الفضل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ونبينا محمد ﷺ أفضلُ من جميعهم وأكمل.
وعدد الرسل في حديث أبي ذر ﵁: ثلاث مئة وثلاثة عشر، وعدد الأنبياء: مئة وأربعة وعشرون ألفاً.
وإنما قدم الملائكة على الكتب والرسل رعاية للترتيب الواقع، فإنه تعالى يرسل الملك بالكتاب إلى الرسل، لا للتفضيل.
"واليوم الآخر"؛ أي: القيامة، وُصِف به لتأخُّره عن أيام الدنيا، أو لأنه أخر إليه الحساب، والإيمانُ به تصديقُ ما فيه من الأحوال والأهوال.
"وتؤمن بالقدر؛ خيرِه وشرِّه": بالجر بدلٌ من (القدر) بدلَ البعض؛ أي: تعتقد بأن كلَّ ما يجري في العالم من الخير والشر والنفع والضر ونحو ذلك بقضاء الله تعالى وقدره.
أعاد ذكر الإيمان هنا لزيادة الاهتمامِ به نفياً لقول القدرية، وإنما لم يذكر القضاء؛ لأن الإيمان بالقدر مستلزمٌ للإيمان بالقضاء.
والفرق بين القضاء والقدر: أن القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدرَ تعلُّقُ تلك الإرادة
стр. 56
بالأشياء في أوقاتها الخاصة بها، وفي هذا مذاهبُ مختلفة من طوائف متفرقة موضعه علم الكلام.
"فقال"؛ أي: الرجل: "صدقت"؛ إظهاراً لصحة الجواب ومطابقته لما عنده، ولتأكيد ذلك عند السامعين.
"قال: فأخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد"؛ أي: تخبر قطعاً بعلمِ يقين "أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله"، قيل: لو أتى بالشهادتين بغير هذا اللفظ نحو: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو القدوس، أو نحوهما، وأشهد أن محمداً نبي الله، لا يصح؛ لأن اسمَ الله علم للمعبود بالحقِّ الجامع بالكمالات اللائقة به، وغيرُهُ من الألفاظ العربية لا يؤدي معناه، والرسولُ أخصُّ من النبي، فلا يُستفادُ منه ما يستفاد من الرسول، وقِسْ عليه لو غيرَّ (محمد) باسم آخر.
"وتقيم الصلاة"؛ أي: تؤديها في أوقاتها مع المحافظة عليها بشرائطها، وإنما عبَّر عن الأداء بالإقامة إشارة إلى أن الصلاة عمادُ الدين، أو أراد أن تُعدَّل الأركان، من (أقام العود): إذا قوَّمه وسواه.
"وتؤتي الزكاة"؛ أي: تعطيها، وهي في الشرع: الطائفة من المال المزكى بها، وفي اللغة: النماء والطهارة، فإن المال بإعطائها يزيد ويطهر صاحبُها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
"وتصوم رمضان"؛ أي: شهره، والصوم لغة: الإمساك مطلقاً، وشرعاً: الإمساك عن المفطرات الثلاثة من أول النهار إلى آخره مع النية.
و (رمضان) من (الرمض)، وهو: شدة وقع حرِّ الشمس على الرمل وغيره، سمي به؛ لأنهم لما وضعوا أسماء الشهور العربية عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر، فسمي به.
стр. 57
"وتحج البيت"؛ أي: تقصده؛ إذ الحجُّ لغة: القصد مطلقًا، وشرعاً: قصد معين، وهو زيارة الكعبة مع وقوف عرفة ومراعاة أركان الحج، و (البيت): اسم جنس، ثم غلب على الكعبة - شرفها الله تعالى - كالعَلَم لها.
"إن استطعت إليه"؛ أي: إلى البيت، أو إلى الحج؛ لدلالة (تحج) عليه، وهو متعلق بـ (سبيلاً)؛ لأنه بمعنى: موصل ومبلغ.
"سبيلاً": تمييز أو مفعول به، والكلامُ في الاستطاعة مذكورٌ في الفروع.
"قال: صدقت"، قيل في انحصار الأركان في الخمسة: إن الأعمال الشرعية؛ إما قولية وهي الإقرار باللسان، أو فعلية وهي إما إتيان وهو الصلاة، أو ترك وهو الصوم، وإما مالية وهي الزكاة، وإما جامعة للنفس والمال وهو الحج.
وفي قوله: (فأخبرني عن الإسلام) بفاء التعقيب إشارةٌ إلى أن الإيمان والإسلام شيئان متباينان؛ لأن سؤله عن الإسلامِ بعطف الفاء بعد سؤله عن الإيمان، وجوابه ﷺ عن الإيمان بما بطن من الاعتقاد، وعن الإسلام بما ظهر من الأعمال = دليلٌ واضح على تغايرهما؛ فالإيمانُ تصديقُ القلب للأشياء الستة، والإسلامُ أعمالُ الجوارح.
وذهب بعض المحدثين وجمهور المعتزلة إلى أنهما عبارتان عن شيء واحد، وهو مجموع التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان.
"قال: فأخبرني عن الإحسان"، يقال: (أحسن الشيء): إذا زينه وأجمله، كانه يقول: أخبرني عن الشيء الذي يزين أركان الإسلام ويحسِّنها، والمراد به: الإخلاص، فأشار ﷺ في جوابه إلى حسن الاستقامة على حسب الطاقة بأن "قال: الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنك تراه"، وإلى المراقبة وحسن الطاقة بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ يعني: الإحسان عبادته تعالى على نعت الهيبة والتعظيم له
стр. 58
كأنك تنظر إليه، فإنَّ إطاعةَ الملك في حضرته تزيدُ المطيعَ جداً ونشاطاً في العمل وطمعاً في معروفه وخوفاً من تأديبه في تقصيره وتفريطه، وذلك واقعٌ لاطلاع الملك على حاله، وهو المراد من قوله: (فإنه يراك) بكلمة التحقيق.
وإنما قال في رؤبة العبد: (كأنك تراه) بكلمة التشبيه، وهو من باب التشبيه بالمخيَّل الذي لا وجودَ له، لاسيما عند من لا يجوِّز الرؤيةَ أصلاً، والجملة حال.
قيل: ترك قوله: (صدقت) في هذا الجواب وقعَ من إغفال بعض الرواة، وفي "كتاب مسلم" مذكور في الأجوبة الثلاثة.
"قال: فأخبرني عن الساعة"؛ أي: عن وقت قيام الساعة، وإنما استعيرت لاسم يوم القيامة؛ لأن [في] ذلك اليوم ساعةً حقيقة يقع فيها أمر عظيم، فلقلةِ الوقتِ سميت بها.
"قال: ما المسؤول عنها"؛ أي: عن الساعة، أراد النبي ﷺ به نفسه.
"بأعلمَ من السائل"؛ يعني: كلانا في عدم علمها سواء، بل هو مختصٌ بالثه تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، والغرضُ منه قطعُ الطمع عن معرفة وقتها؛ لأنهم لا يزالون يسألون رسول الله ﷺ عنها، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣].
"قال: فأخبرني عن أماراتها"؛ أي: علاماتها.
"قال: أن تلد الأمة": عن مولاها.
"ربتها": أنَّثَها على إرادة البنت، فتناول الابن بطريق الأولى، أو على تأويل النفس والتسمية، أو على كراهة إطلاق الرب تعظيمًا لجلال رب العباد، وإن جاز إطلاقه مضافاً إلى غيره.
ويروى: (ربها)؛ أي: سيدها سمي المولود به؛ لأنه صار سبباً لعتقها، أو
стр. 59
لأنه مولاها بعد الأب لأنه كهو في النسب، والمراد: أنه يكثر السبي والتسري، وذلك دليلٌ على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين الدال على التراجع والانحطاط المؤذن بقرب القيمة.
وقيل: المراد به أنهم يكتفون عن الحرائر بالسرائر، حتى يكثر الاستيلاد، فتعتق الأمة به، فإن العتق بعد موت السيد بسبب الاستيلاد مخصوصٌ بشريعة نبينا ﷺ ، وإن وُجِد الاستيلاد بدونه في الأمم السالفة.
"وأن ترى الحفاة": جمعْ الحافي، وهو: الذي لا شيءَ في رجله من نعل وغيره.
"العراة": جمع العاري، وهو: المتجرد عن الثياب.
"العالة": جمع عائل، وهو: الفقير المراد بهم العاجزون المقصودون في الدين كعجزهم في السير والعيش.
"رعاء": جمع راع.
"الشاء": جمع شاة؛ يعني: ملوكًا، عبَّر عن الخلق بالشاء؛ لكونهم في العجز كالشاء.
"يتطاولون في البنيان"؛ أي: حال كونهم متفاخرين بارتفاع أبنيتهم؛ يعني: من أماراتها أن تفوَّض الإمارة إلى الأراذل والأجلاف، فحينئذٍ ينعكس الزمان، ويتذلل الأشراف.
"قال"؛ أي: عمر.
"ثم انطلق"؛ أي: ذهب ذلك الرجل.
"فلبثت"؛ أي: مكثت بعد ذهابه.
"ملياً"؛ أي: حيناً، صفة مصدر محذوف؛ أي: لبثاً مليًّا، ولم أستخبر عن السائل استهابةً لحضرة النبوة.
стр. 60
"ثم قال لي"؛ أي: رسول الله ﷺ : "يا عمر! أتدري"؛ أي: أتعلم "من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم"، وفيه رعاية الأدب التام حيث أحال العلم إلى الله ورسوله، وأشارت إلى أن وظيفة المتعلم عند شيخه هي الاعترافُ بالجهل واستخراج ما عند شيخه، لا المبادرة في الجواب.
"قال: فإنه جبرائيل أتاكم": جملة استئنافية؛ أي: أتى مجلسكم.
"يعلمكم دينكم" جملة حالية من الضمير المرفوع في (أتاكم)؛ أي: عازمًا تعليمكم، أو مفعول له بتقدير اللام. المراد به تثبيتهم على علمهم؛ لأنهم كانوا عالمين بدينهم قبله وإنما سأل عن أمارتها؛ لأنه لمَّا لم يكن الاهتمام بها إلا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، جعل ذلك من الدين.
"ورواه"؛ أي: هذا الحديث "أبو هريرة ﵁ " كما روى عمر، ولكن: "في روايته" نقصان ما بعد العالة، وبعد قوله: "وأن ترى الحفاة العراة العالة" زيادة: "الصم": جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، أراد بهم الصم عن المواعظ والآيات، وهم الذين لا يهتدون ولا يقبلون من صمم العقل.
"البكم": جمع الأبكم، وهو الأخرس، والمراد بهم: البكم عن تعرُّف أحوال الطلمة ودفعهم عن المظالم.
"ملوك الأرض" فإنهم ملكوها من المشرق إلى حدود المغرب، وفيهم هذه الصفات المذكورة إلا نادراً، وهذا بخلاف العرب فإنهم في الزمن الذي كانوا فيه ملوك الأرض كانت الأرض ممتلئة عدلاً وأمنا كما هي ممتلئة من المذكورين اليوم ظلماً وجوراً.
"في خمس" متعلق بـ (أعلم) أو منصوب المحل على الحال، والعامل فيه (ترى)؛ أي: تراهم ملوك الأرض متفكِّرين في خمس "لا يعلمهن إلا الله" إذ من شأن الملوك الجهَّال الفكر في أشياء لا تعنيهم، كاهتمامهم بأن القيامة متى تقوم؟
стр. 61
والقَطْر متى ينزل؟ وما تلد خليلتي؟ وأيُّ شيء يصيبني غداً أخير أم شر؟، وكم يكون عمري؟ وأين تكون وفاتي؟ ويتخذون لذلك منجِّمين ورمَّالين.
والمراد بـ (خمس): خمس كلمات، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ بيان لها؛ أي: علم قيامها عنده ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: المطر إذا شاء ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. "الآية" من قول المؤلف منصوب بتقدير: أعني.
* * *
٢ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحجِّ، وصَوْمِ رمضان".
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : بني الإسلام على خمس"؛ أي: خمس خصال.
"شهادة" بالجر بدل عن (خمس)، وبالنصب بتقدير أعني، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهي شهادة.
"أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، ولم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها "وصوم رمضان" فإن قيل: لم قدَّم الحج على الصوم هنا؟ أجيب: بأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، وقد وقع الترتيب في الحديث السابق عليه.
وقد عُلم ترتيب وجوب هذه الأركان مما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بعث الله ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدَّقوا زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين جعل هذه الأركان
стр. 62
الخمسة أصولاً للإسلام وما عداها من أحكام الشريعة فرعاً لها.
ومثال الإسلام كقصر، وهذه الأركان كالأسطوانة لذلك القصر، وما بقي من أحكام الشريعة كجدار سطح ذلك القصر وكالجدار التي حواليه، فمَن حفظ هذه الأركان الخمسة وسائر أحكام الشريعة يكون قصرُ إسلامه تاما كاملاً.
* * *
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأَذى عن الطَّريق، والحياءُ شُعبة مِنَ الإيمانِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الإيمان بِضع" بكسر الباء: اسم لعدد مبهم من الثلاثة إلى التسعة "وسبعون شعبة"؛ أي: قطعة، يعني بها خصلة، ولما كان الأعمال الصالحة خُلُقاً لأهل الإيمان، وأنها من جملة الدلائل عليه، أطلق اسم الإيمان عليها مجازاً.
لم يُعلم بالتعيين كمية ما أراد النبي ﷺ من البضع، وقد جاء في بعض الروايات: (الإيمان سبع وسبعون شعبة).
"فأفضلها"؛ أي: أفضل الشعب وأعلاها منزلة: "قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى"؛ أي: تنحية ما يتأذى به مروراً وإزالته "عن الطريق" كالشوك والحجر ونحو ذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵁: "بينما رجل يمشي في الطريق إذا وجد غصن شوك فأخَّره، فشكر الله تعالى له"؛ أي: رضي عنه بسبب تنحيته الأذى عن الطريق وغفر له.
"والحياء" وهو انقباض النفس عن شيء وتركُه حذراً عن اللوم فيه، والمراد به هنا هو الحياء الإيماني، وهو ما يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفاً من الله تعالى.
стр. 63
"شعبة من الإيمان" وإنما خصه بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى سائر الشعب؛ لأن الحَييَّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فينزجر عن المعاصي.
وأما الحياء النفساني فهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلها، كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس.
* * *
٤ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ مِنْ لِسانِهِ ويده، والمُهاجِرُ مَنْ هجَرَ ما نَهى الله عنه".
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله ﷺ : المسلم"؛ أي: المسلم الكامل في إسلامه "من سلم المسلمون من لسانه ويده" بأن لا يتعرض لهم بما حرِّم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإنما خصَّ اللسان واليد لأن أكثر الإيذاء يحصل بهما.
"والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"؛ يعني: المهاجر في الحقيقة مَن اجتنب عما نهى الله عنه؛ لأن فضله على الدوام، وفضل الهجرة من مكة كان في وقت.
* * *
٥ - وقال: "لا يُؤمِنُ أحدكمْ حتَّى أكون أحبَّ إليهِ مِنْ والده، وولده، والناس أجمعين"، رواه أنس.
"وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم"؛ أي: لا يكون مؤمنًا كاملاً "حتى كون أحب إليه، بالحب الاختياري الحاصل من الإيمان "من والده وولده والناس أجمعين، مثلاً لو أمره رسول الله ﷺ بقتل أبويه وأولاده الكافرين، أو بأن يقاتل الكافر حتى يكون شهيداً، لأحبَّ أن يختار ذلك
стр. 64
لعلمه أن السلامة في امتثال أمره ﷺ ، لا بالحب الاختياري الطَّبْعي؛ لأن حب الإنسان نفسَه وولده ووالده أمرٌ غريزي ولا سبيل إلى قلبه، إذ لا تكلَّفُ نفس إلا وسعها.
* * *
٦ - وقال: "ثلاث مَنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حَلاوةَ الإيمانِ: مَنْ كانَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهُما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحبُّهُ إلا لله، ومَنْ يكرهُ أنْ يَعُودَ في الكُفْر بعدَ إذْ أنقذَهُ الله منهُ كما يكرهُ أنْ يُلقى في النَّارِ"، رواه أنس.
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال "من كن فيه"؛ أي: من اجتمعت فيه هذه الخصال "وجد حلاوة الإيمان" وهي استلذاذ الطاعة وتحمُّل المشاق في طلب رضاه.
"من كان الله ورسوله أحب إليه": بالحب الاختياري المذكور "مما سواهما" وإنما لم يقل: ممن سواهما؛ لتعمَّ ذا لعقل وغيره، وإنما ثنَّى الضمير فيه مع أنه ذم ﷺ رجلاً خطب بحضرته فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، إيذانًا بأن وجدان الحلاوة يتوقف على المحبتين معًا، وأن إحداهما بدون الأخرى غير مفيدة، وثَمَّ إرشاد بأن كل واحد من العصيانين مستقل في تحصيل الغواية.
"ومن أحب عبداً" أراد به الموسوم بعبودية الله أعم من الحر والمملوك.
"لا يحبه إلا لله" فالاستثناء مفرَّغٌ، ولا يَرِدُ الاعتراض بقوله ﷺ لعائشة في حق أسامة: "أحبيه فإني أحبه"؛ لأنه لا منافاة بينهما؛ لأن محبة الشيء لأجل محبة الرسول ﷺ لأجل الله؛ لأن محبتهما متلازمان.
"ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه"؛ أي: أنجاه من الكفر.
стр. 65
اعلم أنه إن أُريدَ بالعود العودُ الحقيقي وهو الرجوع إلى الكفر، لم يتناول هذا إلا مَن كان له سابقة كفر، ويكون تخويفًا للصحابة؛ لأنهم كانوا كفاراً فأسلموا، وفي نفوس بعضهم حب ما اعتاده من قبلُ، فحذرهم الرسول ﷺ من ذلك، وإن أريد به مجرد المصير والتحول، كقوله تعالى في قصة شعيب: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] فهو شامل للكل.
"كما يكره أن يلقى في النار" وفيه تنبيه على أن الكفر كالنار، وهو كذلك لأنه جازّ إليها، فباعتبار عدم كونه ناراً حقيقةً جعله مشبَّها وجعل النار الحقيقية مشبَّها بها؛ إذ العود إليه كالإلقاء فيها؛ لأن عاقبة الكفار دخول النار.
* * *
٧ - وقال: "ذاقَ طعْمَ الإِيمانِ مَنْ رضيَ بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً"، رواه العبَّاس بن عبد المطَّلِب.
"وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ذاق طعم الإيمان" أثبت للإيمان طعماً بطريق الاستعارة وذكر (١) الذوق الذي هو يلائم المستعار منه؛ فالاستعارة ترشيحية؛ أي: وجد الإيمان.
"من رضي بالله"؛ أي: اكتفى به "رباً"، ولم يتخذ إلهًا غيره، نصب على التمييز.
"وبالإسلام دينًا"؛ أي: رضي بكون الإسلام دينه ولم يبتغ دينًا غيره.
"وبمحمد رسولاً"؛ أي: رضي من الرسل والأنبياء بمحمد ﷺ ولم يتخذ سواه رسوله ونبيه، فالحاصل أنه لا بد في الإيمان من الرضاء بكل واحد من
стр. 66
الباعث والمبعوث له (١) بنعوتها الثلاثة؛ أعني: الربوبية والرسالة والدينية.
* * *
٨ - وقال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده"، لا يسمعُ بي أحدٌ مِنْ هذهِ الأمَّةِ يهوديٌّ أو نصراني، ثمَّ يموتُ ولمْ يُؤمِن بالذي أُرْسِلْتُ بهِ إلَاّ كانَ مِنْ أصحابِ النَّار"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده"؛ أي: بقدرته وأمره، والواو للقسم، أراد بالنفس النفس الإنسانية وأعم منها، واليد هي النعمة؛ أي: نفس محمد كائنة بنعمته.
"لا يسمع بي"؛ أي: بمبعثي أو بنبوتي "أحد من هذه الأمة" المراد به أمة الدعوة، فاللام للاستغراق أو للجنس.
"يهودي ولا نصراني" صفتان لـ (أحد)، أو بدلان عنه بدل البعض عن الكل.
"ثم يموت ولم يؤمن"؛ أي: يموت غير مؤمن "بالذي أرسلت به" وهو القرآن، أو الدين الحنيفي.
"إلا كان من أصحاب النار" فيه إشارة إلى أن الإيمان بجميع أحكام الإسلام واجب فيكفَّر من قال: آمنت بان محمداً رسول الله ولكنه إلى بعض الناس؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ أي: إلا لتكون رسولاً للناس كافة.
وكذا من قال: آمنت أنه كافة للناس ولكن أعظِّم أمر السبت، أو أحرم لحم الإبل، كما كان في دين موسى ﵇، أو ما أشبه ذلك من تحليل
стр. 67
حرام أو عكسه؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]؛ يعني: اقبلوا جميع ما أمركم محمد ﷺ واتركوا ما نهاكم.
ويحتمل أن يكون [المراد] بالأمة: المعاصرين، وأما من سيوجد بعدهم فمندرجٌ في ذلك قياساً على المعاصرين كما في سائر أحكام الإيمان، صمانما خضَت اليهود والنصارى بالذكر؛ لأنهما أهلا كتابي التوراة والإنجيل، وهم أشرف وأخص ممن لم يكن لهم كتاب من الأمم الباقية، فإذا كانوا كفاراً بترك الإيمان لمحمد فغيرهم كان أولى بذلك.
* * *
٩ - وقال: "ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ مِنْ أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيهِ وآمنَ بمحمدٍ، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَواليهِ، ورجلٌ كانتْ عندهُ أمَةٌ يَطؤها، فأدَّبها فأحسنَ تأدِيبَها وعلَّمَها فأحسنَ تعليمَها، ثمَّ أعتَقَها فتزوجَها، فلهُ أَجران"، رواه أبو موسى الأَشْعَري ﵁.
"وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة"؛ أي: ثلاثة أشخاص، مبتدأ خبره: "لهم أجران: رجل من أهل الكتاب" المراد بهم النصارى؛ لأن اليهود لا يثابون على دينهم؛ لأن الإيمان بعيسى ﵇ كان واجبًا عليهم.
"آمن بنبيه"؛ يعني: بعيسى ﵇.
"وآمن بمحمد" ﷺ بعد مبعثه، فإن له أجرين: أجر على العمل بدين نبيه، وأجر على الإيمان بمحمد ﷺ والعمل بدينه، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].
стр. 68
ويجوز أن يُجرى على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون الإيمان به - صلى الله تعالى عليه وسلم - سبباً لقبول أعماله في دينه وإن كان منسوخاً، كما ورد في الخبر أن مبرات (١) الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم، وإنما لم يقل: وبمحمد، مع أنه أخصر، إيذانًا باستقلال كل منهما بالإيمان.
"والعبد المملوك" قيد بالمملوك لأنه المراد لا مطلق العبد.
"إذا أدى حق الله"؛ أي: قضى ما فرض الله من الصلاة وغيرها، قدَّم (حق الله) بالذكر لأنه أهم، إذ ليس لمولاه منعه عن أداء حقوق تعالى، وأما النوافل فلا بد فيه من إذن السيد.
"وحق مواليه" من الخدمة والطاعة، وإنما قال: (مواليه) دون مولاه؛ لأن العبد يتداوله أيدي الناس غالباً.
"ورجل كانت عنده أمة يطؤها"؛ أي: يجامعها، فيه إشارة إلى أنه ليس له أن يَحرِم أمته عن الوطئ صيانة لها عن الزنا؛ لأنها تشتهي كما تشتهي الحرة.
"فأدبها" الأدب: حسن الأحوال في القيام والقعود واجتماع الخصال الحميدة.
"فأحسن تأديبها" المراد بإحسانه أن يكون باللطف والتأني لا بالعنف.
"وعلمها"؛ أي: ما لا بد من الفرائض، ترك المفعول الثاني لقصد التعميم والاختصار.
"فأحسن تعليمها، ثم أعتقها" ابتغاءً لمرضاة الله تعالى، ذُكر بـ (ثم) لتراخيه عن التأديب والتعليم.
"فتزوجها" ذكر بالفاء ليدل على أن للمعتِق تزوُّجَها من غير تربُّصٍ، سواءٌ
стр. 69
كانت أم ولد له أو لم تكن.
"فله أجران" أجز لتعليمها وتأديبها، وأجر لعتقها وتزوجها، وقيل: أجر لإعتاقها وأجر لتزوَّجها، فيكون ذكر الأوصاف قبلهما؛ لأنها داعية إليهما غالبًا.
وإنما خص هذا الأخير بقوله: (فله أجران)؛ لأن جهة الأجر فيه متعددة، فكانت مظنة أن يستحق أكثر من ذلك، ويجوز أن يعود قوله: (فله) إلى كل واحد من الثلاث؛ يعني: الرجلين والعبد المملوك.
* * *
١٠ - وقال: "أُمِرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدوا أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ مُحمَّداً رسولُ الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤْتوا الزكاة، فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقّ الإسلام، وحسابُهم على الله"، رواه ابن عمر ﵄.
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس"؛ أي: أمرني الله بأن أقاتلهم، "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" وإنما خصهما بالذكر: إما لأن هذا الحديث ورد قبل وجوب الصوم والحج، وإما لعظم شأنهما وصعوبة موقعهما على الطباع لتكرارهما، مع أن النفس مجبولة على حب المال فكانتا مظنتي التفويط.
"فإذا فعلوا ذلك" المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة.
"عصموا"؛ أي: حفظوا "مني دمائهم" من السفك، "وأموالهم" من النهب.
"إلا بحق الإسلام" استثناء مفرغ؛ أي: إذا فعلوا ذلك عصموهما، ولا يجوز لنا تعرُّضهما بسبب من الأسباب، إلا بسبب حق الإسلام من استيفاء قصاصِ نفسٍ أو طرفي إذا قتل أو قطع، ومن أخذ مالٍ إذا غصب، وإلى غير ذلك من الحقوق
стр. 70
الإسلامية، أو استثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف؛ أي: إلا دماءً ومالاً ملتبسين بحق الإسلام.
"وحسابهم على الله" مما يسترون به في غير الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر.
وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملاتهم جارية على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن المُظْهِرَ لشعار الدين يجري عليه حكمه، ولم يستكشف من باطن أمره والله يتولى حسابه.
* * *
١١ - وقال: "مَنْ صَلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قِبلتَنا، وكلَ ذَبيحتَنا، فذلكَ المسلمُ الذي لهُ ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولهِ، فلا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتهِ"، رواه أنسَ ﵁.
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاتنا"؛ أي: مثل صلاتنا، ولا توجد الصلاة الشرعية إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، فلذا جعل عَلَماً لإسلامه، ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان استغناءً بالصلاة التي هي عنوان الدين، أو لتأخّر وجوب تلك الفرائض عن زمان صدور هذا القول.
"واستقبل قبلتنا": وإنما ذكر الاستقبال مع أن صلاتنا مشروطة به ترغيباً للناس عليه لاحتمال صدور الحديث وقت تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أو لأن صلاتنا تشابه صلاة غيرنا في كثير من أعمالها وقبلتنا ليست كذلك.
"وأكل ذبيحتنا"؛ أي: مذبوحتنا، وهي فعيلة بمعنى المفعول، والتاء للجنس كما في الشاة، وقيل: للتأنيث؛ لأنه لم يُذكر موصوفها معها.
"فذلك"؛ أي: من جمع هذه الثلاثة "هو المسلم الذي له ذمة الله"؛ أي: عهده وأمانه.
стр. 71
"وذمة رسول الله" لا يستباح منه ما حرم عن المسلمين، وإنما ذكر ذمة رسوله ليعلم أن له ذمتين فيمسك عن التعرض له بأبلغ الوجوه.
"فلا تخفروا الله في ذمته" الضمير فيه لله أو للمسلم، والإخفار: إزالة الخفرة، وهو العهد؛ يعني: لا تزيلوا عهد الله في حقِّ مَن في أمانه.
وبهذا قال أبو حنيفة: إذا صلى كافر بجماعة يحكم بإسلامه.
ثم هذه العصمة ثابتة له بشرط أن لا يكون عليه شيء من حقوق الإسلام، أما إذا كانت فلا، وكذا من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا له ذمة الله، ولكن بصفة النقصان من استيفاء قصاص نفس أو طرف أو قطع، ومن أخذ مالي إذا غصب، إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، فإنه إذا قُتل فلا قصاص فيه ولا دية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] جعل التحرير كل الجزاء (١).
* * *
١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ فقال: دلُّنِي على عَمل إذا عملتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال: "تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتُقيمُ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ"، فقال: والذي نفسي بيدِهِ، لا أزيدُ على هذا، ولا أنقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجل مِنْ أهلِ الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى أعرابي النبي ﷺ فقال: دلُّني" بضم الدال وفتح اللام: أمرٌّ من دلَّ يَدُلُّ: إذا أرشد؛ أي: أرشدني.
"على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال"؛ أي: النبي ﷺ : "تعبد الله":
стр. 72
خبر بمعنى الأمر؛ أي: اعبده، وكذا ما عطف عليه، أو في تأويل المصدر بتقدير: أن، فيكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك العمل أن تعبد الله؛ أي: توحِّده.
"ولا تشرك به شيئاً": جملة حالية؛ أي: غير مشرك به، المراد به التحذير عن الرياء فإنه شرك خفي.
أو كما قالت اليهود والنصارى في حق عزير والمسيح، وإنما لم يذكر ﷺ شهادة كونه رسول الله مع أن دخول الجنة لا يتحقق بدون الاعتراف برسالته ﷺ ؛ لأن السائل لعله كان مسلمًا مقراً برسالته ﷺ بدليل سؤاله عما يُدخل الجنة من العمل، فذكر التوحيد يكون لشرفه وكونه أصلًا، أو لأن التوحيد لا يعتبر بدونها فذكره مغن عن ذكرها.
"وتقيم الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة.
"وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال"؛ أي: الأعرابي: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا"؛ أي: لا أزيد على هذا المذكور من عند نفسي شيئًا، "ولا أنقص منه"، أو المعنى: لا أزيد على هذا السؤال وأنقص في العمل مما سمعته، أو يكون الرجل وافداً فيكون معناه: لا أزيد على ما أسمع في تبليغه ولا منه أنقص.
"فلما ولى"؛ أي: أدبر وذهب.
"قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر" - فاعل (سر) - "إلى رجل من أهل الجنة" والجملة شرطية وجواب الشرط: "فلينظر إلى هذا"؛ أي: إلى هذا الرجل.
وإنما حكم بكونه من أهل الجنة مع قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومع قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالخواتم"؛ لأنه حصل
стр. 73
له غلبة الظن بدوام الرجل على الخير، أو لعله علم ذلك بالوحي.
* * *
١٣ - عن سُفيان بن عبد الله الثَّقَفِي قال: قلتُ: يا رسولَ الله قُلْ لي في الإسلامِ قولاً لا أَسالُ عنهُ أحداً غيركَ، قال: "قُلْ: آمنتُ بالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
"عن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام"؛ أي: فيما يكمل به الإسلام.
"قولاً"؛ أي: قولاً جامعًا لأصوله وفروعه أستغني به بحيث "لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله"؛ أي: اشهد بوحدانيته وصدِّقه في جميع مأموراته.
"ثم استقم"؛ أي: الزم القيام على ذلك ممتثلاً أمر الله مجتنباً نهيه.
قيل: عطفُ الاستقامة على الإيمان بكلمة النزاخي دليل على أن الكفار غير مكلَّفين بفروع الإسلام بل بأصوله فقط، فإذا آمنوا كلفوا بفروعه أيضاً.
وقيل: (ثم) هنا للتراخي الرتبي؛ لأن درجة الاستقامة قاصية لا ينالها أحد، قال ﷺ : "شيبتني سورة هود"؛ لأنه أمر بالاستقامة فيها بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
* * *
١٤ - عن طلْحة بن عُبيد الله ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ، نسمعُ دَويَّ صوتِه ولا نفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنا، فإذا هو يسألُ عنِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خمسُ صلَواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ"، فقال: هلْ عليَّ غيرهُنَّ؟ فقال: "لا، إلا أنْ تطوَّعَ"، قال: "وصيامُ شهرِ رمضانَ"، قال: هلْ عليَّ غيرُه؟ قال: "لا، إلَاّ أنْ تطوَّعِ"، قال: وذكرَ لهُ رسولُ الله ﷺ الزَّكاةَ، فقالَ: هَلْ عليَّ
стр. 74
غيرُها؟ فقال: "لا إلَا أنْ تطَوَّعَ". قال: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أفلَحَ الرَّجلُ إنْ صدقَ".
"عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: جاء رجل" يقال له: ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد.
"إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد" وهو في الأصل: ما ارتفع من الأرض، ضد التهامة، وهي الغور، وكل ما ارتفع من تهامة الأرض إلى أرض العراق نجد، كذا في "الصحاح".
"ثائر الرأس" بالرفع: صفة (رجل)، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر؛ أي: منتشر شعر الرأس بحذف المضاف، إذ من عادة أهل البادية انتشار الشعر، وبالنصب: حال لوصفه، وإنما لم يتقدم على ذي الحال وهو منكَّر؛ لأنه قد تخصَّصَ بالصفة وهي: (من أهل نجد).
"نسمع دوي صوته"؛ أي: خفيف صوته؛ لأن الدوي: الصوت الذي ليس بالعالي كصوت النحل.
"ولا نفقه"؛ أي: لا نفهم من البعد "ما يقول" لضعف صوته.
"حتى دنا"؛ أي: قرب من النبي ﷺ "فإذا هو"؛ أي: الرجل "يسأل عن الإسلام"؛ أي: عن فرائضه لا عن حقيقته، ولهذا لم يذكر الشهادتين فيه.
"فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات"؛ أي: هي خمس صلوات "في اليوم والليلة" ولم يبين أوقاتها وكمية ركعاتها وكيفيتها واختصاص البعض بالليل والبعض بالنهار؛ لشهرتها وعلم السائل بها.
"فقال"؛ أي: الرجل: "هل علي غيرهن" من الصلوات؟
"فقال: لا" ليس عليك غيرهن "إلا أن تطوَّع، بحذف إحدى التائين، وهو من الطاعات: ما يفعله الرجل عن طوعه ورغبته من غير أن يوجبه الشرع.
стр. 75
"قال: وصيام شهر رمضان": عطف على (خمس).
"قال: هل علي غيره؟ "؛ أي: هل علي صوم فرض سوى شهر رمضان؟ "قال: لا إلا أن تطوع"
"قال"؛ أي: الرواي "وذكر رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: لا إلا أن تطوع" ولم يذكر الحج هنا لاحتمال أنه سقط ذكره من بعض الرواة.
"قال"؛ أي: الراوي: "فأدبر الرجل"؛ أي: ذهب "وهو" يحلف "ويقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرجل"؛ أي: دخل في الفلاح وهو الظفر بالمراد الصالح "إن صدق" إنما حكم ﷺ بكونه من أهل الجنة مطلقاً في رواية أبي هريرة، وهنا علق الفلاح بصدقه.
وقد روي أن الحديثين واحد؛ لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيتكل عليه، فلما ذهب قال: (من سره. . .) إلخ، ويحتمل أنه كان قبل أن يُطلعه الله على صدقه ثم أطلعه الله عليه.
وأيضًا لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحاً؛ لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب، وكل مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن بمفلح.
وأيضًا إنما يَرِدُ هذا إذا كان اللام في (الرجل) للعهد، وإذا كان لتعريف الجنس فلا.
* * *
١٥ - وعن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ وفدَ عبدِ القَيْسِ لمَّا أتَوا النبيَّ ﷺ قال: "مَنِ القومُ - أو: مَنْ الوفدُ -؟ "، قالوا: ربيعةُ، قال: "مرحبًا بالقومِ - أو: بالوفدِ -