"وذمة رسول الله" لا يستباح منه ما حرم عن المسلمين، وإنما ذكر ذمة رسوله ليعلم أن له ذمتين فيمسك عن التعرض له بأبلغ الوجوه.
"فلا تخفروا الله في ذمته" الضمير فيه لله أو للمسلم، والإخفار: إزالة الخفرة، وهو العهد؛ يعني: لا تزيلوا عهد الله في حقِّ مَن في أمانه.
وبهذا قال أبو حنيفة: إذا صلى كافر بجماعة يحكم بإسلامه.
ثم هذه العصمة ثابتة له بشرط أن لا يكون عليه شيء من حقوق الإسلام، أما إذا كانت فلا، وكذا من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا له ذمة الله، ولكن بصفة النقصان من استيفاء قصاص نفس أو طرف أو قطع، ومن أخذ مالي إذا غصب، إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، فإنه إذا قُتل فلا قصاص فيه ولا دية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] جعل التحرير كل الجزاء (١).
* * *
١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ فقال: دلُّنِي على عَمل إذا عملتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال: "تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتُقيمُ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ"، فقال: والذي نفسي بيدِهِ، لا أزيدُ على هذا، ولا أنقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجل مِنْ أهلِ الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى أعرابي النبي ﷺ فقال: دلُّني" بضم الدال وفتح اللام: أمرٌّ من دلَّ يَدُلُّ: إذا أرشد؛ أي: أرشدني.
"على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال"؛ أي: النبي ﷺ : "تعبد الله":
стр. 72
خبر بمعنى الأمر؛ أي: اعبده، وكذا ما عطف عليه، أو في تأويل المصدر بتقدير: أن، فيكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك العمل أن تعبد الله؛ أي: توحِّده.
"ولا تشرك به شيئاً": جملة حالية؛ أي: غير مشرك به، المراد به التحذير عن الرياء فإنه شرك خفي.
أو كما قالت اليهود والنصارى في حق عزير والمسيح، وإنما لم يذكر ﷺ شهادة كونه رسول الله مع أن دخول الجنة لا يتحقق بدون الاعتراف برسالته ﷺ ؛ لأن السائل لعله كان مسلمًا مقراً برسالته ﷺ بدليل سؤاله عما يُدخل الجنة من العمل، فذكر التوحيد يكون لشرفه وكونه أصلًا، أو لأن التوحيد لا يعتبر بدونها فذكره مغن عن ذكرها.
"وتقيم الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة.
"وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال"؛ أي: الأعرابي: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا"؛ أي: لا أزيد على هذا المذكور من عند نفسي شيئًا، "ولا أنقص منه"، أو المعنى: لا أزيد على هذا السؤال وأنقص في العمل مما سمعته، أو يكون الرجل وافداً فيكون معناه: لا أزيد على ما أسمع في تبليغه ولا منه أنقص.
"فلما ولى"؛ أي: أدبر وذهب.
"قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر" - فاعل (سر) - "إلى رجل من أهل الجنة" والجملة شرطية وجواب الشرط: "فلينظر إلى هذا"؛ أي: إلى هذا الرجل.
وإنما حكم بكونه من أهل الجنة مع قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومع قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالخواتم"؛ لأنه حصل
стр. 73
له غلبة الظن بدوام الرجل على الخير، أو لعله علم ذلك بالوحي.
* * *
١٣ - عن سُفيان بن عبد الله الثَّقَفِي قال: قلتُ: يا رسولَ الله قُلْ لي في الإسلامِ قولاً لا أَسالُ عنهُ أحداً غيركَ، قال: "قُلْ: آمنتُ بالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
"عن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام"؛ أي: فيما يكمل به الإسلام.
"قولاً"؛ أي: قولاً جامعًا لأصوله وفروعه أستغني به بحيث "لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله"؛ أي: اشهد بوحدانيته وصدِّقه في جميع مأموراته.
"ثم استقم"؛ أي: الزم القيام على ذلك ممتثلاً أمر الله مجتنباً نهيه.
قيل: عطفُ الاستقامة على الإيمان بكلمة النزاخي دليل على أن الكفار غير مكلَّفين بفروع الإسلام بل بأصوله فقط، فإذا آمنوا كلفوا بفروعه أيضاً.
وقيل: (ثم) هنا للتراخي الرتبي؛ لأن درجة الاستقامة قاصية لا ينالها أحد، قال ﷺ : "شيبتني سورة هود"؛ لأنه أمر بالاستقامة فيها بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
* * *
١٤ - عن طلْحة بن عُبيد الله ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ، نسمعُ دَويَّ صوتِه ولا نفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنا، فإذا هو يسألُ عنِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خمسُ صلَواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ"، فقال: هلْ عليَّ غيرهُنَّ؟ فقال: "لا، إلا أنْ تطوَّعَ"، قال: "وصيامُ شهرِ رمضانَ"، قال: هلْ عليَّ غيرُه؟ قال: "لا، إلَاّ أنْ تطوَّعِ"، قال: وذكرَ لهُ رسولُ الله ﷺ الزَّكاةَ، فقالَ: هَلْ عليَّ
стр. 74
غيرُها؟ فقال: "لا إلَا أنْ تطَوَّعَ". قال: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أفلَحَ الرَّجلُ إنْ صدقَ".
"عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: جاء رجل" يقال له: ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد.
"إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد" وهو في الأصل: ما ارتفع من الأرض، ضد التهامة، وهي الغور، وكل ما ارتفع من تهامة الأرض إلى أرض العراق نجد، كذا في "الصحاح".
"ثائر الرأس" بالرفع: صفة (رجل)، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر؛ أي: منتشر شعر الرأس بحذف المضاف، إذ من عادة أهل البادية انتشار الشعر، وبالنصب: حال لوصفه، وإنما لم يتقدم على ذي الحال وهو منكَّر؛ لأنه قد تخصَّصَ بالصفة وهي: (من أهل نجد).
"نسمع دوي صوته"؛ أي: خفيف صوته؛ لأن الدوي: الصوت الذي ليس بالعالي كصوت النحل.
"ولا نفقه"؛ أي: لا نفهم من البعد "ما يقول" لضعف صوته.
"حتى دنا"؛ أي: قرب من النبي ﷺ "فإذا هو"؛ أي: الرجل "يسأل عن الإسلام"؛ أي: عن فرائضه لا عن حقيقته، ولهذا لم يذكر الشهادتين فيه.
"فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات"؛ أي: هي خمس صلوات "في اليوم والليلة" ولم يبين أوقاتها وكمية ركعاتها وكيفيتها واختصاص البعض بالليل والبعض بالنهار؛ لشهرتها وعلم السائل بها.
"فقال"؛ أي: الرجل: "هل علي غيرهن" من الصلوات؟
"فقال: لا" ليس عليك غيرهن "إلا أن تطوَّع، بحذف إحدى التائين، وهو من الطاعات: ما يفعله الرجل عن طوعه ورغبته من غير أن يوجبه الشرع.
стр. 75
"قال: وصيام شهر رمضان": عطف على (خمس).
"قال: هل علي غيره؟ "؛ أي: هل علي صوم فرض سوى شهر رمضان؟ "قال: لا إلا أن تطوع"
"قال"؛ أي: الرواي "وذكر رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: لا إلا أن تطوع" ولم يذكر الحج هنا لاحتمال أنه سقط ذكره من بعض الرواة.
"قال"؛ أي: الراوي: "فأدبر الرجل"؛ أي: ذهب "وهو" يحلف "ويقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرجل"؛ أي: دخل في الفلاح وهو الظفر بالمراد الصالح "إن صدق" إنما حكم ﷺ بكونه من أهل الجنة مطلقاً في رواية أبي هريرة، وهنا علق الفلاح بصدقه.
وقد روي أن الحديثين واحد؛ لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيتكل عليه، فلما ذهب قال: (من سره. . .) إلخ، ويحتمل أنه كان قبل أن يُطلعه الله على صدقه ثم أطلعه الله عليه.
وأيضًا لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحاً؛ لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب، وكل مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن بمفلح.
وأيضًا إنما يَرِدُ هذا إذا كان اللام في (الرجل) للعهد، وإذا كان لتعريف الجنس فلا.
* * *
١٥ - وعن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ وفدَ عبدِ القَيْسِ لمَّا أتَوا النبيَّ ﷺ قال: "مَنِ القومُ - أو: مَنْ الوفدُ -؟ "، قالوا: ربيعةُ، قال: "مرحبًا بالقومِ - أو: بالوفدِ -
стр. 76
غيرَ خَزايا ولا نَدامَى"، قالوا: يا رسولَ الله اإنَّا لا نستطيعُ أنْ نأتيكَ إلَاّ في الشهر الحرام، وبيننا وبينكَ هذا الحيُّ من كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخبرُ بهِ مَنْ وراءنَا، وندخُلُ بهِ الجنَّةَ، وسألوهُ عنِ الأشربةِ، فأمرهُم بأربعٍ، ونهاهُم عن أربع: أمرهُمْ بالإيمانِ بِالله وحدَه، فقال: "أتدرونَ ما الإيمانُ بِالله وحده؟ "، قالوا: الله ورسولهُ أعلمُ، قال: "شهادةُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصيامُ رمَضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغْنَم الخُمُس"، ونهاهُمْ عن أربَعٍ: عنِ الحَنتم، والدُّبَّاء والنَّقيرِ، والمُزفَّت، وقال: "احفظوهنَّ، وأخبروا بهنَّ مَنْ وَراءكم".
"عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إن وفد": جمع وافد، من وَفَدَ فلان على الأمير: إذا ورد إليه رسولًا.
"عبد القيس": اسم قبيلة معروفة، وهم يتفرقون قبائل كثيرة، إحدى قبائلهم ربيعة؛ يعني: الجماعة الذين أرسلهم قومهم إلى النبي ﷺ ليتعلموا الدين.
"لما أتوا النبي ﷺ " وأُخبر ﷺ بقدومهم.
"قال: من القوم؟ أو: من الوفد؟ ": شك من الراوي.
"قالوا"؛ أي: الوفد: "ربيعة"؛ أي: نحن ربيعة، أو وفد ربيعة.
"قال: مرحبًا": هو مفعول به لمقدَّرٍ، والباء في: "بالقوم أو بالوفد" زائدة؛ أي: أتى القوم موضعًا رحباً؛ أي: واسعًا لا ضيقاً، أو مفعول مطلق فالباء للتعدية؛ أي: أتى الله بالقوم مرحباً.
"غير": منصوب على الحال من (القوم)، "خزايا": جمع خزيان، من الخزي وهو الذل والإهانة.
"ولا ندما": جمع ندمان، من الندامة، وإنما قال لهم ذلك لأنهم دخلوا
стр. 77
في الإسلام طوعاً لم يصبهم مكروه من حرب أو سبي يخزيهم، أو لأن الوفد قد يلحقه نقيصة من قِبَل مَن وفد عليه، أو ندامة أو خيبة من سفره حيث لم يجد قضاء حاجته.
والمعنى: ما كنتم بالإتيان إلينا خاسرين خائبين كبعض الأمراء إذا أتاهم وفد فلا يعطونهم حقهم ولا يقضون حاجتهم.
"قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام" قالوا ذلك اعتذارًا إليه ﷺ عن عدم الإتيان في غير هذا الوقت؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضًا ويكفُّون عن ذلك في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب تعظيمًا لها، وكان هذا في أول الإسلام، فنسخ بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
"وبيننا وبينك هذا الحي" يريد به بطناً من بطون مضر، فتكون (من) في: "من كفار مضر" تبعيضية، أو يريد به نفس مضر فتكون (من) للتبيين؛ أي: هذا الحي الذي هو مضر، وهو اسم قبيلة، وكان بينهم وبين قبيلة الوفد عداوة.
"فمرنا بأمر فصل" صفة لـ (أمر)، مصدر بمعنى فاصل؛ أي: فاصل بين الحق والباطل، أو المعنى: ذي فصل؛ أي: بين واضح ينفصل بها المراد ولا يشكل.
"نخبر": بالرفع صفة ثانية لـ (أمر) أو استئناف، وبالجزم جواب الأمر.
"به"؛ أي: بسببه.
"من ورائنا"؛ أي: خلفنا؛ يعني: من تركناهم في أوطاننا من قبائلنا وعشائرنا.
"وندخل به" عطف على (نخبر)؛ أي: ندخل بسبب قبول أمرك والعمل به "الجنة"، فإن دخول الجنة إنما هو بفضل الله، والعملُ الصالح سببه، كما أن
стр. 78
الأكل سبب الشبع والمُشبع هو الله.
"وسألوه"؛ أي: الوفدُ النبيَّ ﷺ "عن الأشربة": جمع الشراب، وهو اسم لكل ما يشرب، وإنما سألوه عنها تورعًا منهم عن الشبهة، فإن العرب معتادة شرب الأنقعة والأنبذة، ويرونه نافعًا عن مضارِّ المياه والأهوية الردية في الأراضي الوخمة.
"فأمرهم بأربع" خصال "ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده" نصب على الحال؛ أي: واحدًا لا شريك له.
"قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم" تأدبًا بين يديه، وطلبا لسماع الكلمتين منه ﵇.
"قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" والمراد بالإيمان هنا الإسلام والتصديق بهاتين الشهادتين، فيتحقق الإيمان بهما.
"وإقام الصلاة" خبر مبتدأ محذوف.
وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان. . . إلى آخر الشهادتين، وأمرهم عقيب ذلك بأربع وهي: إقام الصلاة.
"وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم" الحاصل من المحاربة مع الكفار "الخمس" وفيه إشعار بأن الخمس واجب على المخاطَبين وغيرهم من الغانمين وإن لم يكن الإمام حاضرًا.
وإنما لم يذكر الحج لاحتمال أنه لم يكن واجبًا بعدُ أو لنسيان الراوي، أو ذكر إعطاء الخمس موضع الحج لمَّا رأى أن القوم إلى هذا الحكم أحوج، وذِكْرُ الأهم أولى من غيره.
"ونهاهم عن أربع: عن الحَنتم" وهو - بفتح الحاء المهملة -: جرة خضراء ينبذ فيها.
стр. 79
"والدُّبَّاء" بضم الدال وتشديد الباء بالمد والقصر: القَرْع.
"والنقير" أصله: نخلة أو خشبة ينقر فيتخذ منه أوعية ينبذ فيها.
"والمزفت": الوعاء المطلي بالزفت، يعني: نهاهم عن أشربة الأواني الأربع؛ لأن في هذه الأربعة يصير الماء مسكراً عن قريب؛ لأنها غليظة لا منفذ للريح فيها، ولا يترشح منها الماء، فيتغير عن زمان قريب.
"وقال: احفظوهن"؛ أي: هذه الكلمات المذكورة من الأوامر والنواهي واعملوا بهن "وأخبروا بهن من ورائكم" قيل: فيه دلالة على أن إبلاغ الخبر وتعليم العلم الشرعي واجب إذ الأمر للوجوب.
* * *
١٦ - وعن عُبادة بن الصَّامِت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عِصابةٌ من أصحابهِ: "بايعوني على أنْ لا تُشرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا أَولادكم، ولا تأتوا ببُهتانٍ تفترونه بينَ أيديكمْ وأرجُلِكُمْ، ولا تَعْصُوا في مَعْروفٍ، فمنْ وَفَى منكم فأجْرُهُ على اللهِ، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدُّنيا فهوَ كفَّارةٌ له، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثمَّ سَتَرهُ الله عليه فهُوَ إلى الله، إنْ شاءَ عَفا عنهُ، وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فبايعْناهُ على ذلك".
"وعن عبادة بن صامت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : وحوله" الواو للحال، نُصب على الظرف خبر المبتدأ الذي هو: "عصابة" وهي بالكسر: الجماعة يشد بعضهم بعضا، مأخوذ من العصب: الشد، كأنهم يشد بعضهم بعضًا شدَّ الإعصاب.
وقيل: هي اسم جماعة من الرجال ما بين العشرة إلى أربعين.
"من أصحابه: بايعوني"؛ أي: اضمنوا وأقبلوا "إلي وتعاهدوا على هذه الأشياء.
стр. 80
"على أن لا تشركوا بالله شيئًا، مفعول به أو مفعول مطلق، نحو: ما ضربت زيداً شيئا، أي: لا تتخذوا إلهًا غيره.
"ولا تسرقوا"؛ أي: لا تأخذوا مال أحد خفية من حرزٍ.
"ولا تزنوا" الزنا مداً وقصراً: إيلاج فرج في فرج بلا علاقةِ نكاحٍ وملكِ يمينٍ وشبهة.
"ولا تقتلوا أولادكم" وإنما خص الأولاد لأن عادة العرب كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر، وربما يقتل الرجل البنت من خوف لحوق العار به بظهور الزنا عليها، فنهاهم عنه.
"ولا تأتوا ببهتان" الباء للتعدية؛ أي: بما يبهت المكذوب عليه؛ أي: يدهشه ويجعله متحيراً لفظاعته فيبقى مبهوتا، والمراد: قذف أهل الإحصان.
"تفترونه" صفة بهتان؛ أي: تختلقونه.
"بين أيديكم وأرجلكم"؛ أي: من عند أنفسكم، فاليد والرجل كنايتان عن الذات والنفس إطلاقاً للبعض على الكل؛ لأن معظم أفعال الإنسان بهما.
وقيل: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحًا يشاهد بعضهم بعضا، كما يقال: فعلت هذا بين يديك؛ أي: بحضرتك، وهذا النوع أشد البهت.
وقيل: معناه: لا تُلحقوا بالرجال الأولاد من غير أصلابهم، فإن إحداهن في الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها: هو ولدي منك، فعبر بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تُلحقه بزوجها كذبا؛ لأن بطنها الذي يحمله بين يديها، وفرجها الذي تلده منه بين رجليها.
"ولا تعصوا في معروف"؛ أي: لا تخالفوا أمرَ مَن يأمركم بالمعروف، وهو ما عرف أنه من أوامر الشرع وما فيه خير وثواب، وإنما قيَّد النهي عن العصيان بكونه في معروف؛ لأن عصيان مَن يدعو إلى المعصية لازم.
стр. 81
"فمن وفى منكم" بذلك؛ أي: بالانتهاء عن المنهيَّات المذكورة.
"فأجره"؛ أي: ثوابه "على الله، ومن أصاب"؛ أي: فعل "من ذلك"؛ أي: من المنكرات، حال من "شيئاً".
"فعوقب" به "في الدنيا"؛ أي: أقيم عليه حد ذلك الفعل.
"فهو"؛ أي: عقابه في الدنيا بإقامة الحد عليه "كفارة له"؛ أي يكفِّر إثمه (١) ذلك، ولم يعاقب في الآخرة، وهذا خاصٌّ بغير الشرك، فإن المشرك لا يكفو عنه إئم شركه بقتله بالشرك في الدنيا.
وفي الحديث إرشاد إلى أن الأجر إنما يُنال بالوفاء بالجميع، وأن العقاب ينال بترك أيِّ واحد كان من الجميع.
"ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله"؛ أي: ذلك الشيء المصاب.
"عليه" ولم يهتك ستره بين الناس في الدنيا، ولم يُقَمْ عليه حد ذلك الفعل.
"فهو"؛ أي: المستور عليه مفوَّض أمره "إلى الله" يوم القيامة "إن شاء عفى عنه"؛ أي: ترك عقوبته عن الذنب "وإن شاء عاقبه" بقَدْرِ ذنبه.
"فبايعناه على ذلك"
وفي هذا دلالة صريحة على أنه لا يجب عليه تعالى عقاب عاصٍ، فهو دليل على المعتزلة؛ فإنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل التوبة، وإنما قدم العفو على العقاب لقوله تعالى: "سبقت رحمتي عذابي".
* * *
стр. 82
١٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ أنه قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في أَضْحَى - أو: فِطْر - إلى المُصلَّى، فمرَّ على النّساء فقال: "يا معشرَ النّساءِ تصدَّقْنَ، فإني أُريتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ"، فقُلْنَ: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: "تُكثِرْنَ اللَّعْنَ، وتكفُرن العَشيرَ؛ ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقل ودِينٍ أذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِم مِنْ أحداكنَّ"؛ قُلن: وما نُقصانُ ديننا وعَقْلنَا يا رسولَ الله؛ قال: "أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرجل؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصان عَقْلِها"، قال: "أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ؟ ولم تَصُمْ؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصانِ دينها".
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في أَضحًى" بفتح الهمزة والتنوين، واحده أضحاة لغة في أُضحية؛ أي: في عيد أضحية.
"أو فطر": شك من الراوي.
"إلى المصلى" وهو الموضع الذي يصلى فيه.
"فمر على النساء" يتعدى (مر) بـ (على) كما بالباء.
"فقال: يا معشر النساء"؛ أي: يا جماعة النساء.
"تصدقن"؛ أي أعطين الصدقة.
"فإني أريتكن": مجهول من أرى إذا أعلم، وله ثلاثة مفاعيل: أحدها التاء القائم مقام الفاعل، والثاني (كن)، والثالث: "أكثر أهل النار"؛ يعني: أعلمت بأنكن أكثر دخولاً في النار من الرجال.
"فقلن: وبم" أصله: (بما) حذفت ألف (ما) الاستفهامية بدخول حرف الجر، عطف على مقدر؛ أي: كيف يكون ذلك وبأي شيء أكثرنا في النار؟ "يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن": أصل اللعنة: الإبعاد والطرد من
стр. 83
الخير، ويستعمل في الشتم والكلام القبيح لأحد، يعني: عادتكن كثرة الشتم وإيذاء الناس باللسان.
"وتكفرن العشير" اسم من المعاشرة، والمراد هنا الزوج؛ لأنه يعاشرها وتعاشره، من العشرة بمعنى الصحبة، وكفرانُها جحود نعمته، يعني: تنكرن حق أزواجكن ولا تؤدين حق إنعامهم عليكن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومَن لم يشكر الله يستحق العذاب.
"ما رأيت" مفعوله الأول محذوف؛ أي: ما أبصرت أحداً "من ناقصات عقل" صفة لمفعوله المحذوف "ودين أذهب" صفة أخرى له، ويجوز أن يكون "رأيت" بمعنى علمت و (من) زائدة لتأكيد النفي داخلة على المفعول الأول، ومفعوله الثاني (أذهب) أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في: "للب الرجل" فمعناه: أكثر إذهابا للُّب، وهو العقل، وهذا جائز على رأي سيبويه كـ (هو أعطاهم للدراهم).
"الحازم" صفة (الرجل)؛ أي: الضابط لأمره، المحترز الآخذ بالثقة فيه، وذكرُه مع ذكر اللب مشعرٌ بأن فتنتهن عظيمة تذهب بعقول الألباب الحازمين، فما ظنك بغيرهم؟!
"من إحداكن" وإنما لم يقل: منكن؛ لأن الواحدة إذا كانت على هذه الصفة الذميمة فكونهن عليها أولى من غير عكس.
"قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها" اعلم أن العقل في الشرع عبارة عن معنًى في الشخص يعقله؛ أي: يمنعه عن الهلاك والخسران في الآخرة بعاقل، فمَن كان ذا تجربة في أمور ولم ينته عما هو سبب هلاكه وخسرانه في الآخرة فليس بعاقل، فالمراد بالعقل هنا العقل الديني.
стр. 84
"قال أليس" اسمها ضمير الشأن وخبرها: "إذا حاضت" وإنما لم يقل: إن حاضت؛ لأن المرأة قلما تخلو عن الحيض، "لم تصل ولم تصم، قلن: بلى، قال: فذلك"؛ أي: كونها غير مصلية ولا صائمة "من نقصان دينها" والدين عبارة عن جميع الخصال الحميدة، وفيه دلالة على أن النقص عن الطاعات نقص من الدين.
* * *
١٨ - وقال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدمَ، ولم يكنْ له ذلك، وشَتمني، ولمْ يكنْ له ذلك، فأمَّا تكذيبهُ إيَّايَ فقوله: لن يُعيدَني كما بدأَني، وليسَ أولُ الخلق بأهونَ عليَّ من إعادتهِ، وأما شَتْمُهُ إيَّايَ فقوله: اتَّخذَ الله ولداً، وأنا الأَحدُ الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَد، ولم يَكُنْ لي كُفُواً أحدٌ".
وفي رواية: "فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبةً أو ولداً"، رواه ابن عباس ﵄.
"وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: كذبني ابن آدم"؛ أي: نسبني إلى الكذب، وهو اختراع الكلام على خلاف الواقع.
"ولم يكن له ذلك" التكذيب؛ لأن لله تعالى أنعم أنواع الإنعام والفضل على العباد، فتكذيبهم ربَّهم يكون على غاية القبح.
"وشتمني" (الشتم): وصف الغير بما فيه نقصٌ وإزراء (١).
"ولم يكن له ذلك" الشتم.
"فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني" (الإعادة): هي الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود؛ يعني: لن يحييني بعد موتي.
стр. 85
"كما بدأني"؛ أي: أوجدني عن عدم.
"وليس أول الخلق" يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: ليس الخلق الأول للمخلوقات، أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ليس أول خلق الخلق.
"بأهون" الباء زائدة للتأكيد، من هان يهون: إذا سهُل الأمر؛ أي: ليس أسهل "علي من إعادته" بل الإعادة أسهل لوجود أصل البنية وأثرِها، فإنكارهم الأعادةَ بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم إلى الله.
"وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً" كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال الكفار: الملائكة بنات الله.
"وأنا الأحد" جملة حالية؛ أي: المنفرد بصفات الكمال من القدم والبقاء والتنزُّه عن المكان وغيره.
"الصمد" هو السيد الذي ليس فوقه أحد بحيث يصمده كلُّ أحد؛ أي: يقصده بقضاء الحوائج (١).
"الذي لم ألد"؛ أي: ولداً قط؛ لأني (٢) منزَّهٌ مقدَّس عن الاحتياج بالزوج والولد.
"ولم أولد"؛ يعني: ليس لي أب ولا أم.
"ولم يكن لي كفواً أحد"؛ أي: ليس أحد يماثلني ويشابهني في صفات الألوهية، فتوصيفهم ربهم بما لا يليق به شتم له، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
"وفي رواية ابن عباس ﵄ " في هذا الحديث بعد قوله: (اتخذ الله ولدًا):
стр. 86
"فسبحاني"؛ أي: أنزِّه ذاتي تنزيهًا عن "أن أتخذ صاحبة"؛ أي: زوجة "أو ولداً" شك من الراوي (١).
* * *
١٩ - وقال: "قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وقال أبو هريرة ﵁ قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم"؛ أي: يقول في حقي ما أكرهه وأبغضه.
"يسب الدهر"؛ أي: يشتمه، وهو اسم لزمان مبدأ إيجاد العالم إلى انصرامه، وقد يعبَّر به عن المدة الطويلة.
"وأنا الدهر" بالرفع، قيل: هو الصواب؛ أي: حْالق الدهر ومقلِّبه، بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فما يصيبه من حوادث الدهر هو مني؛ لأن الدهر لا يقدر على إيصال نفع وضر، أو مصدر بمعنى الفاعل؛ أي: أنا الداهر المتصرف المدبر لما يحدث، ويروى بالنصب على الظرفية مقدَّما على فعله وهو: "أقلب"؛ أي: أقلب "الليل والنهار" في الدهر، وإنما عقَّب قوله: (أنا الدهر)، بقوله: (أقلب الليل والنهار)، لرفع وَهم أن الدهر حقيقة به (٢) تعالى؛ خلافًا لمن زعم ذلك إذ مقلب الشيء ومصرِّفه يستحيل أن يكون نفسه.
* * *
стр. 87
٢٠ - وقال: "قال الله تعالى: أَنا أغنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّرْكِ، مَنْ عمِلَ عَملاً أشركَ فيه معِي غيْري؛ تركتُهُ وشِرْكهُ"، رواه أبو هُريرة ﵁.
"وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﵊: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء" أفعل التفضيل من غَني به عنه غنية؛ أي: استغنى به عنه، وإضافته إما للزيادة المطلقة من غير أن يكون في المضاف إليهم شيء مما يكون في المضاف؛ أي: أنا أغنى من بين الشركاء (عن الشرك) وهو اسم المصدر الذي هو الشركة، وإما للزيادة على من أضيف إليه؛ أي: أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك، فإن بعض الناس قد يكون غنياً عن الشريك، ولكن لم يكن استغناؤه عنه في جميع الأوقات.
"من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري"؛ أي: لم يُخْلص العمل لي، بل كان للرياء والسمعة.
"تركته وشركه" الضمير راجع إلى (مَن)، والواو للمعية أو للعطف على الضمير المنصوب في (تركته)؛ أي: أجعله وعمله المشرك فيه مردوداً من حضرتي.
قيل: فيه دليل على أنه لا تجوز الأضحية بسُبعِ بدنة إذا كان فيها شِركةُ لحم، وأنه لا يجوز أكل ذبيحة ذكر عليها اسم الله وغيره كـ: بسم الله ومحمدٍ بالجر.
* * *
٢١ - وقال: "قال الله تعالى: الكِبرياءُ ردائي، والعظَمةُ إزاري، فمنْ نازَعَني واحداً منهما أدخلتُهُ النَّار"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﵊: قال الله
стр. 88
تعالى: الكبرياء ردائي": قيل: الكبرياء هي الترفع عن الانقياد للغير بأن يرى لنفسه فضلاً وشرفاً عليه، وذلك لا يستحقه غير الله.
"والعظمة إزاري": وهي: أن يكون الشيء في نفسه كاملًا شريفًا مستغنياً، والكبرياء أرفع منها، ولذلك مثلها بالرداء؛ لأنه أشرف من الإزار، فكبرياؤه تعالى: عبارة عن ألوهيته التي هي استغناؤه عما سواه، واحتياج ما سواه إليه، وعظمته وجوبه الذاتي الذي هو عبارة عن استغنائه تعالى عن الغير.
وإنما مثَّلهما بالإزار والرداء إبرازًا للمعنى المعقول في صورة المحسوس، فكما لا يشارك الرجل في ملبوسه من ردائه وإزاره، ويستقبح طلب الشركة فيهما، لا يمكن مشاركته تعالى في هذين الوصفين اللذين اختصَّ بهما، وإطلاقهما عليه تعالى من باب الكناية؛ فإنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثوب يقولون: شعار فلان الزهد ولباسه التقوى.
"فمن نازعني واحداً منهما"؛ بأن استعظم نفسه، واستعلى على الناس "أدخلته النار": أعاذنا الله تعالى منه، وإنما قال: (واحداً) دون واحدة؛ نظراً إلى الرداء والإزار.
* * *
٢٢ - وقال رسول الله ﷺ : "ما أَحَدٌ أصبَرُ على أذًى يسمعه مِنَ الله تعالى، يَدَّعونَ له الولَد، ثم يُعافيهم ويرزُقهم"، رواه أبو موسى الأشعري ﵁.
"وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊: ما أحدٌ أصبر"؛ أي: ليس أحداً أشدُّ صبراً.
"على أذى"؛ بمعنى: مؤذ، صفة محذوف؛ أي: على كلام مؤذ قبيح صادر عن الكفار.
стр. 89
"يسمعه": صفة (أذى).
"من الله تعالى": متعلق بـ (أصبر)، والصبر من الله تعالى: حبس العقوبة عن مستحقها إلى وقت، ومعناه قريب من معنى الحلم، إلا أن المذنب لا يأمن في صفة الصبور، كما يأمن في صفة الحليم.
"يدعون له الولد": هذا بيان للأذى؛ يعني: ينسب بعضُ الكفار له ولداً.
"ثم يعافيهم"؛ أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا.
"ويرزقهم": فهذا كرمه، ومعاملته تعالى مع من يؤذيه، فما ظنكم بمعاملته تعالى مع من يحتمل الأذى منه، ويثني عليه؟
* * *
٢٣ - وعن مُعاذ ﵁ قال: كنت رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ، ليس بيني وبينه إلَاّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: "يا معاذُ! هلْ تدري ما حقُّ الله على عبادِه؟ وما حق العِبادِ على الله؟ "، قلتُ: الله ورسولهُ أعلم، قال: "فإنَّ حَقَّ الله على العباد أنْ يعبُدُوهُ، ولا يُشْرِكُوا به شيئًا، وحق العبادِ على الله أنْ لا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشركُ بهِ شيئًا"، فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ به الناسَ؟ قال: "لا، فَيتَّكِلُوا".
"وعن معاذ ﵁ أنه قال: كنت رِدْف النبي ﵊": بكسر الراء وسكون الدال؛ بمعنى: الرديف الذي يركب خلف الراكب؛ يعني: كنت رادفاً خلف النبي ﷺ .
"على حمار ليس بيني وبينه إلا مُؤْخِرة الرحل": بسكون الهمزة بعد الميم المضمومة وكسر الخاء؛ أي: آخرة الرحل، وهي: الخشبات التي تكون على آخر الرحل يستند إليها الراكب، والمراد به: المبالغة في شدة قربه.
"فقال: يا معاذا هل تدري"؛ أي: هل تعلم؟
стр. 90
"ما حق الله على عباده؟ "؛ أي: أيُّ شيء واجب لله تعالى عليهم؟
"وما حق العباد على الله تعالى؟ "؛ أي: أي شيء حقيق وجدير أن يفعل الله تعالى بهم؛ إذ لا يجب على الله تعالى شيء خلافًا للمعتزلة.
"قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه": هذا إرشادٌ إليه؛ لأن العبادة إنما تتحقق بامتثال الواجبات، والانتهاء عن المنهيات.
"ولا يشركوا به شيئاً"، وفي عطفه بالواو دليلٌ على عدم الترتيب؛ إذ العبادةُ لا تتحقق إلا بعد عدم الإشراك، فالتقدير: أن لا يشركوا ويعبدوه، وإنما ذكر عدم الإشراك وإن كان مندرجًا تحت العبادة؛ لأن ترك الإشراك أصلُ العبادة، فكان مقصوداً لعظم شأنه.
"وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر"، الفاء جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك، أفلا أبشر.
"به"؛ أي: بما ذكرت من حقِّ العباد على الله تعالى، "الناس؟ قال: لا"؛ أي: لا تبشرهم، "فيتكلوا" منصوب بتقدير (أن) بعد الفاء؛ لأنه جواب النهي؛ أي: فيعتمدوا عليه ويقعدهم ذلك عن العبادات.
روي: أن معاذاً روى هذا الحديث آخر عمره، وكان زمان النهي زمان استيلاء الكسل على النفوس، وغلبة التثاقل على الطِّباع بسبب عدم استقرار الشرع، فلما انتفى الكسل عن الطباع، ووقع الأمن عن ذلك، علم معاذ أمد النهي، فروى هذا الحديث.
٢٤ - وقال: "ما مِنْ أحدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأن محمداً رسولُ الله، صدْقًا مِنْ قلبهِ، إلَاّ حرَّمهُ الله على النَّارِ"، رواه مُعاذٌ.
стр. 91
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊: ما من أحد": (من) زائدة، و (أحد) مبتدأ.
"يشهد": صفة.
"أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقاً"؛ بمعنى: صادقًا، حال من ضمير (يشهد).
"من قلبه": صفة لـ (صدقاً)، قيَّده به؛ لأن الصدق قد لا يكون عن قلب - أي: عن اعتقاد - كقول المنافق، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
"إلا حرمه الله على النار": قيل: صدور هذا الحديث منه ﵊ يحتمل أن يكون قبل وجوب شيء من أركان الإسلام، أو يكون في حقِّ من تاب عن الكفر، فمات قبل أن يتمكن من الإتيان بفرض آخر، أو يكون الامتثال بالأوامر والانتهاء عن المعاصي مندرجًا تحت شهادته، والأقرب أن يراد بالتحريم: تحريم الخلود.
* * *
٢٥ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أتيتهُ وقد استيقظَ، فقال: "ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثمَّ ماتَ على ذلك، إلَاّ دخلَ الجنَّة"، قلتُ: وإنْ زَنى، وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق، على رَغْم أنْفِ أبي ذر"، وكان أبو ذر إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ.
"وعن أبي ذر ﵁ أنه قال: أتيت النبي ﵊ وعليه ثوب أبيض": حال من النبي ﷺ ، فيه تقرير تثبت الراوي وإتقانه فيما يرويه عنه ﷺ في أذن
стр. 92
السامعين وفي قلوبهم.
"وهو نائم"، فرجعت، "ثم أتيته": مرة أخرى، "وقد استيقظ"؛ أي: وجدته منتبهاً من النوم.
"فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله": وإنما لم يذكر: محمد رسول الله؛ لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع.
"ثم مات على ذلك"؛ أي: على الثبات على الإيمان، وفيه إشعارٌ بأن من ارتذَ عن دينه، ومات على الردة، لا ينفعه إيمانه في الزمان الماضي.
"إلا دخل الجنة"؛ أي: كان عاقبته دخول الجنة، وإن كان له ذنوبٌ كثيرة؛ لأن الله تعالى إن شاء عفا، وإن شاء عذَّب بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة. قال أبو ذر: "قلت: وإن زنى وإن سرق"؟ وتسمى هذا الواو واو المبالغة، ولا بد فيه من تقدير حرف الاستفهام، وإنما كان تعجب أبي ذر من هذا الحديث؛ لأجل أن الزنا والسرقة وغيرهما من الذنوب موجبة العقوبة، فكيف يدخله الجنة مع استحقاق العقوبة؟
"قال ﷺ : وإن زنى وإن سرق": فيه دلالةٌ على أن أهل الكبائر لا يُسلَب عنهم اسم الإيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة اتفاقاً، وعلى أنها لا تحبط الطاعات؛ لتعميمه ﷺ الحكمَ وعدم تفصيله.
"قلت: وإن زنى وإن سرق": تكرار أبي ذر هذا ليس للإنكار، بل لظنه أن الرسول ﷺ لعله يجيب بجواب آخر، فيجد فائدة أخرى.
"قال ﷺ : وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال ﷺ : وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر"، يقال: رغم أنفه؛ أي: ألصقه بالرغام، وهو التراب، ويستعمل بمعنى: الذل؛ أي: على خلاف مراده، ولأجل مذلته.
وقيل: بمعنى كره؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب؛ أي: وإن كره
стр. 93
أبو ذر ذلك؛ يعني: أتبخل يا أبا ذر برحمة الله تعالى؟ ورحمة الله واسعة على خلقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، ففرح أبو ذر بهذا.
"وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث قال" تفاخراً: "وإن رغم أنف أبي ذر"، وعدَّ قوله ﷺ له ذلك شرفاً وكرامة.
* * *
٢٦ - وعن عُبادة بن الصَّامت ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من شهدَ أنْ لا إله إلَاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وابن أمَتِه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروح منه، والجنةَ حقّ، والنارَ حق = أدخلَهُ الله الجنةَ على ما كانَ منَ العمل".
"وعن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله": فيه إبطال قولِ النصارى بأنه ابنه، وبأنه هو الله، وإنما أضاف لفظ (العبد) إلى ظاهر الاسم دون ضميره؛ ليكون أصرح دلالة في إبطال مذهبهم.
"ورسوله": فيه إبطال مذهب اليهود المنكرين لرسالته.
"وابن أمته"؛ يعني: مريم، وهي أمة الله، وفيه إشارة إلى بطلان ما يقولونه من اتخاذ الله إياها صاحبة، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
"وكلمته": سماه كلمة مبالغةً؛ لأنه تكلَّم في غير أوانه، وهو حين كان في المهد، وأضيف إلى الله تعالى تعظيمًا، أو لأنه كان بالكلمة من غير واسطة أب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
"ألقاها إلى مريم"؛ أي: أوصلها إليها.
стр. 94
"وروح منه": سماه روحاً؛ لأنَّ الله تعالى أحيا به الأمواتَ، فكان كالروح، أو لأنَّه حدث من نفخ الروح بإرساله جبرائيل إلى أمه، فنفخ في درعها مشقوقاً من قدامها، فوصل النفخ إليها، فحملت به مُقدَّساً عن لوث النطفة، والتقلُّبِ في أطوار الخلقة، وفيه أقوال كثيرة تطلب في التفاسير.
"والجنة والنار حق": أفرد لفظاً (الحق)؛ لأنَّه مصدر يقع على القليل والكثير، أو لإرادة كلِّ واحدة منهما.
"أدخله الله تعالى الجنة على ما كان من العمل"؛ يعني: على أيِّ عمل كان سيئاً أو حسنًا.
* * *
٢٧ - وقال عمرو بن العاص ﵁: أَتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلت له: ابْسُطْ يمينكَ فلأَبايعْكَ، فبسطَ يمينَهُ، فقبضْتُ يدي، فقال: "ما لَكَ يا عمرو؟ "، قلت: أردتُ أنْ أشترطَ، قال: "تشترطُ ماذا؟ "، قلت: أنْ يُغفرَ لي، قال: "أما علمتَ يا عمرو! أنَّ الإسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبلَهُ، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كانَ قبلَها، وأنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَهُ؟ "، فبايعتُه.
"وقال عمرو بن العاص ﵁: أتيت النَّبيَّ ﷺ فقلت: ابسط"؛ أي: امدد "يمينك فلأبايعك": الفاء فيه لو جُعِلت جوابَ الأمر، واللام لام كي، وهما للسببية، لاجتمع حرفا السببية، فيُجعَلُ أحدهما زائدًا؛ لئلا يجتمع حرفان لمعنى، وهو منصوب بإضمار (أن).
"فبسط يمينه، فقبضت يدي"؛ أي: إلى نفسي.
"فقال: مالك يا عمرو؟ "؛ أي: أي شيء ظهر في خاطرك حتَّى امتنعت عن المبايعة في الإسلام؟
стр. 95
"قلت: أردت أن أشترط" مفعوله محذوف؛ أي: شرطًا أو شيئاً.
"قال: تشترط ماذا؟ " قوله: (ماذا) حقه أن يكون مقدَّماً على (تشترط)؛ لأنَّه متضمن معنى الاستفهام، وهو يقتضي الصدارة، فيُقدَّر أصل الكلام: ماذا تشترط؟ فحذف (ماذا)، وأعيد بعد (تشترط)؛ تفسيرًا للمحذوف.
"قلت: أن يغفر لي" إن أسلمت.
"قال ﷺ : أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم"؛ أي: يمحو "ما كان قبله" من الكفر والمعاصي؟
قيل: سواء كان مظلمة إنسان من الدم والمال وغيرهما، أو كان شيئًا يكون بين العبد وبين الله تعالى من الزنا وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر.
ولكن فيه نظر؛ لأنَّ الإسلام لا يهدم حقوق العباد إن كان المسلم ذميًّا في الأصل، سواء كان الحق عليه مالياً أو غير مالي كالقصاص، وإذا كان حربيًا - وكان الحق مالياً بالاستقراض أو بالشراء، وكان المال غير الخمر ونحوه - فإنَّه لا يسقط أيضًا بإسلامه.
"وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها" من الصغائر قطعًا؟ لا ما تتعلق به حقوق العباد، وما كان من الكبائر، فهي في مشيئة الله تعالى، لا يجوز القطع بأنها تُهدَم بالهجرة قطعًا.
"وأن الحج يهدم ما كان قبله" من الصغائر أيضاً؟ لا من حقوق العباد.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٨ - عن مُعاذ ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني بعملٍ يُدخلُني الجنَّة، ويُباعدُني من النار، قال: "لقد سأَلتَ عن عظيمٍ، وإنَّه ليسيرٌ على مَنْ يسَّره الله عليه: تعبُدُ الله ولا تشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ،
стр. 96
وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ"، ثم قال: "ألا أدلّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ جُنَّة، والصَّدقةُ تطُفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرجلِ في جوفِ الليلِ"، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ "، ثم قال: "ألا أُخبرك برأْسِ الأمرِ وعَمودِهِ وذِرْوةِ سَنامِهِ؟ "، قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: "رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعَمودُهُ الصَّلاةُ، وذِرْوةُ سَنامِهِ الجهادُ"، ثم قال: "ألا أُخبركَ بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ "، قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذَ بلِسانِه وقال: "كُفَّ عليكَ هذا"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! إنَّا لَمُؤاخذون بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثكلتْكَ أُمُّك يا مُعاذُ! وهلْ يَكُبّ النَّاسَ في النَّارِ على وجُوهِهِمْ - أو: على مَنَاخِرِهم - إلَّا حصائدُ ألسنتهِم؟ ".
"من الحسان":
" عن معاذ ﵁: أنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلنى" بالرفع صفة (عمل)، وبالجزم جواب الأمر؛ أي: يدخلني ذلك العمل "الجنةَ، ويباعدني" - بالرفع فقط - "من النار، قال: لقد سألت عن عظيم"؛ أي: عن عمل عظيم من جهة معرفته؛ لأنَّ معرفة ذلك من علم الغيب لا يعلمه إلَّا الله.
"وإنه"؛ أي: ذلك العظيم.
"ليسير"؛ أي: سهل.
"على من يسَّره الله"؛ أي: جعله سهلاً "عليه".
فيه إشارة إلى أن أفعال العباد بإرادته تعالى، وأن تيسير العبادات على بعضٍ لطف وتعسيرَها على بعض خُذلان منه تعالى.
"تعبدُ الله": أمر بصيغة الخبر، وكذا ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف بتنزيله منزلةَ المصدر بـ (أن) المقدرة؛ أي: العمل الذي يدخلك الجنة: هو أن تعبد الله؛ أي: تطيعه في أوامره ونواهيه؛ لأنَّ العبادة هي الطاعة.
стр. 97
وقيل: أي: توحده؛ لأنَّ التوحيد أصل العبادة، ويؤيد هذا قوله: "ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، وفيه بيان الأركان الخمسة، ودلالةٌ على أن المؤدي للفرائض مقتصراً عليها يدخل الجنة، ويباعد عن النار.
"ثم قال: ألا أدلك؟ " قيل: الهمزة للاستفهام، و (لا) للنفي.
"على أبواب الخير": يمكن أن يقال: (بلى) كان موجودًا هنا، فنسيه الرواة بدليل وجوده مرتين بعد السؤالين الآخرين في هذا الحديث.
"الصوم جنة" هي بالضم: الترس والسترة؛ يعني: يقي صاحبه عن النار في العُقبى، كما يقيه عن سَورةِ الشهوة في الدُّنيا.
"والصدقة تطفئ الخطيئة"؛ أي: تمحوها وتزيلها.
"كما يطفئ الماء النار"، شبه الصدقةَ؛ لكثرة نفعها، أو لكونها ماحيةً السيئاتِ مطهرةً عن الآثامِ = بالماء الكثير النفع المطهر عن الأنجاس، وشبَّه الخطيئة بالنار؛ لأنها تأكل الحسنات على قول بعض: كما تأكل النار الخطيب.
"وصلاة الرجل": خبره محذوف؛ أي: صلاة الرجل.
"في جوف الليل" كذلك؛ يعني: تطفئ الخطيئة، وإنَّما خُصَّ الرجل؛ لأنَّ السائل كان رجلًا، وإلا فالحكم يشتمل الرجل والمرأة.
والمراد بالصلاة وأخواتها: النوافل، وإلا فالفرائض قد ذُكِرت قبلُ.
وإنَّما جعل ﵊ هذه الثلاثة من أبوابه؛ لأنَّه إذا اعتيد قلة الأكل بالصوم، انقمعت الشهوات، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، فإذا انضم إليه الصدقة والصلاة في جوف الليل الذي هو أبعدُ من الرياء، دخل المرءُ في الخير من كلِّ وجه، وأحاطت به الحسنات.
стр. 98
"ثم تلا"؛ أي: قرأ رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - في بيان فضيلة المصلين ورفعة درجتهم بأنَّ استحقوا بسبب صلاة الليل أن يمدحهم الله في كتابه القديم: ﴿تَتَجَافَى﴾؛ أي: تتنحى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: عن الفُرشِ والوساد؛ لترك النوم.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ أي: وهم داعون ربهم؛ لأجل خوفهم من سخطه، وطمعهم في رحمته.
"حتَّى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: قرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
"ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر"؛ أي: أمر الدين، والمراد منه: أصل الأمر.
"وعموده": أراد به: ما يعتمد عليه الأمر، ويقوم به.
"وذروة سنامه؟ ": (الذروة) بالكسر والضم: أعلى الشيء، (السنام) بالفتح: ما ارتفع من ظهر الجمل وغيره.
"قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام"؛ فإنَّه من بين سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه دونه، فكما لا أثرَ سائر الأعضاء بدون الرأس، كذلك لا أثرَ لسائر الأعمال بدون الإسلام؛ الذي هو كلمة الشهادة.
"وعموده الصَّلاة"؛ فإنَّها عمود الدين من جهة أن القوة له تحصل بالصلاة؛ لأنها هي العمل الظاهر الدائم العام بين جميع المسلمين الفارق بينهم وبين الكفار.
"وذروة سنامه الجهاد"؛ فإن الجهاد يحصل به للدين رفعة، وفيه إشارة إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال.
стр. 99
"ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ": (ملاك) بالكسر، وقد يفتح أيضًا: ما يقوم به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، من (ملك) - كـ (ضرب) -: إذا أحسن عجنَ الدقيق وبالغ فيه، و (ذلك): إشارة إلى ما ذُكِر من أول الحديث إلى هنا من العبادات؛ أي: ألا أخبرك بما تُحكَم به العبادات المذكورة، ويقوى به أمرها، ويتم به ثوابها.
"قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه" الباء زائدة؛ أي: أخذ ﵊ لسان نفسه.
"وقال: كفَّ عليك هذا": مفعول (كف)، إشارة إلى اللسان، والتقدير: كف اللسان عليك؛ أي: احفظه عن أن يوقع عليك ضررًا وهلاكاً وخساراً في الدُّنيا، أو في الآخرة؛ يعني: لا تتكلم بما لا يعنيك؛ فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثر ذنوبه، وفي كثرة الكلام مفاسد لا تحصى.
وإنما أخذ - عليه الصَّلاة السلام - لسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول تنبيهاً على أن أمر اللسان صعب.
"فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون"؛ أي: هل يؤاخذنا ربنا "بما نتكلم به" من الكلام؟ "قال: ثكلتك" - من (ثكِل) كـ (علِم) -: إذا فقدت المرأة ولدها، ومات عنها؛ أي: فقدتك "أمك يا معاذ"، وهذا دعاء عليه من غير أن يراد وقوعه، بل يراد الحثُّ على التيقظ في الأمر، والتنبيه من الغفلة.
"وهل يكب النَّاس"؛ أي: هل يلقيهم "في النار على وجوههم أو على مناخرهم": شك من الراوي، جمع: منخر، وهو: ثقبة الأنف، والمراد هنا: الأنف؛ أي: على أنوفهم، والاستفهام للنفي، خصَّها بالكب؛ لأنَّه أول الأعضاء سقوطاً.
"إلَّا حصائد ألسنتهم": جمع (حصيدة) بمعنى المحصود، من حصد الزرع: إذا قطعه، وهذا مبالغة لشأن الكلام، والمراد: أن معظم أسباب الكبِّ في النار
стр. 100
الكلامُ كالكفر والقذف وغيرهما، شبَّه ﵊ اللسانَ وما يُقطَع به من القول نحو المنجل وما يُقطَع به من النبات، وهو من بلاغة النبوة.
* * *
٢٩ - وقال ﷺ : "مَنْ أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكملَ الإيمانَ"، رواه أبو أُمامة ﵁.
"وقال أبو أمامة: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله"، وإنَّما حذف المفاعيل من هذه الأفعال؛ ليذهب الوهمُ كلَّ المذهب، وإنَّما خصَّ الأفعال الأربعة؛ لأنَّ هذه الخصال حظوط نفسانية؛ إذ قلما يُمحضها الإنسان لله تعالى، فإذا محَّضها مع صعوبة تمحيضها كان تمحيضُ غيرها بالطريق الأولى، فلهذا أشار إلى استكمال الدين بتخليصها بقوله:
"فقد استكمل الإيمان"؛ يعني: من حصل فيه هذه الخصال المرضية، وزال منه الحظوظ النفسانية، وخلَّص أفعاله لله تعالى، فقد أكمل إيمانه.
* * *
٣٠ - وقال: "أَفْضَلُ الأَعمالِ الحُبُّ في الله، والبُغضُ في الله"، رواه أبو ذَر.
"وعن أبي ذر ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: أفضل الأعمال الحبُّ في الله والبغضُ في الله"؛ أي: في طريق الله، أو يكون (في) بمعنى: اللام الجارة، والمراد من الأعمال هنا: الباطنة؛ لئلا يعترض بقوله ﵊: "أفضل الأعمال طول القيام".
* * *
стр. 101
٣١ - وقال: "المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِه ويَدِه، والمُؤمن من أَمِنَه النَّاسُ على دِمائهم وأَموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمُهاجر من هجَر الخَطايا والذنوب"، رواه فَضالة بن عُبيد ﵁.
"وعن فَضالة بن عُبيدٍ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده": تقدم بيانه.
"والمؤمن من أمنه النَّاس"؛ أي: المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته وصدقه بحيث لا يخاف منه الناس. "على دمائهم وأموالهم".
وفيه تنبيهٌ على اشتقاق هذين الاسمين من (السلم) و (الأمان)، فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يُوجَد، فهو كمن يزعم أنه كريم، ولا كرمَ له.
"والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى"؛ أي: المجاهد الكامل ليس من قاتل الكفار فقط، بل من قاتل نفسه بالمجاهدة في طاعة الله تعالى؛ لأنَّ نفس الرجل أشد عداوة معه من الكفار؛ لأنها تلازمه، وتمنعه عن الخيرات والطاعات.
وإليه أشار ﵊ بقوله: "أعدى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك"، ولا شك أن القتال مع الذي يلازمه أهم منه [مع] الذي هو أبعد منه، كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]؛ عن بعض المحققين أن المراد بهم: نفوس المخاطبين؛ فإنَّها أقرب إليهم من كل قريب، وقد أمروا بقتال الأدنى فالأدنى.
وسمى ﵊ المجاهدةَ مع النفس الجهاد الأكبر حين رجوعه من غزوة تبوك بقوله ﷺ : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
стр. 102
"والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب"؛ أي: تركها؛ لأنَّ الحكمة في الهجرة التمكُّن من الطاعات بلا مانع، والتبرُّئ عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها، فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها.
والفرق بين الذنب والخطيئة: أنه أعم منها؛ لأنَّه قد يكون عن عمد؛ بخلاف الخطيئة.
* * *
٣٢ - وعن أنس ﵁ قال: قلَّما خَطَبنا رسولُ الله ﷺ إلَّا قال: "لَّا إيمانَ لمنْ لا أَمانةَ له، ولا دينَ لمنْ لا عَهْدَ لهُ".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قلما": هو يستعمل في النفي؛ أي: ما.
"خطبنا رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - ": (الخطبة): الموعظة والتذكير.
"إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له": هذا وعيد يقصد به الزجر، ونفي الفضيلة والكمال؛ يعني: من كان في نفسه خيانة مال أحد أو نفسه أو أهله، لم يكن إيمانه كاملًا.
ويحتمل أن يراد به الحقيقة، فمعناه: إذا اعتاد المرء هذه الأمور لم يؤمن عليه أن يقع في ثاني الحال في الكفر، كما قيل: من يرتعْ حول الحِمى يوشك أن يواقعه.
"ولا دين لمن لا عهد له"؛ يعني: من جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق، ثم غدر ونقض العهد من غير عذر شرعي، فدينُهُ ناقص.
* * *
стр. 103
٢ - باب الكبائر وعلامات النِّفاق
(باب الكبائر وعلامات النفاق)
الكبائر: جمع كبيرة، وهي: السيئة العظيمة التي إثمها كبير، وعقوبة فاعلها عظيمة بالنسبة إلى ذنب ليس بكبيرة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٣ - قال عبد الله بن مَسْعود ﵁: قال رجل: يا رسولَ الله! أيُّ الذنبِ أكبرُ عند الله؟ قال: "أنْ تدعُوَ لله ندّاً وهو خلَقكَ"، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: "ثم أنْ تقتُلَ ولدكَ خشيةَ أنْ يَطعمَ معكَ"، قال: ثم أيّ؟ قال: "ثم أنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ"، فأنْزلَ الله تَصْدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية.
"من الصحاح":
" قال عبد الله بن مسعود ﵁: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أن تدعو.
"لله نداً"؛ أي: مِثلاً ونظيراً، وقيل: النِّدُ: المثل المزاحم الذي لا يجتمع.
"وهو خلقك": حال من الله تعالى، أو من فاعل (أن تدعو)، وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه رباً؛ أي: اتخذه رباً واعبده؛ فإنَّه خلقك، أو إلى ما به امتيازُهُ تعالى عن غيره في كونه إلهاً، أو إلى ضَعْفِ الند؛ أي: أن تدعو له نداً، وقد خلقك غيره، وهو لا يقدر على خلق شيء.
"قال: ثم أيّ": للاستفهام، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي: ثم أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟
стр. 104
"قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"؛ فإن من عادة العرب قتلَ أولادهم خشية الإملاق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] الآية.
"قال: ثم أي؟ "؛ أي: أي ذنب أكبر بعد القتل؟
"قال: ثم أن تزاني حليلةَ جارك"؛ أي: امرأته؛ فإن الزنا مع امرأة جاره الذي التجأ بأمانته وبينهما حق الجوار أفحشُ منه مع غيرها، مع ما فيه إبطال حقّ الجوار والخيانة معه، فيكون أقبح، وإثمه أعظم.
"فأنزل الله تصديقها": مفعول له لـ (أنزل)، والضمير للأحكام المذكورة؛ أي: أنزل لتصديقها.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يعبدون إلهاً غير الله.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: قتلها؛ يعني: نفس المسلم والذمي والمعاهد.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: متعلق بالقتل المحذوف، وقيل: بـ (لَّا يقتلون)؛ أي: بإحدى الخصال الثلاث، وهي: الردة، وزنا الإحصان، والقصاص.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]: الآية.
* * *
٣٤ - وقال رسول الله ﷺ : "الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدَيْنِ، وقتْلُ النَّفْسِ، واليمينُ الغَمُوسُ"، رواه عبد الله بن عمرو ﵁.
وفي رواية أنَسٍ: "وشَهادةُ الزُّورِ" بدل: "اليَمينُ الغَمُوسُ".
"وعن عبد الله عمرو: أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: الكبائر الإشراك بالله"؛ أراد به: الكفر، اختار لفظ الإشراك؛ لكونه
стр. 105
غالبًا في العرب.
"وعقوق الوالدين"؛ أي: قطع صلتهما، مأخوذٌ من (العق)، وهو: القطع، وقيل: عقوقُهما مخالفةُ أمرهما فيما لم يكن معصية.
"وقتل النفس"؛ أي: بغير الحق.
"واليمين الغموس": وهو الحلف على فعل ماضٍ كاذباً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم.
وليس المراد من هذا الحديث حصر الكبائر في هذه الأربعة؛ بل جاء أكثر منها.
"وفي رواية أنس: وشهادة الزور"؛ أي: الكذب.
"بدل: اليمين الغموس"؛ أي: مكانه، ولعل مخالفة أنس لابن عمرو؛ لاختلاف المجلس، وتعدد الحديث، أو لنسيان كل منهما.
* * *
٣٥ - وقال: "اجتنِبُوا السَّبع المُوبقات: الشِّركُ بالله، والسِّحْرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحق، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقذْف المُحصناتِ المُؤمناتِ الغافِلاتِ"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: اجتنبوا السبع الموبقات"؛ أي: احذروا عن فعل الذنوب السبع المهلكة لمن ارتكبها.
"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلَّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف"؛ أي: الفرار يوم الحرب، هذا إذا كان بإزاء كلِّ مسلم كافران، وأمَّا إذا كان أكثر فيجوز الفرار.
стр. 106
"وقذف المحصنات"؛ أي: رميهن بالزنا، جمع: محصنة، من أحصن: إذا حفظ عن الزنا.
"المؤمنات"، احترز بها عن قذف الكافرات، فإنَّه ليس من الكبائر، فإن كانت ذمية لا يجوز قذفها، ولكن يكون من الصغائر.
"الغافلات" عن الاهتمام بالفاحشة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣].
* * *
٣٦ - وقال: "لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وهو مُؤمن، ولا يَشْربُ الخَمرَ حينَ يشربُ وهو مؤمن، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مؤمن، ولا ينتهبُ نُهبةً يَرفعُ النَّاسُ إليهِ فيها أبصارَهم حينَ يَنتهبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَغُلّ أحدكمْ حينَ يَغُل وهو مؤمن، فإياكم وإياكُمْ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن": الواو للحال؛ أى: حال كونه كاملًا في إيمانه، أو: ذو أمْنٍ من عذاب الله تعالى، أو المراد: مؤمن لله؛ أي: مطيع له، يقال: أمِنَ له: إذا انقاد وأطاع.
وقيل: المراد به: خروجه عن الإيمان بدليل ما روى أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا زنى أحدكم خرج منه الإيمان، وكان فوق رأسه كالظّلةِ، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان".
"ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب": من نهب: إذا أغار على أحدٍ وأخذَ ماله قهراً.
"نهبة" بالفتح: مصدر، وبالضم: المال الذي انتهبه.
стр. 107
"يرفع النَّاس": صفة (نهبة).
"إليه فيها"؛ أي: إلى الناهب في تلك النهبة.
"أبصارهم": مفعول (يَرفع).
"حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم": من غل غلولاً: إذا سرق من الغنيمة، أو خان في أمانته.
"حين يغل وهو مؤمن": وقيل: المراد به: الزجر والوعيد والإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء العاقبة؛ إذ لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر.
"فإياكم": نصب على التحذير؛ أي: أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة.
"وإياكم": كرره للتأكيد والمبالغة فيه.
* * *
٣٧ - وفي رواية ابن عبَّاس ﵄: "ولا يقتُلُ حينَ يقتُلُ وهو مؤمن".
"وفي رواية ابن عباس ﵁: ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن"؛ يعني: رواية ابن عباس كرواية أبي هريرة، إلَّا أنه يزيد: ولا يقتل. . . إلى آخره.
* * *
٣٨ - وقال: "آيةُ المُنافق ثلاثٌ وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّهُ مسلمٌ: إْذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائتمِنَ خانَ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنه قال - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: آية المنافق"؛ أي: علامته.
"ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال.
стр. 108
"وإن صام وصلى وزعم"؛ أي: ادَّعى.
"أنه مسلم"؛ يعني: لا ينفعه صومه وصلاته يوم القيامة.
"إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف"؛ أي: لم يُوفِ بوعده، والاسم منه: الخُلف بالضم.
"وإذا ائتُمِن"؛ أي: إذا جُعِل أميناً، ووضع عنده أمانة.
"خان": قيل: هذا على سبيل إنذار المسلم وتحذيره أن يعتادَ هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق، ولذا قيَّدها بـ (إذا) المقتضية للتكرار.
* * *
٣٩ - وقال: "أربعٌ مَنْ كنَّ فيهِ كان مُنافِقاً خالصاً، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلة مِنهنَّ كانتْ فيهِ خَصلة مِنَ النفاقِ حتَّى يدَعَها: إذا ائتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا خاصَم فجَرَ"، رواه عبد الله بن عمْرو ﵄.
"وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أربع من كنَّ فيه"؛ أي: اجتمعت هذه الخصالُ فيه بتأويل اعتقاد استحلالها.
"كان منافقاً خالصاً"؛ لأنَّه يظهر الإسلام، ويخفي الكفر، أما من كُنَّ فيه هذه الخصال لا عن اعتقاد استحلالها، فلا يكون منافقاً شرعياً، بل يكون عُرفياً، وهو الذي يراعي أمور الدين علناً، ويترك محافظتها سراً، ويدل عليه قوله: "ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتَّى يدعها"؛ أي: يتركها.
"إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر"؛ أي: ترك الوفاء بذلك العهد.
"وإذا خاصم فجر"؛ أي: مالَ عن الحق، والمراد به هنا: الشتم والرمي
стр. 109
بالأشياء القبيحة.
وقيل: هذا مخصوص بزمانه ﵊؛ لاطلاعه بنور الوحي [على] بواطن المتصفين بهذه الخصال، فأَعلمَ أصحابه نفاقهم؛ ليحترزوا عنهم، وإنَّما لم يعينهم حذراً عن الفتنة بأنَّ يلحقوا بالمحاربين.
* * *
٤٠ - وقال: "مَثَلُ المنافِقِ كمثَلِ الشَّاةِ العائرةِ بينَ الغَنميْنِ، تَعِيرُ إلى هذه مرَّةً، وإلى هذه مرَّةً"، رواه ابن عمر ﵄.
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مثل المنافق كمثل الشَّاةِ العائِرَة": من (عار يعير): إذا تفرَّد وشرد.
"بين الغنمين؛ تعير إلى هذا مرَّة، وإلى هذه مرَّة": شبَّه ﵊ تردَّدَ المنافقين بين الطائفتين من المؤمنين والمشركين تبعًا لهواه وقصداً لغرضه الفاسد بالشاة المترددة بين طائفتين من الغنم؛ طلباً للفحل، فلا يستقرُّ على حالة، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، وفي تشبيهه بالشاة من أعلى ذكره بالشناعة وأوفره، وهو من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس بمعنى عقلي، وهو تشبيه مركَّب.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١ - عن صَفوان بن عسَّال ﵁ قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذْهَبْ بنا إلى هذا النبيِّ، فقال له صاحبهُ: لا تقُل: نبيّ، إنَّه لو سمعكَ لكان له أربعة أعيُن، فأتَيا رسولَ الله ﷺ ، فسألاه عن تِسْعِ آياتٍ بيناتٍ، فقال لهما رسولُ الله ﷺ :
стр. 110
"لا تُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حرَّمَ الله إلَّا بالحقِّ، ولا تمشُوا ببريءٍ إلى ذِي سُلطانٍ ليقتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الرِّبَا، ولا تَقْذِفُوا مُحصَنَةً، ولا تَوَلَّوْا للفِرار يومَ الزَّحْفِ، وعليكُمْ خاصَّةً اليهود أنْ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾، قال: فقبَّلا يديْهِ ورِجْلَيْهِ، وقالا: نشهدُ أنَّكَ نبِيٌّ، قال: "فما يمنعُكُمْ أنْ تتَّبعوني؟ " قالا: إنَّ داودَ دعا ربَّهُ أن لا يزالَ من ذُريتهِ نبِيٌّ، وإنَّا نخاف إنِ تَبعْناكَ أنْ تَقْتُلَنَا اليهودُ.
"من الحسان":
" عن صفوان بن عسال أنه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا": الباء للتعدية، أو بمعنى: مع؛ أي: كن صاحبي ورفيقي لنأتي "إلى هذا النَّبيُّ ﷺ "، ونسأل عنه مسائل، "فقال له صاحبه: لا تقل له: نبي؛ إنه لو سمعك"؛ يعني: لو سمع محمد أنك تقول له: نبي.
"لكان له أربع أعين": هذا كناية عن شدة الفرح والسرور التام، فإن مَنْ فرحَ يزداد به نوراً إلى نور عينه، فيصير كأنه يبصر بأربع أعين.
"فأتيا رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - فسألاه عن تسع آيات": جمع آية، وهي: العلامة الواضحة.
"بينات": جمع بينة، وهي: الظاهرة، والمراد بها الأحكام المفصَّلة المبينة في التوراة التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه في (سورة بني إسرائيل): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، لا التسع التي هي المعجزات.
"فقال لهما رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، ولا تمشوا ببرئ": الباء للتعدية، و (البريء): عن الإثم.