ونُسُكي ومَحْيَايَ ومَمَاتي للهِ ربِّ العالمينَ لا شريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا من المسلمينَ، اللهم منكَ ولَكَ عن محمدٍ وأُمَّتِهِ، بسم الله والله أكبرُ".
وفي روايةٍ: ذبَح بيده وقال: "بسم الله والله أكبرُ، اللهم هذا عني وعمن لم يُضَح مِن أُمَّتي".
"من الحسان":
" عن جابر - رضى الله عنه - أنه قال: ذبح النبيُّ ﵊ يومَ الذَّبح كَبْشَين أَقْرَنين أَمْلَحين مُوْجَأين"؛ أي: خَصِيَّين، ويروى: "موجوءَين"، وهو القياس؛ لأنه مفعول من وَجَأَ إذا دقَّ عروقَ الخُصْيتين حتى يصيرَ شبيهاً بالخَصِيِّ، لكن قلَبُوا الهمزة والواو ياءً على غير قياس، وأدغموا مثل: مَرْمَيَيْن.
وفيه دليل: على أن الخَصِيَّ في الضحايا غيرُ مكروه، وقد كرهه بعضهم لنقصه.
"فلمَّا ذبحهم"؛ أي: أرادَ ذَبْحَهما.
"قال: إني وجَّهْتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرضَ"؛ أي: خلَقهَما. "على مِلَّة"؛ أي: أنا على ملة.
"إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا من المسلمين، اللهمّ منك"؛ أي: حصل لي هذا الكَبْشُ منك.
"ولك"؛ أي: جعلتهُ لك، وأتقرَّب به إليك.
"عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر".
"وفي رواية: ذبح بيده، وقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمَّن لم يضحِّ من أمتي".
* * *
стр. 807
١٠٣٤ - عن حَنشٍ أنه قال: رأيتُ علياً يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وقال: إن رسولَ الله ﷺ أَوْصَاني أن أُضَحِّي عنه، فأنا أُضَحِّي عنه.
"وعن حنشٍ أنه قال: رأيت علياً يضحِّي بكبشين، وقال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أوصاني أن أضحِّي عنه، فأنا أضحي عنه"، يدل على أن التضحية تجوز عمن مات.
* * *
١٠٣٥ - وعن علي - رضى الله عنه - قال: أَمَرَنا رسول الله ﷺ أن نستشرِفَ العينَ والأذُنَ، وأن لا نُضَحِّيَ بِمُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا شَرْقاء، ولا خَرْقاءَ.
"وعن علي ﵁ أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نستَشْرِف العينَ والأذن"؛ أي: نتأمَّل سلامتَهما من آفة بهما كالعَوَر والجَدْع، من الاستشراف كالاستكشاف.
"وأن لا نضحِّي بمقابَلَة": وهي التي قُطع مقدَّمُ أذنها ثم يُترَك معلَّقاً.
"ولا مدابَرة": وهي ما قُطعَ مؤخَّر أذنها.
"ولا شَرْقَاء"؛ أي: التي مشقوقة الأذن.
"ولا خَرْقَاء"؛ أي: التي مثقوبة الآذن ثقباً مستديراً، وقيل: الشَّرْقَاء ما قُطع أذنها طولاً، والخَرْقَاء ما قطع أذنها عرضاً.
فعند الشافعي: لا يجوز التضحية بشاة قُطِعَ بعضُ أذنها، وعند أبي حنيفة يجوز إذا قطع أقلُّ من النصف.
* * *
١٠٣٦ - وعن علي - رضى الله عنه - قال: نَهى رسولُ الله ﷺ أن يُضَحِّي بأغْضَبِ
стр. 808
القَرنِ والأذُنِ.
"وعن علي - رضى الله عنه - أنه قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نُضَحيَ بأغضَبِ القَرْن والأُذُن"؛ أي: مكسور القَرْن ومقطوع الأذن، يقال للمكسور داخل قرنه: أغضب، وللمكسور الخارج: أقصم.
* * *
١٠٣٧ - وعن البَراء بن عازب: أن رسولَ الله ﷺ سُئل ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟، فأشارَ بيدِه فقال: "أربعاً: العرجاءُ البَينُ ظَلَعُها، والعوراء البَينُ عَوَرُها، والمريضةُ البينُ مرضُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقي".
"وعن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سُئل: ماذا يتقى"؛ أي: يُحترز.
"من الضحايا؟ فأشار بيده فقال: أربعاً"؛ أي: اتقوا أربعاً.
"العَرْجَاء البَين ظَلْعها"؛ أي: الظاهر عَرَجُها.
"والعوراءُ البَينُ عَوَرُها، والمريضة البَينُ مَرَضُها، والعَجْفَاء"؛ أي: المهزولة.
"التي لا تنْقِي"؛ أي: لا نِقْيَ لعظامها، والنِّقْيُ المُخُّ، يقال: أنْقَتِ الناقةُ: إذا سَمِنَت وصار في عظامها النِّقْيُ.
والحديث يدل على أن العيب الخفيَّ في الضحايا معفوٌّ عنه.
* * *
١٠٣٨ - وعن أبي سعيد - رضى الله عنه - قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُضَحِّي بكبشٍ أَقْرَنَ فَحيلٍ، يَنظرُ في سواد ويأكلُ في سوادٍ، ويمشي في سوادٍ.
стр. 809
"وعن أبي سعيد أنه قال: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضحِّي بكبشٍ أقرنَ فَحِيلٍ"، قيل: هو المُنجِب الكريم القويُّ في ضرَابه، وأراد به النُّبْلَ وعِظَمَ الخَلْق.
"ينظرُ في سَواد"؛ أي: حوالي عينيه أسود.
"ويأكلُ في سواد"؛ أي: فمُه أسود.
"ويمشي في سواد"؛ أي: قوائمه سود.
* * *
١٠٣٩ - عن مُجاشِعٍ - من بني سُلَيْم - أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقول: إن الجَذع يُوَفِّي مما يُوَفِّي منه الثَّنِي".
"وعن مجاشع من بني سُلَيم: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول: إن الجَذع يوفَّى"، من التوفية؛ أي: يجزئ.
"مما يوفَّى منه الثَّنِيُّ"، يجوز تضحية الجَذع من الضأن كتضحية الثنِي من المَعْز.
* * *
١٠٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "نِعْمَتِ الأضْحيةُ الجَذع مِن الضَّأنِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: نعمتِ الأضحيةُ الجَذع من الضَّأن"، مدحه ﵊ ليَعلمَ الناسُ أنه جائز فيها.
* * *
стр. 810
١٠٤١ - عن ابن عباس ﵁ قال: كنا معَ النبيِّ الله ﷺ في سفَرٍ، فحضرَ الأَضحى، فاشتركنا في البقرةِ سبعةً، وفي البعيرِ عشرةً"، غريب.
"عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر، فحضرَ الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعةً": نصب على الحال.
"وفي البعير عشرة. غريب".
عمل بهذا إسحاق بن راهويه قالوا: هذا منسوخٌ بما مر من قوله: البقرة عن سبعة، والجَزور عن سبعة.
* * *
١٠٤٢ - عن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما عَمِلَ ابن آدمَ مِنْ عملٍ يومَ النحرِ أحبَّ إلى الله مِن هِراقةِ الدمِ، وإنه لتأتي يومَ القيامةِ بقُرونها وأَشعارِها وأَظلافِها، وإن الدمَ ليقعُ من الله بمكانٍ قبلَ أن يقعَ بالأرضِ، فَطِيبُوا بها أَنْفُساً".
"وعن عائشة ﵂ عن النبي ﵊ أنه قال: ما عملَ ابن آدم مِن عملٍ يومَ النحر" نصب على الظرفية.
"أحبَّ": صفة عمل.
"إلى الله مِن هراقة الدم"؛ أي: إراقته؛ يعني: أفضل العبادات يوم النحر إراقة الدم. "وإنه"؛ أي: المضحِّي به، وفي بعض النسخ: "وإنها الأضحية"، وهو الأنسب بالضمائر بعد.
"لتأتي يوم القيامة بقرونها": جمع قَرْن، وفي بعض النسخ: بفروثها جمع فَرْث، وهو النجاسة التي في الكرش.
"وأشعارِها": جمع شعر.
стр. 811
"وأظلافِها": جمع ظِلْف يعني: أنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير أن ينقصَ منه شيء، ليكون بكل عضو منه أجرٌ، ويصير مركبه على الصراط.
"وإن الدم يقع من الله تعالى بمكان"؛ أي: بموضع قَبول.
"قبل أن يقعَ بالأرض فطِيبوا بها أنفساً": الفاء جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا علمتُم أنه تعالى يقبلُه ويجزيكم بها ثوابا كثيراً، فلتكنْ أنفسُكم بالتضحية طَيبةً غيرَ كارهةٍ لها.
* * *
١٠٤٣ - ويروى أنه قال: "ما من أيامٍ أحبُّ إلى الله أنْ يتعبَّدَ له فيها مِن عشرِ ذي الحِجَّةِ، يَعدلُ صيامُ كلِّ يوم منها بصيامِ سنةٍ، وقيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ"، ضعيف.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد" في محل الرفع بالفاعلية من "أحبَّ" الذي هو أفعل تفضيل.
"له فيها من عشر ذي الحجة يعدل"؛ أي: يسوَّى.
"صيام كل يوم منها"؛ أي: من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة.
"بصيام سنة" لم يكن فيها عشر ذي الحجة، وقد صح الحديث في أن صوم يوم عرفة كفارة سنتين.
"ويُعدل قيام كلِّ ليلة منها بقيام ليلة القدر" ضعيف.
* * *
стр. 812
٤٧ - باب العَتِيْرةِ
(باب العتيرة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٤٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: " لا فَرَعَ ولا عَتِيْرَة"، قال: والفَرَعُ أول نِتاجٍ كان يُنتجُ لهم، كانوا يَذبحونه لطَواغِيتِهم، والعَتِيرَةُ في رجبٍ.
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: لا فرع ولا عتيرة قال: والفرع أول نتاج كان يُنتج لهم كانوا يذبحونه لطواغيتهم" بمنزلة الأضحية في الإسلام، قيل: كان أحدهم إذا تمت إبله مئة قدَّم بكراً فنحره، وهو الفرع.
"والعتيرة": ذبيحة كانت تذبح في الجاهلية " في رجب" لأصنامهم، قيل: كان أحدهم ينذر في الجاهلية قائلاً: إن كان كذا فعليه أن يذبح في رجب كذا، وكانوا يسمون ذلك عتيرةً، وكلاهما منهيٌّ في الإسلام.
وجوَّز ابن سيرين العتيرة وكان يذبح في شهر رجب، وحمل النهي على التقرُّب به لا لوجهه تعالى، كذبح العرب إياه لآلهتهم.
ويدل على ذلك حديث نبيشة: أنه قال رجل: يا رسول الله! إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؛ فقال: "اذبحوا لله أيَّ شهرٍ كان، وبروا لله، وأطعموا لله".
* * *
стр. 813
مِنَ الحِسَان:
١٠٤٥ - عن مِخْنَفِ بن سُليم: أنه شهدَ النبيَّ ﷺ يخطبُ يومَ عرفةَ يقولُ: "على كلِّ أهلِ بيتٍ في كل عامٍ أُضحية وعَتِيْرَ"، ضعيفٌ، ومنسوخٌ.
"من الحسان":
" عن مخنف بت سليم أنه شهد"؛ أي: حضر "النبي ﵊ يخطب عرفة قال: على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة" أوجب أبو حنيفة بهذا الحديث الأضحية على من مَلك نصاباً من المال المزكاة ولم يجوِّز العتيرة.
"ضعيف": بحسب الرواية، "ومنسوخ": بحسب الحكم.
قيل: في نسخه نظر؛ لأن مخنف بن سليم رواه قبل موته ﵊ بأشهُرٍ؛ لأنه ﷺ لم يخطب بعرفة إلا بحجة الوداع، وهو حين تقرُّر الإسلام والأحكام لا حين نسخها.
* * *
٤٨ - باب صلاة الخُسُوف
(باب صلاة الخسوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٤٦ - قالت عائشة ﵂: إن الشمسَ خَسَفَتْ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ ، فَبَعث مُنادياً: "الصلاةُ جامعة"، فتَقَدَّمَ فصلَّى أربعَ ركعاتٍ في ركعتينِ، وأربعَ سَجَداتٍ.
стр. 814
"من الصحاح":
" قالت عائشة ﵂: إن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: ذهب نورها.
"فبعث منادياً" لينادي: "الصلاةَ"؛ أي: احضروها، نصب على التخصيص.
"جامعةً" نصب على الحال، ويجوز رفعهما مبتدأً وخبراً.
فاجتمع الناس "فتقدم" ﵊ "فصلى أربع ركعات"؛ أي: ركوعات.
"في ركعتين وأربع سجدات" في كل ركعة ركوعان وسجودان، إذ يقال: لركوع واحد ركعة، ولسجود واحد سجدة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: ركعتان في كل ركعة ركوعٌ واحد وسجودان كسائر الصلاة.
* * *
١٠٤٧ - قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعاً قطُّ ولا سجدتُ سجوداً قَطُّ كانَ أطولَ منه.
"قالت عائشة ﵂: ما ركعت ركوعاً ولا سجدت سجوداً قط كان، ذلك الركوع أو ذلك السجود "أطول منه"؛ أي: من الركوع أو السجود الذي في هذه الصلاة؛ يعني: صلاة الخسوف.
* * *
١٠٤٨ - وعنها ﵂ أنها قالت: جهَرَ النبيُّ ﷺ في صلاةِ الخُسوفِ بقِراءتِه.
стр. 815
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جهر النبي ﵊ في صلاة الخسوف بقراءته، قيل: المراد خسوف القمر؛ لأنه يكون بالليل فيجهر بالقراءة فيها، فالخسوف يستعمل في القمر أيضاً.
* * *
١٠٤٩ - عن عبد الله بن عباس قال: خَسَفتْ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى رسولُ الله ﷺ والناسُ معَه، فقامَ قِياماً طويلاً نَحواً من سورةِ البقَرةِ، ثم ركعَ ركوعاً طويلاً، ثم رفعَ رأْسَه، فقامَ قياماً طويلاً وهو دُونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعاً طويلاً وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفع ثم سجَدَ، ثم قامَ فقامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعاً طويلاً وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفعَ فقامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعا طويلاً وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم رفعَ، ثم سجدَ، ئم انصرفَ وقد تَجَلَّتْ الشَّمسُ فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخْسفان لمَوتِ أحدٍ ولا لحَياتِه، فإذا رأَيتُم ذلكَ فاذكروا الله"، قالوا: يا رسولَ الله، رأَيناكَ تناولتَ شيئاً في مَقامِك هذا، ثم رأيناكَ تَكَعْكَعْتَ؟، قال: " إنِّي رأيتُ الجنةَ، فَتَناولْتُ منها عُنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بقيَتْ الدنيا، ورأيتُ النارَ، فلمْ أرَ كاليومِ مَنظراً أفظَعَ قَطُّ منها، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ"، فقالوا: لِمَ يا رسولَ الله؟، قال: "بكفرِهنَّ"، قيل: يَكْفُرْنَ بالله؟، قال: "يكفُرْنَ العَشيرَ، ويكفُرنَ الإحسانَ، لو أَحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدهرَ كلَّهُ، ثم رأتْ منكَ شيئاً قالت: ما رأَيتُ منكَ خيراً قطُّ".
"وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقام قياماً
стр. 816
طويلاً وهو دون القيام الأول"؛ أي: القيام في هذه الركعة أقصر من الأول.
"ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول"؛ أي: أقصر منه.
"ثم سجد ثم قام" إلى الركعة الثانية.
"فقام"؛ أي: وقف.
"قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد" وهذا على مذهب الشافعي.
"ثم انصرف وقد تجلت الشمس"؛ أي: أضاءت، أصله: تَجفَيَتْ.
"فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله"؛ أي: علامتان من علامات الله تعالى.
"لا يخسفان لموت أحد"؛ أي: بسبب موته "ولا لحياته"؛ أي: بسبب حياته، فإنهم كانوا يزعمون أن كسوفهما يوجب حدوث تغير في العالم من موت أحد أو ولادة أحد أو قحطٍ، أو غير ذلك من الحوادث، فأعلمهم ﵊ ببطلانه، فخسوفهما علامة كونهما مسخَّرين ومقهورين لأمره كسائر المخلوقات، فكيف يجوز أن يتخذهما بعض الناس معبودينِ؟
"فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت"؛ أي: أخذت "شيئاً في مقامك هذا"؛ أي: في الموضع الذي صليت فيه.
"ثم رأيناك تكعكعت؟ "؛ أي: تأخرت.
"فقال: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً" ثم غرضت على النار فتأخرتُ خشية أن يصيبني لفحها.
"ولو أخذته"؛ أي: العنقود.
стр. 817
"لأكلتم منه" يا أهل الدنيا "ما بقيت الدنيا"؛ أي: مدة بقائها؛ لأن ما كان من الجنة لا يفنى؛ لخلقه تعالى مكان كل حبة حبةً أخرى كما هو المروي في خواص ثمار الجنة، وإنما لم يأخذه ﵊ لئلا يفوتهم الإيمان بالغيب المأمورون هم به.
"ورأيت النار فلم أر كاليوم" صفةُ "منظراً" قدم عليه فانتصب حالاً؛ أي: لم أر منظراً "قط" أخوف مثل المنظر الذي رأيته اليوم شدة وهيبة للنار.
"ورأيت أكثر أهلها النساء، فقالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؛ قال: يكفرن العشير"؛ أي: الزوج، سمي به لأنه يعاشرها، والمراد بالكفر هنا ضد الشكر؛ أي: يتركن شكر أزواجهن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
"ويكفرن الإحسان، ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً"؛ أي: شيئاً كرهه ولا يناسب خاطرها.
"قالت: ما رأيت منك خيراً قط".
* * *
١٠٥٠ - وعن عائشة ﵂ نحوَ حديث ابن عباس، وقالت: "ثم سجَدَ فأطالَ السجودَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ، فخطَبَ الناسَ فحمِدَ الله وأثنى عليهِ، ثم قال: "إن الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله لا يَخْسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلكَ فادعُوا الله وكَبروا وصلُّوا وتَصدقوا"، ثم قال: "يا أمَة محمدٍ!، والله ما من أحد أَغْيَرُ من الله أن يَزنيَ عبدُه أو تَزنيَ أَمَتُهُ، يا أمةَ محمدٍ!، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتُم قليلَا ولبكَيْتُم كثيراً".
"وعن عائشة نحو حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود،
стр. 818
ثم انصرف وقد انجلت الشمس"؛ أي: انكشفت.
"فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله" وإنما أمر ﷺ بالدعاء؛ لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق العادة تكون مُعْرِضة عن الدنيا ومتوجهة إلى الحضرة العليا فيكون أقرب للإجابة.
"وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير"؛ أي: أشد غيرةً "من الله تعالى" الغيرة في الأصل: كراهة شركة الغير في حقه، وغيرة الله: كراهيته الفواحش وعدمُ رضاه بها.
"أن يزني عبده" متعلق بـ (أغير).
"أو تزني أمته"؛ أي: على زنا عبده أو أمته فإن غيرته تعالى وكراهيتَه لذلك أشد من غيرتكم وكراهيتكم على زنا عبدكم وأمتكم.
ووجه اتصال هذا بما قبله: هو أنه ﵊ لمَّا خوَّف أمته من الخسوفين، وحرَضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء، أراد أن يروِّعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا وفخَّم شأنه في الفظاعة.
"يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم" من أهوال الآخرة "لضحكتم قليلاً" قيل: القلة هنا بمعنى العدم "ولبكيتم كثيراً".
* * *
١٠٥١ - وعن أبي موسى أنه قال: خَسَفتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ ﷺ فَزِعاً يَخْشَى أن تكونَ الساعةُ، فأتَى المسجدَ، فصلَّى بأطولِ قيامٍ ورُكوعٍ وسجود ما رأيته قطُّ يَفْعَله، وقال: "هذه الآياتُ التي يرسلُ الله لا تكونُ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، ولكنْ يُخَوِّفُ الله بها عبادَهُ، فإذا رأيتُم شيئاً من ذلكَ، فافزَعُوا إلى ذكرِه ودعائه واستغفارِه".
стр. 819
"وعن أبي موسى الأشعري - رضى الله عنه -: أنه قال: خسفت الشمس فقام النبي ﵊ فزعاً"؛ أي: خائفا من ظهور الخسوف والزلازل والرياح والصواعق، شَفِقاً على أهل الأرض أن يأتيهم عذابٌ كما أتى مَن قبلهم.
وأما قول أبي موسى: "يخشى أن تكون الساعة" ظنٌّ منه وليس بصواب؛ لأنه ﵊ كان متيقناً بأنها لا تقوم حتى ينجز الله ما وعد أمته من فتح بلاد العجم وغير ذلك من المواعيد، فإنه ﵊ أَخبر بذلك قبل فتح خيبر حيث قال يوم الخندق: "ستظهرون على فارس الروم" وإسلام أبي موسى كان بعد فتح خيبر.
"فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله"؛ أي: ما رأيت النبي ﵊ يفعل مثل هذا.
"وقال: هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا"؛ أي: التجئوا من عذابه "إلى ذكره ودعائه واستغفاره".
* * *
١٠٥٢ - وعن جابر - رضى الله عنه قال: انكسَفَتِ الشمسُ في عهدِ رسولِ الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ ابن النبيِّ ﷺ ، فصلَّى بالناسِ ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سَجَداتٍ.
"وعن جابر أنه قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم مات إبراهيم ابن النبي ﵊" كان له ثمانية عشر شهراً أو أكثر، وأهل التواريخ على أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة.
"فصلى بالناس ست ركعات"؛ أي: ركوعات، إطلاقاً للكل على الجزء.
стр. 820
"بأربع سجدات"؛ يعني: صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات مع سجدتين.
* * *
١٠٥٣ - ورُوي عن علي ﵁، عن رسولِ الله ﷺ أنه صلَّى ثماني ركعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ.
"وروي عن علي ﵁ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: صلاة الكسوف ثماني ركعات"؛ أي: ركوعات.
"في أربع سجدات، بأن صلى ركعتين، في كل ركعة أربع ركوعات مع سجدتين.
* * *
١٠٥٤ - وقال جابر بن سَمُرَة: كسَفتِ الشمسُ في حياةِ رسولِ الله ﷺ ، فأتيتُه وهو قائم في الصلاةِ رافع يديهِ، فجعلَ يُسبح ويهلِّلُ ويكبرُ ويحمدُ ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسِرَ عنها قرأَ سورتينِ وصلَّى ركعتينِ.
"وقال عبد الرحمن (١) بن سمرة ﵁: كسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتيته وهو قائم في الصلاة رافعاً يديه فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حُسِوَ عنها"؛ أي: كشف وأُزيل عن الشمس كسوفُها.
"فلما حُسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين".
* * *
стр. 821
١٠٥٥ - وقالت أسماء بنتُ أبي بكر ﵂: أمرَ النبيُّ ﷺ بالعَتاقَةِ في كُسوف الشَّمسِ.
"قالت أسماء بنت أبي بكر: أمر النبي ﵊ بالعَتاقة" بفتح العين: العتق.
"في كسوت الشمس" لأن الإعتاق وسائر الخيرات يدفع العذاب.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٥٦ - عن سَمُرَة بن جُندُب ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ في كسوفٍ لا نسمعُ له صوتاً.
"من الحسان":
" عن سمرة بن جندب قال: صلى بنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كسوف"؛ أي: في كسوف الشمس.
"لا نسمع له صوتاً" وهذا يدل على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة.
* * *
١٠٥٧ - وقال عِكْرِمة: قيل لابن عباس: ماتَتْ فلانةُ - بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ فَخَرَّ ساجداً، فقيلَ له: أَتسجدُ في هذه الساعةِ؟، فقال، قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم آيةً فاسجُدُوا"، وأيُّ آيةٍ أَعظمُ مِن ذهابِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ؟!.
"قال عكرمة: قيل لابن عباس: ماتت فلانةُ بعضُ أزواج النبي عليه
стр. 822
الصلاة والسلام" بالرفع عطفُ بيانِ لـ (فلانة)، أو خبر مبتدأ محذوف، قيل: هي صفية، وقيل: حفصة ﵂.
"فخر ساجداً، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ ": بحذف الاستفهام
"فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا رأيتم آية"؛ أي: علامة مخوفة "فاسجدوا"؛ أي: فصلوا ما قدَّر الله، وقيل: أراد به السجود فحسب.
"وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﵊" فالسجود عند ذلك لدفع العذاب المتوقعِ الحصولِ بذهابهن.
قال ﷺ : "أنا أَمَنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأهل الأرض" الحديث، فكأنه رأى بقاء الأمنة على الأصحاب ببقاء الأزواج، لأن أهل الرجل يعدُّ من جملته لشدة الاتصال بينهما.
* * *
فصل في سجود الشكر
(فصل في سجود الشكر)
مِنَ الحِسَان:
١٠٥٨ - عن أبي بَكرَةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا جاءَهُ أمر يُسَرُّ به خر ساجداً شكراً للهِ. غريب.
"من الحسان":
" عن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﵊ كان إذا جاءه أمر يسرُّ به" من السرور.
стр. 823
"خر ساجداً"؛ أي: سقط للسجود "شكراً لَلّه" فسجود الشكر سنَة عند الشافعي.
"غريب".
* * *
١٠٥٩ - ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى نُغاشياً، فسجدَ شكراً للهِ تعالى.
"وروي أن النبي ﵊ رأى نغاشيًّا" بتشديد الياء؛ أي: ناقص الخلق وضعيف الحركة.
"فسجد شكراً لله" فالسنَّة لمن رأي مبتلًى ببلاء أن يسجد شكراً لله على أن عافاه الله تعالى من ذلك، ولكنْ ليكتم السجود عنه لئلا يتأذى.
* * *
١٠٦٠ - عن عامر بن سَعْد، عن أبيه قال: خرجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مِن مكةَ نريدُ المدينةَ، فلمَّا كنا قَريباً من عَزْوَزاء نزلَ، ثم رفعَ يديهِ فدَعا الله ساعةً، ثم خَرَّ ساجداً، فمكثَ طويلاً، ثم قامَ فرفعَ يديه ساعة، ثم خرَّ ساجداً، ثم قام فقال: "إني سألتُ ربي، وشفعتُ لأِمَّتِي، فأعطاني ثُلُثَ أُمَّتي، فخرَرْتُ ساجداً لِربي شكراً، ثم رفعتُ رأسي فسألتُ ربي لأِمَّتي، فأعطاني ثُلث أمتي فخررتُ ساجداً لربي شكراً، ثم رفعتُ رأسِي فسألتُ ربي لأِمَّتي، فأعطاني الثلث الآخِرَ، فخررتُ ساجداً لربي شكراً".
وروي أن النَّبي ﷺ رأى نُغاشِياً، فسجد شكراً لله، والنُّغاش: القصير.
"عن عامر بن سعد، عن أبيه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريباً من عَزْوزَاء" بفتح العين
стр. 824
المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الواو وبالمد - وقيل: بالقصر -: ثنيةُ الجحفة عليها طريق المدينة إلى مكة، سمي به لصلابة أرضه، مأخوذٌ من العزاز: الأرض الصلبة.
"نزل ثم رفع يديه فدعى الله ساعة" نزوله ﵊ في هذا الموضع للدعاء لأمته بوحي الله تعالى لا لخاصية هذه البقعة.
"ثم خرَّ ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعةً، ثم خرَّ ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعةً، ثم خر ساجداً، قال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر" بكسر الخاء
"فخررت ساجداً لربي شكراً" قال الإمام مظهر الدين: ليس معناه أن يكون جميع أمته مغفورين بحيث لا يصيبهم عذاب؛ لأن هذا نقيض الآيات والأحاديث الواردة في تهديد الفاسقين، بل المعنى: أنه سأل أن يخص أمته من بين الأمم بأن لا يمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب الكبائر، وغير ذلك من الخواص التي خصَّ الله أمته ﵊ بها من بين سائر الأمم.
وفيه نظر: لأن السنة كما دلت على ذلك دلت أيضاً على هذا، وكذا الكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، إلى غير ذلك، والعفوُ من الكريم ينبغي أن يكون أرجى من العذاب، والله أكرم الأكرمين، وأما دخولُ النار فليس بحتم إلا تَحِلَّةَ القسم خلافاً للمعتزلة.
* * *
стр. 825
٤٩ - باب الاستِسقاء
(باب الاستسقاءَ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٦١ - عن عبد الله بن زيد قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ بالناسِ إلى المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة.
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالناس إلى المصلى يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة" فالسنة أن يصلَّى للاستسقاء بالجماعة كصلاة العيد، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
"واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة" والغرض من تحويل الرداء هو التفاؤل بتحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومن الجدب إلى الخصب، وكيفيته إن كان مربعاً يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدوراً كالجبة يجعل جانب الأيمن على الأيسر.
* * *
١٠٦٢ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه إلا في الاستسقاء وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَى بياضُ إبطيْهِ.
"وقال أنس ﵁: كان النبي ﵊ لا يرفع يديه في شيء من دعائه"؛ أي: لا يرفعهما كل الرفع حتى يجاوِزَ بهما رأسه.
стр. 826
"إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه".
* * *
١٠٦٣ - وعن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ اسْتَسقى، فأشارَ بظهرِ كفَّيهِ إلى السماءَ.
"وعن أنس ﵁ أنه قال: كان النبي ﵊ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء"؛ يعني: يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال سائلاً من الله أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض.
وقيل: من أراد دفع بلاء من قحط ونحوه فليجعل ظهر كفيه إلى السماء، ومن سأل نعمة من الله فليجعل بطن كفيه إلى السماء.
* * *
١٠٦٤ - وقالت عائشة ﵂: إن النبي ﷺ كان إذا رَأَى المطرَ قال: "صَيِّباً نافِعاً".
"وقالت عائشة: إن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: صَيِّباً" نصب بمقدر؛ أي: اسقنا صيباً، أو على الحال؛ أي: أنزله علينا صيباً؛ أي: مطراً.
"نافعاً": لا مُغْرِقاً كطوفان نوح ﵇، وأصله: صَيْوِب، قلبت الواو ياءً وأُدغمت.
* * *
١٠٦٥ - وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مطرٌ، قال: فحسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ
стр. 827
هذا؛، قال: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه".
"وقال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مطر فحسر رسول الله ﷺ "؛ أي: كشف عن بدنه "ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لمَ صنعتَ هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه"؛ أي: قريب العهد بالفطرة لم يخالطه ما يفسده من الأيدي الخاطئة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٦٦ - عن عبد الله بن زَيدٍ ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المُصلَّى فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ الأيسرِ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله".
"من الحسان":
" عن عبد الله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحوّل رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عِطافَه"؛ أي: رداءه، سمّي به لوقوعه على العِطْفين؛ أي: الجانبين، والضمير فيه للرداء؛ أي أراد أحد شقيه، أو للنبي ﵊؛ أي: جانب ردائه "الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله".
* * *
١٠٦٧ - وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ ﷺ وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيهِ.
"وعنه أنه قال: استسقى النبي ﵊ وعليه خميصة له سوداء" وهي كساء مربع له عَلَمان.
стр. 828
"فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت"؛ أي: عسر "عليه" جَعْلُ أسفلها أعلاها "قلبها على عاتقيه" أي: جعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر.
* * *
١٠٦٨ - عن عُمَير مولى آبي اللحم: أنه رأَى النبيَّ ﷺ يستسقي عندَ أحجارِ الزيتِ، قائماً يدعُو رافعاً يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوز بهما رأسَه.
"وعن عمير مولى آبي اللحم" بمد الهمزة: اسم رجل من قدماء الصحابة وكبارهم، اسمه عبد الله بن عبد الملك، استشهد يوم حنين، وكان لا يأكل اللحم فلقَّب به لذلك.
"أنه رأى النبي ﵊ يستسقي عند أحجار الزيت": موضع بالمدينة من الحرة، سمي بها لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت.
"قائماً يدعو رافعًا يديه قِبَلَ وجهه لا يجاوز بهما رأسه"؛ أي: يرفع يديه بمحاذاة وجهه ورأسِه لا أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان في مرة أخرى.
* * *
١٠٦٩ - وقال ابن عباس: خرجَ النبيُّ ﷺ يعني في الاستسقاءِ - مُبتذلاً مُتَواضعًا مُتخشَعا مُتضرِّعا.
"وقال ابن عباس: خرج النبي ﵊"؛ يعني: في الاستسقاء.
"متبذلاً"؛ أي: لابساً ثياب البذلة، وهي ما يُلبس كلَّ الأيام غيرَ لباس الزينة.
стр. 829
" متواضعاً متخشِّعاً متضرعاً".
* * *
١٠٧٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ إذا استسقى: "اللهم اسْقِ عبادَكَ وبَهيمَتَكَ، وانشُرْ رحمَتَكَ، وأَحْيِ بلدَكَ الميِّتَ".
"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول إذا استسقى: اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر"؛ أي: ابسط "رحمتك وأحيي بلدك الميت"؛ أي: بإنزال المطر حتى تصير الأرض اليابسةُ رطبةً خضراء بالنبات والماء.
* * *
١٠٧١ - وعن جابر بن عبد الله قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُواكئ برفع يديه فقال: "اللهم اسقِنا غَيثاً مُغيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً نافعاً غيرَ ضارٍّ عاجلاً غيرَ آجلٍ"، فأطبقَتْ عليهم السماءُ.
"وعن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يواكئ"؛ أي: يتحامل على يديه إذا رفعهما في الدعاء كأنه متكئ عليهما حتى يجد ثقلاً بيديه (١) كالمتكئ على عصاً.
"فقال: اللهم اسقنا غيثاً"؛ أي: مطراً.
"مُغيثاً"؛ أي: مُعيناً.
"مَريئاً"؛ أي: هنيئاً صالحاً لا ضرر فيه.
стр. 830
"مَرِيعاً"؛ أي: ذا مَراعةٍ وخصبٍ، يقال: أَمرعت الأرضُ أي: أخصبت.
ويروى: (مُرْبعاً) بضم الميم والباء الموحدة من الإرباع؛ أي: مُنبتاً للربيع، وهو النبات الذي ترعاه الشاة في الربيع.
"نافعاً غير ضارٍ" بالإغراق والإهدام.
"عاجلاً غير آجل، فأطبقت عليهم السماء"؛ أي: جُعلت عليهم طَبقاً، و (السماء): السحاب، يقال: أطبق: إذا جَعَل طبقاً على رأس شيء وغطاه به؛ يعني: ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم بحيث صار كطبق فوقهم، حتى لم يروا السماء من تراكمه وعمومه الجوانب.
وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبق عليه الحمى: إذا دامت.
* * *
فصل في صفة المَطَر والرِّيح
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٧٢ - قال رسول الله ﷺ : "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نصرت بالصَّبا"؛ أي: بالريح التي تهبُّ مطلع الشمس في حرب الأحزاب، وذلك أن قريشاً وغطفان وبني قريظة وبني النضير لما حاصروا المدينة يوم الخندق ونزلوا قريباً من المدينة، وكانوا اثني عشر ألفاً سوى مَن انضم إليهم من
стр. 831
اليهود، فأرسل الله عليهم ريح الصبا، فهبت هبوباً شديداً، فخرقت خيامهم وأراقت أوانيهم وقدورهم، ولم يمكنهم القرار، وألقَى في قلوبهم الرعب فانهزموا، وكان ذلك معجزة للنبي ﵊ وفضلاً من الله تعالى على المسلمين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
"وأُهلكت عاد بالدبور"؛ أي: بالريح التي تهبُّ من مغرب الشمس، وكانت قامة كل واحد منهم اثني عشر ذراعًا في قول، فهبت عليهم الدَّبُور وألقتهم على الأرض بحيث اندقت رؤوسهم وانشقت بطونهم وخرجت منها أحشاؤهم، فالريح مأمورةٌ تجيء تارة لنصرة قوم وتارة لإهلاك قوم.
* * *
١٠٧٣ - وقالت عائشة ﵂: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ أضحى ضاحِكاً حتى أَرَى منه لَهَواتِهِ، إنما كانَ يتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرِفَ في وجهِهِ.
"وقالت عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواتِه": جمع لهاة، وهي قعر الفم قريبٌ من أصل اللسان.
"إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيمًا"؛ أي: سحابًا "أو ريحاً عرف في وجهه"؛ أي: الكراهية وأثر الخوف من حصول ضرر أو عذاب في ذلك السحاب أو الريح.
* * *
١٠٧٤ - وقالت: كانَ النبيُّ ﷺ إذا عصَفَتِ الريحُ قال: "اللهم إني أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما
стр. 832
فيها وشرِّ ما أُرسِلت به"، وإذا تخيَّلت السماءُ تغيَّر لونُه، وخرجَ ودخلَ وأقبلَ وأدبرَ، فإذا مَطَرَت سُرِّيَ عنه، فعَرَفتْ ذلكَ عائشةُ ﵂ فسألتْه؟، فقال: "لعلَّه يا عائشةُ كما قالَ قومُ عادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
وفي رواية: ويقولُ إذا رأَى المطرَ: "رحمةً". أي: اجعلْها رحمةً.
"وقالت: كان النبي ﵊ إذا عصفت الريح"؛ أي: اشتد هبوبها.
"قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أرسلت به، وإذا تخيلت السماء"؛ أي: تغيَّمت وتُخيِّل منها المطر.
"تغير لونه وخرج" من البيت تارة "ودخل"؛ أخرى.
"وأقبل" تارة "وأدبر": أخرى، فلا يستقر من الخوف.
"فإذا مطرت السماء"؛ أي: السحاب "سرِّي عنه"؛ أي: كشف عنه الخوف.
"فعرفت ذلك عائشة ﵂ فسألته فقال ﵊: لعله"؛ أي: لعل هذا المطر "يا عائشة كما قال"؛ أي: مثل المطر الذي قال في حقه "قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾؛ أي: سحاباً ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: صحاريهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ظنًّا أنه سحاب ينزل منه المطر ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]: فظهرت منه ربح فأهلكتهم، فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
"وفي رواية: يقول إذا رأى المطر [هذا] رحمةٌ": بالرفع؛ أي: هذه
стр. 833
رحمة، - وبالنصب -؛ أي: اجعله رحمةً.
* * *
١٠٧٥ - وقال رسول الله ﷺ : "مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية".
"قال ابن عمر: قال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مفاتيح الغيب" أراد به خزائنه تعالى، وقيل: المفتاح في الأصل: كل ما يُتوسَّل به إلى استخراج المُغْلَقات التي يَتعذر الوصول إليها إلا به.
"خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤].
* * *
١٠٧٦ - وقال ﷺ : "ليست السَّنَةُ بأنْ لا تُمْطَرُوا، ولكنَّ السَّنَةَ أنْ تُمْطَرُوا وتُمْطَروا ولا تُنبتُ الأرضُ شيئاً".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليست السنة"؛ أي: القحط الشديد " بأن لا تمطروا"؛ أي لا ينزل عليكم المطر.
"ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا"؛ والتكرير للتأكيد.
"ولا تنبت الأرض شيئاً" وذلك لأن اليأس بعد توقُّع الرجاء وظهور أسبابه أفظع مما كان حاصلاً من أول الأمر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الريحُ من رَوحِ الله تأتي بالرحمةِ وبالعذابِ، فلا تَسُبُّوها، وسَلُوا الله من خيرِها،
стр. 834
وعُوذُوا بهِ مِن شرِّها،.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: الريح من رَوْح الله"؛ أي: من رحمته.
"تأتي بالرحمة وبالعذاب": قيل: الرياح ثمان، أربع للرحمة: الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشِّرات، وأربع للعذاب: العاصف والقاصف وهما في البحر، والصَّرْصَر والعقيم وهما في البر، وإتيان الريح بالعذاب رحمةٌ للمؤمنين من حيث إنهم خلّصوا من أيدي الكفار الهالكين بالريح.
"فلا تسبوها": بلحوق ضرر منها.
"واسألوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرها".
* * *
١٠٧٨ - وعن ابن عباس: أن رجلَاّ لَعنَ الريحَ عندَ النبي ﷺ فقال: "لا تَلعنوا الريحَ، فإنها مأمورةٌ، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأَهلِ رجعَتِ اللعنةُ عليهِ"، غريب.
"وعن ابن عباس: أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﵊ فقال: لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة، وإنه"؛ أي: الشأن "مَن لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه"؛ أي: على اللاعن.
"غريب".
* * *
١٠٧٩ - وعن أُبيِّ بن كعْبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسبُّوا الرِّيحَ،
стр. 835
فإذا رأَيتُم ما تَكرهونَ فقولوا: اللهم إنا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريح وخيرِ ما فيها وخيرِ ما أُمِرَتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريح وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُمِرَت به".
"وعن أبي بن كعب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون"؛ يعني: تأذَّيتم بشدة هبوبها.
"فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخيرِ ما فيها وخيرِ ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشرِّ ما أُمرت به".
* * *
١٠٨٠ - وعن ابن عباس قال: ما هَبَّت ريحٌ قطُّ إلا جَثَا النبيُّ ﷺ على ركبتيهِ وقال: "اللهم اجعَلها رحمةً ولا تجعَلها عذاباً، اللهم اجعَلها رياحاً ولا تجعَلها ريحاً"
قال ابن عباس ﵄: في كتابِ الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، و ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾.
"وعن ابن عباس أنه قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﵊"؛ أي: جلس "على ركبتيه": تواضعاً لله تعالى، وخوفاً من عذابه.
"قال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً": كلُّ ما كان بلفظ الجمع فهو رحمة، وما كان بلفظ المفرد فهو عذاب.
قيل: العرب تقول: لا تُلْقَحُ السحاب إلا من رياح، فالمعنى: اجعلها لقاحاً للسحاب ولا تجعلها عذاباً.
стр. 836
"وقال ابن عباس: في كتاب الله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦]؛ أي: شديد البرد.
" ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ": وهو ما ليس فيه خير.
"وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] "": جمع لاقحة، وهي بمعنى مُلقحة؛ أي: تلقح الأشجار؛ أي: تجعلها حاملاً بالثمار.
" ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أورد المؤلف تفسير ابن عباس؛ لأجل قوله ﷺ : (رياح" و (ريحاً).
وفيه نظر بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وبقوله ﵊: "الريح من روح الله" ونحو ذلك.
ويمكن أن يقال: إن الجمع لم يأت إلا في الرحمة، والمفرد أتى فيها وفي العذاب.
* * *
١٠٨١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كان النبيّ ﷺ : إذا أَبصرْنا شيئاً من السماءِ - تعني السحابَ - تركَ عملَهُ، واستقبَلَهُ وقال: "اللهم إني أعوذُ بكَ من شرِّ ما فيهِ"، فإن كَشَفَهُ الله حَمِدَ الله، وإن مطرَتْ قال: "اللهم سُقْياً نافعاً".
" عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان النبي ﵊ إذا أبصرْنا شيئاً من السماء، تعني السحاب" سمي به؛ لأنه ينشأ في الهواء؛ أي: يظهر.
"ترك عمله واستقبله، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه، فإن كشفه الله"؛ أي: أذهب ذلك السحاب ولم يمطر.
стр. 837
"حمد الله" على ذهابه.
"وإن مطرتْ قال: اللهم سَقْياً"؛ أي: اسقنا سَقْياً " نافعاً".
* * *
١٠٨٢ - عن ابن عمر ﵁: أن رسولَ الله ﷺ كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ والصَّواعِقِ قال: "اللهم لا تَقْتُلْنا بِغَضَبكَ، ولا تُهلِكنا بعذابكَ، وعافِنا قبلَ ذلكَ".
"وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد" بإضافة العامِّ إلى الخاص للبيان، فالرعد هو الصوت الذي يُسمع من السحاب.
"والصواعق": جمع صاعقة، وهي نار تسقط من السماء في رعد شديد، فعلى هذا لا يصح عطفها على ما قبلها، وإن أريد بها صيحة العذاب صح عطفها على (صوت الرعد)، وكذا إن أريد بها الصوت الهائل.
"قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك".
"غريب".
* * *
стр. 838
٥ - كِتَابُ الجَنَائِزِ
стр. 839
٥ - كِتَابُ الجَنَائِزِ
(كِتَابُ الجَنَائِزِ)
١ - باب عِيَادة المَريض وثَواب المَرَض
(باب عيادة المريض وثواب المرض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٨٣ - قال رسول الله ﷺ : " أَطْعِموا الجائع، وعُودُوا المَريض، وفُكُّوا العاني".
"من الصحاح":
" عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أطعموا الجائع وعودوا المريض" أمر من العيادة، "وفكوا العاني"؛ أي: خلِّصوا الأسير من يد العدو، وهذه الأوامر للوجوب إذا امتَثل بها بعضٌ سقط عن الباقين.
* * *
١٠٨٤ - وقال: "حقُّ المُسلم على المُسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ
стр. 840
المَريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدَّعوة، وتشميت العاطِس".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، إذا لم يكن فيها معصية "وتشميت العاطس" وهو أن يقول لمن عطس: يرحمك الله، بعد قوله: الحمد لله.
* * *
١٠٨٥ - وقال: "حقُّ المُسلم على المُسلم سِتٌّ: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استنصحك فانصَح له، وإذا عَطَسَ فحمِد الله فشمِّته، وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبعْه".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك"؟؛ أي: طلب منك النصيحة "فانصح له، وإذا عطس فحَمِدَ الله فشمِّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبعه".
* * *
١٠٨٦ - وقال البَراء بن عازِب: أَمَرَنا النبي ﷺ بسبعٍ، ونهَانا عن سبعٍ، أَمَرَنا بعِيادةِ المريض، واتباعِ الجنائزِ، وتشميت العاطِسِ، وردِّ السلام، وإجابةِ الداعي، وإبرار المُقْسِم، ونصر المظلوم، ونهانا عن خاتَم الذهب، وعن الحرير، والإسْتَبْرَق، والدِّيباج، والمِيْثَرة الحمراء، والقَسِّيِّ، وآنيةِ الفضة.
وفي روايةٍ: وعن الشرب في الفضة، فإنه مَنْ شَرِب فيها في الدُّنيا، لم يشرب فيها في الآخرة.
стр. 841
"وقال البراء بن عازب: أمرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المُقْسِم"؛ أي: تصديق الحالف على شيء، ومنه الحديث: "من حلف بالله فصدّقوه"، أو معناه: جَعْلُ يمين صاحبك صادقة، كقوله: والله لا أبرح حتى تجيء معي أو حتى تفعل كذا، فالمستحب لك أن تفعل ذلك الفعل إذا كان في وسعك ولم يكن معصيةً، حتى يصير قسمُه صدقاً.
"ونصر المظلوم" مسلماً كان أو ذِمِّياً، قولاً كان أو فعلاً.
"ونهانا عن" سبع: "خاتم الذهب، وعن الحرير، والإستبرق، والديباج": وهما نوعان من الإبريسم، فلبس هذه الأشياء حرام على الرجال دون النساء.
"والمِيثرة الحمراء"، (الميثرة) بالكسر: مِفْعلة من الوِثار، وهو وسادة توضع في السرج ليكون موضعُ جلوس الراكب ليناً، وهو من فعل العجم، فالحمراء منهيٌّ عنها لنهيه عن ميثرة الأرجوان - وهو صِبغٌ أحمر - لما فيه من الرعونة.
"والقَسِّيّ" بفتح القاف وتشديد السين والياء: ثياب منسوب إلى القَسِّ، وهي قرية من ناحية مصر، والنهي إما لغلبة الحرير، أو لكونها ثياباً حمراء.
"وآنية الفضة.
وفي رواية: عن الشرب في الفضة، فإنه مَن شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة، فيحمل على المستحِلِّ، أو على الزجر والتهديد عنه.
* * *
стр. 842
١٠٨٧ - وقال رسول الله ﷺ : "إن المُسلمَ إذا عاد أخاه المسلم لم يَزَلْ في خُرْفَةِ الجنةِ حتى يرجِعَ".
"وعن ثوبان أنه قال: قال رسول الله ﵊: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرْفةِ الجنة حتى يرجع"، (الخرفة) بضم الخاء: ما يُخترف؛ أي: يُجتنى من الثمار حين يدرك، شبه ﵊ ما يَحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه المخترف من الثمار، والمراد أنه بسعيه إليه يستوجب الجنة ومَخارِفَها، بإطلاق اسم المسبَّب على السبب.
* * *
١٠٨٨ - وقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يقول يومَ القيامة: يا ابن آدم، مرضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كيف أَعُودُكَ وأنت رب العالمين؟، قال: أَما علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مرِضَ فلم تَعُدْه، أما علمتَ أنك لَوْ عُدْتَه لَوَجَدْتَني عنده؟، ابن آدم، استطعمتُكَ فلم تُطعِمني، قال: يا ربِّ وكيف أُطعِمُك وأنت رب العالمين؟، قال: أَما علمتَ أنه استطعَمك عبدي فلانٌ فَلَم تُطْعِمْهُ، أَما علمتَ أنك لو أطعمتَه لَوَجدتَ ذلك عندي؟، ابن آدم: استسقيتُك فلَمْ تُسقِني، قال: يا ربّ، كيف أسقيكَ وأنت رب العالمين؟، قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسَقِه، أَما علمتَ أنك لو سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلك عندي".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضتُ" أراد به مرض عبده، إنما أضافه إلى نفسه تشريفاً لذلك العبد.
"فلم تَعُدْني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ "؛ يعني: أنت منزَّه عن الأمراض والنقائص والحاجة إلى الغير.
стр. 843
(قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتني"؛ يعني لوجدت رضائي "عنده؟ " "يا ابن آدم استطعمتك"؛ أي: طلبت منك الطعام "فلم تطعمني، قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه" - الضمير للشأن - "استطعمك عبدي فلانٌ فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك"؛ أي: ثوابه "عندي؟ " "يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت" - بالتخفيف للتنبيه - "أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي" وإنما قال في العيادة: (لوجدتني عنده)، وفي الإطعام والسقي: (لوجدت ذلك عندي) إشارة إلى أن الله تعالى أقرب إلى المنكسر المسكين، وإرشاداً إلى أن العيادة أكثر ثواباً منهما.
* * *
١٠٨٩ - وقال ابن عباس ﵄ إن النبيَّ ﷺ دخَل على أعرابي يعودُه، وكان إذا دخلَ على مريضٍ يعودُه قال: "لا بأْسَ، طَهُورْ إنْ شاء الله تعالى"، فقال له: "لا بأْسَ، طَهُورٌ إن شاء الله"، قال: كلا بل حُمَّى تفورُ، على شيخٍ كبيرٍ، تُزِيرُه القُبورَ، فقال النبي ﷺ : ""فنَعَمَ إذاً".
"قال ابن عباس ﵄: إن النبي ﵊ دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على مريض يعوده قال: لا بأس طهورٌ إن شاء الله تعالى"؛ أي: لا ضرر عليك في مرضك بالحقيقة؛ لأنه سبب لطهارتك من الذنوب.
"فقال له"؛ أي: النبي للأعرابي: "لا بأس طهورٌ إن شاء الله تعالى،
стр. 844
قال"؛ أي: الأعرابي: "كلا"؛ أي: ليس كما قلت: إنه لا بأس به.
"بل حمى تفور"؛ أي: يظهر حرها ويغلي في بدني، من فوران القدر وهو غليانها.
"على شيخ كبير تُزيره القبور"؛ أي: قريب من أن تُزيرني القبور؛ أي: تحملني على زيارتها.
"فقال النبي ﵊: فنعم إذن"؛ يعني: هذا المرض ليس بمطهِّر لك إذا لم تقبل ما قلته، غضب ﵊ بردِّ الأعرابي كلامه.
* * *
١٠٩٠ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منَّا إنسانٌ مَسَحه بيمينه، ثم قال: "أَذْهِبِ البأْسَ ربَّ الناسِ، اشفِ أنت الشَّافي، لا شفاءَ إلا شِفاؤك، شفاءً لا يُغادِر سَقَماً".
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان"؛ أي: مرض.
"مسحه"؛ أي: النبي ﵊ ذلك المريض.
"بيمينه ثم قال: أَذْهِبِ البأسَ" وهو شدة المرض، أمر من أَذْهَبَ.
"ربَّ الناس" بحذف حرف النداء.
"واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً"؛ أي: لا يترك مرضاً.
* * *
стр. 845
١٠٩١ - وقالت عائشة ﵂: كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منه، أو كانت به قَرْحَةٌ، أو جَرْحٌ؛ قال النبيُّ ﷺ بإصبعه: "باسم الله، تُرْبَةُ أرضنا بِرِيقَةِ بعضنا ليُشْفَى سَقِيمُنَا بإذن ربنا".
"وقالت عائشة ﵂: كان إذا اشتكى الإنسان الشيء" مفعول (اشتكى)، وضمير "منه" عائدٌ إلى (الإنسان)، و (كان) إما زائدة، أو [فيها ضمير الشأن] (١) يفسره ما بعده.
"أو كانت به قُرحة" بضم القاف وفتحها: ما يخرج على الأعضاء مثل الدُّمَّل.
"أو جُرح" بضم الجيم: ما يُجْرح بالسيف وغيره.
"قال النبي ﵊ بإصبعه"؛ أي: أشار به، ويروى: أنه ﵊ يبل أنملة إبهامه اليمنى بريقه فيضعها على التراب، ثم يرفعها وقد لزق بإصبعه التراب ويشير إلى ذلك المريض.
"وقال: بسم الله تربة أرضنا"؛ أي: هذه تربة أرضنا.
"بريقة بعضنا"؛ أي: معجونة بها ضمدنا بها "ليُشفى سقيمنا بإذن ربنا" وقيل: التربة إشارة إلى فطرة أول مفطور من البشر، والريقة إلى النطفة التي خلق منها الشخص، كأنه يتضرع بلسان الحال، ويقول: إنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم أبدعت فرعه من ماء مهين، فهينٌ عليك أن تشفي مَن هذا شأنه.
* * *