المَوت، فقال: "كيف تَجدُكَ؟ "، قال: أرجو الله يا رسولَ الله، وإني أخافُ ذُنوبي، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يجتمعانِ في قلْبِ عبدٍ في مثْل هذا المَوطنِ إلا أعطاهُ الله ما يَرجو، وآمنَه مما يَخافُ"، غريب.
"وعن أنس أنه قال: دخل النبي ﵊ على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ "؛ أي: تجد قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة: راجياً رحمة الله أو خائباً منها؟ "قال: أرجو الله يا رسول الله! وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﵊: لا يجتمعان"؛ أي: الرجاء والخوف "في قلب عبد في مثل هذا الموطن"؛ يعني: الموت.
"إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف".
"غريب".
* * *
٣ - باب ما يقال لمَنْ حَضَرَهُ الموتُ
(باب: ما يقال عند من حضره الموت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١١٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "لقَنوا موتَاكم لا إلهَ إلا الله".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأبي هريرة ﵁ أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لقنوا موتاكم"؛ أي: مَن قَرُبَ منكم من الموت،
стр. 877
سماهم موتى باعتبار المآل.
"لا إله إلا الله"؛ أي: قولوا له كلمتي الشهادة.
* * *
١١٤٨ - وقال: "إذا حَضَرْتم المَريضَ أو الميتَ فقولوا خَيراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنون على ما تقولون".
"وعن أم سلمة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً"؛ أي: ادعوا للمريض بالشفاء بقولكم: اللهم اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة بقولكم: اللهم اغفر له وارحمه.
"فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فيكون دعاؤكم مستجاباً بحضور الملائكة وتأمينهم.
* * *
١١٤٩ - وقالت أُم سلَمة ﵂: قالَ رسول الله ﷺ : "ما مِن مُسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ فيقولُ ما أَمَرَهُ الله به: إنا لله وإنا إليهِ راجعون، اللهم أَجِرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيراً منها إلا أخلَفَ الله له خيراً منها، فلمَّا ماتَ أبو سلَمة قلتُ: أيُّ المُسلمينَ خيرٌ من أبي سلَمة؟، أولُ بيتٍ هاجر إلى رسولِ الله ﷺ ، ثم إنِّي قلتُها، فَأَخْلَفَ الله لي رسولَ الله ﷺ .
"وقالت أم سلمة ﵂: قال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون" هذا تفسير لقوله: (ما أمره الله).
"اللهم أجرني" بهمزة الوصل؛ أي: اجعلني مأجوراً في مصيبتي.
стр. 878
"وأخلف لي" - بقطع الهمزة - "خيراً منها"؛ أي: عوِّضني خيراً مما فاتني في هذه المصيبة.
"إلا أخلف الله له خيراً منها" في الدنيا والآخرة.
"فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟! " فإنه "أول بيت هاجر" مع عياله من مكة "إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم إني قلتها"؛ أي: الكلمة المذكورة "فأخلف الله لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: جعلني زوجته ﵊.
* * *
١١٥٠ - وقالت: دخَل رسولُ الله ﷺ على أبي سلَمة وقد شقَّ بَصَرُهُ، فأَغْمَضَهُ، ثم قال: "إنَّ الروح إذا قُبضَ تَبعَه البصرُ"، فَضَجَّ ناسٌ من أهلِهِ فقال: "لا تدعوا على أنفُسِكم إلا بخيرٍ، فإنَّ الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفِرْ لأبي سلمةَ، وارفع درجتَه في المهدِيين، واخلفْه في عَقِبه في الغابرين، واغفرْ لنا وله يا ربَّ العالمَين، وافسَحْ له في قبرِه نوِّرْ له فيه".
"وقالت: دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره"؛ أي: بقي مفتوحاً.
"فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر"؛ يعني: ينظر إلى قابض روحه ولا يرتدُّ إليه طَرْفُه فيبقى على تلك الهيئة، فينبغي أن يُغمض لزوال فائدة الانفتاح بزوال البصر.
"فضج ناس من أهله"؛ أي: رفع أقارب الميت أصواتهم بالبكاء ودعوا على أنفسهم.
стр. 879
"فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"؛ أي: في دعائكم خيراً كان أو شراً.
"ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين"؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، وارفع درجته من بينهم.
"واخلُفه" بهمزة الرصل وضم اللام؛ أي: كن خليفة له "في عقِبه" بكسر القاف؛ أي: في أولاده.
"في الغابرين" بدل من قوله: (في عقبه)؛ أي: في الباقين برعاية أمورهم وحفظ مصالحهم.
"واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح"؛ أي: وشع "له في قبره ونوِّر له فيه".
* * *
١١٥١ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله ﷺ حينَ تُوفي سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ.
"وقالت عائشة ﵂: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين توفي سجي" بصيغة المجهول؛ أي: غطِّي وسُتر.
"ببرد حِبَرة": بكسر الحاء وفتح الباء: هو الثوب اليمني، من التحبير وهو التزيين؛ أي: بُرْدٌ من برود اليمن فيه وشيٌ، فيه بيانُ أن السنة سترُ الميت من حين الموت إلى وقت الغسل بثوب خفيف.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١٥٢ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ آخرُ كلامِهِ لا إلَهَ إلا الله دخلَ الجنَّةَ".
стр. 880
"من الحسان":
" عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله" والمراد كلمتي الشهادة.
"دخل الجنة" إما قبل العذاب، أو بعدُ إن عذِّب بقَدْر ذنوبه.
* * *
١١٥٣ - قال: "اقرؤوا على موتاكُم يس".
"وعن معقل بن يسار أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اقرؤوا على موتاكم"؛ أي: مَن حضره الموت.
"يس"؛ أي: هذه السورة، والحكمة في قراءتها على المحتضَر هو أن أحوال القيامة والبعث مذكور فيها , فقراءتها تذكِّر ذلك.
* * *
١١٥٤ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قبَّل عُثمانَ بن مَظْعون وهو ميِّتٌ وهو يبكي حتى سالَ دُموعُ النبيِّ ﷺ على وجه عثمان.
"وقالت عائشة ﵂: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي حتى سال دموع النبي ﵊ على وجه عثمان"، يعلم من هذا أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاءَ عليه جائز.
* * *
١١٥٥ - وقالت: إن أبا بكر ﵁ قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعدَ موته.
стр. 881
"وقالت: إن أبا بكر قبل النبي ﵊ بعد موته".
* * *
١١٥٦ - عن الحُصَين بن وَحْوَح: أنَّ طَلْحة بن البَراء مرِضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقال: "إني لا أرَى طلْحةَ إلا قد حَدَثَ به الموتُ، فآذِنوني به، وعَجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفةِ مسلم أن تُحْبَسَ بين ظَهْرَانيَ أهلِهِ".
"عن الحصين بن وَحْوَح: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﵊ يعوده فقال: إني لا أرى"؛ أي: لا أظن "طلحة إلا قد حدث"؛ أي: ظهر "به الموت، فآذِنوني به"؛ أي: أخبروني بموته لأحضر الصلاة عليه.
"وعجِّلوا"؛ أي: أسرعوا في غسله وتكفينه.
"فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم"؛ أيَ: لجثته.
"أن تحبس بين ظهراني أهله"؛ أي: يقام بينهم على سبيل الاستظهار؛ يعني: لا يُترك الميت زماناً طويلًا لئلا يُنْتِنَ ويزيد حزن أهله عليه.
* * *
٤ - باب غسْلِ المَيِّت وتكفينه
(باب غسل الميت وتكفينه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١١٥٧ - قالت أُم عَطيَّة ﵂: دخلَ علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسلُ ابنتَه فقال: "اغْسِلْنَها وِتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلن في الآخرة كافوراً فإذا فرغتُنَّ فآذِننَّي"، فلما فرَغْنَا آذَنَّاهُ، فألقى إلينا حِقوَهُ،
стр. 882
وقال: "أَشْعِرْنهَا إياه".
وفي روايةٍ: "ابدأنَ بميامِنِها ومواضعِ الوُضوءِ منها"، وقالت: فضفَرنا شعرَها ثلاثةَ قرونٍ فألقَيناها خلْفها.
"من الصحاح":
" قالت أم عطية: دخل علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نغسل ابنته"؛ يعني: زينب زوجةَ أبي العاص بن الربيع أكبر أولاده ﷺ ، توفيت سنة ثمان من الهجرة، وقيل: أم كلثوم زوجة عثمان ﵁، توفيت سنة تسع من الهجرة.
"فقال: اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً" أو أكثر من ذلك إن رأيتن، (أو) فيه للترتيب لا للتخيير، إذ لو حصل الإنقاء بالغسلة الأولى استُحب التثليث، وكُره التجاوز عنه كما في الوضوء وسائر الاغتسال، وإن حصل بالثانية أو الثالثة استُحب التخميس وإلا فالتسبيع.
"بماء وسدر" استعماله في الغسل لنظافة البدن، ولأنه بارد يصلِّب الجلد.
"واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنَّني، بتشديد النون الأولى؛ أي: أعلمنني.
"فلما فرغنا آذنَّاه "؛ أي: أعلمناه.
"فألقى إلينا حقوه"؛ أي: إزاره، وأصله مَعْقِدُ الإزار سمي به الإزار للمجاورة.
"فقال: أَشْعِرْنها إياه"؛ أي: اجعلنه شعاراً لها، وهو ما يلي الجسد من الثوب، والمراد به: وصول بركته ﵊ إليها.
"وفي رواية: ابدأن بميامنها"؛ أي: اغسلن أولاً يمينها" ومواضع الوضوء منها".
стр. 883
"وقالت فضفرنا"؛ أي: فتلنا "شعرها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاثة أقسام "فألقيناها خلفها" ولعل المراد بفتل شعرها ثلاثة قرون: مراعاةُ عادة النساء في ذلك الوقت، أو مراعاة سنة عدد الوتر كسائر الأفعال.
* * *
١١٥٨ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ يمانيةٍ، بيضٍ، سَحُوليةٍ، من كُرْسُفٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عِمامةٌ.
"وقالت عائشة ﵂: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية" بضم السين وفتحها، منسوب إلى سحول قرية باليمن، وقيل: بالضم جمع سُحل، وهو الثوب الأبيض النقي.
"من كرسف" وهو القطن.
"ليس فيها قميص ولا عمامة"؛ يعني: السنة في الكفن ثلاثة لفائف: جمع لفافة، وهي مثل الملحفة يلف الميت فيها.
* * *
١١٥٩ - وعن جابر قال: قال النبيُّ ﷺ : "إذا كفَّن أحدكم أخاهُ فليُحْسِن كفنَه".
"عن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسّن كفنه" بتشديد السين، أي: ليختر من الثياب أنظفَها على وفق السنَّة، دون فعل المبذِّرين رياءً.
* * *
١١٦٠ - وقال خبَّاب بن الأرَتِّ ﵁: قُتِلَ مُصْعَب بن عُمَير يومَ أُحُدٍ،
стр. 884
فلم نجدْ شيئاً نُكَفِّنُه فيه إلا نَمِرَةً، كنا إذا غطَّينا بها رأسَه خرَجَتْ رجلاهُ، وإذا غطَّينا رجليهِ خرجَ رأسُهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ضَعُوها مما يلي رأْسَه، واجعلوا على رجليهِ من الإذْخِر".
"وقال خباب بن الأرت: قتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم نجد شيئًا نكفنه فيه إلا نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم: شملة مخطَّطة بخطوطٍ بيضٍ في سودٍ.
"كنا إذا غطينا"؛ أي: سترنا "بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ضعوها مما يلي"، أي: يقرب "رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" نبت عريض الورق طيِّبُ الرائحة، وهذا يدل على أن ستر جميع الميت واجبٌ.
* * *
١١٦١ - وقال عبد الله بن عباس ﵄: إنَّ رجلاً كان مع النبي ﷺ ، فَوَقَصَتْهُ ناقتُهُ وهو محرمٌ فماتَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اغسِلُوه بماءِ وسِدْرِ، وكفِّنُوه في ثوبَيهِ، ولا تُمِسُّوهُ بطِيْبٍ، ولا تُخَمِّروا رأسَه، فإنه يُبعث يومَ القيامَة مُلَبياً".
"وقال عبد الله بن عباس: إن رجلاً كان مع النبي ﵊ فوقصته ناقته"؛ أي: أسقطته فدقت عنقه، وأصل الوقص: كسر العنق بالدق.
"وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه"؛ أي: في إزاره وردائه الذين لبسهما للإحرام.
"ولا تمسوه بطيب" ليبقى عليه أثر الإحرام.
"ولا تخمروا رأسه"؛ أي: لا تغطوه.
"فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"؛ أي: قائلًا": لبيك اللهم لبيك، ليَعْلَم الناسُ
стр. 885
أنه مات في حال الإحرام، ذهب الشافعي وأحمد إلى أن المحرم يكفن بلباس إحرامه ولا يُستر رأسه ولا يقرب إليه طيب، وعند أبي حنيفة ومالك يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١٦٢ - قال رسولَ الله ﷺ : "البَسُوا من ثيابكم البَياضَ، فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم، مِنْ خَيْر أكحالِكم الإثْمِد، فإنه يُنْبتُ الشَّعرَ ويَجلُو البصَرَ"، صحيح.
"من الحسان":
" عبد الله بن عباس أنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: البسوا من ثيابكم البيضَ"؛ أي: ذا البياض.
"فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومِن خير أكحالكم الإِثمد" بكسر الهمزة: حجر يُكتحل به.
"فإنه ينبت الشعر"؛ أي: شعر الهدب، وكثرته زينة ومنفعة.
"ويجلو البصر"؛ أي: يزيد في نوره.
"صحيح".
* * *
١١٦٣ - وعن علي ﵁: أن النبيَّ ﷺ ، قال: "لا تَغَالَوْا في الكَفَنِ فإنه يُسلَبُ سلْباً سَريعاً".
"وعن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 886
لا تغالوا في الكفن"؛ أي: لا تبالغوا فيه.
"فإنه يُسلب"؛ أي: يَبْلَى "سلباً سريعاً".
* * *
١١٦٤ - عن أبي سعيد الخُدري ﵁: أنه لما حَضَرَهُ الموتُ دعا بثيابٍ جُدُدٍ فَلَبسَهَا، ثم قال: قال رسولُ الله ﷺ يقول: "الميتُ يُبعثُ في ثِيابهِ التي يَمُوتُ فيها".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد": جمع جديد.
"فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، قالوا: ليس المراد كما فهمه أبو سعيد، بل المراد: أنه يبعث على ما مات عليه من عمله، والعرب قد تستعمل الثوب للعمل، للملابسة بينك وبين عملك كهي بينك وبين ثوبك.
* * *
١١٦٥ - وعن عُبادة بن الصَّامِت، عن رسولِ الله ﷺ قالَ: "خيرُ الكَفَنِ الحُلَّة، وخيرُ الأُضحيةِ الكبشُ الأقرنُ".
"وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: خير الكَفنِ الحُلَّة": واحدة الحلل، وهي: برود اليمن، ولا تكون حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، واختلفوا في اختيار الحلة للتكفين؛ الأكثرون على اختيار البيض؛ لأنه ﵊ كُفِّن في السحولية، وقال ﵊: "البسوا من ثيابكم البيض" الحديث.
стр. 887
ويجوز أنه ﷺ إنما قال ذلك في الحلة؛ لأنها كانت يومئذٍ أيسرَ عليهم.
"وخير الأضحية الكبش الأقرن"، لأنه أعظم جثة وسمناً في الغالب.
* * *
١١٦٦ - عن ابن عباس قال: أمرَ رسولُ الله ﷺ بِقَتْلَى أُحُد أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجُلودُ، وأن يُدفَنُوا بدمائهم وثيابهم.
"وعن ابن عباس أنه قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلى أحد": جمع القتيل.
"أن يُنزَعَ عنهم الحديد": المراد به: السلاح والدرع.
"والجلود": المراد منها ما كان معهم من الغِراءِ والكِساء الغير المتلطِّخة بالدم.
"وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم": المتلطخة بالدم.
* * *
٥ - باب المَشْي بالجَنازة والصَّلاة علَيها
(باب المشي بالجنازة والصلاة عليها)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١١٦٧ - قال رسول ﷺ قال: "أَسرِعوا بالجنازَةِ، فإن تَكُ صالحة فخيرٌ تقدمونَها إليه، وإن تكنْ سوى ذلك فشرٌّ تضعونَه عن رقابكم".
стр. 888
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك"؛ أي: الجنازة، أراد بها: الميت.
"صالحة، فخيرٌ تقدمونها إليه"؛ يعني: إن كان حال ذلك الميت حسنًا طيبًا، فأسرعوا به حتى يصلَ إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب.
"وإن تك سوى ذلك، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم".
* * *
١١٦٨ - وقال: "إذا وُضعَتْ الجنازَةُ فاحتمَلَهَا الرجالُ على أعناقِهم؛ فإن كانتْ صالحةً قالت: قدِّموني، وإن كانت غيرَ صالحةٍ قالت لأهلها: يا ويلها، أين تذهبون بها!، يسمعُ صوتَها كل شيءٍ إلا الإنسان، ولو سَمعَ الإنسان لصَعِقَ"، يرويه أبو سعيد الخُدري.
"عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا وضعت الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني"؛ أي: أسرعوا إلى منزلي؛ لما يرى من حسنه.
"وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ ": لأنها ترى منزلها، وحالها غير حسن، وهذا الكلام إما الحقيقة فإنه تعالى قادر، وهو كإحيائه في القبر ليسأل، أو المجاز باعتبار ما يؤول إليه بعد الإدخال.
"يسمعُ صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسات لصعق"؛ أي: مات، أو أغمي عليه.
* * *
стр. 889
١١٦٩ - وعنه أيضًا قال: "إذا رأيتم الجنازَة فقدمُوا، فمن تَبعَها فلا يقعدْ حتى تُوضعَ".
"وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا": أمر بالقيام عند رؤيتها؛ لإظهار الفزع والخوف عن نفسه، فإنه أمر عظيم، ومن لم يقم، فهو علامة غلظ قلبه وعظم غفلته، فالمراد بالقيام: تغييرُ الحال في قلبه وظاهره، لا حقيقتُهُ.
"فمن تبعها، حلا يقعد حتى توضع"؛ أي: الجنازة عن أعناق الرجال، وقيل: في اللحد، وهذا النهي لاستيفاء أجر التشييع على وجه الكمال.
* * *
١١٧٠ - وقال: "إنَّ الموتَ فَزَعٌ، فإذا رأيتُم الجَنازَة فقُوموا" برويه جابر.
"وعن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الموت فزع"؛ أي: ذو فزع وصف به للمبالغة والتأكيد.
"فإذا رأيتم الجنازة فقدموا".
* * *
١١٧١ - وروي عن علي ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقومُ للجنازةِ، ثم يَقعدُ بعدَه".
"ورُوي عن علي ﵁ أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوم للجنازة، ثم يقعد بعد"؛ أي: يقوم إذا رآها، ثم يقعد بعد مرورها؛ ليعلم الناس أن اتباعها غير واجب، بل مستحب، أو كان يقوم لها مدة، ثم تركه،
стр. 890
فيكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر بالقيام.
كذا قيل، والمختار: أنه غير منسوخ، فيكون الأمر بالقيام للندب، وقعوده ﵊ لبيان الجواز؛ لعدم تعذر الجمع.
* * *
١١٧٢ - قالَ رسُولُ الله ﷺ : " مَنْ تَبعَ جنازةَ مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان مَعها حتى يُصلَّى عليها ويُفْرَغَ من دَفْنِها، فإنه يَرْجِعُ من الأجرِ بقيراطيْنِ، كلُّ قيراطٍ مثل أُحُدٍ، ومن صلَّى عليها ثم رجعَ قبلَ أن تُدْفَنَ فإنه يرجعُ بقِيْراطٍ".
"وكان أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا" بالله ورسوله، لا للرياء ولتطييب قلب أحد.
"واحتساباً"؛ أي: طلبًا للثواب من الله.
"وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين": القيراط قيل: نصف دانق، وقيل: نصف عُشْر دينار في الأكثر، وعند أهل الشام: جزءٌ عن أربعة وعشرين، وقد يطلق على بعض الشيء، كما هو ها هنا؛ يعني: يرجع بحصتين من جنس الأجر.
"كل قيراط مثل أُحُد"؛ أي: لو صُوِّر جسمًا يكون مثل جبل أحد.
"ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط".
* * *
١١٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبيَّ على نعَى للناس النَّجاشِي اليومَ الذي ماتَ فيهِ، وخرجَ النبي ﷺ بهم إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم وكبَّر أربَعَ تكبيرات.
стр. 891
"عن أبي هريرة أن النبي ﵊ نعى للناس النجاشيَّ"؛ أي: أخبرهم بموته "اليوم الذيَ مات فيه"، والنجاشي كان مسلمًا يكتم إسلامه من قومه الكفار، وذلك معجزة منه ﵊؛ لأنه كان بينهما مسيرة شهر.
"وخرج بهم إلى المصلى، فصفَّ بهم، وكبَّر أربع تكبيرات": ذهب الشافعي إلى جواز الصلاة على الغائب بهذا، وعند أبي حنيفة: لا يجوز، قلنا: يحتمل أن يكون حاضرًا؛ لأنه تعالى قادرٌ على أن يحضره.
* * *
١١٧٤ - ورُوي: أن زيدَ بن أرقَم كبَّر على جنازة خمسًا، وقال: كان رسولُ الله ﷺ يُكَبرُها.
"وروي: أن زيدًا": والمراد به: زيد بن أرقم.
"كبَّر على جنازة خمسًا، وقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها": وبه قال حذيفة، ولم يعمل به واحد من الأئمة، لكن لو كبر خمسًا لم تبطل صلاته على الأصح.
* * *
١١٧٥ - وروي: أَنَّ ابن عباس ﵄ صلى على جنازة فقرأَ فاتِحَةَ الكتابِ فقال: لِتَعْلموا أنها سُنَّة.
"وروي: أن ابن عباس ﵄ صلى على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها"؛ أي: قراءة الفاتحة.
"سنة"؛ أي طريقة مروية عنه ﵊، وهي المقابلة للبدعة.
والمراد منه: أنه متبعٌ لفعل النبي ﵊، لا أن قراءتها بعد
стр. 892
التكبيرة الأولى فريضة، كما قال الشافعي وأحمد.
* * *
١١٧٦ - وقال عوف بن مالك: صلَّى رسول الله ﷺ على جنازةٍ فحَفظتُ من دُعائه، وهو يقول: "اللهم اغفرْ له، وارحمْه، وعافهِ واعف عنه، وأكَرِمْ نزلَهُ، ووسِّع مُدْخَلَهُ، واغسلْه بالماء والثلج والبَرَدِ، ونقِّه من الخطايا كما نَقَّيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدَّنسِ، وأبدِلْه دارًا خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهلِه، وزوجًا خيراً من زَوجه، وأدَخِلْه الجنةَ، وقِهِ فِتْنةَ القَبرِ وعذابَ النارِ" حتى تمنيت أن أكون ذلكَ الميتَ.
"وقال عوف بن مالك: صلَّى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه": أمر من (المعافاة)؛ أي: خلِّصه من المكاره.
"واعف عنه، وأكرم نُزله": بضم النون وسكون الزاي وضمها، والضم أفصح، وهو: ما يهيئ للضيف من الطعام؛ أي: أحسن نصيبه من الجنة.
"ووسعْ مدخله"؛ أي: قبره.
"واغسله بالماء والثلج والبرد"؛ أي: طهره من الذنوب بأنواع المغفرة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهوات من الدنس.
"ونقِّه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيراً من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وَقِهِ فتنة القبر"؛ أي: احفظه من فتنته، أراد بها: التحير في جواب منكر ونكير.
"وعذاب النار"، وقال عوف: "حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت"، وهذا يدل على أن الدعاء على الميت سنة.
* * *
стр. 893
١١٧٧ - وقالت عائشة ﵂: صلَّى رسولُ الله بمكة على ابني بَيْضاءَ في المسجدِ، سُهيلٍ وأخيهِ.
"وقالت عائشة ﵂: صلَّى النبي ﷺ على ابني بيضاء في المسجد": نُسِبا إلى أمهما، واسمها: دعْد بنت الحزم، وقيل: بنت الجَحْدَم.
"سهيل وأخيه": اسمه سهل، قيل: ماتا سنة تسع، فعند الشافعي: يجوز الصلاة على الميت في المسجد، وقال أبو حنيفة: تكره.
* * *
١١٧٨ - وقال سَمرَة بن جُندَبٍ: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ ﷺ عَلى امرأةٍ ماتتْ في نِفاسِها، فقامَ وسَطَها.
"وقال سمرة بن جندب: صلَّيت وراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على امرأة ماتت في نِفاسها، فكتام النبي ﵊ وسطها": بسكون السين، فالسنة أن يقف الإمام وسط المرأة، كأنه ستر كفلها عن القوم.
* * *
١١٧٩ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ بقبْرٍ دُفِنَ ليلاً فقال: "متى دُفِنَ هذا؟ "، قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذَنتمُوني؟ "، قالوا: دفنَّاه في ظُلمةِ الليلِ، فكرهْنا أن نوقِظَكَ، فقامَ فَصَفَفْنَا خلفَهُ، فصلَّى عليه.
"عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرَّ بقبر دفن ليلاً، فقال: متى دُفن هذا؟ فقالوا: البارحة"؛ أي: الليلة الماضية.
"فقال: أفلا آذنتموني؟ قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك،
стр. 894
فقام فصففنا خلفه، فصلَّى عليه": وهذا يدل على أن الدفن في الليل جائز؛ لأنه ﵊ لم ينكر عليهم، وعلى أن الصلاة على القبر جائزة.
* * *
١١٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁: أن أسودَ كان يكون في المسجد يَقُمُّ المسجدَ، فماتَ فأَتى - يعني رسولُ الله ﷺ قبرَهُ فصلَّى عليه، ثم قال: "إنَّ هذه القبورَ مَمْلُوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإنَّ الله يُنَوِّرُهَا لهم بصلاتي عليهم".
"وعن أبي هريرة: أن أسود": يريد: واحدًا من سودان العرب، وقيل: اسم رجل.
"كان يكون في المسجد يقُمُّ": بضم القاف وتشديد الميم؛ أي: يكنسه، والقُمامة: الكناسة.
"فمات، فأتى - يعني: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم - قبره، فصلى عليه، ثم قال ﷺ : إن هذه القبور": المشار إليها القبور التي يمكن أن يصلي النبي ﵊ عليها.
"مملوءةٌ ظُلمةً على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم": وبهذا ذهب الشافعي إلى جواز تكرار الصلاة على الميت.
قلنا: صلاته ﷺ كانت لتنوير القبر، وذا لا يوجد في صلاة غيره، فلا يكون التكرار مشروعاً فيها؛ لأن الفرض منها يؤدَّى بمرة.
* * *
١١٨١ - وقال: "ما من مسلم يموتُ فيقومُ على جنازتهِ أربعونَ رجلًا لا يُشركونَ بالله شيئًا إلا شَفَّعَهم الله فيه".
стр. 895
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللهِ شيئًا، إلا شفَّعهم الله فيه"؛ أي: قَبلَ شفاعتهم في ذلك الميت.
* * *
١١٨٢ - وقال: "ما من ميتٍ تُصلي عليهِ أُمَّة من المسلمين يبلغونَ مائةً، كلُّهم يشفعونَ له إلا شُفِّعُوا فيه".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من ميت تصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مئة، كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعوا فيه": علي بناء المجهول؛ أي: قُبلت شفاعتهم في ذلك الميت، والطريق في مثل الأربعين والمئة: أن يكون أقل العدد متأخرًا عن أكثر؛ لأن الله تعالى إذا ومحمد المغفرة لمعنى، لم يكنْ من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه تفضلاً منه على عباده.
* * *
١١٨٣ - وقال أنس ﵁: مَرُّوا بجنازةٍ فأَثْنَوا عليها خيراً، فقال النبيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، ثم مَرُّوا بأُخرى فأَثْنَوا عليها كثراً فقال: "وَجَبَتْ"، فقالَ عمرُ: ما وَجَبَتْ؟، قال: "هذا أَثْنَيْتُم عليهِ خيراً فوجبتْ له الجنةُ، وهذا أثنيتُم عليه شراً فوجبت له النارُ، أنتم شُهداءُ الله في الأرض".
وفي روايةٍ: "المؤمنونَ شهداء الله في الأرضِ".
"وقال أنس: مروا"؛ أي: الصحابة "بجنازة فأَثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﵊: وجبت، ثم مروا بأخرى فأَثْنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له
стр. 896
الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار": والثناء بالخير والشر غيرُ موجب لجنة ولا نار، بل ذلك علامة كونه من أهلهما.
وأما جزمه ﵊ للأول بالجنة، وللثاني بالنار؛ فبإطلاعه تعالى عليه.
وقيل: إن كل مؤمن مات فألهم الله الناسَ الثناءَ عليه، كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة، وأن الله تعالى شاء مغفرته، وإلا لم يكن للثناء فائدة.
يؤيده ما روي: أنه ﵊ قال حين أثنوا على جنازة: "جاء جبرائيل وقال: يا محمَّد! إن صاحبكم ليس كما يقولون: إنه كان يعلن كذا، ويُسرُّ كذا, ولكن الله صدَّقهم فيما يقولون، وغفر له ما لا يعلمون".
"أنتم شهداء الله في الأرض": وإضافة الشهداء إلى الله للتشريف، ومشعرة بأنهم عند الله بمنزلةٍ في قبول شهادتهم.
"وفي رواية: المؤمنون شهداء الله في الأرض".
* * *
١١٨٤ - وقال عمر ﵁: عن النبيِّ ﷺ : "أيُّما مسلم شَهِدَ له أربعةٌ بخيرٍ أَدخلهُ الله الجنةَ" قلنا: وثلاثةٌ: قال: "وثلاثة"، قلنا: واثنان؟ قال: "واثنانِ"، ثم لم نسألْه عن الواحدِ.
"وقال عمر ﵁: قال النبي ﵊: "أيُّما مسلم شهد له أربعة بخيرٍ، أدخله الله الجنة": بفضله وبسبب خيره وصلاحه، وربما يكون له ذنب، فيغفر الله ذنبه، ويدخله الجنة؛ لتصديق ظنِّ المؤمنين في كونه صالحًا.
"قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد": قيل: يحتمل أن يريد بشهادتهم: صلاتهم عليه ودعائهم وشفاعتهم
стр. 897
له، فيقبل الله ذلك.
* * *
١١٨٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسُبوا الأَمواتَ، فإنهم قد أَفْضَوا إلى ما قَدَّموا".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضَوا إلى ما قدَّموا"؛ أي: وصلوا إلى جزاء ما عملوا، وأما ثناء الشر في الحديث المتقدم فيحتمل أن يكون قبل ورود النهي، أو النهي في شأن غير الكفرة؛ المنافقين والمظاهرين بفسق وبدعة، وأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بالشر بعد موتهم؛ تحذيرًا من طرائقهم والتخلق بأخلاقهم.
* * *
١١٨٦ - وعن جابر ﵁: أنَّ النبي ﷺ كانَ يجمعُ بين الرَّجُلينِ مِنْ قتلى أُحُدٍ في ثوبٌ واحدٍ، ثم يقولُ: "أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآن؟ "، فإذا أُشيرَ له إلى أحدٍ قَدَّمَهُ في اللَّحدِ، وقال: "أنا شهيدٌ على هؤلاء يومَ القيامةِ"، وأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بدمائِهم، ولم يصل عليهم ولم يُغسلوا.
"وعن جابر ﵁: أن النبي ﵊ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُدٍ في ثوب": يريد به: قبرًا واحداً؛ لا أنها مجردان عن الثياب بحيث تلاقي بشرة أحدهما بشرة الآخر، فإنه غير جائز، بل كان على كل منهما ثيابه، ولكن أضجع كلًا منهما بجنب الآخر في قبر واحد.
"ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدٍ قدَّمه في اللحد"؛ أي: جانب القبلة.
стр. 898
"وقال: أنا شهيد على هؤلاء"؛ أي: أشهد لهم "يوم القيامة"؛ فإنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله تعالى، وقيل: تعدية شهيد بـ (على) لتضمينه معنى: رقيب وحفيظ؛ أي: أنا حفيظ عليهم، أراقب أحوالهم، وأصونهم من المكاره، شفيع لهم.
"وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا": يدل على أن الشهداء لا يغسلون، ولا يصلى عليهم، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة: يصلى عليهم.
* * *
١١٨٧ - قال جابر بن سَمُرَة ﵁: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بفرسٍ مُعْرَوْرًى فركبه حين انصرفَ من جنازةِ ابن الدَّحْدَاحِ ونحنُ نمشي حوله.
"وقال جابر بن سَمُرة: أُتِيَ النبي ﵊" بصيغة المجهول "بفرس مُعْرَوْرًى"؛ أي: مجرد عن السرج والأداة.
"فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدَّحْداح، ونحن نمشي حوله": يدل على جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١٨٨ - عن المُغيرة بن زياد ﵁ يقال: إنه رفعَهُ إلى النبيِّ ﷺ قال: "الراكبُ يسيرُ خلفَ الجنازةِ، والماشي يمشي خلفَها وأمامَها، وعن يمينِها وعن يسارِها قريبًا منها، والسِّقْط يُصلَّى عليه ويُدْعَى لوالدَيْهِ بالمغفرةِ والرحمةِ".
"من الحسان":
" عن المغيرة بن شعبة: أنه رفعه"؛ أي: المغيرة الحديثَ "إلى النبي
стр. 899
- ﵊ قال: الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريباً منها، والسقط يصلى عليه": وهذا مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة: إن استهلَّ حين انفصل عن أمه يصلَّى عليه، وإلا فلا.
وقال أحمد: إن كان له أربعة أشهر وعشرًا في البطن، ونفخ فيه الروح، يصلَّى عليه.
"ويُدعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
* * *
١١٨٩ - عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ يمشونَ أمامَ الجنازةِ. ورواه بعضهم مرسلاً.
"عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه" عبد الله بن عمر "قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه ويلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة": وهذا يدل على أن المشي قُدامها أفضل، وبه قال الشافعي، وذلك لأن الماشين معها شفاء إلى الله، والشفيعُ يمشي قُدَّام المشفوعِ له.
"ورواه بعضهم مرسلاً"؛ أني: يشير إسناده بقوي.
* * *
١١٩٠ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الجَنازةُ متبوعة، ولا تَتْبَعُ"، وإسناده مجهول.
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﵊: الجنازة متبوعة"؛ يعني: يُمشى خلفها.
стр. 900
"ولا تتبعُ"؛ أي: الجنازةُ الناسَ، وبه قال أبو حنيفة، والحكمة في ذلك: لينظر الناس إليها، فينتبهوا عن نوم الغفلة، ويعتبروا بها.
"إسناده مجهول".
* * *
١١٩١ - وقال: "مَنْ تَبعَ جَنازَةً وحَمَلَها ثلاثَ مراتٍ فقد قَضَى ما عليهِ من حَقِّها"، غريب.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من تبع جنازة وحَمَلَها"؛ يعني: يعاونُ الحاملين في الطريق، ثم ينزلها ليستريح، ثم يحملها في بعض الطريق، يفعل ذلك "ثلاث مرات، فقد قضى ما عليه من حقها": من جهة المعاونة، لا من دَينٍ وغِيبةٍ ونحوهما.
"غريب".
* * *
١١٩٢ - وروي: أنَّ النبي ﷺ حملَ جنازَة سَعْدِ بن مُعاذٍ بين العَمُودَين.
"وروي أن النبي ﵊ حمل جنازةَ سعدِ بن معاذ بين العمودين": بأن يحملها ثلاثة، يقف أحدهم قُدَّامها بين العمودين، واثنان خلفها، يضع كلّ واحد منهما عموداً على عاتقه، وهذا عند حملها من الأرض، ثم لا بأسَ بأن يعاونهم من شاء كيف شاء، وبهذا قال الشافعي، وعند أبي حنيفة التربيع أفضل، وهو: أن يحملها أربعة بأن يأخذ كل واحد عموداً.
* * *
١١٩٣ - وروي عن ثَوبانَ أنه قال: خرجنا معَ النبيِّ ﷺ في جنازةٍ، فرأى
стр. 901
ناساً، ركبانًا فقال: "ألا تستَحْيُون؟، إنَّ ملائكةَ الله على أقدامِهم وأنتم على ظُهورِ الدوابِّ" ووقفه بعضهم على ثَوبان.
"وروي عن ثوبان أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنازة، فرأى ناسًا رُكباناً، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب": فالمشي ركبانًا خلف الجنازة مكروه؛ لأنه تنعمٌ وتلذذٌ، وهذا غير لائقٍ في مثل هذه الحالة، إلا إذا كان الشخص ضعيفًا.
"ووقفه بعضهم على ثوبان".
* * *
١١٩٤ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قَرَأَ على الجنازةِ بفاتِحَةِ الكتابِ.
"وعن ابن عباس: أن النبي ﵊ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب": وبه قال (١) الشافعي.
١١٩٥ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء".
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﵊ قال: إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"؛ أي: ادعوا دعاء بالاعتقاد.
١١٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى على جنازةِ قال: "اللهم اغفر لِحَينا ومَيتِنَا، وشاهِدنا وغائِبنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذكرِنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فأَحْيهِ على الإِسلام، ومن توفيتَه منا فتوفَّه
стр. 902
على الإيمان" اللهم لا تحرِمْنا أجرَهُ، ولا تَفتِنا بعدَه واغفر لنا وله".
"وعن أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلَّى على الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا"؛ أي: حاضرنا.
"وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا": واستغفاره ﵊ للصبيان هو من ذنوب قُضيت لهما؛ أي: يصيبوها بعد البلوغ.
"وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا، فأحيِهِ على الإِسلام، ومن توفيته منا، فتوفَّهُ على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره"؛ أي: أجر الإيمان.
"ولا تضلَّنا بعده"، وفي بعض النسخ: (ولا تفتنا)؛ أي: لا تلقي علينا الفتنة بعد الإيمان, والمراد بها هنا: خلاف مقتضى الإيمان.
* * *
١١٩٧ - وعن وَاثِلة بن الأسَقَع قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على رجلٍ من المسلمين فسمعتُه يقول: "اللهم إنَّ فلانَ بن فلانٍ في ذِمَّتِكَ، وحبلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ من فتنةِ القبرِ وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاء والحقِّ، اللهم اغفرْ له وارحَمْهُ، إنَّك أنت الغفورُ الرحيمُ".
"وعن واثلة بن الأسقع أنه قال: صلَّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمَّتك، وحبلِ جِوارك": الذمة: الأمان، والحبل: العهد؛ أي: في كنف حفظك، وفي عهد طاعتك.
قيل: كان من عادة العرب إذا سافر أحدهم أخذ عهدًا من سيدِ كلِّ قبيلة، فيأمن ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى الآخر، فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبلُ الجِوارِ.
стр. 903
وقيل: أي: في وسيلة قربك، وهو الإيمان أو القرآن.
"فَقِهِ"؛ أي: احفظه "من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم".
* * *
١١٩٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "اذكُروا مَحاسِنَ موتَاكم، وكُفُّوا عن مَساوئهم".
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اذكروا محاسن موتاكم": جمع (حُسن) على غير القياس.
"وكفوا عن مساوئهم": جمع (شوء) أيضًا؛ أي: اتركوها.
* * *
١١٩٩ - عن أنس ﵁: أنه صلَّى على جنازةِ رجلٍ فقامَ حِيال رأسِه، ثم جاؤوا بجنازةِ امرأةٍ فقامَ عندَ حِيالِ وسطِ السَّرير، فقيلَ له: هكذا رأيتَ رسولَ الله ﷺ قامَ على الجنازةِ مَقَامَكَ منها، ومِن الرجلِ مَقَامَكَ منه؟، قال: نعم.
"وعن أنس: أنه صلَّى على جنازة رجل، فقام حِيالَ رأسه"؛ أي: إزاءه.
"ثم جاؤوا بجنازة امرأة، فقام حيال وسط السرير، فقيل له: هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم".
* * *
стр. 904
٦ - باب دَفْن الميِّت
(باب دفن الميت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٠٠ - قال سعد بن أبي وقَّاص ﵁ في مرضه: ألحِدُوا لي لَحْداً، وانصِبوا عليَّ اللَّبن نصباً كما صُنِعَ برسولِ الله ﷺ .
"من الصحاح":
" قال سعد بن أبي وقاص ﵁ في مرضهِ: أَلحِدُوا لي لحداً، وانصِبوا على اللَّبن نصباً، كما صُنِعَ برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: جُعِل اللحد، ونصب اللبن علي قبره ﵊، فيكون سنة بإجماع الصحابة ﵃.
* * *
١٢٠١ - وقال ابن عباس ﵄: جُعِلَ في قبْرِ رسولِ الله ﷺ قطيفة حمراء.
"وقال ابن عباس ﵄: جُعِلَ في قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قطيفة حمراء": نوع من الكساء له قيمة، قيل؛ إنما جُعِل ذلك في قبره ﵊؛ لأنه كان يستعملها فراشا، فخُشِي أن يستعملها أحدٌ، فيكون إساءةً في الأدب.
وقيل: ذلك كان خصائصه ﵊، وقد جاء في الخبر: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، فيعامل في قبره معاملةَ الأحياء.
* * *
стр. 905
١٢٠٢ - وعن سُفيان التَّمَّار: أنه رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مُسَنماً.
"وعن سفيان التَّمَّار: أنه رأى قبر النبي ﵊ مسنمًا"؛ أي: مرتفعاً على هيئة السنام غير مسطح، فالسنةُ في القبر التسنيم، وبه قال أبو حنيفة، وذهب الشافعيّ إلى التسطيح، وهو: أن يُجعل مثل سرير.
* * *
١٢٠٣ - وقال علي ﵁ لأبي الهيَّاج الأَسَدي: ألا أبعثُكَ على ما بَعَثَني عليه رسولُ الله ﷺ : أن لا تدع تِمثالاً إلا طمستَه، ولا قبراً مُشْرِفاً إلا سوَّيتَه.
"وقال علي ﵁ لأبي الهياج الأسَدي: ألا أبعثك على ما بَعَثَني عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ "؛ أي: ألا أرسلك إلى الأمر الذي أرسلني ﵊ له؛ يعني: ألا أجعلك أميرًا عليه؟ "أن لا تدع تمثالاً"؛ أي: لا تترك صورة وشكلًا يشبه شكلَ الحيوان.
"إلا طمسته"؛ أي: محوته وأبطلته.
"ولا قبراً مُشرِفاً"؛ أي: عاليًا مرتفعا عن الأرض بالبناء عليه.
"إلا سويته"؛ أي: أزلت ارتفاعه حتى يرجع إلى قدر شبر، وقد أباح السلف البناء على قبور العلماء المشهورين والمشايخ المعظمين؛ ليزورها الناس، ويستريحوا إليها بالجلوس.
* * *
١٢٠٤ - وقال جابر ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ أن يجصَّصَ القبرْ، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعدَ عليه.
"وقال جابر ﵁: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجُصَّص
стр. 906
القبر"؛ لما فيه نوع من الزينة.
"وأن يبنى عليه"؛ أي: يجعل بيتا عليه؛ لما فيه من إضاعة المال من غير فائدة، ولأنه من فعل الجاهلية.
"وأن يقعد عليه"؛ لما فيه من الاستخفاف للميت، وقيل: المنهي عنه القعود لبول وغائط، وقد روي عن علي ﵁: أنه كان يتوسد القبر، وكان ابن عمر ﵁ يجلس عليه.
* * *
١٢٠٥ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا تجلِسوا على القُبورِ، ولا تُصَلُّوا إليها".
"وعن أبي مرثد الغنوي أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها"؛ لأن فيه مشابهة الكفار.
* * *
١٢٠٦ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لأن يجلِسَ أحدُكم على جَمْرةٍ فتحرِقَ ثيابَهُ فتَخلُصَ إلى جِلْده خير له مِن أن يجلِسَ على قبرٍ"، يرويه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لأنْ يجلسَ أحدكم على جمرة، فتُحرقَ ثيابه، فتخلص"؛ أي: تصلَ تلك الجمرة.
"إلى جلده خيرٌ [له] من أن يجلس على قبر"؛ لأن الجلوس على القبر يوجب عذاب الآخرة، وعذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وقيل: المراد به: ملازمة القبور، واتخاذ المساكن فيها.
* * *
стр. 907
مِنَ الحِسَان:
١٢٠٧ - قال عروةُ: كانَ بالمدينةِ رجلانِ أحدهما يَلْحَد والآخرُ لا يَلْحَدُ، فقالوا: "أيُّهما جاءَ أولًا عَمِلَ عَمَلَه، فجاءَ الذي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لرسولِ الله ﷺ .
"من الحسان":
" قال عروة: كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد"؛ أي: يحفر القبر، ويجعل فيه اللحد، قيل: هو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري من كبار الصحابة.
"والآخر لا يلحد": وهو أبو عبيدة بن الجراح، ولما توفي ﵊ اختلفت الصحابة في أن يجعل قبره مع اللحد أو لا.
"فقالوا": نرسل إليهما، "أيهما جاء أولًا عَمِلَ عملَهُ، فجاء الذي يَلحَدُ، فلحد لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم": وهذا يدل على أولوية اللحد، ويتأيد بالحديث الذي بعدُ.
* * *
١٢٠٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "اللَّحدُ لنا، والشَّقُّ لغيرنا".
"عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللحدُ لنا"؛ أي: اللحد آثر وأولى لنا.
"والشقُّ لغيرنا"؛ أي: هو اختيار من كان قبلنا من أهل الأديان، وليس فيه نهى عن الشق، بل هما جائزان، ولكن اللحد أفضل.
* * *
стр. 908
١٢٠٩ - وعن هشام بن عامرٍ ﵁: أنَّ النبي ﷺ قالَ يومَ أُحُد: "احْفِرُوا، وأَوْسِعُوا، وأَعْمِقُوا، وأَحْسِنُوا، وادفِنُوا، الاثنينِ، والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا أكثرَهم قرآناً".
"عن هشام بن عامر: أن النبي ﵊ قال يوم أحد: احفروا وأوسعوا"؛ أي: اجعلوا القبر واسعًا.
"وأَعمِقوا"؛ أي: اجعلوه بعيدَ القعر.
"وأحسنوا"؛ أي: اجعلوه حسنًا بتسوية قعره ارتفاعا أو انخفاضا، وتنقية من التراب، وغير ذلك.
"وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآناً": وهذا يدل على جواز دفن ميتٍ أكثر من واحدٍ في قبر لحاجة، وتقديم الأفضل إلى جدار اللحد؛ ليكون أقرب إلى القبلة.
* * *
١٢١٠ - وقال جابر: لمَّا كانَ يومُ أحدٍ جاءتْ عَمَّتي بأبي لتدفِنَه في مقابرنا، فنادَى منادِي رسولِ الله ﷺ : "رُدُوا القَتْلى إلى مَضاجِعِها".
"وقال جابر: لما كان يوم أُحُدٍ جاءت عمتي بأبي؛ لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رُدُّوا القتلى إلى مضاجعهم"؛ أي: ادفنوهم حيث قُتلوا, ولا تنقلوهم عنها، وكذا حكم غير الشهيد، لا ينُقَل من البلد الذي مات فيه إلى غيره، قيل: هذا كان في ابتداء أُحُدٍ، وأما بعده فلا، رُوي: أن جابرًا جاء بأبيه عبد الله المقتول في أُحُدِ بعد ستة أشهر إلى البقيع ودفنه فيها.
* * *
стр. 909
١٢١١ - عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سُلَّ رسولُ الله ﷺ مِن قِبَلِ رأسه.
"عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال: سُلَّ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم": بصيغة المجهول؛ أي: أُدخِل القبر.
"من قِبَلِ رأسه": بأن وضعت الجنازة في مؤخر القبر، ثم أخرج من قبل رأسه، وأدخل القبر، وبهذا قال الشافعي.
* * *
١٢١٢ - وعن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ دَخَلَ قبرًا ليلاً فأسْرِجَ له سراجٌ، فأخَذَ من قِبَلِ القبلةِ، وقال: "رحمكَ الله إنْ كنتَ لأوَّاهاً تلاءً للقرآن"، إسناده ضعيف.
"وعن عطاء ﵁، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵊ دخل قبرًا ليلاً، فأُسرِجَ له سراجٌ" على طرف القبر؛ ليضيء القبر، ويتمكن من الدفن، وهذا يدل على أن دفنه ليلاً لا يكره.
"فأخذ"؛ أي: النبي ﷺ الميت "من قِبَلِ القبلة".
"إن كنتَ": (إن) هذه مخففة بمعنى المشدودة؛ أي: إنك كنت.
"لأوَّاهاً"؛ أي: كثير التأوُّه من خشية الله، وقيل: كثير البكاء، وقيل: كثير الدعاء.
"تلاء للقرآن"؛ أي: كثير التلاوة.
"إسناده ضعيف".
* * *
стр. 910
١٢١٣ - وعن ابن عمر ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أَدْخَلَ الميتَ القبرَ قال: "بسم الله، وبالله، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله".
وفي روايةٍ: "على سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ".
"وعن ابن عمر: أن النبي ﵊ كان إذا أدخل الميتَ القبرَ قال: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ "؛ أي: سنته ﵊.
"وفي رواية: وعلى سنة رسول الله".
* * *
١٢١٤ - وعن جعفر بن محمَّد، عن أبيه: أن النبيَّ ﷺ حَثَى على الميتِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ بيدَيْه جميعًا، وأنه رشَّ ماءً على قبر ابنهِ إبراهيم صلى الله عليه، ووضعَ عليه حَصباء"، مرسل.
"وعن جعفر بن محمَّد، عن أبيه: أن النبي ﵊ حثا على الميت": يقال: حَثَيتُ التراب: إذا قضيته ورميته.
"ثلاث حثيات"، أي: حفنات.
"بيديه جميعًا": فالسنة لمن حضر على اسم، القبر أن لا يحثو التراب, ويرميه في القبر بعد نصب اللبن.
"وأنه رش الماء على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء": وهو الحصا، يدل على أن رش الماء على القبر سنة، وكذا وضع الحصاء عليه؛ لئلا ينبشه سبعٌ، وليكون علامة له.
"مرسل".
* * *
стр. 911
١٢١٥ - وقال جابرٌ ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ أن تُجَصَّص القبورُ، وأن يُكْتَب عليها، وأن تُوطَأ - يعني بالقدم -.
"وقال جابر: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تجصَّص القبور، وأن يكتَبَ عليها": اسم الله واسم رسول الله والقرآن؛ لأنه ربما يبول عليه حيوان.
"وأن تُوطَأ": بالأرجل؛ لما فيه من الاستخفاف.
* * *
١٢١٦ - وقال جابرٌ ﵁: رشَّ قبر النبيِّ ﷺ فكان الذي رَشَّ الماء على قبره بِلالُ بن رباحٍ - بِقِربةٍ بدأ من قِبَلِ رأسِه حتى انتهى إلى رجْليهِ.
"وقال جابر: رُشَّ قبر النبي ﵊، وكان الذي رَشَّ الماء على قبره ﵊ بلالُ بن رباح بقربة، بدأ من قِبَلِ رأسه حتى انتهى إلى رجليه".
* * *
١٢١٧ - وعن المُطَّلِبِ أنه قال: لمَّا ماتَ عثمانُ بن مَظْعون ﵁ فدُفِنَ؛ أمَرَ النبي ﷺ رجلًا أن يأتِيَهُ بحجرٍ، فلم نستطع حملَها، فقامَ النبي ﷺ وحَسَرَ عن ذراعيهِ وحملَها، فوضَعها عندَ رأسِه وقال: "أُعَلِّم بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَن ماتَ مِن أهلي".
"وعن المطلب أنه قال: لما مات عثمان بن مظعون فدفن، أمر النبي ﵊ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطعْ حملها": تأنيث الضمير على تأويل الصخرة.
стр. 912
"فقام النبي ﵊، وحسر"؛ أي؛ أبعد كمَّه عن ساعده، وكشف "عن ذراعيه، وحملها، فوضعها عند رأسه، وقال: أُعلِّم بها": من الإعلام؛ أي: أعلم الناس بهذا الحجر.
"قبر أخي": سماه أخًا تشريفاً له، قيل: إنه أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر مرتين، وشهد بدراً، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وأول من دُفِنَ بالبقيع، وأول من مات بالمدينة.
"وأدفِنُ إليه"؛ أي: بقربه.
"من مات من أهلي": وأول من تبعه من أهله ﵊ إبراهيمُ، وقال ﵊ لبنته زينب: ألحقي بسلفنا الخير عثمان ابن مظعون.
وفي الحديث: دليلٌ على أن جعلَ العلامة على القبر ليعرفه الناس سنةٌ، وكذا دفن الأقارب بعضهم قريب بعض.
* * *
١٢١٨ - وقال القاسمُ بن محمدٍ: دخلتُ على عائشةَ ﵂ فقلت: يا أُمَّاهُ!، اكشفي لي عن قبرِ النبيِّ ﷺ ، فكَشَفَتْ لي عن ثلاثةِ قُبورٍ لا مُشْرِفَةٍ ولا لَاطِئَةٍ، مبطوحةٍ ببطحاءِ العَرَصَةِ الحمراءِ، غريب.
"وقال القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق هو: دخلت على عائشة ﵂، فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر النبي ﵊، فكشفت لي عن ثلاثة قبور": وهي: قبره ﵊، وقبر ضجيعيه؛ أبي بكر وعمر ﵄.
"لا مُشرفةٍ"؛ أي: لا مرتفعة غاية الارتفاع.
стр. 913
"ولا لاطِئةٍ"؛ أي: ولا ملتصقة بالأرض.
"مبطوحةٍ"؛ أي: مسوَّاة مبسوطة على الأرض.
"ببطحاء"؛ أي: برمل.
"العرصةِ الحمراء": وهي اسم موضع.
* * *
١٢١٩ - وقال البَراءُ بن عازبٍ ﵁: خَرَجْنَا مع رَسولِ الله ﷺ في جنازةٍ، فوجدْنا القبرَ لم يُلْحَدْ، فجلسَ مستقبَلَ القِبْلَةِ وجلسْنا معَه.
"وقال البراء بن عازب: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنازة، فوجدنا القبر لم يُلحَد، فجلس مستقبلَ القبلة، وجلسنا معه"؛ أي: إلى أن لُحِد، وهذا يدل على أنه يستحب الجلوس مستقبل القبلة إلى الفراغ من القبر، وأما عند زيارة الميت؛ فالمستحب أن يقفَ أو يجلسَ مستقبل وجهه مستدبر القبلة.
* * *
١٢٢٠ - عن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال: "كَسْرُ عظمِ المَيِّتِ ككَسْرهِ حَيًّا".
"عن عائشة ﵂: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِهِ حيًا": هذا إشارة إلى أن الميت يتألم، أو إلى أنه لا يُهانُ ميتًا، كما لا يهان حيًّا.
* * *
стр. 914
٧ - باب البُكاء على المَيت
(باب البكاء على الميت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٢١ - قال أنس ﵁: دخلنا معَ رسولِ الله ﷺ على أبي سَيْفٍ القَيْنِ - وكان ظِئراً لإبراهيمَ - فأخذَ رسولُ الله ﷺ إبراهيمَ فَقَبَّلَهُ وشمَّه، ثم دخلنا عليهِ بعدَ ذلكَ، وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فجعلَتْ عينا رسولِ الله ﷺ تَذْرِفَانِ، فقالَ له عبدُ الرحمن بن عَوْفٍ: وأنتَ يا رسولَ الله؟، فقَالَ: "يا ابن عوفٍ! إنها رحمةٌ"، ثم أتبَعَها بأُخرى فقال: "إن العينَ تَدمعُ، والقلب يحزنُ، ولا نقولُ إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفِراقِكَ يا إبراهيم لَمَحْزُونون".
"من الصحاح":
" قال أنس: دخلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي سيف": زوج أم سيف.
"القين"؛ أي: الحداد.
"وكان ظئراً لإبراهيم": ابن النبي ﵊, (الظئر): المربي والمرضع للطفل، يقع على الذكر والأنثى، والأصل فيه العطف، وسمي زوج المرضعة ظئراً؛ لأن اللبن منه، فصار بمثابة الأب في العطف.
"فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إبراهيمَ فقبَّله وشمه"؛ أي: وضع أنفه ووجهه على وجهه، كمن يشمُّ رائحة، وهذا يدل على أن محبة الأطفال والترحم بهم سنة.
"ثم دخلنا عليه بعد ذلك"؛ أي: بعد أيام.
стр. 915
"وإبراهيم يجود بنفسه": وهو يتردد في الفراش؛ لكونه في النزع والغرغرة.
"فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تذرفان"؛ أي: تدمعان، وتجريان بالدموع.
"فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت": عطف على مقدر؛ أي: الناس يبكون، وأنت "يا رسول الله تبكي"، كما يبكي غيرك؟؛ يعني: تتفجع للمصائب، وقد نهيتنا عن الجزع، وأمرتنا بالصبر على المصيبة؟ فأجاب ﵊ بقوله:
"يا ابن عوف! إنها"؛ أي: الحالة التي تشاهدها مني "رحمةٌ" ورقَةٌ على المقبوض تنبعث عمَّا هو عليه، لا ما توهَّمت من الجزع وقلة الصبر.
"ثم أتبعها"؛ أي: أتبعَ النبي ﵊ الدمعةَ الأولى "بأخرى"، وأتبع الكلمة المذكورة، وهي أنها رحمة بكلمة أخرى.
"فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون": وهذا يدل على أنه إذا لم يقل بلسانه شيئًا من الندب والنياحة، وما لا يرضاه الله تعالى، فلا بأسَ بالبكاء.
* * *
١٢٢٢ - وقال أُسامة بن زيد: أَرْسَلَتْ ابنةُ النبيِّ ﷺ إليه: إن ابنًا لي قُبضَ فأْتِنَا، فأرسلَ يُقْرِئُ السلامَ ويقول: "إنَّ للهِ ما أَخَذَ وله ما أَعْطَى، وكلُّ عندَه بأجَلٍ مسمًّى، فلتصبرْ ولتحتسبْ"، فَأَرْسَلَتْ إليه تُقْسِمُ عليه ليأتينها، فقامَ ومعَه سعدُ بن عُبادَةَ، ورجالٌ، فَرُفع إلى رسولِ الله ﷺ الصبيُّ ونْفسُه تتَقَعْقَعُ، ففاضَتْ عيناهُ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله!، ما هذا؟، قال: "هذه رحمةٌ جعلَها الله في قُلوبِ عبادِهِ، فإنما يرحمُ الله من عبادِه الرحماءَ".