← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

١٢١٥ - وقال جابرٌ ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ أن تُجَصَّص القبورُ، وأن يُكْتَب عليها، وأن تُوطَأ - يعني بالقدم -. "وقال جابر: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تجصَّص القبور، وأن يكتَبَ عليها": اسم الله واسم رسول الله والقرآن؛ لأنه ربما يبول عليه حيوان. "وأن تُوطَأ": بالأرجل؛ لما فيه من الاستخفاف. * * * ١٢١٦ - وقال جابرٌ ﵁: رشَّ قبر النبيِّ ﷺ فكان الذي رَشَّ الماء على قبره بِلالُ بن رباحٍ - بِقِربةٍ بدأ من قِبَلِ رأسِه حتى انتهى إلى رجْليهِ. "وقال جابر: رُشَّ قبر النبي ﵊، وكان الذي رَشَّ الماء على قبره ﵊ بلالُ بن رباح بقربة، بدأ من قِبَلِ رأسه حتى انتهى إلى رجليه". * * * ١٢١٧ - وعن المُطَّلِبِ أنه قال: لمَّا ماتَ عثمانُ بن مَظْعون ﵁ فدُفِنَ؛ أمَرَ النبي ﷺ رجلًا أن يأتِيَهُ بحجرٍ، فلم نستطع حملَها، فقامَ النبي ﷺ وحَسَرَ عن ذراعيهِ وحملَها، فوضَعها عندَ رأسِه وقال: "أُعَلِّم بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَن ماتَ مِن أهلي". "وعن المطلب أنه قال: لما مات عثمان بن مظعون فدفن، أمر النبي ﵊ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطعْ حملها": تأنيث الضمير على تأويل الصخرة.

стр. 912

"فقام النبي ﵊، وحسر"؛ أي؛ أبعد كمَّه عن ساعده، وكشف "عن ذراعيه، وحملها، فوضعها عند رأسه، وقال: أُعلِّم بها": من الإعلام؛ أي: أعلم الناس بهذا الحجر. "قبر أخي": سماه أخًا تشريفاً له، قيل: إنه أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر مرتين، وشهد بدراً، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وأول من دُفِنَ بالبقيع، وأول من مات بالمدينة. "وأدفِنُ إليه"؛ أي: بقربه. "من مات من أهلي": وأول من تبعه من أهله ﵊ إبراهيمُ، وقال ﵊ لبنته زينب: ألحقي بسلفنا الخير عثمان ابن مظعون. وفي الحديث: دليلٌ على أن جعلَ العلامة على القبر ليعرفه الناس سنةٌ، وكذا دفن الأقارب بعضهم قريب بعض. * * * ١٢١٨ - وقال القاسمُ بن محمدٍ: دخلتُ على عائشةَ ﵂ فقلت: يا أُمَّاهُ!، اكشفي لي عن قبرِ النبيِّ ﷺ ، فكَشَفَتْ لي عن ثلاثةِ قُبورٍ لا مُشْرِفَةٍ ولا لَاطِئَةٍ، مبطوحةٍ ببطحاءِ العَرَصَةِ الحمراءِ، غريب. "وقال القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق هو: دخلت على عائشة ﵂، فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر النبي ﵊، فكشفت لي عن ثلاثة قبور": وهي: قبره ﵊، وقبر ضجيعيه؛ أبي بكر وعمر ﵄. "لا مُشرفةٍ"؛ أي: لا مرتفعة غاية الارتفاع.

стр. 913

"ولا لاطِئةٍ"؛ أي: ولا ملتصقة بالأرض. "مبطوحةٍ"؛ أي: مسوَّاة مبسوطة على الأرض. "ببطحاء"؛ أي: برمل. "العرصةِ الحمراء": وهي اسم موضع. * * * ١٢١٩ - وقال البَراءُ بن عازبٍ ﵁: خَرَجْنَا مع رَسولِ الله ﷺ في جنازةٍ، فوجدْنا القبرَ لم يُلْحَدْ، فجلسَ مستقبَلَ القِبْلَةِ وجلسْنا معَه. "وقال البراء بن عازب: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنازة، فوجدنا القبر لم يُلحَد، فجلس مستقبلَ القبلة، وجلسنا معه"؛ أي: إلى أن لُحِد، وهذا يدل على أنه يستحب الجلوس مستقبل القبلة إلى الفراغ من القبر، وأما عند زيارة الميت؛ فالمستحب أن يقفَ أو يجلسَ مستقبل وجهه مستدبر القبلة. * * * ١٢٢٠ - عن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال: "كَسْرُ عظمِ المَيِّتِ ككَسْرهِ حَيًّا". "عن عائشة ﵂: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِهِ حيًا": هذا إشارة إلى أن الميت يتألم، أو إلى أنه لا يُهانُ ميتًا، كما لا يهان حيًّا. * * *

стр. 914

٧ - باب البُكاء على المَيت (باب البكاء على الميت) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٢١ - قال أنس ﵁: دخلنا معَ رسولِ الله ﷺ على أبي سَيْفٍ القَيْنِ - وكان ظِئراً لإبراهيمَ - فأخذَ رسولُ الله ﷺ إبراهيمَ فَقَبَّلَهُ وشمَّه، ثم دخلنا عليهِ بعدَ ذلكَ، وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فجعلَتْ عينا رسولِ الله ﷺ تَذْرِفَانِ، فقالَ له عبدُ الرحمن بن عَوْفٍ: وأنتَ يا رسولَ الله؟، فقَالَ: "يا ابن عوفٍ! إنها رحمةٌ"، ثم أتبَعَها بأُخرى فقال: "إن العينَ تَدمعُ، والقلب يحزنُ، ولا نقولُ إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفِراقِكَ يا إبراهيم لَمَحْزُونون". "من الصحاح": " قال أنس: دخلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي سيف": زوج أم سيف. "القين"؛ أي: الحداد. "وكان ظئراً لإبراهيم": ابن النبي ﵊, (الظئر): المربي والمرضع للطفل، يقع على الذكر والأنثى، والأصل فيه العطف، وسمي زوج المرضعة ظئراً؛ لأن اللبن منه، فصار بمثابة الأب في العطف. "فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إبراهيمَ فقبَّله وشمه"؛ أي: وضع أنفه ووجهه على وجهه، كمن يشمُّ رائحة، وهذا يدل على أن محبة الأطفال والترحم بهم سنة. "ثم دخلنا عليه بعد ذلك"؛ أي: بعد أيام.

стр. 915

"وإبراهيم يجود بنفسه": وهو يتردد في الفراش؛ لكونه في النزع والغرغرة. "فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تذرفان"؛ أي: تدمعان، وتجريان بالدموع. "فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت": عطف على مقدر؛ أي: الناس يبكون، وأنت "يا رسول الله تبكي"، كما يبكي غيرك؟؛ يعني: تتفجع للمصائب، وقد نهيتنا عن الجزع، وأمرتنا بالصبر على المصيبة؟ فأجاب ﵊ بقوله: "يا ابن عوف! إنها"؛ أي: الحالة التي تشاهدها مني "رحمةٌ" ورقَةٌ على المقبوض تنبعث عمَّا هو عليه، لا ما توهَّمت من الجزع وقلة الصبر. "ثم أتبعها"؛ أي: أتبعَ النبي ﵊ الدمعةَ الأولى "بأخرى"، وأتبع الكلمة المذكورة، وهي أنها رحمة بكلمة أخرى. "فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون": وهذا يدل على أنه إذا لم يقل بلسانه شيئًا من الندب والنياحة، وما لا يرضاه الله تعالى، فلا بأسَ بالبكاء. * * * ١٢٢٢ - وقال أُسامة بن زيد: أَرْسَلَتْ ابنةُ النبيِّ ﷺ إليه: إن ابنًا لي قُبضَ فأْتِنَا، فأرسلَ يُقْرِئُ السلامَ ويقول: "إنَّ للهِ ما أَخَذَ وله ما أَعْطَى، وكلُّ عندَه بأجَلٍ مسمًّى، فلتصبرْ ولتحتسبْ"، فَأَرْسَلَتْ إليه تُقْسِمُ عليه ليأتينها، فقامَ ومعَه سعدُ بن عُبادَةَ، ورجالٌ، فَرُفع إلى رسولِ الله ﷺ الصبيُّ ونْفسُه تتَقَعْقَعُ، ففاضَتْ عيناهُ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله!، ما هذا؟، قال: "هذه رحمةٌ جعلَها الله في قُلوبِ عبادِهِ، فإنما يرحمُ الله من عبادِه الرحماءَ".

стр. 916

"قال أسامة بن زيد: أرسلت ابنة النبيِّ ﵊ إليه صلى الله تعالى عليه وسلم: إن ابنًا لي قُبضَ"؛ أي: في حال القبض ومعالجة النزع. "فأتنا، فأرسل"؛ أي: النبي ﵊ أحدًا إلى ابنته؛ ليقول لها: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "يُقرِئ السلامَ ويقول: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُّ شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبرْ ولتحتسب"؛ أي: لتطلب الثواب من الله تعالى بالصبر. "فأرسلت"؛ أي: ابنة النبي ﵊ إليه مرة أخرى. "تقسم عليه ليأتينها"؛ أي: تقول له: أقسمت عليك أن تأتيني. "فقام ومعه سعد بن عبادة ورجال، فرُفِعَ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصبيُّ"؛ أي: وضعه أحدٌ في حجره ﵊. "ونفسه تتقعقع"؛ أي: تضطرب وتتحرك؛ لكونه في النزع. "ففاضت عيناه"؛ أي: نزل الدمع من عيني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. "فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا"؛ أي: ما هذا البكاء منك؟ "قال: هذه"؛ أي: التبكية من رقة القلب (رحمة جعلها الله في قلوب عباده"، وهذه صفة محمودة. "وإنما يرحم الله من عباده الرُّحماء": جمع الرحيم؛ بمعنى: الراحم. * * * ١٢٢٣ - وقال عبدُ الله بن عُمرَ: اشتكَى سعدُ بن عُبادَةَ شَكْوى، فأتَاهُ النبي ﷺ يعودُهُ مع عبدِ الرحمن بن عَوفٍ، وسعدِ بن أبي وقَّاص، وعبدِ الله بن مسعودٍ ﵃، فلما دخلَ عليه وجدَه في غاشِيةٍ، فبكَى النبيُّ ﷺ ، فلما رَأَى القومُ

стр. 917

بُكاءَ النبيِّ ﷺ بَكَوا، فقال: "ألا تَسْمَعون؟، إن الله لا يُعَذِّبُ بدمعِ العينِ، ولا بحُزْنِ القْلبِ، ولكن يعذبُ بهذا - وأشار إلى لسانِهِ - أو يرحمُ، وإن الميتَ ليُعَذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه". "وقال عبد الله بن عمر ﵁: اشتكى سعد بن عبادة شكوى"؛ أي: مرض مرضًا. "فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل وجده في غاشية"؛ أي: في شدة من المرض، ولم يرد به حال الموت؛ لأنه لم يمت في مرضه ذلك، بل عاش بعد النبي ﵊ مدة، وتوفي في خلافة عمر ﵁. "فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ ، بكوا فقال: ألا تسمعون"؛ أي: أما سمعتم؟ وأما علمتم؟ "إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا؛ وأشار إلى لسانه"؛ أي: يأثم بما يصدر من لسانه إن [كان] شراً من ندبة، أو نياحة، أو غيرهما. "أو يرحم": بهذا إن خيراً مثل أن يقول: إنالله وإنا إليه راجعون، أو يترحم عليه، أو يستغفر له. "وإن الميتَ ليعذبُ ببكاء أهله عليه": قيل: هذا محمول على ما إذا أوصى أهله أن يبكوا عليه، ويشقوا ثيابهم، ويضربوا خدودهم، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فيكون آمراً بمعصية وراضياً بها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * *

стр. 918

١٢٢٤ - وقال: "ليس منا مَن ضرَبَ الخدود، وشَق الجيوبَ، ودعا بدعَوى الجاهليةِ". "وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس منا"؛ أي: من أهل سنتنا. "من ضربَ الخدود وشقَّ الجيوب": عند المصيبة. "ودعا بدعوى الجاهلية"؛ أي: قال عند البكاء ما يقول أهل الجاهلية مما لا يجوز شرعًا. * * * ١٢٢٥ - وقال: "أنا بريءٌ ممن حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ". "وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا بريءٌ ممن حلقَ"؛ أي: حلق الشعر عند المصيبة إذا حلَّت به، وكان من عادة العرب إذا مات لأحدهم قريب أن يحلق رأسه، كما أن عادة العجم قطع بعض شعر الرأس، وقيل: أراد به التي تحلق وجهها للزينة. "وسَلَقَ"؛ أي: صاح ورفع صوته بالبكاء والنَّوح، وقيل: السلقُ: اللطمُ والخدش. "وخَرَقَ"؛ أي: شقَّ ثوبه عند المصيبة، وكان الجميع من صنيع الجاهلية. * * * ١٢٢٦ - وقال: "أربعٌ في أُمَّتي من أمرِ الجاهليةِ لا يتركُونهَن: الفخْرُ في الأَحسابِ، والطَّعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنِّياحةُ". وقال: "النائحةُ إذا لم تتبْ قبلَ موتها، تُقامُ يومَ القيامَةِ وعليها سِرْبالٌ من

стр. 919

قَطِرَانٍ ودِرْعٌ من جَرَبٍ". "وعن أبي مالك الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أربع"؛ أي: أربع خصال. "في أمتي من أمر الجاهلية"؛ أي: من أفعال أهلها. "لا يتركونهن": أراد أن الأمة بأسرها لا يتركونهن تركهم غيرها، بل إن تركها طائفة فعلها أُخرى. "الفخر في الأحساب"؛ أي: في شأن الأحساب: جمع حسب، وهو: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه من الخصال المحمودة التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغيرهما، وقيل: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرفٌ فيفضل نفسه، ويحقر غيره. "والطعن في الأنساب": وهو أن يعيب في نسب أحد، ويفضل آباءه على آبائه. "والاستسقاء بالنجوم"، أي: طلب السُّقيا عند وقوع النجوم، كما كانوا يقولون: مُطرنا بنوء كذا؛ أي: لا يجوز اعتقاد نزول المطر بسبب ذلك. "والنياحة": وهي أن يقول: واويلاه، واحزناه، وقيل: هي: الصوت التي تعد [به] المرأة خصالَ الميت. "وعنه، عن النبي ﷺ أنه قال: النائحة إذا لم تتبْ قبل موتها"؛ أي: قبل حضور موتها؛ لأن من شرط التوبة أن يتوبَ، وهو يأمل البقاء. "تقام يوم القيامة": بين أهل الموقف. "وعليها سِربالٌ"؛ أي: قميص. "من قطِران"؛ أي: - بكسر الطاء - طلاء يُطلَى به الإبل الجَرْبَى، فيحرق

стр. 920

بحدته وحرارته الجرب. "ودرع من جرب": خصت النائحة بهذا النوع من الوعيد؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود في المصائب، وتجرحُ القلوب بكلماتها المبكية، وتخمشُ وجهها عندها، فألبسها الله قميصاً من قطران، ودرعًا من جرب بأن يسلط عليها، فيغطي جلدها تغطية الدرع، ويجمع لها بين حدة القطران وحرارته وحرقته وسواده ونتنه، وبين الجرب الذي لا صبرَ لها معه إلا بمزق الجلد وتقطيع اللحم؛ لتذوق وبال أمرها. * * * ١٢٢٧ - وقال أنسٌ ﵁: مرَّ النبي ﷺ بامرأةٍ تبكي عندَ قبرٍ، فقال: "اتقي الله واصْبري"، فقالت: إليكَ عَنِّي، فإنك لم تُصَبْ بمصيبَتي - ولم تعرفه - فقيلَ لها: إنه النبي ﷺ ، فأتَتْ بابَ النبي ﷺ ، فَلَم تَجدْ عندَه بَوابينَ، فقالت: لم أعرفْكَ، فقال: "إنما الصبرُ عند الصَّدمةِ الأُولى". "وقال أنس: مر النبي ﵊ بامرأة تبكي عند قبر فقال "اتقي الله واصبري، قالت: إليك": اسم فعل؛ أي: تنحَّى "عني"، ولا تلمني. "فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها": بعدما ذهب ﷺ . "إنه النبي ﵊"، فندمت على ما جاوبته ﵊. "فأتت باب النبي ﵊، فلم تجد عنده بوَّابين": كما هو عادء الملوك الجبابرة. "فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى"؛ أي:

стр. 921

الصبر المرضي المثاب عليه إنما هو عند ابتداء المصيبة ولحوق المشقة، وأما إذا طالت الأيام عليها، فيصير الصبرُ طبعاً، فلا يؤجر عليه. * * * ١٢٢٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا يموتُ لمسليم ثلاثة من الوَلَدِ فيَلِجَ النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَم". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجُ النار"؛ أي: لا يدخلها، والمعنى هنا: نفي الاجتماع لاعتبار السببية، فالتقدير: لا يجتمع موت الأولاد وولوج النار. "إلا تَحِلَّةَ القسم": استثناء من قوله: (فيلج). (تحلة) بكسر الحاء: مصدر حللت اليمين؛ أي: أبررتها، تحلة القسم: ما يفعله الحالف مما قسم عليه مقدارَ ما يكون بارًا في قسمه بأن يمر على النار بلا ضررِ منها، والقسم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ. . . كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧١]. * * * ١٢٢٩ - وقال لِنِسْوَةٍ من الأنصارِ: "لا يموتُ لإحداكُنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبَهُ إلا دخلَتْ الجنةَ"، فقالت امرأة: واثنانِ يا رسول الله؟، قال: "واثنانِ". وفي روايةٍ: "ثلاثةٌ لم يبلغوا الحِنْثَ". قال ابن شُميل: معناه قبل أن يبلغوا فيُكتبَ عليهم الأثمُ.

стр. 922

"وعنه أنه قال قال رسول الله ﵊ لنسوة من الأنصار: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه"؛ أي: تحتسب موته ثواباً عند الله بالصبر عليه، وتعتده فيما يُدَّخَرُ عند الله. "إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة: أو اثنين يا رسول الله! قال: أو اثنين". "وفي رواية: ثلاثة لم يبلغوا الحِنْثَ"؛ أي: الحد الذي يكتب عليه الحنث، وهو الإثم. * * * ١٢٣٠ - وقال: "يقولُ الله تعالى: ما لِعَبْدي المُؤمنِ عندي جزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّه مِن أهلِ الدنيا ثم احتسَبَهُ إلا الجنة". "عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الله تعالى: ما"؛ أي: ليس "لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا": صفي الرجل: الذي يصافيه الودَّ ويخلصه له، فعيل بمعنى: فاعل أو مفعول، وقيل: إنه ولدٌ لا يكون له غيره. "ثم احتسبه"؛ أي: صبر عليه؛ طلباً للثواب من الله تعالى، وضمير المفعول للصفي. "إلا الجنة"؛ أي: ما له جزاء إلا الجنة. * * * مِنَ الحِسَان: ١٢٣١ - عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ النَّائِحَةَ والمُستمعة.

стр. 923

"من الحسان": " عن أبي سعيد الخدري أنه قال: لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم النائحة والمستمعة". * * * ١٢٣٢ - وقال رسول الله ﷺ : "عَجَباً للمؤمن!، إنْ أصابَهُ خيرٌ حَمِدَ الله وشَكَرَ، وإنْ أصابَتْهُ مصيبة حَمِدَ الله وصبَر، فالمؤمن يؤجر في كلِّ أمرِهِ، حتى في اللُّقمةِ يرفعُها إلى في امرأتِهِ". "وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عجباً للمؤمن": أصله: أعجب عجبًا، فعدل من النصب إلى الرفع للثبات، كقولك: سلام عليك. "إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر": حمده عند المصيبة لعلمه بما يثاب عليه من الثواب العظيم، والثواب نعمةٌ، فحمدَ الله لذلك، يدل على أن الحمد محمود عند النعمة وعند المصيبة. "فالمؤمن يؤجر في كل أمره": من الأمور المباحة، فإنه إذا نوى به الطاعة انقلب المباح مثابًا عليه، ألا ترى أنه لو قصد بالنوم زوال الكلال والملال؛ ليقوم لصلاة الصبح عن النشاط، وبالأكل قوة بدنه؛ ليقدر على الطاعة، لكان مثابًا فيه؟! "حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته"؛ أي: إلى فمها. * * * ١٢٣٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُؤمنٍ إلا وله

стр. 924

بابانِ بابٌ يصعدُ منهُ عملهُ، وبابٌ ينزلُ منه رِزْقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلكَ قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ". "عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من مؤمن إلا وله بابان من السماء: بابٌ يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه": وجه بكائهما عليه: أن الله تعالى خلق السماء والأرض لعباده من الملائكة والجن والإنس، فمن صدر منه خيرٌ تحبه السماء والأرض، وما كان من السماء والأرض مشغولاً به يبكي بفراقه؛ لانقطاع خيره منه. وأما الكافر؛ فتتأذى به السماء والأرض؛ لصدور الشر والكفر منه، فيفرحان بموته، ولا يبكيان عليه. "فذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] ". * * * ١٢٣٤ - عن ابن عباس قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : " مَن كانَ له فَرَطَانِ من أمتي أدخلَهُ الله بهما الجنةَ"، فقالت عائشةُ ﵂: فَمَن كانَ له فَرَطٌ مِن أمتِكَ؟، قال: "وَمَن كانَ له فَرَط يا مُوَفَّقة"، فقالت: فمَن لم يكن له فَرَط من أمَّتك؟، فقال: "فأنا فَرَط أمَّتي، لن يُصابوا بمِثلي"، غريب. "وعن ابن عباس: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان له فَرَطان": بفتحتين، أي: ولدان لم يبلغا أوانَ الحلم، بل ماتا قبله. "من أمتي، أدخله الله تعالى بهما الجنةَ": والمعنى: أنهما يتقدمان والديهما! فيهيـ[ئان] لهمـ[ـا] في الجنة نزلاً ومنزلاً، كما يتقدم فارطُ القافلة، وهو: الذي يسبقهم، فيعيِّنُ لهم المنازل وغيرها مما يحتاجون إليه. "فقالت عائشة ﵂: فمن كان له فرط من أمتك"؛ يعني: مات

стр. 925

له ولد واحدٌ، فهل له هذا الثواب؟ "قال: ومن كان له فرط"؛ أي: من كان له ولد واحد، فله هذا الثواب. "يا موفَّقة": وإنما قال لها ذلك؛ لأنها قد نور الله قلبها بحسن السؤال عن أسباب المثوبات شفقةً على الأمة، ولا شك أن ذلك توفيق من الله الكريم لها، عدا ما كانت عليه من الحرص على تعلم الأحكام الشرعية، ثم تبليغها إلى الأمة، وأيُّ توفيق أبلغ من ذلك؟ "فمن لم يكن له فرط من أمتك قال: فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي"؛ أي: أنا مصيبتهم العظمى التي أصيبوا بها، فإنه ﵊ رحمة للعالمين وأمنة لأصحابه، فأي مصيبة أعظم من فقده؟ "غريب". * * * ١٢٣٥ - وقال: "إذا مات ولدُ العبدِ؛ قال الله لملائكتِهِ: قَبَضْتُم ولَد عبدي؟، فيقولونَ: نعم، فيقول قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فؤادِهِ؟، فيقولون: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟، فيقولون: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فيقولُ الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنةِ، وسَمُّوهُ بيتَ الحمدِ". "وقال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: قبضتم ثمرة فؤاده؟ ": قيل للولد: ثمرة الفؤاد؛ لأنه نتيجة الأب، كالثمرة نتيجة الشجرة. "فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع"؛ أي: قال: إنا الله وإنا إليه راجعون.

стр. 926

"فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيتَ الحمد"؛ أي: اجعلوا اسم ذلك البيت بيت الحمد، أضاف ذلك البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة؛ لأنه يكون جزاءَ ذلك الحمد. * * * ١٢٣٦ - وقال: "مَنْ عَزَّى مصاباً فله مثلُ أجرِه". "وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من عزَّى مصاباً"؛ أي: حمله على الصبر بوعد الأجر، والتعزية أن يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك، و (العزاء) بالمد: الصبر. "فله مثل أجره"؛ أي: مثل أجر صبره به. * * * ١٢٣٧ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَزى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا في الجنَّةِ"، غريب. "وعن أبي برزة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من عزَّى ثَكلى": وهي المرأة التي مات ولدها، أو التي لا يعيشُ لها ولد. "كُسِي برداً في الجنة". "غريب". * * * ١٢٣٨ - وروي: أنّه لمَّا جاءَ نَعْيُ جَعْفرَ بن أبي طالبٍ ﵁ قال النبي ﷺ : "اصنَعُوا لآلِ جعفرٍ طعاماً، فقد أتاهُمْ ما يَشْغَلُهم".

стр. 927

"وعن عبد الله بن جعفر ﵁ أنه لما جاء نعيُ جعفر بن أبي طالب"؛ أي: خبر موته. "قال النبي ﵊: اصنعوا لآل جعفر طعاماً؟ فقد أتاهم ما يشغلهم"؛ أي: يمنعهم عن تهيئة الطعام لأنفسهم، وهذا يدل على أنه يستحب للجيران والأقارب تهيئة الطعام لأهل المبيت. * * * ٨ - باب زيارة القبور (باب زيارة القبور) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٣٩ - عن بُرَيْدة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "نَهيتُكم عن زيارةِ القُبورِ، فزوروها، ونهيتُكم عن لُحومِ الأَضاحي فوقَ ثلاث، فأمسكوا ما بدَا لكم، ونهيتُكم عن النَّبيذ إلا في سِقَاءٍ، فاشرَبُوا في الأَسْقِيةِ كلِّها, ولا تشرَبُوا مُسْكِرًا". "من الصحاح": " عن بريدة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور"؛ يعني: نهيتكم قبل هذا عن زيارتها، ثم رخَّصت لكم في زيارتها، "فزوروها". قيل: الزيارة مأذونة للرجال، وأما النساء؛ فقد روي: أنه ﵊ لعن زوَّارات القبور. وقيل: إنه كان قبل أن يُرخِّص في زيارتها.

стр. 928

ومنهم من كرهها للنساء؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، وأما اتباع الجنازة؛ فلا رخصةَ لهن فيه. "ونهيتكم"؛ أي: في أول الأمر. "عن لحوم الأضاحي": جمع أضحية، وهي: المذبوح عاشر ذي الحجة وأيام التشريق للقربان، كان ﷺ نهاهم عن أكل لحومها. "فوق ثلاث"؛ أي: ثلاث ليال، فأمرهم أن يتصدقوا بالباقي بعدها. "فامسكوا": بحذف المفعول؛ أي: لحومها. "ما بدا لكم": (ما) بمعنى المدة؛ أي: مدة ظهور الإمساك لكم، فرخَّص لهم أن يأكلوا ما بقي منها بعد الثلاث في أيِّ وقت شاؤوا، وإنما اللازمُ إعطاءُ الفقراء شيئًا منها, ولو أعطى الأغنياء جاز، لكنَّ الفقراء أولى. "ونهيتكم عن النبيذ"؛ أي: عن إلقاء التمر والزبيب ونحوهما من الحلاوى في الماء؛ ليصير حلواً. "إلا في سقاء"، فإنه جلد رقيق لا يُسخِّن الماء سريعًا، فلا يصير مسكرًا عن قريب؛ بخلاف سائر الظروف؛ فإنها تسخِّنه سريعًا، فيصير مسكرًا. "فاشربوا في الأسقية كلها, ولا تشربوا مسكراً": رخَّص لهم ﵊[في] شربِ النبيذ من كلِّ ظرف ما لم يصير مسكرًا. * * * ١٢٤٠ - وقال أبو هُريرة ﵁: زارَ النبيُّ على قبرَ أُمِّه فَبَكَى وأَبكى مَنْ حَوْلَهُ، فقالَ: "استأذنتُ ربي في أنْ أستَغْفِرَ لها فلم يأذنْ لي، واستأذنتهُ في أن أزورَ قبرَها فأَذِنَ لي، فزوروا القبورَ، فإنها تذكِّرُكم الموتَ". "وقال أبو هريرة: زار النبي ﵊ قبرَ أمه": مع أنها

стр. 929

كافرة؛ تعليمًا منه للأمة حقوقَ الوالدين والأقارب؛ فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها. "فبكى وأبكى من حوله"؛ أي: حتى بكى الذين معه من كثرة بكائه. وهذا يدل على جواز البكاء عند حضور المقابر. "فقال: استأذنت ربي في أن أستغفرَ لها، فلم يأذنْ لي"؛ لأنها كانت كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله تعالى لن يغفر لهم أبدًا. "واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها"؛ أي: القبور "تذكر الموتَ". * * * ١٢٤١ - عن بُرَيدَة ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعَلمُهم إذا خَرَجوا إلى المقابرِ: "السلامُ عليكم أهلَ الديارِ من المؤمنينَ والمُسلمينَ، وإنَّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُونَ، نسأَل الله لنا ولكم العافية". وعنه في روايةٍ: "إنَّا إنْ شاء الله بكم لاحِقُون، أنتم لنا فَرَطٌ ونحن لكم تَبَعٌ، نسأل الله العافية". "وعن بُريدة ﵁ أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: السلام عليكم أهلَ الديار": سمى المقابر دارًا؛ تشبيها بدار الأحياء؛ لاجتماع الموتى فيها. "من المؤمنين والمسلمين": المراد بالمسلمين: المخلصون لوجه الله تعالى، والذين أسلموا باللسان، ولا يدخلُ الإيمان في قلوبهم، وهذا يدل على أن السلام عليهم كهو على الأحياء، وأنهم يسمعون. "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون": قيل: معناه: لاحقون بكم في الوفاة على

стр. 930

الإيمان, فـ (إن) شرطية، وقيل: (إن) هنا بمعنى: (إذ)، وقيل: للتبرك كقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] , وقيل: للتأديب كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. "نسأل الله لنا ولكم العافية"؛ أي: الخلاص من المكروه. فيه دليلٌ على أن مَنْ يدعو للحي والميت ينبغي أن يقدِّم دعاءَ الحي على الميت. * * * مِنَ الحِسَان: ١٢٤٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: مرَّ النبي ﷺ بقبُورٍ بالمدينةِ، فأقْبَلَ عليهم بوجهِهِ فقالَ: "السلامُ عليكم يا أهلَ القبورِ، يغفرُ الله لنا ولكم، أنتم سلفُنا ونحنُ بالأثَرِ" وبالله التوفيق. "من الحسان": " عن ابن عباس أنه قال: مرَّ النبي ﵊ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا": من (سلف المال)، كأنه قد أسلفه، وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يُجازى بالصبر عليه، وقيل: سَلَف الإنسان: مَنْ تقدمه مِنْ قرابته. "ونحن بالأثر". * * *

стр. 931

٦ - كِتَابُ الزَّكَاةِ

стр. 932

٦ - كِتَابُ الزَّكَاةِ (كتاب الزكاة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٤٣ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ مُعاذاً إلى اليَمنِ فقال: "إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فإنْ هُمْ أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُم أن الله قد فَرَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ، فإنْ هم أَطاعوا لذلك فأَعْلِمْهم أنَّ الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤْخَذْ مِن أغنيائهم فتُرَدُّ على فُقرائهم، فإنْ هم أَطاعوا لذلك فإيَّاكَ وكرائمَ أَموالِهِم، واتَّقِ دعوةَ المَظلومِ، فإنَّه ليسَ بينَها وبينَ الله حِجَاب". "من الصحاح": " عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك تأتي قومًا أهل كتاب": يريد به؟ اليهود والنصارى. "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ : هذا يدل على وجوب دعوة الكفار إلى الإِسلام قبل القتال، لكن هذا إذا لم تبلغهم الدعوة، أما إذا بلغتهم فغير واجبة؛ لأنه صح أن النبي ﵊ أغار [على] بني المصطلق وهم غافلون.

стр. 933

"فإن هم أطاعوا لذلك": إشارة إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: إن قبلوا الإِسلام. "فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة": يستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، كما ذهب إليه بعض الأصوليين. "فإن هم أطاعوا لذلك": إشارة إلى (خمس صلوات). "فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة"؛ أي: زكاة. "تُؤخَذ من أغنيائهم": عمومه يدل على لزوم الزكاة على الطفل الغني. "فترد على فقراءهم": يدل على أنها تصرف إلى فقراء بلد المال للإضافة، ولو نقلت عنه إلى آخر كره، وتسقط بالإجماع. "فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم": جمع كريمة، وهي: خيار المال؛ أي: اتق نفسك أن تأخذ خيار أموالهم، يدل على أن ليس للساعي أخذ خيار المال إلا أن يتبرع رب المال. "واتق دعوة المظلوم": عطف على عامل (إياك) المحذوف؛ يعني: لا تظلم أحدًا بأن تأخذ ما ليس بواجب عليه، أو تؤذيه بلسانك، فإنك إن ظلمت ودعا عليك بسوء، يقبل الله دعاءه. "فإنه ليس بينها"؛ أي: بين دعوته. "وبين الله حجاب": وهذا مجاز عن سرعة القبول وعدم الرد. * * * ١٢٤٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ صاحبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لا يؤدِّي منها حقَها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صَفائحَ مِن نارٍ، فأُحمِيَ عليها في نار جهنَّم، فيُكْوَى بها جَنْبُه وجَبينُهُ وظَهْرُهُ، كلَّما بَرَدَتْ

стр. 934

أُعيدَتْ له في يومٍ كانَ مِقدَارَه خمسينَ ألفَ سَنَةٍ حتى يُقْضَى بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ، قال: ولا صاحبِ إبلٍ لا يُؤُدِّي منها حقَّها، ومِن حقِّها حَلْبُها يومَ وِرْدِها إلَّا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفَرَ ما كانت، لا يفقِدُ منها فَصِيلاً واحداً تَطؤه بأَخْفافها، وتَعَضه بأَفواهِهَا، كلَّما مَرَّ عليهِ أُولاهَا رُدَّ عليهِ أُخراها في يومٍ كانَ مِقْدَارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يُقْضى بينَ العبادِ، فيَرَى سبيله إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النارِ، ولا صاحبِ بقَرٍ ولا غنَمٍ لا يُؤَدِّي منْها حَقَّها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ منها شيئًا ليس فيها عَقْصَاءُ ولا جَلْحَاءُ ولا عَضْبَاءُ تنطحُهُ بُقرونها، وَتَطَؤُهُ بأَظلَافِهَا، كلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها في يومٍ كانَ مِقدارَه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يُقضَى بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ". قال: "والخيلُ ثلاثَةٌ: لِرَجُلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الذي له أجرٌ: فرجلٌ ربَطها في سبيلِ الله، فأَطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ، فما أصابَتْ في طِيَلِها ذلكَ من المَرْج أو الرَّوضةِ كانَ له حَسَنَاتٍ، ولو أنه انقطعَ طِيَلُها فاسَتنَّت شَرَفاً أو شَرَفَيْنِ كانتْ آثارُها وأرواثُها حسناتٍ له؛ ولو أنها مَرَّت بنهرٍ فَشَرِبَتْ منه ولم يُردْ أنْ يسقيَها كانَ ذلك حسناتٍ له، وأمَّا الذي هي له سِترٌ: فرجلٌ ربَطها تَغَنِّيا وتَعَفُّفًا، ثم لم يَنْسَ حَقَّ الله تعالى في رِقابها ولا ظهورِها، فهي له سِتْرٌ، وأما الذي هي عليه وِزْرٌ: فرجلٌ ربطَها فخرًا ورياءً ونجواءً لأهلِ الإِسلام، فهي على ذلك وِزرٌ". وسُئلَ رسولُ الله ﷺ عمر الحُمُرِ؟، فقال: "ما أُنزِلَ على فيها شيءٌ إلا هذه الآيةُ الفاذَّةُ الجامعةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. "وعن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 935

ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقَّها": الضمير راجع إلى (الفضة) لقربها، أو أراد كل واحد منهما، و (الذهب) مؤنث؛ لأنه بمعنى: العين. "إلا إذا كان يوم القيامة صُفَّحت له": علي بناء المجهول وتشديد الفاء، ضمن فيه معنى: صُيرت. "صفائح": جمع صفيحة وهي: العريضة من حديد وغيره، نصب على أنه مفعول ثانِ؛ يعني: جعلت ذهبه وفضته كأمثال الألواح. "من نار": فإنها لفرط إحمائها في نار جهنم جُعِلت كأنها مأخوذة من نار. "فأُحميَ": على صيغة المجهول، والجار والمجرور، وهو "عليها" قائمٌ مقام الفاعل، والضمير المجرور راجع إلى (الصحائف)؛ أي: تلك الصفائح النارية تحمى مرة ثانية. "في نار جهنم"؛ ليشتد حرها. "فيكوى بها"؛ أي: تلك الصفائح. "جنبه وجبينه"؛ أي: جبهته "وظهره"، وذلك لأنه إذا رأى الفقير الطالب للزكاة أعرض عنه بوجهه، وصرف إليه جنبه، ويُعبس جبهته، فإذا بلغ في السؤال يقوم من موضعه، ويولي ظهره إليه ويذهب، فتكوف مسألة أعضاؤه التي آذى به الفقير. "كلما بردت أعيدت له"؛ يعني: كلما وصل كي هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها، أعيدت للكي إلى أولها حتى توصل إلى آخرها، والمراد: دوام التعذيب. " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ": يريد به: يوم القيامة بشهادة قوله: "حتى يُقضى": يُحكم "بين العباد"؛ أي: يستمر هذا النوع من العذاب

стр. 936

إلى أن يقضي الله بينهم. "فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة": إن لم يكن له ذنب سواه، أو كان ولكنه تعالى عفا عنه. "وإما إلى النار": إن كان على خلاف ذلك. "وقال ﵊: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، وكان حقها": من تبعيضية؛ أي: ومن بعض حقوقها "حلْبها": بسكون اللام. "يوم وِرْدها": الورد: الماء الذي ترد الماشية عليه، والمراد: أن يحلبها عند نوبة وردها على الماء؛ ليصيب الناس من لبنها، وخص يوم الورد؛ لاجتماعهم غالبا على المياه، وهذا على سبيل الاستحباب. وقيل: معناه: ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره؛ لئلا يلحقها مشقة العطش ومشقة الحلب. "إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح"؛ أي: ألقي صاحب الإبل على وجهه. "لها"؛ أي: لإبله. "بقاع"؛ أي: في مكان مستوٍ. "قرقر"؛ أي: أملس، وقيل: القرقر بمعنى القاع، ذكره للتأكيد. "أوفر": حال من المجرور في (لها)، والعامل (بطح)؛ أي: حال كونها أوفر. "ما كانت" في الدنيا؛ أي: أتم في القوة والسمن؛ ليكون أثقل وطئًا. "لا يفقد"؛ أي: لا يعدم صاحبها. "منها"؛ أي: من الإبل. "فصيلًا واحداً"؛ أي: ولد الإبل، بل يحضر جميعها، والجملة تأكيد

стр. 937

لقوله: (أوفر). "تطؤه"؛ أي: تضربه الإبل. "بأخفافها"؛ أي بأرجلها. "وتعضه بأفواهها"، أي: بأسنانها، وتشق جلده وتعذبه. "كلما مر عليه،"؛ أي: على صاحبها. "أولاها"؛ أي: أولى الإبل. "ردَّ عليه أخراها": قيل: فيه تحريف، لأن الرد إنما يستعمل في الأول لا في الآخر؛ لأنه تبع للأول في مروره. وفي رواية عن أبي هريرة: (كما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها). " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدّي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح له بقاع قرقرٍ، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء"؛ أي: التي التوى - أي: مال - قرنها إلى خلف أذنها. "ولا جلحاء"؛ أي: التي لا قرن لها. "ولا عضباء"؛ أي: التي كسرت قرنها. "تنطحه بقرونها": النطح: الضرب بالقرن. "وتطؤه بأظلافها": جمع ظلف: وهي للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس. "كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال: والخيل ثلاثة"؛ أي: ربطها على ثلاثة أنحاء.

стр. 938

"لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي [هي] له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله"؛ أي: ليجاهد الكفار على ظهرها. "فأطال لها"؛ أي: للخيل حبلها "في مرج": وهو الموضع الذي ترعى فيه، "أو روضة": شك من الراوي. "فما أصابت في طِيَلها ذلك": صفة (طيل)، وهو - بكسر الطاء وفتح الياء -: الحبل الذي يطول للدابة؛ لترعى "من المرج أو الروضة": (من) فيه بيانية. "كانت له حسنات"؛ أي: يحصل لمالكها أجر وحسنة مقدار مواضع إصابتها في ذلك الحبل؛ لأن نيته في ذلك الجهاد، وهو طاعة عظيمة. "ولو أنه"؛ أي: الضمير فيه للشأن. "انقطع طيَلها، فاستنَّت": بتشديد النون؛ أبي: عَدَت ولمزاجها نشاطها "شرفاً أو شرفين"؛ أي: شوطًا أو شوطين، وإنما سمي شرفاً لأن الدابة تعدو حتى تبلغ شرفاً من الأرض؛ أي: مرتفعًا منها، فتقف عند ذلك وقفة، ثم تعدو ما بدا لها. "كانت آثارها"؛ أي: مقدار آثارها. "وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهْرٍ": بسكون الهاء وفتحها: واحد الأنهار. "فشربت منه ولم يرد": والحال أنه لم يرد "أن يسقيها، كان ذلك"؛ أي: ما شربت منه؛ يعني: مقداره. "حسنات له": فالحاصل أنه يحصل لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها وفضلاتها حسنات. "وأما الذي هي له ستر، فرجلٌ ربطها تغنياً"؛ أي: استغناء عن الناس، وطالباً لنتاجها.

стр. 939

"وتعففاً" عن السؤال؛ يعني: ليركبها عند الحاجة، ولا يسأل مركوباً من أحد. "ثم لم ينس حقَّ الله في رقابها": أراد به أداء زكاتها إذا كانت سائمة. "ولا في ظهورها": أراد به: ركوبها في سبيل الله، أو إعارتها للركوب عليها أو للفحل. (فهي له ستر): يحفظه عن السؤال والاحتياج. "وأما الذي هي عليه وزر، فرجل ربطها فخراً ورياءً"؛ أي: ليفخر بها على الفقراء، وليظهر من نفسه التكبر والعظمة. "ونواء" بكسر النون؛ أي: معاداة "لأهل الإسلام، فهي"؛ أي: تلك الخيل "على ذلك" القصد والنية "وزر" لصاحبها. "وسئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الحمر": جمع حمار؛ يعني: هل تجب فيها الزكاة؟ "فقال: ما أُنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة"؛ أي: المنفردة في معناها؛ يعني: ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ وجمع معاني الخير والشر فيها. "الجامعة": سماها جامعة؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات؛ فرائضها ونوافلها. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾؛ أي: مقدار نملة صغيرة. ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾؛ أي: ثوابه في الآخرة. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]؛ أي: عقابه في الآخرة.

стр. 940

١٢٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن آتَاهُ الله مالاً فلَم يؤدِّ زكَاتَهُ مُثِّلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرعَ له زَبيبتانِ، يُطَوِّقُه، ثم يأخذُ بِلِهْزِمَتَيهِ - يعني شِدقيه - يقول: أنا مالُكَ أنا كنزُك"، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من آتاه الله"؛ أي: أعطاه. "مالاً، فلم يؤدِّ زكاته مثِّل له": على صيغة المجهول. "ماله يوم القيامة شُجاعاً" بالضم، قيل: وبالكسر: الحية الذكر، وقيل: الحية مطلقاً. "أقرع": وهو الذي لا شعرَ على رأسه من غاية سُمِّه. "له زبيبتان": هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه، وقيل: هما الذبدتان يكونان في الشدقين. "يطوقه": على بناء المجهول؛ أي؛ يجعل ذلك الشجاع طوقاً في عنقه. "ثم يأخذ بلِهْزمتيه": بكسر اللام وسكون الهاء. "يعني: بشدقيه": والشدق: جانب الفم. "ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ أي: لا تظنن بخل الذين يبخلون ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ أي: المال الذي منعوا زكاته بأن يجعل حية تطوق في عنق مانعها يوم القيامة، تنهشه من قرنه إلى قدمه.

стр. 941

١٢٤٦ - وعن أَبي ذَرٍّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يكونُ له إبلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يؤدي حقَّها إلا أُتِيَ بها يومَ القيامةِ أعظمَ ما يكونُ وأَسْمَنَهُ، تَطَؤُه بأخفافِها، وتنطَحُهُ بقرونها، كلَّما جازَتْ أُخراها رُدَّت عليه أُولاها حتى يُقضَى بينَ الناس". "وعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: ما من رجل يكون له إبلٌ أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أُتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون، وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كما جازت عليه أُخراها، رُدَّت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس". ١٢٤٧ - وعن جَريرٍ أنه قال: قال رسول الله ﵁: "إذا أَتاكُم المُصَدِّقُ فليَصدُرْ عنكم وهو عنكم راضٍ". "وعن جرير أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أتاكم المصَدِّق": بتخفيف الصاد وتشديد الدال: الذي يأخذ الصدقات، وهو العامل. "فليصدر"؛ أي: فليرجع. "عنكم، وهو عنكم راضٍ"؛ أي: حصلوا رضاءه. ١٢٤٨ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: كانَ النبيُّ ﷺ وإذا أتَاه قومٌ بِصَدَقَتِهِم قال: "اللهم صَلِّ على آلِ فُلانٍ"، فأَتاهُ أَبي بصدقتِه فقال: "اللهم صلِّ على آلِ أبي أَوْفَى".

стр. 942

وفي رواية: إذا أتى الرجل النبيَّ ﷺ بصدقته فقال: "اللهم صَلِّ عليه". "وقال عبد الله بن أبي أوفى ﵁: كان النبي ﵊ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى": الصلاة بمعنى: الدعاء والتبرك، قيل: تجوز على غير النبي ﵊ كما قال الله تعالى في معطي الزكاة: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأما الصلاة التي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنها بمعنى: التعظيم والتكريم، وهي خاصة له. "وفي رواية: إذا أتى رجل النبي ﵊ بصدقة قال: اللهم صلِّ عليه": وهذا يدل على أن المستحبَّ للساعي أن يدعوَ لمعطي الزكاة، فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً. ١٢٤٩ - عن أبي هريرة أنَّه قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عُمرَ على الصَّدقةِ، فقيل: منعَ ابن جَميلٍ وخالدُ بن الوَليد والعبَّاسُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما ينقِمُ ابن جَميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسولُه؟، وأما خالدٌ فإنكم تَظلِمُونَ خالداً، قد احتبسَ أَدراعَهُ وأَعتُدَه في سبيلِ الله، وأما العبَّاسُ فهي عليَّ ومثلُها معها"، ثم قال: "يا عمرُ، أَمَا شَعرتَ أن عمَّ الرجلِ صِنْوُ أبيه". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عمر ﵁ على الصدقة"؛ أي: بعثه لأخذ الزكاة من أرباب الأموال. "فقيل"؛ أي: فجاء أحدٌ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: "منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس": وهو عباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﵊؛ أي: منع هؤلاء الثلاثة الزكاة؛ أي: لم يؤدوها.

стр. 943

"فقال رسول الله صلى الله لعالرو عليه وسلم: ما ينقَم": بفتح القاف وكسرها؛ أي: ما يغضب. "ابن جميل": على طالب الصدقة. "إلا": كفران هذه النعمة، وهي "أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله": أسند ﷺ الإغناء إلى نفسه أيضاً؛ لأنه ﵊ كان سبباً لدخوله في الإسلام ووجدان الغنيمة. وهذا مذمةٌ منه ﵊ لابن جميل حيث قابل شكر نعمة الله عليه بالكفران. "وأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالداً": بمطالبتكم إياه ما لا يلزمه، وحاله فإنه "قد احتبس أدراعه": جمع درع. "وأعتده": جمع عَتاد - بالفتح - وهو: ما يُعدُّ من الدواب وآلة الحرب؛ أي: جعلها وقفاً. "في سبيل الله": فلا يلزمه في ذلك زكاة، وهذا اعتذارٌ منه ﵊ لخالد. وفيه دليل على جواز احتباس آلات الحرب حتى الخيل والإبل والثياب والبسط، وعلى جواز وقف المنقولات، كما قال به محمد، وعلى أنه يصح من غير إخراجه من يد الواقف. "وأما العباس؛ فهي عليَّ ومثلها معها": قيل: هذا إنشاء في التزام الزكاة عن العباس بأن يكون النبي ﵊ أخَّر صدقة العام المتقدم عنه إلى وقت يساره؛ لحاجته إليه، والتزم ﷺ إعطاءَ صدقة العام الذي طُولِب فيه والعام الذي قبله. "ثم قال ﵊: يا عمر! أما شعرت"؛ أي: أما علمت؟

стр. 944

الهمزة للاستفهام و (ما) للنفي. "أن عمَّ الرجل صنوُ أبيه"؛ أي: مثله، وهذا يؤيد معنى الإنشاء؛ لأنه وقع موقع التعليل لقوله ﷺ : "فهي علي". وقيل: معنى قوله ﷺ : "فهي علي" إخبار عما مضى، وهو أنه صلى الله تعالى عليه وسلم استسلف منه صدقة عامين؛ لما روي أنه ﵊ قال: "إنا تسلَّفنا من العباس صدقةَ عامين". وروي: "إنا تعجَّلنا"، ففيه دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلِّها. ١٢٥٠ - وعن أبي حمَيد السَّاعِدي قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأَزْد يقال له: ابن اللُّتْبيَّةِ على الصدقةِ، فلمَّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهديَ لي، فخطبَ النَّبيُّ ﷺ ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمَّا بعدُ، فإنِّي أَستعملُ رجالاً منكم على أُمورٍ ممَّا ولَاّني الله، فيأتي أحدُهم فيقولُ: هذا لكم، وهذه هديةٌ أُهديتْ لي، فهلَاّ جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمه فينظرَ أيُهدى له أم لا؟، والذي نفسي بيده لا يأخذُ أَحدٌ منه شيئاً إلا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُهُ على رقبَتِهِ، إنْ كان بَعيراً له رُغاءٌ، أو بقَرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ"، ثم رفَعَ يديه حتى رأَينا عُفْرَةَ إبطَيهِ فقال: "اللهم هل بَلَّغتُ؟ "، ثلاثًا. "وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ أنه قال: استعمل النبي ﵊ رجلاً من الأَزد": بفتح الهمزة: قبيلة من بطون قحطان. "يقال له: ابن اللُّتبية": اسمه عبد الله، ينسب إلى أمه ولم يُعرَف اسمها، و (اللُّتب) بالضم: بطن من العرب؛ أي: جعله عاملاً "على الصدقة، فلما قدم قال"؛ أي: الرجل لبعض ما معه من المال: "هذا لكم، وهذا أُهدي لي"؛ أي:

стр. 945

أعطانيه القوم هديةً. "فخطب النبي ﵊، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاني الله"؛ أي: جعلني فيه حاكماً. "فيأتي أحدهم فيقول: هذا لكم، وهذه هدية أُهديت لي، فهلا جلس"؛ أي: لِم لَم يجلس "في بيت أبيه أو بيت أمه فينظرَ": - بالنصب - جواباً لقوله: (فهلا جلس). "أيهدى له أم لا"؛ يعني: لا يجوز للعامل أن يقبل هدية؛ لأنه لا يعطيه أحد شيئا إلا لطمع أن يترك بعض زكاته، وهذا غير جائز. "والذي نفسي بيده! لا يأخذ أحدٌ منه"؛ أي: لا يسرق أحد من مال الزكاة "شيئاً، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان"؛ أي: المأخوذ "بعيراً له رُغاء" بضم الراء: صوت البعير. "أو بقرة لها خُوار" بضم الخاء: صوت البقرة. "أو شاة تيعر"؛ أي: تصيح؛ ليعلم أهل العرصات؛ ليكون أشهر في فضيحته. "ثم رفع ﷺ يديه حتى رأينا عُفرة إبطيه": بياض ليس بخالص أراد به: منبت الشعر من الإبطين؛ لمخالطة بياض الجلد سواد الشعر. "فقال: اللهم هل بلغت؟ "؛ أي: ما أمرتني بتبليغه أو حكم السرقة. "اللهم هل بلغت؟ ثلاثاً" كرر ذلك حجة عليهم، وتعظيماً لأمر السرقة، وحفظاً لهم في خواطرهم.

стр. 946

١٢٥١ - وقال: "مَن استعمَلْنَاهُ منكم على عمَلٍ، فَكَتَمَنا مَخِيطاً فما فوقَه؛ كانَ غُلُولاً يأتي به يومَ القيامةِ". "عن عدي بن عمير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من استعملناه منكم"؛ أي: جعلناه عاملاً على عمل. "فكتمنا"؛ أي أخفى عنا. "مِخيطًا" بكسر الميم: الإبرة. "فما فوقه"؛ أي: شيئاً فوق الإبرة في الصغر. "كان" ذلك الكتمانُ "غُلولاً"؛ أي خيانة. "يأتي به"؛ أي: بما غلَّ. "يوم القيامة": تفضيحاً له، وتعذيباً عليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وفي الحديث: تحريضٌ للعمال، على الأمانة وتحذير من الخيانة وإن كانت في شيء قليل. مِنَ الحِسَان: ١٢٥٢ - عن ابن عباس أنه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كَبُرَ ذلكَ على المسلمين فقالوا: يا نبيَّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابكَ هذه الآية، فقال: "إنَّه ما فرضَ الزكاةَ إلا ليُطَيِّبَ ما بقيَ من أموالِكم"، فكبَّر عمرُ، ثم قال: "أنه أُخبرُكم بخيرِ ما يَكْنِزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ، إذا نظرَ إليها تَسُرُّه، وإذا أمرَها أطاعَتْهُ، وإذا غَابَ عنها حَفِظَتْهُ".

стр. 947

"من الحسان": " عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كبُر": بضم الباء؛ أي: شق وعظم. "ذلك على المسلمين"؛ لأنهم حسبوا أنها تمنع جمع المال وضبطه؛ قل أو كثر. "فقالوا: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية"، فأشار ﵊ إلى أن المراد بالكنز: الامتناع عن أداء الواجب، لا الجمع والضبط مطلقاً. "فقال: إنه ما فرض الزكاة إلا ليطيب"؛ أي: ليطهرَ "ما بقي من أموالكم"؛ فإن من أدى ما وجب عليه من الزكاة فلا حرجَ في اقتناء ما بقي منها. "فَكَبَّر": بفتحات وتشديد الباء؛ أي: استبشر "عمر" برفع الإشكال وعدم الحرج المظنون في اقتناء الأموال إذا زكت؛ إذ الطباعُ رُكِز فيها حبُّ اقتنائها. وقال عمر: ما أُدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدَّ زكاته فهو الذي ذكر الله وإن كان على وجه الأرض. "ثم قال"؛ أي: النبي ﵊ لما رأى استبشارهم بذلك: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة" فإنها خير ما يدخره الرجل؛ لأن النفع فيها أكثر؛ لأنه "إذا نظر إليها سرته"؛ لحسنها وجمالها، ويحصل له منها تلذذ وكسر الشهوة ودفع الزنا، قال النبي ﵊: "من تزوج فقد حصّن ثلثي دينه". "وإذا أمرها" بأمر "أطاعته"، وخدمته. "وإذا غاب عنها حفظته"؛ أي: حفظت حقَّ زوجها من بُضعها، وإنعامه عليها، وكذا بيت زوجها وماله وأولاده، فهذه منافع كثيره ديناً ودنيا لا تحصل

стр. 948

من كنز غيرها، ولكن مثل هذه قليلة في زماننا. ١٢٥٣ - وقال: "سَيأتيكُم ركبٌ مُبَغَّضونَ، فإذا جاؤوكم فرحِّبوا بهم، فَخلُّوا بينَهم وبينَ ما يَبتغُون! فإنْ عَدَلُوا فلأِنفُسِهِم، وإنْ ظَلَمُوا فعليها، فأرضُوهم، فإنَّ تَمامَ زكاتِكم رِضاهُم، ولْيَدعوا لكُم". وفي روايةٍ: "أَرضُوا مُصَدِّقيكم"، قالوا: وإنْ ظلَمُونا يا رسولَ الله؟، قال: "أرضوا مصَدِّقيكم وإنْ ظُلِمتُم". "عن جابر بن عَتيكٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊: سيأتيكم ركب": جمع راكب. "مُبغَّضون": بفتح الغين المثقلة، المراد بهم: عمَّال الزكاة وسعاتها، سماهم بذلك لما في النفس من حبِّ المال وكراهة مفارقته، فهم مبغضون طبعاً لا شرعاً إن عدلوا، وإلا فمبغضون طبعاً وشرعاً. والمراد به: أن بعض العمال قد يكونون سيئي الخلق متكبرين، فأمرهم ﷺ بالصبر على سوء خلقهم، وبالترحيب بهم (١) وتعظيمهم بقوله: "فإذا جاؤكم فرحبوا بهم"؛ أي: قولوا لهم: مرحباً وأهلاً. "وخلُّوا بينهم وبين ما يبتغون"؛ أي: يطلبون، يعني: لا تمنعوهم وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفة السلطان. "فإن عدلوا": في أخذ الزكاة، "فلأنفسهم"؛ أي: فلهم الثواب. "وإن ظلموا": بأن أخذوا الزكاة أكثر مما وجب عَليكم، "فعليها"؛ أي:

стр. 949

فعلى أنفسهم إثمُ ذلك الظلم، ولكم الثواب بتحمل ظلمهم. "فأرضوهم؛ فإنَّ تمامَ زكاتكم رضاهم، ولْيَدعُوا"؛ أي السعاة لكم بالخير عند إرضائكم بإيفاء الزكاة. "وفي رواية: أرضوا مصدقيكم، قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم وإن ظُلِمتم". ١٢٥٤ - وقال بشيرُ بن الخَصَاصِية: قُلنا: إنَّ أهلَ الصدقةِ يعتدونَ علينا، أفنَكْتُم مِن أموالِنا بقدرِ ما يعتَدون علينا؟، فقال: "لا". "وقال بشير بن الخَصَاصيّة": وهي أم بشير، منسوبة إلى خصاصة: حي من الأزد. "قلنا للنبي ﵊: إن أهل الصدقة يعتدون علينا"؛ أي: يجاوزون الحد؛ يعني: يأخذون أكثر مما يجب علينا. "أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا، فقال: لا": وإنما لم يرخِّص لهم في ذلك؛ لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر، ولأنه لو رخَّص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم. ١٢٥٥ - وقال رسول الله ﷺ : "العاملُ على الصدقةِ بالحقِّ، كالغازي في سبيلِ الله حتى يرجعَ إلى بيتِهِ". "عن رافع بن خَديج أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العاملُ على الصدقة بالحق"؛ أي: العامل الذي لم يظلمُ أربابَ الأموال ولا يخون.

стр. 950

"كالغازي في سبيل الله": في الثواب، "حتى يرجعَ إلى بيته". ١٢٥٦ - وقال: "لا جَلَبَ، ولا جَنَب، ولا تُؤخَذ صدقاتُهم إلا في دُورِهم". "وعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا جَلَب": (الجَلَب): نزول العامل موضعاً بعيداً من أرباب الأموال، ويأمرهم أن يجمعوا مواشيهم عنده؛ ليأخذ زكاتهم، نُهي عن ذلك؛ لما فيه من المشقة عليه. "ولا جَنَب": (الجَنَب): التباعد، نُهي أرباب الأموال أن يبعدوا من مواضعهم المعهودة بحيث تكون مشقة على العامل في إتيانهم. "ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم"؛ أي: في منازلهم. ١٢٥٧ - وعن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن استفادَ مالاً فلا زكاةَ فيهِ حتى يَحولَ عليهِ الحَولُ"، والوقْف على ابن عمرَ أَصحُّ. "وعن ابن عمر، عن النبي ﵊ أنه قال: من استفاد مالاً فلا زكاةَ فيه حتى يحول عليه الحول"؛ يعني: من وجد مالاً وعنده نصابٌ من ذلك الجنس، مثل أن يكون له ثمانون شاة، ومضى عليها ستة أشهر، ثم حصل له واحد وأربعون شاة بالشّراء أو بالإرث أو غير ذلك، لا تجب عليه للأحد والأربعين حتى يتمَّ حولها من وقت الشراء أو الإرث؛ لأن المستفادَ لا يكون تبعاً للمال الموجود في ملكه، وبه قال الشافعي وأحمد.
следующие страницы →